جمعية العلوم الاقتصادية السورية

 

تعقيب الدكتورصاموئيل عبود(1)

على محاضرة الدكتورأكرم ناصر

والتي عنوانها "الموارد البشرية وعصر المعلومات"

 

مقدمة:

أود قبل كل شيء تقديم الشكر لجمعية العلوم الاقتصادية لإدراجها هذا الموضوع الهام ضمن برنامجها، باعتباره من ضمن "قضايا تنتظر الحل "وحسنا فعلت ذلك وفي هذا الوقت بالذات أيضا. فقد تكرس لديّ ولدى سواي توجس منذ أمد غير قصير،بأننا كلما خشينا من معالجة القضايا الكبيرة، نعمد إلى تأجيلها أو تجاهلها، إلى أن يقع الفأس بالرأس كما تقول أمثالنا الشعبية. وأود أيضا توجيه الشكر القلبي للدكتور أكرم ناصر للجهد الواضح الذي بذله في إعداد وتقديم هذه المحاضرة . ذلك أن العديد من النقاط التي تناولتها المحاضرة هي موضع اهتمام عالمي واسع في الوقت الراهن على صعيدي المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، لشدة ارتباط عصر المعلومات بالعولمة ونتائجها. ومن هنا تكمن أهمية وحساسية الموضوع الذي تعرض له.فحيث أن العولمة تعني حرية انتقال البضائع والأشخاص والخدمات، فإن هذا يعني أن مواردنا البشرية واقعة ضمن مجال الخطر، كما تم التنويه لذلك في المحاضرة، وأنه لا بد من التحسب لذلك منذ الآن.

فالموضوع الذي تم تناوله شائك، ويحتمل المناقشة وإبداء الرأي،وهو ما أعتقد أنه سيكون من مهمة الجمهور الكريم في هذه القاعة. ولكنه بداية ممتازة لمناقشة حان الوقت لخوضها.فالأمر يحتمل النظر إليه من زوايا عديدة.

لقد قامت المحاضرة بتنبيهنا إلى أمور مهمة كثيرة مثل تميز تقانة المعلومات عن غيرها من التقانات التي سادت قبلها،والمتغيرات النوعية الحاصلة نتيجة لتطبيقاتها، وأثر المعلوماتية على الموارد البشرية[1] . وكذلك التغير الحاصل في إدارتها وتفعيلها وتأهيلها الخ… ولكل من هذه المسائل انعكاسات اجتماعية على الموارد البشرية. وهذا التعقيب هو محاولة للمساهمة في هذا البحث. إذ سأحاول التركيز في تعقيبي على محور واحد هو علاقة تطور التقانة بمسألة التشغيل والبطالة على المدى المنظور مستقبلا والتغيرات الحاصلة في أنماط العمل. لاعتقادي أن المحاضرة لم يتسع المجال في إطارها لتناول ذلك إلا بالتلميح فقط. فلقد كانت علاقة الآلة بقوى العمل تمثل على الدوام المعضلة الشائكة في الفكر الاقتصادي والاجتماعي، وما زالت المعضلة كذلك حتى يومنا هذا. ومن المؤكد أن هيكل العمل برمته سيناله التغيير. إذ أصبح التقدم في التقانات،وهو مكسب إنساني مهم، يؤدي إلى تراجع فرص العمل،وهو عكس ما هو متوخى منه.

الانفجار المعرفي وتطبيقاته،والخصوصية غير المسبوقة في سرعة وحجم ثروة المعلومات، ستُبقي الأولوية لخيار الموارد البشرية باعتبارها ثروة غير قابلة للنضوب

تتسارع منتجات المعرفة يوميا، بل ويتحدث البعض علنا عن الغرق فيما يمكن تسميته "بالانفجار المعرفي وتطبيقاته". فنحن نعيش في خصوصية حضارية وعلمية لم تشهد البشرية لها مثيلا. ولكن ومع كل هذا التسارع الهائل في سرعة انتشار ثورة المعلومات عبر العالم، تبقى الأولوية لخيار الموارد البشرية وهي ثروة غير قابلة للنضوب،على خلاف النفط والمعادن والعديد من السلع المنتجة ، بل هي الثروة المتجددة دائما. فالإنسان هو الذي يبني الثروة والقيمة والحضارة إن أحسن استثمار وتوجيه فكره وقدراته البشرية. وهو الذي ينبغي له أن يتمتع بهذه المعرفة باعتبارها ثروة إنسانية تهم البشرية كلها. كما له أن يوظفها في المجال الذي يمكّنه من الإطلاع على القرارات وصنعها وتحسينها لصالحه، ولزيادة الرفاهية البشرية والتقدم المعرفي أكثر فأكثر. إن زيادة مدارك وقدرات الموارد البشرية تحسّن بالتأكيد من دور الفرد في مجتمعه، وتحسن حياته، ونمط عمله، والتعامل مع المحيط الذي يعمل فيه. وتنعكس إيجابا على التنمية البشرية. فالعنصر البشري هو أساس النشاط الإنتاجي والتكوين الاقتصادي. ومن هنا تأتي "أهمية الاستثمار في العنصر البشري بشكل متكامل وشامل، ودعمه بصناعة تدريبية وتعليمية واسعة وديناميكية ومواكبة لأحدث العلوم والأساليب. معتمدة في مسارها في هذا الاتجاه على مفهوم التعليم والتدريب، وعلى الصقل المستمر بأساليب ومنهجيات تعليمية دائمة التحديث [2]".

لقد بدأ التطور التقني بقيادة التحولات المتلاحقة في حياتنا العامة. وفيما كانت التكنولوجيا في السابق ترتكز على بناء سكك الحديد والمنتجات الكهربائية،أو على الكيمياء. ومكّنت التطور التقني المتتالي فيما بعد من إزاحة سيطرة الزراعة على الاقتصاد[3]. فإن قيادة التطور التكنولوجي الراهن تتبدى من خلال التطور المتلاحق في تقنيات المعلوماتية، وتغير الأشكال البيروقراطية المعتادة بشكل جذري. وهي الأشكال التي ظلت سائدة خلال حقبة طويلة من القرن العشرين الذي انقضى . وبدأت ظاهرة العمل الذي يقوم على الأتمتة شبه الكاملة تدخل تدريجيا منذ أكثر من عقد كامل بشكل لم يسبق له مثيل في عمليات الإنتاج.وهي ظاهرة تستبعد جزءا من عمل الآلات التي تدار بالعمل الإنساني، ليحل مكانها الإنسان الآلي (روبوت). الذي أصبح يؤدي جزءا مهما من العمل غير الإنساني بنفسه. كما يتاح بواسطة التقنيات الكومبيوترية ذات النهايات الاتصالية وعبر الشبكات العالمية للاتصالات شكلا جديدا من العمل المعروف بالعمل عن بعد. حيث يتم من خلاله تبادل الاستشارات المعرفية وتقديم الكثير من الخدمات المختلفة مدفوعة الأجر.

