هل ينبغي اعتبار التناقض بين تقدم التقانة وقوى العمل أمرا محتوما ؟

ولا بد أن يتبادر لذهن المرء هنا فيما إذا كان ينبغي اعتبار التناقض بين التقدم التكنولوجي وقوى العمل قدرا محتوما لا سبيل للفكاك منه ؟أم أن الأمر لا يتعدى كونه مرحلة عابرة؟

الافتراض المنطقي يقول أنه لا ينبغي أن يكون هذا التناقض قائما. فللعمال مصلحة في حدوث مزيد من الإنتاج، لإشباع استهلاكهم وتحقيق رفاهيتهم والتخفيف عنهم.إلا أن عمالقة الرأسمال العالمي يطمحون ليس إلى ذلك، بل إلى تعظيم ربحهم من خلال تقليل نفقات ما ينتجونه، باستخدام أحدث الآلات، وخفض كلفة الأجور.

وكما كنا قد ذكرنا في مكان آخر، فإن التقنيات الجديدة في عصرنا الراهن تجلب معها تناقضات مضادة أبرزها تهميش قوى العمل غير المدربة،وإخراجها من العملية الإنتاجية لتلقي بها إلى جيش البطالة. وهذه الخشية هي التي دفعت بعمال ونقابيين في مدينة سياتل الأمريكية، للقيام بمظاهرات صاخبة تناقلتها وسائل الإعلام على مدى العالم كله عام 1999 بمناسبة انعقاد مؤتمر التجارة العالمية هناك.حيث تجمع ممثلو وأعضاء 450 منظمة من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية،ممن تضافرت وتضامنت فيما بينها. وتمكنت عبر تلك الحركة الشعبية الواسعة من أن تحقق مبادرة تاريخية لمناهضة القوى المؤيدة لنظام السوق. إذ كانت هذه القوى تسعى لفرض شروط للاستثمار في العالم يقضي بعدم السماح لأية حكومة أو جهة بأن تبدي أية انتقادات من شأنها إعاقة حركة الاستثمارات الدولية. في حين يطالب العمال والنقابيون الأمريكيون باعتماد معايير دولية موحدة للعمل. أي أن تطبق معايير للعمل بنفس المقاييس على كافة البلدان، بما فيها البلدان النامية. وقد أبرزت تلك المظاهرات تشدد القوى العاملة في الحفاظ على مكاسبها،وخشيتها من المنافسة غير المتكافئة من جانب الدول الفقيرة في البلدان النامية، في حين أن هذا المطلب مرفوض من القوى العاملة في هذه البلدان (البلدان النامية). وهي بلدان لا تمتلك القدرة على المنافسة، إذا عملت بنفس مقاييس العمل المطبقة في البلدان المتطورة صناعيا.

وهذا يعني أن توحيد مقاييس العمل في العالم من شأنه أن يطالب عمال البلدان النامية بمعايير إنتاجية لا طاقة لها بها. ذلك أن ما يصلح لبلد ما قد لا يصلح لبلد آخر. إن مطلب النقابيين الأمريكيين القاضي بإيجاد أنماط عمل موحدة للعالم يعد مطلبا سيئا بالنسبة لعمال البلدان النامية. فمصالح أطراف قوى العمل هنا وهناك ليست واحدة .إلا أن مطالب العمال الأمريكيين تتضمن أمرا تقدميا من جانب آخر ذلك أنهم يريدون شروطا للعمل أفضل، تتناسب مع إنتاجيتهم العالية التي تبرر زيادة أجورهم، وهي أجور لم تحقق أي ارتفاع ملموس طيلة ال 20 سنة الماضية. ومعروف أن تنديد القوى العاملة بالمشروع،أدى إلى تعطيله مؤقتا [19].

صحيح أن مظاهرات سياتل ليست رافضة للعولمة كعولمة، وليست متنكرة لثورة الاتصالات ما بعد الصناعية، إلا أنها تضمنت عنصرا إيجابيا مهما، ذلك أن جوهر التنديد الذي انصبت عليه تلك الاحتجاجات انصب على المنحى الذي أخذت تتخذه " أصولية السوق" في أيديولوجية العولمة [20].



[19] ـ انظر د.عصام الزعيم،"البعث الاقتصادي،مرجع سبق ذكره

[20] ـ د.جميل قاسم مرجع سبق ذكره