التنمية في سورية
وتحديات الاندماج الاقتصادي
الإقليمي
في إطار العولمة
الدكتور عصام الزعيم
الدكتور كمال شرف:
أرحب بكم باسمي وباسم جمعية العلوم
الاقتصادية أجمل ترحيب متمنياً لكم
عاماً طيباً يحمل لبلدنا وشعبنا
الخير والتقدم، والصحة والنجاح
لرئيسنا المناضل حافظ الأسد.
ولا يفوتني أن أرحب بالسيدة الدكتورة
نجاح العطار وزيرة الثقافة والأستاذ
الدكتور محمد العمادي وزير الاقتصاد
والتجارة الخارجية على تكرمهما
بحضور الندوة الافتتاحية لموسمنا
الثقافي لهذا العام، وأن أعبر لهما
عن بالغ التقدير لمشاركتهم الثمينة
ولما يمكن أن تتيحه من فرصة للحوار
والإثراء.
أيها الحضور الكريم:
ونحن على أبواب عام جديد لابد أن نلحظ
التحديات التي تواجه شعبنا، واقصد
التحديات الاقتصادية المحلية
والإقليمية والدولية، والتي تتطلب
تضافر جهودنا جميعاً وجهود العاملين
في القطاعين الاقتصادي والأكاديمي
بهدف بلورة العديد من القضايا وتقديم
تصورات للإدارة الاقتصادية التي
نأمل أن يتسع صدرها لنا، فالوطن
يحتاج إلى جهد الجميع ولا يمكن بناؤه
إلا بمشاركة الجميع.
إن جمعية العلوم الاقتصادية ومنذ
تأسيسها تعاملت بمصداقية كاملة مع
الموضوعات والقضايا التي كانت
تناقشها، وكان الصدر يتسع دائماً
للنقاشات والحوارات الجادة وكان
الجميع يستمتع بالمناخ الديمقراطي
الرائع وكان شعارنا أن الكلمة
الصادقة هي الباقية وما كان النفاق
إلا هجاء ضمني.
أيها الحضور الكريم:
لقد اخترنا هذا العام لندوة الثلاثاء
الاقتصادية محور الاقتصاد السوري
على عتبة القرن الحادي والعشرين (قضايا
تنتظر الحل) وتم اختيار الموضوعات
حسب توافر المحاضرين وليس حسب أهمية
الموضوعات، ونبدأ اليوم بمحاضرة
للدكتور عصام الزعيم وهو الاقتصادي
السوري المعروف الذي غاب عن الوطن
منذ عام 1959 للدراسة في فرنسا وأمضى ما
ينوف عن أربعة عقود في المغترب، تارة
في العمل بمنظمات الأمم المتحدة
وتارة في التدريس في الجامعات
الأوربية والأمريكية، وهو الآن في
إحدى جامعات المكسيك محاضراً لطلاب
الدراسات العليا، وقد رغبنا أن نبدأ
موسمنا الثقافي هذا بمحاضرة للدكتور
الزعيم وهي حول: «التنمية في سورية
وتحديات الاندماج الاقتصادي
الإقليمي في إطار تحديات العولمة»
فليتفضل:
الدكتور عصام الزعيم:
أشكر بداية الدكتور
كمال شرف رئيس جمعية العلوم
الاقتصادية أولاً لتفضله بدعوتي في
بدء الموسم الثقافي للجمعية لمحاضرة
اليوم وثانياً على إعطائي الفرصة
بالتوجه إلى السادة الحاضرين الذين
شرفوني بحضورهم ووضعوني أمام التحدي
اليومي وأنا أنوي أن أتناول بشكل خاص
مسائل الاندماج الإقليمي في إطار
العولمة، وكم يشكل ذلك تحدياً
للتنمية في سورية.
سيصعب علي بلا جدال أن أتناول بالعمق
مسائل التنمية في سورية ومسائل
الاندماج الإقليمي ومسائل العولمة،
لكنني أستهدف من انطلاقي من مسألة
التنمية أن أنظر في إشكاليات
الاندماج الإقليمي المطروحة على
سورية وعلى الوطن العربي.
لا أحتاج إلى التوقف طويلاً عند خصائص الوضع الراهن، وأعتقد أن ثمة اتفاق بين الاقتصاديين والمعنيين حول مشاكل التنمية في سورية، فسورية تعاني كما تعلمون عدداً من المصاعب تتعلق بضعف النمو الاقتصادي، وبالهوة بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني وبتدهور القوة الشرائية لدى العاملين بأجر، وضعف التراكم الداخلي، وندرة أو شح التمويل الخارجي للتنمية، وبهذا نلاحظ انخفاضاً في الاستثمار الإجمالي، وانخفاضاً في الاستثمار الحكومي بالمقارنة مع ما كان عليه الاستثمار قبل عقد مضى، وثمة حاجة ماسة لتحديد العملية الاقتصادية وبنية سياسات، ولست في هذا بمجتهد منفرد، وإنما هناك رأي عام باعتقادي يقوم على ضرورة مراجعة الواقع القائم، وسبر أسباب علله، وسبر وسائل التغيير ومناهيه، فالاقتصاد السوري يواجه استحقاقات خطيرة الشأن أهمها استحقاقات تحرير التجارة في نهاية العقد الجديد، في العقد الأول من الألفية الميلادية الثالثة، سيكون هناك استحقاق الشراكة الأوربية المتوسطية، وقبله بعامين سيكون هناك استحقاق منطقة التجارة العربية الحرة، ويضاف ذلك الاستحقاق الملح الذي لم نأبه به كفاية وهو المشروع الذي جاء بإلهام أمريكي إسرائيلي وروجت له الولايات المتحدة وأقرت به صاغرة على نحو كل من دول الاتحاد الأوربي واليابان، هذه الاستحقاقات تضع الاقتصاد السوري في مواجهة تحديات جمة تحتاج إلى سياسات فعالة لرفع القدرة التنافسية للاقتصاد السوري والصناعة السورية، ورفع الكفاءة لدى العاملين وما وجهة هذه التحديات، ولا أريد هنا أن أتوقف عند هذه النقطة وإنما أقول أن هذه الاستحقاقات راهنة ويضاف إليها استحقاق المفاوضات السورية الإسرائيلية والتي قد تؤدي إلى مزيد من التحديات الملحة أمام سورية.