ويبدو أن تقنية المعلوماتية والاتصالات هي التي ستتحكم بالتدريج في المستقبل لتحل مكان تقنيات الماضي التي عفا عنها الزمن. وتذكر مقالة نشرت في الأسبوع الأخير من العام الماضي (1999) في إحدى المجلات العالمية المرموقة(Der Spiegel) [4]" يتساءل فيها كاتبها  فيما إذا كان القرن الحالي سيقود إلى نهاية الطبقة العاملة(البروليتاريا) بمفهومها التقليدي الذي نعرفه. ويستند كاتب المقال إلى جملة معطيات تدلل على التغير المتوقع. فاعتمادا على تنبؤات المجلة، فإن المنظومة التقليدية لشكل العمل الذي نعرفه راهنا ستتغير جذريا. ويشير الكاتب إلى ظاهرة التغير الحاصل على نمط العمل التقليدي ويتساءل فيما إذا كان نمط العمل الذي تعودنا عليه، يقترب من نهايته. وهو يعني: ذلك النمط من العمل الذي نعرفه من القرن الماضي والذي يحمل صفة اجتماعية حيث يمضي فيها العمال زمنا محددا مع بعضهم البعض في المكاتب وصالات الإنتاج (ثمانية ساعات كاملة أو أقل). كما يتنبأ معد المقال (بناء على ما استجد على ساحة العمل)، بنهاية مقولات ترتبط بذلك النمط من العمل التقليدي، مثل فكرة الأجر الشهري والتنظيمات النقابية وفكرة العامل المعيل للأسرة الخ... وحلول أنماط أخرى من العمل مكانها مثل: التوظيف في العمل المقلص (mini job)، أو العمل عن بعد أو العمل لنصف يوم ونصف أجر. أو الاعتماد على العمال الذين تتم استعارتهم فيما بين الشركات. وأنماط أخرى عديدة من العمل المستقل.

التطور يعجل في توالي الابتكارات التكنولوجية،وفي عمليات الترشيد على نحو غير معقول. وقد كان من نتيجة ذلك، أن الإنتاجية تنمو بوتائر أسرع من وتائر نمو الناتج الوطني الإجمالي. وقد خلخل هذا الحال، التوازن بين الرأسمال والعمل، وأدى إلى تراجع فرص العمل. وأصبح التقدم في التقانات يؤدي إلى عكس ما هو متوخى منه.

وهناك سيل من الدراسات والمقالات والكتب التي بدأت بتسليط الأضواء على التغيرات التي أخذت تطرأ على هيكل العمل في العالم. وجميع الأقلام التي تتناول هذا الموضوع تقدم أمثلة حية عما سيكون عليه نمط العمل في المستقبل. فشركة فورد الأمريكية للسيارات،وهي ثاني أكبر شركة في العالم في هذه الصناعة، يتجمع لديها في مدينة ديربورن(Dearborn) في ولاية ميتشيجان، عدد هائل من أفضل المهندسين الذين يجلسون وراء شاشات الكومبيوتر من أجل ابتكار أفضل التصميمات لهياكل عربات المستقبل.هذه الشاشات مربوطة بخمسة مراكز موزعة في قارات العالم بين ألمانيا واليابان والبرازيل وغيرها. متصلة كلها في مركز واحد، مصمم على شكل استوديو مختص بتصميم السيارات في المدينة المذكورة. حيث يتبادلون الحديث مع بعضهم البعض وكأنهم يجلسون في صالة واحدة. فيدخل أحدهم من مدينة أمريكية تعديلا هنا وآخر من اليابان يدخل تعديلا هناك. أو قد يقول أحدهم من البرازيل أن هناك اقتراحا أفضل الخ.. إلى أن يخرج التصميم الأخير للسيارة بما يروق للزبائن.وبعد أن كان الوضع قبل عام 1995 بطيئا ومعقدا، أصبح الوضع يسمح مع استخدام التقنية الحديثة للمعلومات،لأن تتكامل فروع الشركة العالمية في كافة الأمور المتعلقة بالتطوير والمشتريات والتسويق،من خلال إنتاج "السيارة المعولمة"، التي شاركت في تصميمها مجموعات موزعة حول الكرة الأرضية،. أما النتيجة فكانت تحقيق الشركة لربح يقدر بعدة مليارات من الدولارات، وفقدان عدة آلاف من الإداريين والمهندسين والباعة لوظائفهم. فالمصممون لدى شركة فورد الذين احتاجوا إلى شهرين وعشرين حلقة دولية حتى أمكنهم تصميم سيارتهم من طراز مونديو (MONDEO)، فإنهم لم يحتاجوا لأكثر من خمسة عشر يوما وثلاثة اجتماعات تداول فقط لإنتاج طراز الشركة من نوع تورو ( TAURU). وقد تحقق هذا كله بفضل استخدام أحدث التقنيات في شبكة الربط الشمولية عبر القارات [5]. وهو يعبر إلى حد بعيد عن أحد نماذج العمل الجديدة المعروفة بالعمل عن بعد، والآخذ بالتوسع في أيامنا هذه.

والواقع يؤكد حدوث ثورة حقيقية في عالم العمل في السنوات الأخيرة، وهي ليست سوى مقدمة لما سيحصل فيما بعد. وأضحت الأعمال التي كان يرى فيها المرء مهنة المستقبل وسيستمر فيها العمر كله،ليست إلا فرصة مؤقتة. ولم تعد مقولة مثلنا الشعبي "مهنة في اليد أمانة من الفقر" حكمة معصومة من الشك. فأفضل المهن،يمكن أن تتحول بين ليلة وأخرى إلى لا شئ.

ففي ألمانيا تتهدد التقنيات الجديدة تسريح نصف مليون مستخدم في قطاع المصارف والتأمين بعد إدخال وسائل االسحب الآلي.أو تمكين المودع في المصرف على مدار الساعة وبواسطة الهاتف ، أو من حاسبه الشخصي، بإنجاز كل ما يحتاج إليه من خدمات مصرفية.لا بل بوسعه أيضا أن يطلب منها إرسال المبلغ الذي يحتاجه نقدا إلى المنزل. وأصبح الكثير من المصارف الألمانية يعمل الآن كمصارف 24 ساعة بواسطة وسائل الاتصال الإلكترونية. وهذا كله سيعني أن الكثيرين سيفقدون وظائفهم إذ لم تعد الحاجة تستدعي سوى إلى القليل منهم.وسيتحول عدد كبير منهم إلى جيش العاطلين، الذين سيكونون على استعداد لقبول استغلالهم من أجل أن يحصلوا على العمل الذي يحتاجونه لإعالة أسرهم. ومنذ عام 1995 تنازل عمال مصرف (DIREKT BANK)عن عقد العمل الجماعي القاضي بأن تكون أجرة ساعة العمل الواحدة من 23 إلى30 ماركا ألمانيا، وقبلوا الآن ب 16 ماركا ألمانيا فقط للساعة. بل وقضت شروط العمل الجديدة على العمال أن يكونوا مستعدين للعمل على مدار الساعة حتى في عطلة نهاية الأسبوع دون مكافأة إضافية. كما أن االاندماجات الاقتصادية بين الشركات والمؤسسات المالية الكبرى، أخذت تشكل بدورها فرصة جديدة للهجوم على مصالح قوى العمل. فقد أعلنت وسائل الإعلام الألمانية بتاريخ 9/3/2000 ما سمته أهم حدث اقتصادي في بداية القرن الحالي عل صعيد القارة الأوروبية ، وهم يقصدون اندماج أهم مصرفين كبيرين في ألمانيا، (دويتشه بنك ودرسدنر بنك   DEUTSCHE BANK + DRESDNER BANK). وللحال أعلن المعلقون،بأنه من المقدر شطب 16 ألف وظيفة عند إكمال عملية الاندماج. أي أن كل تاسع وظيفة سيتم شطبها بعد أن يتم إغلاق 800 فرع من أصل 2500 يملكانها، ويخططون مستقبلا لإلغاء 200 ألف وظيفة من أصل 700 ألف وظيفة تقع تحت سلطة المصرفين على المدى الأطول[6].

