|
كيف ستواجه سورية هذه
المسائل:
نلاحظ أن مسألة تحدي التنمية في
سورية يتم في إطار التحدي الذي يواجه
تنمية أي دولة في العالم وأية دولة
عربية، إنه يتم أيضاً في إطار التكتل
الإقليمي العربي وإطار التكتل
الإقليمي الشرق أوسطي، في هذه الجملة
من الالتباسات التي تتصف فيها هذه
المشاريع الإقليمية.
أين تقف سورية من هذه
المشاريع كيف تتخذ سورية مواقف
استراتيجية من هذه المشاريع؟
هل تقوم سورية بمبادرات من أجل تفعيل
التجارة الحرة العربية؟ وذلك
بالدعوة إلى استراتيجية الإنماء
الاقتصادي، الإنماء الصناعي
التضافري، هل تقوم سورية باتخاذ
مواقف استراتيجية من الشراكة
الأوربية المتوسطية؟.
إن المفاوضات الأوربية العربية بصفة عامة والمفاوضات الأوربية السورية بصفة خاصة تتصف بأنها مشدودة، فالأوربيون يدافعون عن مصالحهم الراهنة وبعض الاقتصاديين كتبوا بأن الشراكة الأوربية المتوسطية تندرج في إطار نقل المشاريع الملوثة للبيئة والمشاريع كثيفة الطاقة إلى دول الجنوب، ولكن الواقع ينفي ذلك، فالأوربيون يعارضون نقل الصناعات حتى الصناعات الملوثة للبيئة إلى المنطقة العربية وثمة 12 عاماً من المفاوضات العقيمة والمتعثرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوربي بشأن التعاون بينهما وبسبب اعتراض الأوربيين على صادرات الخليج العربي من مشتقات التفريغ والكيمياويات والألمونيوم هي السلع الوحيدة التي تتخصص فيها اقتصاديات الخليج، فإذا كان الموقف الأوربي يتصف بالمحافظة الشديدة لأن العلاقات الأوربية العربية تتمحور حول القطاعات التي نسميها بالقطاعات المأزومة والقطاعات التي هي مهددة في إطار الثورة العلمية والتقانية الجارية، هذه القطاعات جميعها مدعوة للتعويض باتجاه الموارد الصناعية الجديدة والصناعات القائمة على الرقائق الألكترونية.
فالمفاوضات الأوربية العربية تتصف بالعقم لأنها تأكل ما هو قائم، وهي تتناول الحاصلات الزراعية والسلع الصناعية التقليدية العربية فما هو موقف سورية من هذه المفاوضات؟ وماذا تريد سورية من التعاون الأوربي المتوسطي؟ ماذا تريد أن تحقق من تغير في بنيتها الصناعية وفي بنيتها الإنتاجية في صادراتها الصناعية بالاستفادة من العلاقات الأوربية المتوسطية، إن أي علاقة أوربية متوسطية تعطي أولوية لأوربا على غيرها من القوى الكبرى في العلاقات مع سورية، وبالتالي لابد أن يكون هناك مقابلاً لقاء هذه الأولوية. وهذا المقابل بتقديري ينبغي أن يكون تنازلات أوربية باتجاه تحديث التقانة، تحديث الصناعة، تحديث تجارة الصادرات السورية. وهذه الأمور تتطلب وضوح الرؤية الاستراتيجية لدى الجانب السوري، ماذا تريد سورية أن تصدر؟ بماذا تتخصص سورية بعد عقدين من الزمن؟ أعتقد أن هذه الأسئلة تحتاج إلى توضيح، هل تواصل سورية تخصصها الحالي؟ وهل هذا التخصص يتيح لها قوة تفاوضية متعاظمة وقدرة تنافسية وقدرة على مواجهة المنافسة الدولية. هذا التخصص الحالي هو تخصص موروث من الماضي، وقد أصبح متقادماً مع ظهور قوى جديدة في السوق العالمية، بتقديري أننا نحتاج حقاً إلى المراجعة فيما يخص التخصص السوري. وإذا لم نقم نحن بالمراجعة وإذا لم نضع استراتيجية للتجديد التقاني والصناعي والتجاري السوري ونستفيد من هذه المفاوضات، فكيف ندخل إلى المفاوضات مع الأوربيين ونستفيد من هذه المفاوضات، أعتقد أن هذه النقطة مهمة ليس فقط لمفاوضات الشراكة الأوربية المتوسطية فحسب.
في فترة الحرب الباردة والاندماجات كانت تتميز بأنها إندماجات حمائية باستثناء صيغة اندماج الاتحاد الأوربي ولكن حتى المشروع الأوربي كانت له صفة حمائية غالبة، ومازالت له ملامح واضحة في الاستراتيجية الأوربية، التكتلات بصفة عادية في مرحلة الحرب الباردة كانت تكتلات حمائية، أما اليوم فإن توجه الدول المختلفة نحو ساسيات التحرير الاقتصادي الليبرالي والخصخصة واستراتيجيات التصدير أدى إلى إزالة التناقض بين استراتيجيات التكتل الإقليمي واستراتيجيات الاندماج في العولمة.
فهناك توافق بين فلسفة الاندماج الإقليمي مع هذا فإن التكتل الإقليمي يعطي مزايا أعلى، إذ يمكن الاندماج من خلال البعد القطري ومن خلال الدولة الواحدة، ولكن هذه الحقيقة غير مطلقة. فإذا كان الإقليمي متخلفاً برأي منطقة التجارة الحرة العربية، واندماجها في السوق العالمية يكون بحق وتمتلك إدارة سياسية في العمل والتنفيذ، إذا كان في الدولة فيما تريد أن تحقق من علاقات استراتيجية فعندها يكون التعاون على مستوى دولة واحدة أكثر نجاعة فالعمل القطري يغني عن العمل الإقليمي، فمازلت أعتقد أن نجعل من هذا الاندماج مسألة ملحة ومصيرية من أجل تعزيز فرص العرب في دخول عصر العولمة.