بادئ ذي بدء ثمة
ثلاثة مشاريع للاندماج الإقليمي وهي:
مشروع التجارة الحرة العربية. ومشروع
الشراكة الأوربية المتوسطية. ومشروع
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتعاون
الاقتصادي.
ثمة قاسم مشترك بين هذه المشاريع وهو التجارة الحرة أو تحرير التجارة، وتتصف جميع هذه المشاريع بأنها تقوم على التجارة الحرة، وبالتالي نحن أمام تحدي تحرير التجارة بالمضمون أو بالإطار الإقليمي وليس فقط بعلاقات سورية الثنائية على المستوى الدولي، ومن الواضح أن تحرير التجارة في المنطقة العربية يعني أيضاً تحدي للاقتصاديات السورة والصناعات السورية عبر الشركات الأجنبية المتواجدة في الأقطار العربية الأخرى التي لها صفة محلية من حيث وضعها القانوني، وحتى الآن فإن هذه الاتفاقية قد ضمت 14 دولة عربية وجاءت موريتانيا لتنضم إليها أخيراً، وبذلك أصبح عدد الدول العربية المنظمة لمنظمة تحرير التجارة العربية 15 دولة، وقد تقدمت هذه الاتفاقية على نحو مرضي، ولكنني أود أن أطرح سؤال أساسي حول غاية هذه الاتفاقية ومدى نجاعتها في مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة العربية.
لقد سبق للدول
العربية أن قامت بمسعى للاندماج
الاقتصادي في إطار السوق العربية
المشتركة، وانضمت دولاً عديدة لهذه
الاتفاقية، غير أن هذه الاتفاقية
حاكت النموذج الأوربي نموذج
الاندماج من خلال التبادل، الاندماج
من خلال التجارة، وهو نموذج يقوم على
فكرة تنشيط التبادل بين دول تتميز
اقتصادياتها بالتنوع والتطور،
وتتوفر فرص التبادل بينها فيما يخص
المنتجات، غير أن هذا لا ينطبق
بداهية على الدول العربية. فالدول
العربية تتميز اقتصادياتها بأنها
اقتصادات منتجة للمواد الخام ولمواد
شبه المصنعة الأولية التي تتماثل
بمعظمها، وبالتالي ليس ثمة سلع
للتبادل، وهذا ما يفسر التأكيد
المتواصل في كل الأدبيات الاقتصادية
العربية على صعوبة أن لم نقل استحالة
توسيع التجارة العربية، ويذهب إلى
الحد من التجارة العربية الحرة. ولست
هنا بصدد نقد التجارة العربية الحرة
بالمعنى المطلق، ولكنني أعتقد
باجتهادي الشخصي بالظن بأن هذا
المفصل لكي يتيح تحقيق الوحدة
والتنمية العربية فلابد من محرك
للتنمية، ولابد من محرك للنمو، ولابد
من محفز للتبادل، وهذا لايمكن أن
يكون وعاء التبادل الحر، وإنما يكون
الاستثمار الإنمائي المتضافر
المتكامل بين الأقطار العربية، وهذه
المسألة غائبة في الإستراتيجيات
العربية الحالية، وبالتالي فإنني
أعتقد أن هذا المشروع لا يمكن أن يحقق
غايات ينشدها العرب إلا إذا دعم
باستراتيجية عربية تهدف إلى تنشيط
الاستثمار وتعزيز الاستثمار
المتكامل بين الدول العربية.
وهذا التعزيز لا يمكن أن يأخذ بعين
الاعتبار التوجه العام للاقتصاد
العربي وهو التصدير، والانفتاح على
التجارة العالمية، وما يميز هذه
الاتفاقية أنها تضم دولاً عربية ليس
إلا، إذ ليست هناك دول أخرى منظمة إلى
هذه الاتفاقية، وبالتالي فإن هذه
الاتفاقية تتصف بحد أدنى من التجانس
السياسي والثقافي القومي، الأمر
الذي يختلف عن المشروعين الآخرين.
المشروع الثاني هو مشروع الشراكة
الأوربية المتوسطية، والمشروع
الثالث هو كما ذكرت الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للتعاون الاقتصادي،
وقبل أن أخوض في المشروعين أود أن
أعود إلى مسألة العولمة.
الاندماج الجاري في عملية العولمة يتم في إحدى قناتين القناة الأولى هي القناة القطرية، قناة الدولة نفسها، وبهذا يكون مثلاً اندماج الاقتصاد السوري عبر علاقاته الثنائية بالاقتصاد العالمي، أما القناة الثانية للاندماج بمجمله فيتم من خلال التكتل أو التجمع الإقليمي، وإذا كانت الدول العربية قد أخذت بالإصلاح الاقتصادي في معظمها إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من أن تحقق نمواً ذا شأن في معظمها، إن معظم هذه الدول العربية التي قامت بإصلاحات اقتصادية باشراك وإشراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تتمكن حتى الآن عن إطلاق عملية نمو فعال بعد إصلاح هياكلها الاقتصادية وتغيير سياساتها، وتلك مسألة مهمة بالنسبة للتنمية العربية.
وفي الحالة السورية
فإن سورية كما تعلمون لم تأخذ بهذا
المدخل، ورفضت أن تقوم بإصلاحات تم
إملائها عليها من الخارج، ولكنها
تواجه مهام الإصلاح والتجديد
الاقتصادي وإعادة النظر في
تخصصاتها، ويمكن القول بأن الاندماج
الإقليمي يعطي عدداً من المزايا، فهو
من جهة يرشد النمو القطري ويعطي
فرصاً لتعظيمه، وهو من جهة ثانية
يعزز فرص الاستقلال النسبي.
لا يمكن لأي بلد من البلدان ولا لأي
منطقة من المناطق، كما يشهد الواقع
الحي، أن يقوم بالانعزال عن العالم.