الدراسات التي نشرت في السنوات الخمس الأخيرة حول التبدلات الطارئة على هيكل العمل تتحدث عن تغير نوعي في أنماط العمل مثل:

ـ تبدل في العمل التقليدي وبروز ظاهرة العمل عن بعد

ـ توجه الشركات لنظام " نصف يوم عمل" للمستخدمين في المكاتب مقابل نصف اجر بغية إنجاز قدر من العمل يقارب ما كان ينجز في يوم العمل الكامل (يلاحظ هنا التوجه الجديد لشكل إضافي آخر من الاستغلال بقصد توفير نصف الأجر غير المدفوع،إضافة إلى استغلال قوة العمل الموجوده أصلا في عملية العمل).

ـ ابتداع شكل العمل المتقطع (أي التشغيل لفترة زمنية محددة،ثم تسريح العمال لفترة لاحقة، يتم بعدها إعادة التشغيل من جديد (يتم غالبا من عداد العمال المسرحين) [7].

ولعل أهم إنجاز ابتدعته تقانة المعلومات هو النمط الذي أشرنا له من قبل والمعروف ب "العمل عن بعد". ويتصف هذا النمط الجديد بما يلي:

(1) البعد الجغرافي بين مكان العمل والإدارة المركزية للشركة.

(2) عدم وجود دوام محدد للعمل.

(3) استخدام الكومبيتر والهاتف والفاكس ومعدات المعلوماتية الأخرى (شبكة الإنترنيت الخ..).

(4) يمكن أن يكون العامل عن بعد موظفا أو متعاقدا حرا.

(5) يمكن أن يكون العامل عن بعد (Teleworker) في نفس بلد الشركة ويسمى في هذه الحالة عامل عن بعد وطني. أو قد يكون في بلد آخر، ويسمى عامل عن بعد دولي وهي بالفرنسية Teletravail National) , و Teletravail International ).ونموذجهم بعض المهندسين الهنود أو الباكستانيين أو مهندسين من أمريكا اللاتينية ممن كانوا يرسمون خرائط معمارية ويرسلونها إلى شركات المباني في الولايات المتحدة. ويقومون بتوصيل ناتج عملهم من خلال شبكة الإنترنيت وال (E-Mail) بما يعرف (Online Designer). وقد درج المتعاملون بهذا النمط من العمل على تأسيس ما يمكن تسميته ب (الشركات الشخصية للأفراد) التي يعملون بها أحيانا بمفردهم. وهم يمارسون عبر هذا النمط الجديد، مهنا لم تكن معروفة من قبل تعتمد بالأساس على المعرفة العلمية المتفوقة لهؤلاء الأفراد من أجل إنجاز أغراض محددة: مثل مطوري (السوفت وير Software)،أوفي إعداد برامج أو اقتراح حلول إنتاجية الخ... وسيكون الشعار الذي سيسود في القرن الراهن هو(اعمل مع من تريد وأين تريد وعندما تريد).

إن هذا النمط من العمل وأمثاله من المهن المستجدة يعطي جملة من الانطباعات، أهمها:

(1) أنه بالرغم من أن العمل عن بعد ما زال في بدايات انتشاره في البلدان الصناعية إلا أن ذلك يمثل عملية مستمرة ومتواصلة.بما يحمله من جوانب إيجابية،وما يمكن أن ينشأ عنه من مضاعفات.

فهو من جهة يسمح بحل مشاكل اجتماعية عديدة مثل:

·        إتاحة فرصة عمل للزوجات وهن في منازلهن.

·                إتاحة العمل للمرضى وذوي العاهات وهم في بيوتهم.

·        التخفيف من تلوث البيئة عن طريق عدم استخدام العاملين لوسائل المواصلات يومياً.

·        المحافظة على التوازن الديموغرافي كمنع تفريغ الريف من أبنائه وتخفيف الضغط البشري عن العاصمة

(2) ولكن له جوانب أخرى قد يكون من المبكر اعتبارها سلبية،ولكنها ستثير في كل الأحوال جملة من المشاكل التي تقتضي الحل مثل:

* بعد الموظف عن زملائه

* العزلة التي يعيشها العامل عن بعد، والتي ستحرمه من الروابط الاجتماعية إذ أن جانبا من هوية العامل تتبلور اجتماعيا في العمل الذي يعتبر في هذه الحالة من أهم عوامل الاندماج وتبادل مشاعر التضامن.

* لا يمكن اعتبار العمل عن بعد عنصرا مولدا للوظائف بشكل مباشر. إنما يمكنه أن يفعل ذلك عندما يتحقق شرط القبول به من الأطراف المعنية بذلك (أي العامل ورب العمل). رب العمل يتوخى أن ينفذ العمل الذي يرغبه وفق الشكل المتقن الذي يتوقعه من جهة، وبان العمل سيقدم له ربحية ملائمة. كما ينبغي أن يكون العامل وفق هذا النمط،حائزا على ثقة الإدارة أيضا لأنه سيعمل دون رقابة مباشرة [8].  

تكنولوجيا الأمس وتكنولوجيا اليوم وظاهرة العولمة

لقد زاد الابتعاد عن الصيغة النظرية للمنافسة والتي كانت سائدة حتى أواسط القرن التاسع عشر، بظهور الاحتكارات الكبيرة. وفي أواسط الثلاثينات من القرن العشرين كان واضح أن السائد في الأسواق هو المنافسة الاحتكارية. معتمدة على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا بغض النظر عما إذا كان السوق سيحقق العمالة الكاملة أم لا. كينز دق ناقوس الخطر في حينه عندما أثبت عجز السوق عن تحقيق العمالة الكاملة وأكد على تأثير ذلك على ظهور الركود الاقتصادي الكبير.في الثلاثينات من القرن الماضي. ودعا لتدخل الدولة بمشروعات تشغيل كبيرة ليزيد الطلب الكلي الفعّال.

إلا أن الشركات متعددة الجنسيات (أو متعدية الجنسية) تناست أحداث ثلاثينيات القرن الماضي، فهي لا تكف الآن عن تمجيد السوق والتدني بدور الدولة القومية بالرغم من تنبيه الكثيرين من رجال السياسة والاقتصاد بعقم الأساس النظري والأضرار الاجتماعية التي يمكن أن يتسبب بها هذا التوجه[9]. كما أن خلق بيئة دولية مضطربة تستفحل فيها قوى العولمة بشكل كاسح يكاد يدمر "الدولة ويحل محلها الشركات متعددة الجنسية،بحيث أصبحت مسألة مكافحة البطالة أو التخفيف منها، إلى جانب التطور في التقنية، مسألة عزيزة المنال "[10]. إلى أن جاءت مجريات حركة مقاومة الشوارع في سياتل لتوجه صحوة لهذا المنحى، وإن كنا لا نعلم إلى متى. لذلك نقول منذ البداية بضرورة عدم إغفال العلاقة بين منجزات عصر العولمة والمعلوماتية واصطدامها مع قوة العمل.

