![]() |
أين يكمن الفرق بين الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية
من جهة، وثورة المعلومات الراهنة من جهة أخرى ؟
إن المعضلة التي يمكن أن تخلق التناقض بين قوى العمل مع
ما يطرأ من تقدم تقني،ناجمة عن أن ما يحدث الآن هو "على عكس ما حدث في الثورة
الصناعية الأولى والثورة الصناعية الثانية.صحيح أن العمال ثاروا في البداية على
التقنية المستحدثة، وحطموا أحيانا الآلات الجديده، لأنهم خشوا أن تسلب منهم عملهم.ولكن
سرعان ما عادت العلاقة إلى التوازن. لأن الثورتين المذكورتين، الثورة الأولى
(1750ـ1850)والثورة الثانية (1860 1914) أدتا إلى أن يكون للعمال ولأعضاء الطبقة
الوسطى في البلدان الصناعية، نصيب في الزيادة التي حدثت في الإنتاجية، من خلال
زيادة أجورهم الحقيقية (بالتوازي مع النمو الحادث في الإنتاجية) وتقصير وقت العمل،وزيادات
الإجازة السنوية، والرعاية الصحية، والتأمين ضد البطالة والشيخوخة الخ…(وهو على
أي حال لم يحدث تلقائيا وإنما تحقق بعد كفاح وجهد مريرين وبعد وقت غير قصير).
في حين أن ثمار ومكاسب زيادة الإنتاجية الناجمة عن تكنولوجيا الثورة الصناعية
الثالثة التي تسود عالمنا الآن توزع بشكل استقطابي حاد جدا. لأن النمو الهائل
الذي يحدث في الإنتاج والإنتاجية
من جراء الثورة الراهنة في التكنولوجيا، قد استأثرت بثماره فئة قليلة جدا من
الأفراد [21]
(يطلقون عليها في بعض الأدبيات اسم جماعة الخمسة بالمائة). هذا إضافة إلى الازدراء
واللامبالاة تجاه مصالح بقية الجمهور في بلدانها أولا، وفي بلدان الجنوب على
المستوى الكوني، ثانيا.وتشير الصحافة الألمانية إلى نموذج مشابه، فقد ارتفع وسطي
الدخل في ألمانيا بمعدل 16 ضعفا خلال 120 سنة مضت، في حين لم ترتفع الأجور الحقيقية
سوى إلى 10 أضعاف فقط [22].
صحيح أن بلادنا لم تلمس
بجديه بعد، المشاكل المطروحة على صعيد البلدان الصناعية المتطورة . وليس هذا
دليل صحة، كما قد يتبادر للذهن، بل علامة تدل على عدم اكتمال عملية التطور لدينا
حتى الآن. ولكن لن يطول هذا إلى الأبد إذ لا يمكن لأي بلد أن يقف بمعزل عن التطورات
الحاصلة في العالم في إطار الثورة المعلوماتية الراهنة إلى ما لا نهاية . بل
لا بد لبلداننا أن تنخرط في عملية التفاعل مع المتغيرات الحاصلة في مجال ثورة
المعلوماتية، بصورة إيجابية.ولهذا لا بد من وجود سياسات واضحة ومدروسة منذ الآن
(كما أشارت محاضرة د. ناصر) لإفادة المواطنين في بلادنا من هذه التكنولوجيا المتطورة.
لقد تحقق في الواقع إنجاز مهم لدينا في سورية،
من خلال العمل على تعميم المعلوماتية، وتطبيقها في بعض المرافق الخدمية، دون
أن يتم نقل تلك التقنيات إلى المجال الصناعي إلا بنطاق محدود جدا. إلا أن ما
تم حتى الآن ساعد كثيرا على خلق وعي بهذه المنظومة. وهذا مكسب مهم إلى أبعد الحدود.المهم
متابعة تطويره وتعميمه.ويلاحظ أن بعض الجهات من الحرس البيروقراطي القديم ما
زال غريبا عن العملية ويقاومها من موقف عدم الحماس، نتيجة للجهل الذي يحيط بأهميتها
للعصر الذي نعيش فيه . وهو ما يدفع بالبعض إلى تشييع فكرة أننا بلد عالم ثالث
غير قادر على استيعاب هذه التقنية. من المهم أن نطوي مثل هذه المواقف وراءنا،
وأن نبدأ خطوة للأمام لتصبح هذه التقنية جزءا من حياتنا. أما كيف سنتحمل تأثيرها
على العمالة في بلدنا فينبغي أن يكون ذلك جزءا من تطويع التكنولوجيا لتلائم خياراتنا
الاجتماعية والاقتصادية، انطلاقا من فكرة المردودية الأعظم للاقتصاد الوطني.
ولكن مع عدم تعارض ذلك مع توفير فرص عمل ورفع مستوى المعيشة للعاملين. أي من
خلال العمل على جعل هذه التقنيات تعمل لصالح قوى العمل وليس ضدها. وهذه مهمة
ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة أيضا.