لم يعد هنا من شك بأن أي بلد لا يستطيع
أن يعيش بمعزل عن العالم، حتى الصين
التي تشكل بعداً اقتصادياً قادراً
على الاستقلال النسبي فإنها مندمجة
في عملية العولمة. كذلك يعظم
الاندماج الإقليمي القوة التفاوضية،
ويشهد على ذلك الاتحاد الأوربي الذي
يفاوض العرب ويفاوض الجهات الأخرى
كجهة واحدة مما يعطيه قوة تفاوضية
أعلى من القوة التفاوضية للدول
العربية منفردة، أما أنماط الاندماج
الإقليمي فهي متباينة، فهناك نموذج
من الاندماج بين الدول المتطور
كالاتحاد الأوروبي.
ويتميز هذا النموذج
أنه يتم بين دولة متطورة صناعياً
وتقنياً، وهي مندمجة أصلاً في
اقتصاديات السوق العالمية، وهناك
اندماج بين دول متطورة آخذة باقتصاد
السوق ودول نامية دخلت حديثاً اقتصاد
السوق ولعل أفضل مثال هو اتفاقية
التجارة الحرة الأمريكية (نافتا)
التي تضم الولايات المتحدة
الأمريكية وكندا والمكسيك، وهناك
اتفاقاً يضم دولاً متباينة أنماط
التطور، فيها دول متطورة كاليابان
والولايات المتحدة ودول متخلفة
للغاية كدول حوض الباسينكي وغينيا
الجديدة، ودول تقع في الموقع الوسط
بين المجموعة الأولى والمجموعة
الثانية، التعاون الاقتصادي
الباسينكي يقوم على اندماج دول
متباينة مستويات التطور ولكنها تأخذ
بتحرير التجارة. وأخيراً هناك
الاندماج بين الدول النامية، وفيها
يدخل مشروع الاندماج العربي، ونلاحظ
هنا أن مشاريع الاندماج والصيغ
الاندماجية التي أشرت إليها تتميز
كلها بالجمع بين تحرير التجارة
وتنشيط الاستثمار وتحرير الاستثمار
عبر الدول المنضوية تحت الاتحاد.
وليس هناك من تجمع يقتصر على تحرير
التجارة إلا التجمع العربي، أما
التجمعات الأخرى فإنها تجمع بين
تحرير التجارة وتحرير الاستثمار بين
الدول المنظمة إلى الكتلة، وفيما يخص
الاندماج العربي نلاحظ أن هناك
عملياً ثلاث أنماط من الاندماج في
الاقتصاد العالمي في عملية العولمة،
النمط الأول هو الاندماج القطري
الثنائي العلاقة بين الدولة القطرية
العربية والعالم الخارجي، النموذج
الثاني هو الاندماج المتجانس بين
الدول العربية كمدخل للاندماج في
عملية العولمة، والنموذج الثالث هو
ما سميته النموذج المؤجل الذي يجمع
بين الاندماج المتجانس العربي
والاندماج غير المتجانس، ويدخل هنا
حالة الشراكة الأوربية المتوسطية،
ومشروع التعاون الاقتصادي للشرق
الأوسط وشمال أفريقيا، هذه الأنماط
الثلاث تشكل الإطار العام للدخول إلى
العولمة بالنسبة للاقتصاديات
العربية الحالية.
كل دولة عربية الآن تواجه مسألة
العولمة من خلال الاندماج المباشر
كدولة قطرية ومن خلال المجموعة
العربية كمشروع التجارة الحرة
العربية ومن خلال المشروعين الأوربي
والمتوسطي ومشروع الشرق الأوسط.
لابد أن نلاحظ هنا أن المشروع الأوربي المتوسطي، يقوم على أساس موقف أوربي مختلف عما كان عليه خلال الحرب الباردة، الموقف الحالي يؤكد ولاء أوربا للأطلسية، وولاء أوربا للقيادة الأمريكية وبالعودة إلى الأدبيات الأوربية الجديدة نلاحظ إشارة واضحة أن أوربا تقوم وتطبق سياسات في المنطقة العربية مثلاً آخذة بعين الاعتبار أولوية الموقف الأمريكي، وأهمية التضافر الأطلسي الأمريكي، وهذا أمر هام يستحق الانتباه لأننا كثيراً ما تظن أو ننساق وراء اعتقاد أن أوربا تتخذ موقفاً مستقلاً، وفي اعتقادي أن الموقف الأوربي استراتيجياً هو موقف يندرج في الإطار الأطلسي.
إذا كان تحرير التجارة قاسماً مشتركاً بين المشاريع الإقليمية الثلاث، فإن المقارنة لتطبيع الاقتصادين العربي والإسرائيلي لدى مشروع الشراكة الأوربية المتوسطية، ومشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو ما يميز المشروعين، مشروع التجارة العربية الحرة، ومشروع الشراكة الأوربية المتوسطية، دعوة غير مباشرة لتحري التبادل الاقتصادي بين الدول العربية والكيان الإسرائيلي/ أما في حالة مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فهناك ضغط سياسي باتجاه التعاون الاقتصادي، الشراكة الأوربية المتوسطية تجعل كما نقول تحصيل حاصل إقامة علاقات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية فيما يخص التعاون التجاري والتبادل الاقتصادي أما بالنسبة لمشروع الأوسط وشمال أفريقيا فإن هناك قناعة أمريكية قائمة على انه إذا تعثرت مفاوضات السلام فيمكن الضغط باتجاه السلام من خلال فرض التعاون الاقتصادي، فالتعاون الاقتصادي لا يكون نتيجة الاتفاق على صيغة للسلام، وإن تسوية النزاع العربي الإسرائيلي إنما هو وسيلة لتحقيق هذه التسوية وتحقيق السلام. وبهذا المعنى فإن مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتعاون الإقليمي هو مشروع يقوم على الافتعال بينما المسائل الاقتصادية السياسية الأساسية لم يجري حلها بعد. وفي هذا الإطار نجد أن سورية تقع في موقع متميز، وهذا التميز يعود برأي إلى موقع سورية الجغرافي، وإلى مجاورتها الكيان الإسرائيلي، فلسطين تقع في موقع قلب الوطن العربي جغرافياً، هي همزة الوصل بين المشرق العربي وبين المغرب العربي والخليج العربي، لذلك فعندما تقوم الدولة الإسرائيلية بدور مركزي في مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتعاون الإقليمي فإن سورية تواجه هذا الأمر بصفة شاملة، تواجه دولاً مجاورة لإسرائيل باعتبارها أيضاً جزء من المجموعة العربية، مشروع الشرق الأوسط للتعاون الاقتصادي هو مشروع يؤكد على دور إسرائيل المركزي، وفحوى هذا المشروع يرتكز على إقامة مثلث اقتصادي يقوم على الكيان الفلسطيني والأردن والدولة الإسرائيلية، وهذا المثلث أعطي هذه الأهمية في أعقاب دراسة أعدها فريق عمل عام 1996 في جامعة هارفرد بإشراف أمريكي، وقام بتنفيذ هذه الدراسة فريق من الخبراء الإسرائيليين الأردنيين الفلسطينيين في ذلك الوقت، ونتج عن المشروع تطبيقه الأول من اتفاقيات أوسلو عام 1993، وبالتالي فإن هذا المشروع يقوم على إعطاء دور لإسرائيل في الربط المستقبلي بين اقتصاديات المنطقة العربية أو الوطن العربي، فالطرق البرية وأنابيب الطاقة والتبادل الصناعي والمشاريع المستقبلية لتتمحور كلها حول هذا المثلث، ونجد فعلاً في وثائق قمم مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأكيد لدور المثلث في تحقيق مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وثمة ملاحظة وهي أن هذا المشروع لم يلقى الاهتمام الكافي حتى الآن، لقد عقدت القمة الأولى في الرباط عام 1994، تلتها ثمة ثنائية في عمان 1995، وثالثة في القاهرة عام 1996 ثم رابعة في الدوحة عام 1997.