وقد كان لتقنية المعلومات تأثير واضح على انطلاقة العولمة وترسيخ نجاحاتها، التي تحققت لها حتى الآن، وذلك لتوفر عاملين تضافرا معا على تحقيق ذلك النجاح:

الأول: هو التطور التكنولوجي فائق التقدم (هايتكنولوجي) الذي تحقق حتى الآن،

والثاني: هو مجموع السياسات والقرارات التي تعمل الدول الصناعية المتقدمة وحكوماتها على فرضهما على العالم مثل سياسة الخصخصة،وقرارات إلغاء الدعم وقرارات فتح الأسواق.[11]

والمشكلة أن مجيء العولمة،أي تعاظم حرية حركة رؤوس الأموال والسلع دون عوائق،وتعاظم سطوة الشركات متعددة الجنسية، وإخضاع مصالح الدول والمواطنين لمصلحة التنافس العالمي والأسواق المالية الدولية، جاءت لتزيد الأمور خطورة.فقد كانت انعكاساتها سلبية في مواضع عديدة أهمها:

(1) إن العولمة قضت على إمكانية السيطرة على الأسواق المحلية، التي تشكل إحدى الدعائم الرئيسية للدولة كمؤسسة.

(2) إن العولمة أبطلت إلى حد بعيد، من فاعلية أية سياسات وطنية يمكن أن تتخذها الدول لرعاية مصالحها المحلية،ومن بينها قدرتها على التشغيل ومحاربة البطالة.

(3) نجم عن استخدام التكنولوجيا الجديدة المتقدمة، المرتكزة على كثافة المعلومات، إلى حد بعيد، لأن تصبح المدخرات تزيد كثيرا على الاستثمارات الفعلية على صعيد العالم كله. وبدلا من إعادة توظيفها كما كان يحدث في السابق، في إيجاد مشاريع جديدة لتشغيل من أخرجتهم التقنيات الحديثة من وظائفهم، اتجهت فوائض المدخرات العالمية إلى عمليات المضاربة المحمومة التي تحدث الآن في أسواق الصرف الأجنبي والأسواق النقدية والمالية. وتفاقم ذلك على النحو الذي جعل هذه الأسواق أشبه بنوادي القمار التي أصبحت فيها تحركات الأسعار هبوطا وصعودا، تهز شركات عملاقة،بل وتهز دول ومناطق جغرافية بكاملها [12].

لقد امتطت الشركات متعددة الجنسية حصان المعلوماتية واندفعت بواسطتها إلى ما أطلق عليه عولمة الاقتصاد. "وبدأ المثلث العالمي منظمة التجارة العالمية،صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، يمطروننا صباح مساء بمئات الاجتماعات والندوات والمؤتمرات،بعيدا عن الكاميرات وأمامها بدعوة ملحة مفادها أن العولمة حتمية، وتحرير التجارة قدر لا فكاك منه. وأن الكل يجب أن يبيع مصانعه وشركاته وبنوكه "[13].وتتم الدعوة لذلك دون أي اعتبار لقوى العمل الذين وضعتهم العولمة الاقتصادية على قارعة الطريق.

 والحقيقة أن العولمة وبضمنها المعلوماتية فيها فائزون طبعا، وهم حتى الآن أصحاب الصوت العالي، لأنهم يمثلون 300 شركة متعددة الجنسية عابرة للقارات، ثلثاها أمريكية. وفيها خاسرون أيضا، فالعولمة بشكلها المتوحش المطروح أخيراً، خلفت ضحايا هم حتى الآن أربع أخماس كل البشر على كوكبنا. [14].

وبالرغم من أن تقنيات المعلوماتية كانت حصانا للعولمة، وأظهرت في كثير من الأحوال وجها معاديا لمصالح قوى العمل، إلا أن المعلوماتية من جانب آخر كان لها وجها طيبا. إذ من بين المفارقات العديدة التي رافقت الأحداث التي قامت بها الجماعات المحتجة في سياتل، أن تلك الجماعات كانت قد توصلت إلى ترتيب تجمعاتها وترتيب برنامجها الاحتجاجي بواسطة الإنترنيت. ويمكن الافتراض بالتالي أن هذه الشبكة يمكن أن تكون منبرا لتوصيل قضايا الجماعات والأفراد غير المقتدرين على توصيل ما يريدون توصيله بالوسائل التقليدية. وهذا مجال متاح بنفس القدر للجماعات والأفراد وحتى الحكومات والدول في بلدان العالم الثالث.

العمالة وتطور التقانة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن:

ومن حيث المبدأ كان ينبغي بالأصل أن يصبح تطور التقنيات وتطبيقاتها في العملية الإنتاجية موظفٌ لصالح الإنسان العامل والتخفيف عنه جسديا وزيادة رفاهيته من خلال زيادة إنتاجية عمله. هذا إذا تم ذلك في شروط اجتماعية كالتي كانت تعدنا الاشتراكية بها في برامجها، آخذة بعين الاعتبار مقولة أن الإنسان هو أثمن رأسمال في الوجود. وأن هدف أي تطور تقني هو التخفيف من العبء الجسماني ومن عبء وقت العمل وطوله. أما محصلة التقدم في زمن اقتصاد السوق،وغياب دولة الحماية الاجتماعية فقد انتهت لصالح الشركات الكبرى. والمفارقة الأخرى أن الأممية التي كانت شعر الحركة العمالية في مواجهة الرأسمالية، أصبحت الان شعار الطرف الآخر. ففي الوقت الذي تقلص فيه نفوذ الطبقة العاملة ضمن حدودها الوطنية،فإن الرأسمالية تنظم نفسها على المستوى الدولي من خلال الشركات متعددة الجنسية. وازدادت عملية التضييق على حرية العمل أكثر فأكثر بقصد الاستغلال الاعظمي عن طريق المراقبة التلفازية عبر (شبكة المراقبة المغلقة) وابتداع بعض الشركات للبطاقة المشفّرة التي على العامل حملها عبر الأبواب الإلكترونية، بغية تسجيل كافة المعلومات المتعلقة بتحديد حركة العامل في موقع العمل على مدار الساعة، ليتم تكليفه لاحقا بالعمل الضائع في الأماكن التي قضاها خارج موقعه. ولينتهي الأمر لمراقبة الناس في الشوارع والأماكن العامة عبر الشبكات التلفازية، كما اشتكت من ذلك إحدى محطات التلفزة الألمانية في معرض شكواها من افتقاد الأفراد لحرياتهم ولحياتهم الخاصة.

ولكن العنصر الأهم في هذا السياق هو التعارض بين هدف تحقيق العمالة الكاملة، وبين الأهداف الاقتصادية الناجمة عن استخدام تقانة المعلومات فائقة التقدم (هاي تكنولوجي) واختفاء فرص العمل لأولئك الذين حصلوا على تأهيل متواضع واختفاء شكل العمل التقليدي الذي عرفناه في القرن الماضي وبروز ظاهرة العمل الإلكتروني ومزاحمة (الروبوت) على مراكز العمل

بين نمط العمل التقليدي ونمط العمل المعاصر

إلا أن قوى العمل لا تنظر إلى كافة أنواع المكتشفات التكنولوجية بعين الحذر.والواقع أن هذه النظرة المتشككة مرهونة بموقف التوجه الاقتصادي السائد في مركز اتخاذ القرارات. ولا يمكن توقع موقف يشوبه الحذر تجاه المكتشفات التقنية الجديدة إذا كان غرضها المحافظة على فرص العمل وتسهيل شروط الأداء والتخفيف عن عبء العمل من حيث الجهد والزمن اللازم لإنجاز السلع ضمن عملية الإنتاج، أو لإنجاز الخدمات في القطاعات المعنية بذلك.