ويدل نصيب هذه القمم في النجاح على حساسية العلاقات بين مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية وتقدم هذا المشروع فكلما كان هناك تقدم في العملية السياسية في إطار المفاوضات جرى تنظيم هذه القمم، وعندما تعثرت المفاوضات مع نتنياهو فشلت قمة الدوحة، واليوم مع استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، والسورية ـ الإسرائيلية، فإن مصر دعت إلى قمة جديدة تعقد في القاهرة في الشهرين القادمين، وإن هذه القمة ستضع الدول العربية التي عارضت هذه القمم وتعارض المشروع، والقوى غير السياسية التي عارضت هذه القمم، هذا موقف معارض للتطبيع الاقتصادي بين الكيان الإسرائيلي والدول العربية. وقد انضم إليها اتحاد غرف التجارة العربية والزراعة في دول الخليج العربي مع اتحادات مهنية للقطاع الخاص، كما أن دولاً عربية على رأسها سورية قد عارضت هذه القمم لم تشارك فيها.
والسؤال الذي يطرح ما
هو الموقف من القمة المقبلة وما
سيتلوها. إذا تواصلت المفاوضات فإن
الضغط الأمريكي باتجاه تنفيذ هذا
المشروع سيزداد. كما تعلمون أن
الولايات المتحدة لعبت وتلعب دوراً
كبيراً في فرض هذا المشروع، وعندما
طرح المشروع واجهه الأوروبيون بشيء
من البرود، وظل هذا الأمر واضحاً
عندما طرحت فكرة إنشاء بنك إقليمي
لتمويل المشاريع الواردة في إطاره،
وقد تحفظ الاتحاد الأوربي كما تحفظ
العرب عليه.
وكان التحفظ العربي الرسمي يقوم على
أساس أن هناك مؤسسات إقليمية عربية
قائمة تستطيع أن تقوم بتمويل مشاريع
التنمية، وكان التحفظ الأوربي
مقترناً بالتحفظ على تعاظم الدور
الأمريكي في إطار هذا المشروع ولكن
بالنتيجة فإن مشروع البنك قد أخفق
إلا أن المشروع يطرح علينا مسألة
موقف سورية من هذه المسائل.
كيف ستواجه سورية هذه
المسائل:
نلاحظ أن مسألة تحدي التنمية في
سورية يتم في إطار التحدي الذي يواجه
تنمية أي دولة في العالم وأية دولة
عربية، إنه يتم أيضاً في إطار التكتل
الإقليمي العربي وإطار التكتل
الإقليمي الشرق أوسطي، في هذه الجملة
من الالتباسات التي تتصف فيها هذه
المشاريع الإقليمية.
أين تقف سورية من هذه
المشاريع كيف تتخذ سورية مواقف
استراتيجية من هذه المشاريع؟
هل تقوم سورية بمبادرات من أجل تفعيل
التجارة الحرة العربية؟ وذلك
بالدعوة إلى استراتيجية الإنماء
الاقتصادي، الإنماء الصناعي
التضافري، هل تقوم سورية باتخاذ
مواقف استراتيجية من الشراكة
الأوربية المتوسطية؟.
إن المفاوضات الأوربية العربية بصفة عامة والمفاوضات الأوربية السورية بصفة خاصة تتصف بأنها مشدودة، فالأوربيون يدافعون عن مصالحهم الراهنة وبعض الاقتصاديين كتبوا بأن الشراكة الأوربية المتوسطية تندرج في إطار نقل المشاريع الملوثة للبيئة والمشاريع كثيفة الطاقة إلى دول الجنوب، ولكن الواقع ينفي ذلك، فالأوربيون يعارضون نقل الصناعات حتى الصناعات الملوثة للبيئة إلى المنطقة العربية وثمة 12 عاماً من المفاوضات العقيمة والمتعثرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوربي بشأن التعاون بينهما وبسبب اعتراض الأوربيين على صادرات الخليج العربي من مشتقات التفريغ والكيمياويات والألمونيوم هي السلع الوحيدة التي تتخصص فيها اقتصاديات الخليج، فإذا كان الموقف الأوربي يتصف بالمحافظة الشديدة لأن العلاقات الأوربية العربية تتمحور حول القطاعات التي نسميها بالقطاعات المأزومة والقطاعات التي هي مهددة في إطار الثورة العلمية والتقانية الجارية، هذه القطاعات جميعها مدعوة للتعويض باتجاه الموارد الصناعية الجديدة والصناعات القائمة على الرقائق الألكترونية.
فالمفاوضات الأوربية العربية تتصف بالعقم لأنها تأكل ما هو قائم، وهي تتناول الحاصلات الزراعية والسلع الصناعية التقليدية العربية فما هو موقف سورية من هذه المفاوضات؟ وماذا تريد سورية من التعاون الأوربي المتوسطي؟ ماذا تريد أن تحقق من تغير في بنيتها الصناعية وفي بنيتها الإنتاجية في صادراتها الصناعية بالاستفادة من العلاقات الأوربية المتوسطية، إن أي علاقة أوربية متوسطية تعطي أولوية لأوربا على غيرها من القوى الكبرى في العلاقات مع سورية، وبالتالي لابد أن يكون هناك مقابلاً لقاء هذه الأولوية. وهذا المقابل بتقديري ينبغي أن يكون تنازلات أوربية باتجاه تحديث التقانة، تحديث الصناعة، تحديث تجارة الصادرات السورية. وهذه الأمور تتطلب وضوح الرؤية الاستراتيجية لدى الجانب السوري، ماذا تريد سورية أن تصدر؟ بماذا تتخصص سورية بعد عقدين من الزمن؟ أعتقد أن هذه الأسئلة تحتاج إلى توضيح، هل تواصل سورية تخصصها الحالي؟ وهل هذا التخصص يتيح لها قوة تفاوضية متعاظمة وقدرة تنافسية وقدرة على مواجهة المنافسة الدولية. هذا التخصص الحالي هو تخصص موروث من الماضي، وقد أصبح متقادماً مع ظهور قوى جديدة في السوق العالمية، بتقديري أننا نحتاج حقاً إلى المراجعة فيما يخص التخصص السوري. وإذا لم نقم نحن بالمراجعة وإذا لم نضع استراتيجية للتجديد التقاني والصناعي والتجاري السوري ونستفيد من هذه المفاوضات، فكيف ندخل إلى المفاوضات مع الأوربيين ونستفيد من هذه المفاوضات، أعتقد أن هذه النقطة مهمة ليس فقط لمفاوضات الشراكة الأوربية المتوسطية فحسب.
في فترة الحرب الباردة والاندماجات كانت تتميز بأنها إندماجات حمائية باستثناء صيغة اندماج الاتحاد الأوربي ولكن حتى المشروع الأوربي كانت له صفة حمائية غالبة، ومازالت له ملامح واضحة في الاستراتيجية الأوربية، التكتلات بصفة عادية في مرحلة الحرب الباردة كانت تكتلات حمائية، أما اليوم فإن توجه الدول المختلفة نحو ساسيات التحرير الاقتصادي الليبرالي والخصخصة واستراتيجيات التصدير أدى إلى إزالة التناقض بين استراتيجيات التكتل الإقليمي واستراتيجيات الاندماج في العولمة.
فهناك توافق بين فلسفة الاندماج الإقليمي مع هذا فإن التكتل الإقليمي يعطي مزايا أعلى، إذ يمكن الاندماج من خلال البعد القطري ومن خلال الدولة الواحدة، ولكن هذه الحقيقة غير مطلقة. فإذا كان الإقليمي متخلفاً برأي منطقة التجارة الحرة العربية، واندماجها في السوق العالمية يكون بحق وتمتلك إدارة سياسية في العمل والتنفيذ، إذا كان في الدولة فيما تريد أن تحقق من علاقات استراتيجية فعندها يكون التعاون على مستوى دولة واحدة أكثر نجاعة فالعمل القطري يغني عن العمل الإقليمي، فمازلت أعتقد أن نجعل من هذا الاندماج مسألة ملحة ومصيرية من أجل تعزيز فرص العرب في دخول عصر العولمة.
رد الدكتور عصام الزعيم على المداخلات
شكراً للسادة الذين
تكرموا وأبدوا ملاحظاتهم
الانتقادية، بدءً من السيد الوزير
الأستاذ محمد العمادي.
أود الإشارة إلى أنني حرصت أن أعطي
إطاراً عاماً للنقاش ولم أستهدف أن
أدخل في محاضرة مفصلة ولو أنني فعلت
لما تمكنتم أن تأخذوا مثلما أخذتم من
الوقت في المناقشة، وقد أردت أن لا
أركز على قضايا التنمية في سورية
لاعتقاد مني بأنها أكثر من واضحة
لديكم ولهذا أردت أن أركز على ما يبدو
لي قضايا هي قليلة المراجعة أو
المسائلة وهي قضايا الاندماج
الإقليمي هنا، وألاحظ أن النقاشات
قلما تناولت تحديات الاندماج
الإقليمي وبخاصة المشروع الشرق
أوسطي.
أجد أن هناك أهداف متعددة رداً على الأستاذ عبد الوهاب المصري لـ الشراكة الأوربية المتوسطية، هناك أهداف اقتصادية وهناك أهداف استراتيجية وهناك أهداف ثقافية وهناك أهداف اجتماعية وأنا متفق معه في هذه المسألة، الواقع أن النفط أنزل عن مفاوضات الشراكة وهو دليل آخر على أن الأوروبيين يريدون أن يفاوضوا العرب من موقع الضعف، مثلما يشكل التفاوض مع أطراف التفاوض العربي مجتمعة إفرادياً إضعافاً لشروط التفاوض العربي فيما يخص كما تفضل د. كمال شرف أن التنمية في سورية تواجه تحديات حقيقية، وأتناول بشيء من التفصيل ما تفضل به الدكتور العمادي.