وتميز قوى العمل في العادة بين نوعين من التطور التقني :إذ هناك أولا نوع من تطور التقانة الذي يخلق منتجات جديدة واحتياجات جديدة ويعتبر مصدرا مهما للتطور الاقتصادي ويسمح بإيجاد أعمال ومهن جديدة ترتبط بهذا المنجز. مثل اختراع القطار والسيارة والجرار والهاتف والتلفزيون والطائرة وبعض التجهيزات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل جديدة . وهناك ثانيا نوع آخر من تطور التقانة الذي يدخل أشكالا من الأتمتة الجديدة التي تحل مكان العامل، وتمكّن أصحاب رأس المال من تخفيض كلفة السلع الموجودة في السوق عن طريق تخفيض ساعات العمل الضروري لإنتاجها. وتعمل بالتالي على إخراج قوى العمل وإحلال التقنيات الجديدة مكانها،بأداء أفضل وبكلفة أقل.

النوع الثاني من التطور التقني، هو ما كان يعتبر مصدر قلق لليد العاملة لأنها كانت ترى فيه تهديدا لعملها.وتحطيم العمال لآلات النسيج وتكسيرها مع بداية الثورة الصناعية معروفة [15] وإن لم يدركوا حينها أن تلك الآلات ليست سوى الموجة الأولى وأنه سيتبعها العديد من الموجات اللاحقة فيما بعد. وأن تأثيرات الأتمته السلبية والإيجابية لم تظهر إلا في أواخر القرن العشرين وما بعده. وكما كان عمال الحرير في الماضي يخشون آلة الحياكة، كذلك يوجد اليوم العديد ممن يخشون العولمة وعصر المعلومات.

ومع انتشار الثورة الإلكترونية وتطبيقاتها في مجال الأتمتة التي أدت إلى إحلال  الرجل الآلي مكان الإنسان في المصانع، بدأت التساؤلات تعكس الخوف المجهول لدى العمال، فيما إذا كانت هذه التقنيات ستؤدي إلى تدمير العمل أم أنها ستؤدي على نقيض هذا الخوف، أي إلى فتح المجال لأشكال وأنماط جديدة من العمل فحسب ؟

كما أنه مع بروز ظاهرة العمل عن بعد، وهي الظاهرة الحديثة في الوقت الراهن، عاد التشكك من جديد كما كان عليه الشأن عند اكتشاف الآلة البخارية وتطبيقاتها الأولى في الصناعة. وعاد العمال إلى طرح السؤال ذاته على أنفسهم مرة أخرى،وهو: هل يمكن لهذه الظاهرة الجديدة أن تخلق ديناميكية اقتصادية تؤدي إلى خلق وظائف جديدة ؟وهل إن عصر المعلومات وعصر التقانة فائقة التطور ستكون وبالا عليهم، أم ستكون محركا فعليا لتنشيط سوق العمل ؟ وهل سيكون بمقدور هذا النمط من الأعمال المستجدة حل مشكلة البطالة وإيجار فرص عمل جديدة لهم؟.

 عصر المعلومات ومسألة التحسب من تهميش قوة العمل غير المدربة

إلا أن العولمة وبضمنها التقنيات المعلوماتية المطبقة في العملية الإنتاجية لا تحمل في طياتها لقوى العمل، البشرى السارة التي يتوخونها طالما أن قانون السوق يعمل بالكيفية التي يعمل بها الآن. فما يجري في الوقت الراهن يمثل عملية غير متجانسة تأتي بأضدادها: إذ في الوقت الذي تسعى(العولمة) فيه إلى توحيد العالم، اقتصاديا على الأقل، نجدها تفجر تناقضات مضادة أبرزها التهميش الذي هو نقيض العولمة[16]. والتهميش سيطال في هذه الحالة وعلى قدم المساواة البلدان قليلة التطور، والعمال قليلي المهارة، أينما كان وطنهم سواء في البلدان المتطورة صناعيا أو في البلدان المتخلفة. وبالطبع فإن عمال هذه البلدان الأخيرة سينالهم السؤ بمثقالين أولا لأنهم مواطنون فيها،وثانيا لأنهم في معظمهم يمثلون قوة العمل الأقل مهارة وتدريبا وتأهيلا. باستثناء فئة محدودة جدا تتمتع بكفاءة فائقة، قد تتاح لهم فرصة من نمط العمل عن بعد. وهي حالة محدودة جدا على أي حال قد لا تجد فرصتها إلا بعامل الحظ والعلاقات العامة. وحتى فيما يتعلق بقوى العمل في البلدان الصناعية المتطورة، وفي ظروف بروز الأزمة الرأسمالية التي تفوق فيها قدرة المنتجين على الإنتاج،قدرة المنتجين على الشراء، يصبح التساؤل مباحا فيما إذا كانت هذه الأزمة ليست مهددة بالتفاقم بسبب احتمال تزايد البطالة، الذي يتهدد فيه عصر المعلومات لفئات من قوة العمل غير المدربة تدريبا عاليا يتوافق مع احتياجات عصر المعلوماتية. الأمر الذي سيؤدي بالمحصلة إلى عجز الطلب الكلي على استيعاب مجموع السلع المنتجة،. فتنخفض الأسعار والأرباح،ويتشاءم المستثمرون ويقللون من حجم استثماراتهم فتزيد البطالة من جديد وتنخفض الدخول ويعم الركود وهكذا [17]. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن حجم الطبقة العاملة هو الآن أكبر بكثير من أي وقت آخر بسبب التطور التقاني الكبير والزيادة السكانية، وكذلك بسبب تآكل الطبقة الوسطى التي تتهافت باتجاه الأدنى. فإن ذلك كله يستدعي التفكير مليا بمدى التأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا الوضع على تأزم الإقبال على الطلب بسبب تزايد الإفقار . والذي ينتظر أن يقودنا إلى أزمة أكثر تفاقما مما هو قائم الآن، إذا لم تأخذ المراكز الرأسمالية مصالح العاملين المهمشين نتيجة استبعادهم من العملية الإنتاجية. ولا بد من انقضاء فترة غير قصيرة لتتكيف قوى العمل مع الواقع الجديد وإعادة التوازن عبر محاولة لرفع كفاءتها التأهيلية بما يناسب متطلبات الوضع الجديد.

 مصير مشكلة التشغيل والبطالة في نطاق سرعة تطور التقانة ؟

المشكلة الرئيسية التي بدأت تبرز في الوقت الراهن هي التعارض بين الثورة المعلوماتية ومسألة تحقيق العمالة الكاملة. إذ أنه بالرغم مما حققته البلدان الصناعية من تقدم، إلا أن الواقع ما زال يشير إلى صعوبة التوفيق بين هدف تحقيق العمالة الكاملة وبين الأهداف الاقتصادية الأخرى. وتبرز في الوقت الحالي معضلة البطالة من جديد كمسألة بارزة من مضاعفات التطور التقني في العملية الإنتاجية.