أعتقد من جانبي أن هناك مشاكل حقيقية في الاقتصاد السوري وأنها تحتاج إلى معالجة جادة وملحة ومهما اختلفنا حول الأرقام، فإنه من المؤكد أن هناك أزمة الاستثمار الذي تحقق في سنوات التسعين لم يتم في مناحي قطاعية تساعد على تعزيز مواقع سورية في الاقتصاد الدولي وقد ذهب أساساً إلى قطاع غير إنتاجي القطاع الأول المتحقق على قانون الاستثمار رقم (10) كان قطاع النقل وهو في الواقع ليس استثماراً انتاجياً، استثماراً إنمائياً، والاستثمار الحكومي يميل إلى التراجع وهذا يعود في تقديري أساساً إلى أن التنمية في سورية اعتمدت على التمويل الخارجي والتمويل الخارجي كان مصدر التمويل الرئيسي في سورية، والتحدي الذي تواجهه سورية والتي نواجهه جميعاً، هو أن نعيد تنظيم الاقتصاد وتنظيم الإدارة الاقتصادية على نحو يسمح لنا بأن نحقق التراكم الداخلي في سورية تملك الإمكانات الاقتصادية لتحقيق التراكم الداخلي، تحقيق تمويل داخلي لتمويل الاستثمار الداخلي وهي لا تحتاج احتياجاً هاماً للتمويل الخارجي ولو أحسنت استخدام مواردها الداخلية ولكن نمط الاستثمار ونمط الإدارة الاقتصادية لا يساعدان على تحقيق التراكم إضافة إلى التوسع المفرط الاستهلاك، نلاحظ هنا أن الاقتصاد لم يتجدد تقانياً بصورة جدية وبصورة شاملة، فقد حدث توسع في عدد من الصناعات القائمة وتحدد في عدد من الصناعات الأخرى ولكن بالإجمال ليس هناك توسع في الصناعات التي تستطيع أن تحفز النمو وأن تحسن من القوة التفاوضية للاقتصاد السوري، فأقل توسع حصل في القطاع الذي يعتمد أقل ما يمكن على التقانة والذي يعتمد على الكفاءة البشرية وهذا محور بعيد في التنمية السورية. والمحور الوحيد الذي يؤهل سورية لتحسين قوتها التفاوضية، ونعتقد أن الدلائل عديدة على أزمة التنمية في سورية، فعندما تنحدر القدرة الشرائية للناس فإن هذا يؤثر وينعكس على قدرة الصناعة في تصريف منتجاتها داخل السوق الوطنية وعندما ينحدر الاستهلاك الداخلي والقدرة الشرائية فإن الظروف المعاشية والصحية للناس تتدهور، وهذا أمر واقع في سورية، كما تعجز الدولة عند توظيف الأعداد المتدفقة من الشباب إلى سوق العمل في كل سنة، في كل سنة 200 ـ 250 ألف يحتاجون إلى وظائف عمل فهل تستطيع الدولة أن توفر لهم هذه الوظائف وعندما يعجز القطاع الخاص عن ذلك فنحن أمام مشكلة حقيقية، وهذا العجز يتراكم منذ سنوات عديدة ويصطحب هذا العجز نمط من التخلف في مستوى التأهيل المهني فهناك أكثر من مؤشر وأنا لست بصدد الدخول في تفاصيل هذه المسألة ولكنني أعتقد اعتقاداً جازماً أن هناك مشاكل ملحة تحتاج إلى معالجة وأن هذه المشاكل متعددة تتناول التراكم وتتناول نمط الاستثمار، نمط الإنتاج وتتناول نمط التصدير، كل هذه القضايا تحتاج إلى مراجعة، والدراسات ضعيفة، هناك من يتكلم عن السياسات، أنا أختلف مع الدكتور دليلة، ليست هناك سياسات متماسكة في سورية، هناك ممارسات وقوانين ولكن ليست هناك إستراتيجيات واضحة ومتماسكة وليست هناك سياسات طويلة أو متوسطة الأجل، وهذا يؤدي إلى غياب الوضوح الإستراتيجي.
(عندما تحدث) سأل أحد المعقبين حول مسألة التخصص.
أنا أعتقد أن سوريا قد تجاوزها الزمن، حتى تخصصها الراهن في النسيج وذلك يعود إلى سببين تعرفونهما جيداً، الأول أن سورية استسلمت للتصدير إلى السوق السوفيتية مما أدى إلى تدهور أنماط الإنتاج وجودة المنتجات نظراً للشروط التي كان يتم فيها التصدير، والثاني هو أن سورية كانت خارج السوق الدولية وهي لا تدري ماذا حصل من تغيرات في هذه السوق، فعندما دخل منتجون جدد وقاموا بتحقيق مكاسب حقيقية بالسوق الدولية دخلت دول عربية كتونس والمغرب ومصر ودخلت الهند وباكستان ودخلت جزر موروس ودخلت دول عديدة في الفترة التي كانت فيها الصناعة السورية مقفلة، لذلك هناك حاجة لمراجعة تخصص في صناعة النسيج الذي يعتبر هو التخصص الطبيعي في سورية، هذا يحتاج نفسه لمراجعة. وهناك حاجة أيضاً لاجتذاب تخصصات جديدة لا تبقي بلد على التخصص نفسه مع تغير الظروف الدولية ومع الثورة العلمية والتقنية وهذا لا يعطي من خلال جواب مرتجل لأن هذا يحتاج إلى ندوات جدية وتفصيلية وهذه الدراسات غير متوفرة.
أنا متفق تماماً مع تحدي المياه، وهو تحدي خطير وأعتقد أنه يستحق المزيد من الاهتمام من الزاويتين الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، وفيما يخص التكنولوجيا أيضاً لا نجد أي استراتيجية، ما هي أولويات سورية في تأهيل ميدان التقانة وما هي التقانة التي تصطنعها سورية من أجل أن تحقق تخصصاً ملائماً لها في نهاية العقد الجاري، هذه كلها أسئلة مفتوحة ولكن لست بصدد الإجابة عليها، هذا يحتاج إلى جهد جاد وعمل جاد وفرق عمل وهذا يحتاج إلى معرفة السوق العالمية.
وأعتقد أن إحدى المشاكل التي نواجهها كعرب إجمالاً هي معرفتنا بالسوق وربما صعب علينا كسوريين أكثر لأن معرفتنا بالعالم محدودة ونحن على هامش عملية العولمة، نحن مندمجون اندماجاً هامشياً في العولمة مندمجون عبر المواد الخام أساساً وعبر الاستيراد الاستهلاكي ولذلك نحن لا ندري ماذا يحدث في العالم من صراعات عبر المصالح الصناعية والتقانية والاتفاقات التسويات ونحن لاندري كفاية ما هي الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدول النامية التي نجحت في رفع قواها التفاوضية الدولية.
وجدت تقديم الدكتور العمادي لموضوع التعاون العربي والتجربة العربية تقديماً غنياً ومفيداً ولكن لو سمح لي فإن الانتقال إلى مدخل التجارة كان مدخلاً خاطئاً في تقديري لأنه اعتمد على مبالغة في تقديم دور التجارة في تحريض التكامل الاقتصادي والتنمية.
انتقل إلى المشاريع المشتركة، فالمشاريع المشتركة كانت مشاريع منتقاة في قطاعات محددة وبصفة أساسية كانت هناك مشاريع الشركات المرتبطة بمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول وهي مشاريع تتعلق بالنفط والبنية الارتكازية للنفط سواء أكانت الحوض الجاف بالبحرين، أو الناقلات وأي أنشطة أخرى مماثلة مرتبطة مسبقاً بصناعة النفط، وأما الشريك المنظمات العربية فهي لم تتجاوز عتبة معينة وكل هذه المبادرات قامت على مؤسسات وعلى منظمات ولم تندمج في استراتيجيات، وماذا نقصد بالاستراتيجيات، هي مجموعة من الأولويات تأخذ بعين الاعتبار مصالح أطراف معينة.
الأطراف المعينة من هي، الدولة المركزية كانت تحكم العربي وهذا اضعف التعاون العربي، القطاع الخاص كان مهمشاً بصفة عامة وكان هناك قطاع خاص له دور كبير في الدول العربية، ولكن في معظم الدول العربية كان القطاع الخاص مهمشاً، فعدم إدراك أهمية تحديد صيغة مواتية للعلاقة بين الدولة والقطاع العام، والعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والموالفة بين الدولة والقطاعين العام والخاص، هذا كان عائقاً أمام رؤية واضحة لكيفية تطوير التعاون الاقتصادي العربي، إقامة منظمات لم يؤدي إلى نتائج كبيرة وقد أعطيت إمكانات محدودة وبالنتيجة فإننا وجدنا بعض المشاريع تتحقق بالمنطقة العربية ولكنها لم تؤدي إلى توسع ولم تؤدي إلى التحفيز.
فيما يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي أنا أعتقد أن هذا مفهوم خام جداً، وفي ظروف العولمة الجديدة التخطيط الاستراتيجي يتخذ مضامين جديدة، البيئة العالمية الجديدة كما تعلمون بيئة معقدة، متنوعة، متحركة ومتغيرة باستمرار، وبالتالي فإن التخطيط الاستراتيجي هو تخطيط يعطي أولوية لمتابعة الرصد الدقيقة ويعطي أولوية للتحليل العاجل ويعطي أولوية للاستنتاج والتخطيط ثم القدرة على التأقلم وتعديل الخطط المرحلية ضمن منظور إجمالي، عندما نتحدث عن استراتيجيات نحتاج إلى رؤية مستقبلية للوطن العربي، ما هي صورة المستقبل العربي الاقتصادي، ما هو موقع العرب الاقتصادي العالمي بعد ربع قرن أو ثلاثين عاماً، إذا لم تتوفر لدينا هذه الرؤية التي نؤمن بها وننهجها، وإذا لم تتوفر الإرادة السياسية لبلورتها وتنفيذها، ولم تتوفر السياسات المؤاتية لتحقيقها عندئذٍ يبقى الحديث عن السياسات الاستراتيجية حديثاً تجريدياً، حقاً نحن لا نملك هذه الرؤية، وبهذا الإطار أود أن أشير تعقيباً على ما تفضل به الدكتور العمادي، لقد جئت إلى سورية عام 1990، وصفت بتكليف من الأمم المتحدة ووزارة الصناعة استراتيجية التعددية الاقتصادية والتنمية الصناعية وصرفت 6 أشهر تقريباً في إعداده مع فريق وطني محلي في وزارة الصناعة ولكن هذا التقرير على الرف ولم يجرِ تداوله على الإطلاق خلال كل السنوات الماضية وعندما جئت عام 1998 شاءت الصدف أن أكلف من جهة في الدولة بمشروع استشراف مستقبلي وأنا أعتبر أن التنمية الصناعية هامة فعلاً. ولكن هذه تندرج في إطار أعم أفقاً وأوسع حيزاً، يعني نحن بحاجة إلى الاستشراف المستقبلي وهذا الاستشراف ضروري جداً لسورية في ضوء التحديات نتصرف ونقدر خطورة هذه التحديات ومن ثم نضع رؤية مستقبلية، نحن بأمس الحاجة إليها، ومن هذا الإطار أيضاً التخطيط الصناعي مهم، ولكن المسألة في مرحلة الانعطافات الكبرى، في الاقتصاد العالمي التي تتجاوز مسألة التنمية تحتاج إلى تغيير ثوري في فهمنا للعملية الصناعية، نحتاج إلى مخصصات صناعية ليست متوفرة حالياً.
الدكتور أحمد دباس قال أنني سألت مرة لماذا نريد أن تتخصص سورية، حقاً نريد أن تتخصص سورية، لدي أفكار أولية، لدي أفكاري الشخصية، ولكنني أعتقد بأن المسألة تتجاوز الاجتهادات الفردية ونحتاج إلى عمل جاد لكي نستبين أي تخصص نحتاج إليه وأي تخصص يعطينا قوة تفاوضية مستقبلية وهذا لا يمكن البت به في غرف مغلقة نحن نحتاج إلى دراسة حقيقية في ظل البنية العالمية والإقليمية ومعرفتنا للبنية العالمية في تقديري محدود وما قيل في هذا الصدد وأنا متفق فيه تماماً معكم.
هل الوضع الاقتصادي يسمح بمواجهة العولمة سأل الدكتور كمال شرف؟.