أما في البلدان النامية، فتبدو المشكلة مختلفة بسبب تأثير العامل الداخلي الناجم عن تأخر التصنيع التقليدي بالأساس، نتيجة لضعف الرساميل،وقلة الاستثمار. وهو ما أوجد حالة مزمنة من أزمة العمالة غير الكاملة، إن لم نقل حالة مزمنة من البطالة الفعلية أو المقنّعة. وقد تفاقم خطر البطالة أكثر من قبل، بسبب توجهات العولمة بشكلها الشرس، وبسبب التوسع بثورة المعلوماتية القادم معها، حيث ستكون قوى العمل مهددة من جديد بالبطالة. وهي ناجمة هذه المرة عن العامل الخارجي القادم مع شروط اتفاقية التجارة العالمية، التي تطلب فتح الحدود للسلع والخدمات، والتي ستقضي بالتالي على أية آمال كانت قوى العمل تحلم بها.ويحدث ذلك لقوى العمل في البلدان النامية بسبب إصرار البلدان الصناعية على فرض ما يمكن تسميته "بأصولية السوق "، في ظل حالة اللاتكافؤ بين فقراء وأغنياء العالم.

هذه الحالة المزرية كانت من السؤ إلى الحد الذي أيقظت فيه المشاعر الإنسانية لدى 1500 عالم، بينهم نصف العلماء الأحياء الحاصلين على جائزة نوبل، الذين حذروا من أن البشرية تتجه نحو كارثة اقتصادية واجتماعية ومناخية كونية. نظرا لما تنطوي عليه سياسة "العولمة الحرة " من استغلال للأفراد والشعوب والأمم بواسطة المبادرات والمبادلات التجارية غير المنتجة وغير المتكافئة [18].

هل ينبغي اعتبار التناقض بين تقدم التقانة وقوى العمل أمرا محتوما ؟

ولا بد أن يتبادر لذهن المرء هنا فيما إذا كان ينبغي اعتبار التناقض بين التقدم التكنولوجي وقوى العمل قدرا محتوما لا سبيل للفكاك منه ؟أم أن الأمر لا يتعدى كونه مرحلة عابرة؟

الافتراض المنطقي يقول أنه لا ينبغي أن يكون هذا التناقض قائما. فللعمال مصلحة في حدوث مزيد من الإنتاج، لإشباع استهلاكهم وتحقيق رفاهيتهم والتخفيف عنهم.إلا أن عمالقة الرأسمال العالمي يطمحون ليس إلى ذلك، بل إلى تعظيم ربحهم من خلال تقليل نفقات ما ينتجونه، باستخدام أحدث الآلات، وخفض كلفة الأجور.

وكما كنا قد ذكرنا في مكان آخر، فإن التقنيات الجديدة في عصرنا الراهن تجلب معها تناقضات مضادة أبرزها تهميش قوى العمل غير المدربة،وإخراجها من العملية الإنتاجية لتلقي بها إلى جيش البطالة. وهذه الخشية هي التي دفعت بعمال ونقابيين في مدينة سياتل الأمريكية، للقيام بمظاهرات صاخبة تناقلتها وسائل الإعلام على مدى العالم كله عام 1999 بمناسبة انعقاد مؤتمر التجارة العالمية هناك.حيث تجمع ممثلو وأعضاء 450 منظمة من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية،ممن تضافرت وتضامنت فيما بينها. وتمكنت عبر تلك الحركة الشعبية الواسعة من أن تحقق مبادرة تاريخية لمناهضة القوى المؤيدة لنظام السوق. إذ كانت هذه القوى تسعى لفرض شروط للاستثمار في العالم يقضي بعدم السماح لأية حكومة أو جهة بأن تبدي أية انتقادات من شأنها إعاقة حركة الاستثمارات الدولية. في حين يطالب العمال والنقابيون الأمريكيون باعتماد معايير دولية موحدة للعمل. أي أن تطبق معايير للعمل بنفس المقاييس على كافة البلدان، بما فيها البلدان النامية. وقد أبرزت تلك المظاهرات تشدد القوى العاملة في الحفاظ على مكاسبها،وخشيتها من المنافسة غير المتكافئة من جانب الدول الفقيرة في البلدان النامية، في حين أن هذا المطلب مرفوض من القوى العاملة في هذه البلدان (البلدان النامية). وهي بلدان لا تمتلك القدرة على المنافسة، إذا عملت بنفس مقاييس العمل المطبقة في البلدان المتطورة صناعيا.

وهذا يعني أن توحيد مقاييس العمل في العالم من شأنه أن يطالب عمال البلدان النامية بمعايير إنتاجية لا طاقة لها بها. ذلك أن ما يصلح لبلد ما قد لا يصلح لبلد آخر. إن مطلب النقابيين الأمريكيين القاضي بإيجاد أنماط عمل موحدة للعالم يعد مطلبا سيئا بالنسبة لعمال البلدان النامية. فمصالح أطراف قوى العمل هنا وهناك ليست واحدة .إلا أن مطالب العمال الأمريكيين تتضمن أمرا تقدميا من جانب آخر ذلك أنهم يريدون شروطا للعمل أفضل، تتناسب مع إنتاجيتهم العالية التي تبرر زيادة أجورهم، وهي أجور لم تحقق أي ارتفاع ملموس طيلة ال 20 سنة الماضية. ومعروف أن تنديد القوى العاملة بالمشروع،أدى إلى تعطيله مؤقتا [19].

صحيح أن مظاهرات سياتل ليست رافضة للعولمة كعولمة، وليست متنكرة لثورة الاتصالات ما بعد الصناعية، إلا أنها تضمنت عنصرا إيجابيا مهما، ذلك أن جوهر التنديد الذي انصبت عليه تلك الاحتجاجات انصب على المنحى الذي أخذت تتخذه " أصولية السوق" في أيديولوجية العولمة [20].

أين يكمن الفرق بين الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية من جهة، وثورة المعلومات الراهنة من جهة أخرى ؟

إن المعضلة التي يمكن أن تخلق التناقض بين قوى العمل مع ما يطرأ من تقدم تقني،ناجمة عن أن ما يحدث الآن هو "على عكس ما حدث في الثورة الصناعية الأولى والثورة الصناعية الثانية.صحيح أن العمال ثاروا في البداية على التقنية المستحدثة، وحطموا أحيانا الآلات الجديده، لأنهم خشوا أن تسلب منهم عملهم.ولكن سرعان ما عادت العلاقة إلى التوازن. لأن الثورتين المذكورتين، الثورة الأولى (1750ـ1850)والثورة الثانية (1860 1914) أدتا إلى أن يكون للعمال ولأعضاء الطبقة الوسطى في البلدان الصناعية، نصيب في الزيادة التي حدثت في الإنتاجية، من خلال زيادة أجورهم الحقيقية (بالتوازي مع النمو الحادث في الإنتاجية) وتقصير وقت العمل،وزيادات الإجازة السنوية، والرعاية الصحية، والتأمين ضد البطالة والشيخوخة الخ…(وهو على أي حال لم يحدث تلقائيا وإنما تحقق بعد كفاح وجهد مريرين وبعد وقت غير قصير). في حين أن ثمار ومكاسب زيادة الإنتاجية الناجمة عن تكنولوجيا الثورة الصناعية الثالثة التي تسود عالمنا الآن توزع بشكل استقطابي حاد جدا. لأن النمو الهائل الذي يحدث  في الإنتاج والإنتاجية من جراء الثورة الراهنة في التكنولوجيا، قد استأثرت بثماره فئة قليلة جدا من الأفراد [21] (يطلقون عليها في بعض الأدبيات اسم جماعة الخمسة بالمائة). هذا إضافة إلى الازدراء واللامبالاة تجاه مصالح بقية الجمهور في بلدانها أولا، وفي بلدان الجنوب على المستوى الكوني، ثانيا.وتشير الصحافة الألمانية إلى نموذج مشابه، فقد ارتفع وسطي الدخل في ألمانيا بمعدل 16 ضعفا خلال 120 سنة مضت، في حين لم ترتفع الأجور الحقيقية سوى إلى 10 أضعاف فقط [22].