أنا أعتقد أن هذا السؤال حيوي، الواقع الاقتصادي لا يسمح بمواجهة العولمة ولا يسمح بمواجهة التحديات الإقليمية لأن الواقع الاقتصادي يتسم بكثير من واقع الضعف، وهذا لا يعني استشهادي بما أنجز، أنا في اعتقادي أن سورية استفادت مما قدم لها من معونة في أعقاب حرب الخليج الثانية في بداية عقد التسعينات من أجل التوسع في الاستثمار والتنمية، واستفادت من اجتذاب رأس المال المغترب بصفة أساسية وإعطاء فرص للرأسمال الخاص في ظل القانون رقم (10)، وقد أتى هذا القانون بدون جدال بعدد من الفوائد ولكننا عندما نضع بالميزان النتائج نلاحظ أن هذا الاستثمار تباطأ وتناقص وهذا أمر لابد منه عندما لا يكون الاستثمار محكوماً إلا بإطار تحرير الاستثمار في اعتقادي أن تحرير الاستثمار ليس مسألة مالية إدارية تنظيمية بحتة مع إقراري بأن هذه المسألة بغاية الأهمية، وإن خلق بيئة مؤاتية للاستثمار مساعدة للاستثمار مسألة أساسية إلا أن هذا لا يكفي إذ لابد أن تندرج استراتيجية الاستثمار في استراتيجية صناعية وإنمائية أي عندما أعطي تسهيلات وحوافز للمستثمرين أعتقد أنه لا يجوز أن أنظر للمسألة كمسالة كما لو كانت أي استثمار يعطي نفس المزايا، لابد أن أعطي مزايا متزايدة ومزايا متناقصة وفقاً للفروع الصناعية والصناعات والأنشطة الاقتصادية التي يختارها المستثمر.
دور الدولة في غاية الأهمية في هذه المرحلة من المراحل المقبلة، تحتاج الدولة أن تتدخل من أجل تنشيط الاستثمار في قطاعات أو في فروع مجددة وعلى الدولة أن تردع الاستثمار عندما يحشد الاستثمار فيها فعلاً في قطاع النقل مثلاً فهنا لابد من ردع الاستثمار، بينما في قطاعات أخرى هناك حاجة إلى تحفيز الاستثمار من خلال حوافز أعلى بكثير، فإذاً سياسة تحرير الاستثمار أو إعطاء مزايا الاستثمار الخاص هذه جيدة ولكنها غير كافية، هناك حاجة لأن توضع في إطار أوسع من الإطار الصناعي والاقتصادي، يعني الصناعات والاستثمارات التي تؤدي إلى زيادة فرص العمل لها الأولوية على الاستثمارات التي لا تؤدي إلى زيادة فرص العمل، ليست الموارد التي تؤدي إلى تجديد التقانة في الاقتصاد السوري لها أولوية على الاستثمارات التي لا تؤدي إلى ذلك، الاستثمارات التي تجمع بين خلق فرص عمل جديدة وتجديد التقانة في الاقتصاد السوري يجب أني كون لها مزايا أعلى بكثير وهكذا مثل هذه السياسات لابد منها كي يكون الفعل الاقتصادي فعالاً وناجعاً وهذه السياسات يجب أن تكون مرنة لا بوضع القانون ويبقى كما هو جامداً، بل لابد أن يكون القانون متسماً بالمرونة بحيث يجري تعديل الأولويات تقوم الهيئة المعنية برصد تطور استثماري ثم تقوم بتعديل الأولويات والمزايا التي تعطي للاستثمار.
أعتقد أن السؤال حول
الانضمام لمنظمة التجارة الحرة
العالمية أعتقد أن الانضمام آتٍ لا
ريب فيه عاجلاً أم آجلاً ولكن
المسألة كيف يتم الانضمام وكيف تجري
التهيئة للانضمام، هذه ليست مسألة
تخص سورية وحدها، تخص سورية بالدرجة
الأولى ولكن هي تخص العرب وتخص الدول
النامية، وبمعنى آخر التفاوض
والدخول إلى المفاوضات الدولية يجب
أن لايكون مسألة قطرية كما فعلت عدة
دول عربية، يجب أن يكون أيضاً
الموضوع بالتضامن بين مجموعة دول من
أجل الحفاظ على مصالحها المشتركة،
إذا نظرنا إلى تحرير التجارة مثلاً
نجد بأن عدداً من الدول العربية انضم
إلى المنظمة هناك حاجة إلى إعداد
الانضمام لتحرير التجارة، المسألة
الأساسية لاعداد الانضمام فيما يخص
سورية ما قيل حول المصلحة القومية أو
المصلحة عضواً وليس الصداقة فأنا
أعتقد تماماً بأنني أتبنى وجهة القطر
هذه فالمسألة مسألة مصالح، وكل ما
أردت أن أقوله أن الجانب الأوربي
ليست لديه أسباب لكي يقدم تنازلات
كافية للجانب العربي وهذا أمر واقع
ولكن ربما كان بالإمكان أن يصعد
العرب من مطالبهم إذا استطاعوا أن
يجدوا أسباباً وأساليب لدفع قوتهم
التفاوضية يعني مثلاً الجانب
الأوروبي يتفق مع الجانب الأمريكي في
قضايا كثيرة ولكن يختلف معه في قضايا
أخرى، وحول الجانب العربي هناك نزاع،
وعندما نقول أن الأمريكان يهتمون
بالخليج العربي وأن الأوروبيين
يعطون الأولوية للمغرب العربي هذا
ليس صحيحاً الآن أمريكا لها مبادرة
في شمال المغرب العربي وتريد أن تقيم
علاقة متميزة مع دول المغرب العربي،
كانت هذه المبادرة في شهر تموز 1999،
لكن الشيء الأساسي هو أنه في
المفاوضات نستطيع نحن أن نتضامن في
المفاوضات يعني حتى وإن نرصد علينا
التفاوض الإفرادي نستطيع لو أمكن أن
يكون هناك لجان تنسيق عربي في
التفاوض يختلف الموضوع، لكن هذه
المسألة ليست مسألة أمنيات هناك واقع
سياسي أيضاً، أن لست متفقاً إطلاقاً
مع حول ما يقال عن مقومات الاقتصاد
السوري القوية، أنا أعتقد أن هذه
دلائل على ضعف الاقتصاد السوري وليس
من باب المصادفة أن ماليزيا التي
تكلم عنها الدكتور كمال شرف كانت في
عام 1980 تصدر 80% من موادها الخام/ وهي
الآن تصدر 81% عام 1998 سلع صناعية
تحويلية متطورة وأن سورية الآن تصدر
85% من صادراتها مواد خام وأن الصناعات
التحويلية دورها هامشي في الصادرات
السورية مما يعني أننا نخسر في
التبادل التجاري بالضرورة وهذه نقطة
ضعف أساسية في الاقتصاد السوري،
فالشيء الأساسي هو أ نصدر سلعاً ذات
قيمة مضافة وعلى هذا الأساس نكون
متفقون.
وشكراً
د. عصام الزعيم