 كيف يبدو الحال لدينا في سورية ؟

صحيح أن بلادنا لم تلمس بجديه بعد، المشاكل المطروحة على صعيد البلدان الصناعية المتطورة . وليس هذا دليل صحة، كما قد يتبادر للذهن، بل علامة تدل على عدم اكتمال عملية التطور لدينا حتى الآن. ولكن لن يطول هذا إلى الأبد إذ لا يمكن لأي بلد أن يقف بمعزل عن التطورات الحاصلة في العالم في إطار الثورة المعلوماتية الراهنة إلى ما لا نهاية . بل لا بد لبلداننا أن تنخرط في عملية التفاعل مع المتغيرات الحاصلة في مجال ثورة المعلوماتية، بصورة إيجابية.ولهذا لا بد من وجود سياسات واضحة ومدروسة منذ الآن (كما أشارت محاضرة د. ناصر) لإفادة المواطنين في بلادنا من هذه التكنولوجيا المتطورة.

 لقد تحقق في الواقع إنجاز مهم لدينا في سورية، من خلال العمل على تعميم المعلوماتية، وتطبيقها في بعض المرافق الخدمية، دون أن يتم نقل تلك التقنيات إلى المجال الصناعي إلا بنطاق محدود جدا. إلا أن ما تم حتى الآن ساعد كثيرا على خلق وعي بهذه المنظومة. وهذا مكسب مهم إلى أبعد الحدود.المهم متابعة تطويره وتعميمه.ويلاحظ أن بعض الجهات من الحرس البيروقراطي القديم ما زال غريبا عن العملية ويقاومها من موقف عدم الحماس، نتيجة للجهل الذي يحيط بأهميتها للعصر الذي نعيش فيه . وهو ما يدفع بالبعض إلى تشييع فكرة أننا بلد عالم ثالث غير قادر على استيعاب هذه التقنية. من المهم أن نطوي مثل هذه المواقف وراءنا، وأن نبدأ خطوة للأمام لتصبح هذه التقنية جزءا من حياتنا. أما كيف سنتحمل تأثيرها على العمالة في بلدنا فينبغي أن يكون ذلك جزءا من تطويع التكنولوجيا لتلائم خياراتنا الاجتماعية والاقتصادية، انطلاقا من فكرة المردودية الأعظم للاقتصاد الوطني. ولكن مع عدم تعارض ذلك مع توفير فرص عمل ورفع مستوى المعيشة للعاملين. أي من خلال العمل على جعل هذه التقنيات تعمل لصالح قوى العمل وليس ضدها. وهذه مهمة ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة أيضا.

مقترحات من أجل أن نستعد لمواجهة المستقبل:

لا يمكن بالطبع تجاوز أية مشكلة من خلال تجاهلها.وينطبق هذا على الحال في بلادنا أيضا..وقد تنبه قبلنا بعض الاقتصاديين المجددين للرأسمالية في البلدان الصناعية، للمخاطر الناشئة عن آثار الثورة التنكنولوجية في تفاقم مشكلة البطالة، واحتمال إعادة الكساد، بما يشابه الكساد العظيم الذي حصل في ثلاثينيات القرن الماضي،نتيجة لإعادة إنتاج البطالة من جديد، خاصة وأنهم يرون بوضوح ما بدأت تفرزه الموجة الصناعية الجديدة من إعادة لهيكلة العمل، وتفاقم للبطالة، مما أدى لأن تختفي، وبلا عودة، كثير من المهن والوظائف..وأن المهن التي تتصف بالبساطة والتكرار، بل وحتى في حالة بعض المهن والأعمال التي تنطوي على قدر من التفكير، سيكون مصيرها إن عاجلا أو آجلا إلى الربوت . وكيف أن مشكلة العلاقة بين التكنولوجيا والعمل لم تعد مشكلة كم فحسب، بل مشكلة كيف أيضا. خاصة وأن نصيب العمل من القيمة المضافة، مع تزايد الثورة العلمية والتكنولوجية، اصبح قليلا (لا يتعدى ال 10 % في كثير من الحالات. (محاضرة د أكرم ناصر نوهت إلى هذه المسألة الشكل البياني رقم 1) وهو الأمر الذي يؤدي إلى خفض الطلب على الأيدي العاملة.  

الاقتصاديون الرأسماليون، الذين يستبعدون على المدى المنظور إيجاد وظائف تكفي لاستيعاب أولئك الذين ألغى التقدم التكنولوجي وظائفهم، لم يكن في جعبتهم كحل، سوى الدعوة لعلاج المشكلة من خلال التوسع في الخدمات الإنسانية (وهم يقصدون التوظيف في الصحة والبيئة الخ..) .[23].ومن أجل أن يكون هذا ممكنا، اقترحوا أن يتم هذا عبر تصالح أو توافق مؤسسة الأطراف الثلاثة، وهم أصحاب العمل والعمال والحكومة.

أما بالنسبة لنا، فنحن في الواقع ما زلنا في بداية انطلاق ثورة المعلوماتية، بل هي في حقيقة الأمر ما زالت بعيدة عنا نسبيا. ولكن ليس بوسعنا تأجيل قدومها إلى أجل غير مسمى. إلا أن هذا التباطؤ قد يتيح لنا الفرصة الزمنية الأخيرة للحركة، كي نتهيأ لاستقبالها قبل تدفقها علينا بشكل مكثف.وكي يتوفر لنا الاستعداد الكافي من أجل العمل على التعايش معها والعمل على الاستفادة من مزاياها الإيجابية، وتفادي جوانبها السلبية بأقل الخسائر. من أجل ذلك نقترح:

1 ـ توفير الفرص المتساوية للناس في تحصيل المعرفة وما يرتبط بها:

 إن التعليم بكافة مراحله ومستوياته، واكتساب الخبرات والمهارات والتأهيل المهني بما يتماشى وتطور التقانة المتواصل على المستوى العالمي، سيؤمن المصدر الرئيسي لتكوين المهارات والخبرات العالية للموارد البشرية. والتي تعتبر بدورها ليس فقط المصدر المحرك للتنمية، بل هي صانعة هذه التنمية. وهناك بديهية لا بد من التأكيد عليها، وهي أنه لا يمكن للعمل الإنساني أن يساهم في العملية الإنتاجية بصورة إيجابية إلا إذا توفرت في هذا العمل الشروط الضرورية لتلك العملية وهي: أن يكون العمل الذي يساهم في العملية الإنتاجية عملا ماهرا ومتخصصا من جهة ،وأن يحظى هذا العمل المتخصص والماهر بالمكان الملائم له لأداء مهمته وبما يسمح للعمل المتخصص بالتعبير عن مقدرته، وإعطاء النتائج المنتظرة منه بفاعلية وكفاءة. فالعمل الماهر والمتخصص هو وحده القادر على زيادة الإنتاج والإنتاجية، طبقا لشروط عملية الإنتاج التي تعمل بأسلوب الرشادة الاقتصادية. وهذه مسألة ما زلنا نفتقر لها في نهجنا الاقتصادي، ولكن لا بد من العمل على بلوغها. أي وجوب العمل بإنتاج أعلى وبنوعية أفضل، وبنفقات أقل وبوقت أقصر. وكلها عناصر مطلوبة بدورها لزيادة الدخل القومي. والأخيرة مطلوبة لتوفير الفوائض اللازمة من أجل تمويل مشاريع التنمية اللاحقة. وتبقى النتيجة المؤكدة التي تقول أن للتعليم عائد اقتصادي يفوق ما أنفق عليه، إذا أحسن توظيفه. هذا إذا تجاوزنا النظر إلى القيمة التي يمنحها التعليم لاحترام الذات الإنسانية، ولما يمنحه من ثقة بالنفس، ومن أمل للفرد بالحصول على مركز اقتصادي واجتماعي أفضل، ومنحه بالنتيجة مركزا بالمشاركة الاجتماعية متقدم أكثر من أقرانه من غير المتعلمين.

2 ـ التكيف مع المتغيرات التكنولوجية فائقة التقدم واستيعابها:

على أن يتم ذلك دون التخلي عن الخصوصية المحلية وعن الهوية وعن المكاسب الاجتماعية. ولا بد في هذا المجال من إعادة تقييم البرامج التعليمية والتدريبية،وإتقان الشباب للغات الأجنبية ولإتقان استخدام التكنولوجيا الحديثة فائقة التطور واستيعابها [24].

3 ـ المثابرة على تعميم المعلوماتية وإدخالها في الإدارة:

هذه المثابرة مطلوبة، بغية تحقيق إنتاجية العمل وتحقيق الشفافية والسرعة في تنفيذ ومعرفة الأنشطة المنفذة ، وسرعة اتخاذ القرار في الإدارة من خلال تطبيقات نظم معالجة البيانات، ونظم المعلومات الإدارية والنظم الأخرى.

جدول يبين معدل استخدام أجهزة الكومبيوتر الشخصية

لكل مئة موظف ولكل مئة ساكن في عام 1997

في بعض البلدان الصناعية [25]

عدد الأجهزة لكل 100 موظف

عدد الأجهزة لكل 100 ساكن

الــبـــلـــــد

110

36

النروج

105

47

الولايات المتحدة

85

35

السويد

84

16

إيرلندا

83

34

سوبيسرا

68

34

الدانمارك

64

30

هولندا

63

29

فنلندا

62

20

النمسا

57

22

بريطانيا

54

18

فرانسا

52

15

بلجيكا واللوكسومبورغ

51

22

ألمانيا

50

8

اسبانيا

46

10

ايطاليا

37

6

اليونان

27

7

البرتغال

24

13

اليابان

المصدر: صحيفة  Die Zeitالألمانية، تاريخ 15/ 4 /1999 ص31

وهي إجراءات ليس فقط تشكل عونا "على دعم نهج الإدارة بالتوقع واستشراف المستقبل، من خلال طرح كل الاحتمالات، وهو ما يسمح بدعم التقدير الشخصي لصاحب القرار، أو تنبيهه، ومقارنة البدائل واختيار أحدها، بل توفر الإمكانية للمديرين للوصول إلى تقارير فورية عن الوضع الراهن في مؤسساتهم ، بالإضافة إلى أدوات الحصول السريع والمباشر على إجابات لأسئلة تتعلق بالأنشطة المنفذة " [26]. وهي كلها عناصر تدعم شفافية العمل، وشكل أدائه، وتتيحه للجميع. للمدير وللعاملين، وللمتعاملين مع المؤسسة المعنية، إذا كانت لدى إدارتها رغبة لفعل ذلك. وينبغي الاعتراف بأننا نحتاج لعمل الكثير في المستقبل مقارنة بالبلدان المتطورة. وهو ما يؤكده الجدول الذي أوردناه والذي يبين حجم التوسع في استخدام الكومبيوتر الشخصي على مستوى المستخدمين في الشركات، وعلى مستوى استخدام السكان لها في عام 1997 لدى عدد من الدول المذكورة .

 ومع أن الدراسات الإحصائية لدينا لم تقدم لنا تحديدا بعدد الأجهزة التي تصيب كل مئة ساكن أو كل مئة موظف في سورية، لإيجاد مقارنة مع البلدان التي وردت في الجدول المذكور، إلا أننا نعتقد أن مقارنات من مثل هذا القبيل لن تكون موضوعية في هذا السياق. طالما أن نقطة الانطلاق مع تلك الدول في هذا المجال، ليست واحدة.

إن الأخذ بالأساليب الجديدة المعتمدة على إدخال المعلوماتية في العمل الإداري على نطاق المؤسسات، ستعمل على ترسيخ فكرة أن تدار تلك المؤسسات، بدقة وبانفتاح أكثر. كما أنها ستغذي جودة العلاقات الإنسانية في هذه الحالة، واندماج الأفراد في عدادها. كما وتزداد الثقة التي يملكها كل منهم بنفسه. وتسود بدلا من العقلية المتفردة، تلك العقلية الجديدة التي تجعل من نفسها فريقا يضع نفسه في خدمة الجمهور الذي هو في الواقع أفراد المجتمع . ومن أجل ذلك تتبلور فكرة أن كسب ثقتهم إنما تتم عن طريق الجودة والعمل المتقن.

إن التطور التكنولوجي والاقتصادي والتوسع فيه باستخدام نظم المعلومات، وتغيير مفاهيم وأساليب الإدارة، وإدخال الحاسبات الإلكترونية في أساليب الإنتاج، وزيادة التخصصات، كلها عناصر تبين أهمية الاستثمار في الموارد البشرية، وتخطيط قوى العمل وربطها باحتياجات المؤسسة، من أجل تقليل الفاقد في عنصر الزمن، وانخفاض معدلات الغياب، ودوران العمل، والقضاء على رتابته، وزيادة الرضاء الوظيفي . وجميعها في المحصلة تؤدي إلى زيادة الفاعلية وتحقيق الأهداف [27].

4 ـ توقيف الهدر للإمكانيات المتاحة في الموارد البشرية:

 وهو هدر يتركز حاليا على محورين هما المرأة والتعليم. وحيث أننا تعرضنا لمسألة التعليم بأكثر من مناسبة في سياق هذا التدخل، فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى ضرورة تفعيل دور المرأة في الحياة وفي العمل، وإشراكها في التنمية البشرية وفي تقرير شؤونها.

5 ـ التوقف عن التعامل مع المعرفة باعتبارها ترفا:

أي العمل على التعامل مع المعرفة باعتبارها ثروة وموارد، وضرورة الانفتاح على ما يمكن تسميته ب" اقتصاد المعرفة". فنحن في الوقت الذي نعيش فيه عصر المعلومات وعصر العولمة. إلا أننا ما زلنا نتعامل مع المعرفة على أنها مجرد مسألة نظرية، بدلا من التعامل معها كثروات وموارد، من حيث طرق إنتاجها واكتسابها، أو من حيث مجالات استغلالها واستثمارها، أو من حيث وسائل تخزينها وتوزيعها. والمطلوب هو التوقف عن هذه الحالة من التعامل مع المعرفة والانطلاق إلى ما يمكن تسميته باقتصاديات المعرفة وفتح ميادين العلم على علم الاقتصاد وقطاعات الإنتاج [28]. إن الاقتصاد يشهد ثورة لا سابق لها، جعلت المعرفة هي المفتاح الرئيسي لإنتاج الثروة، فإن الاقتصاد يشكل بدوره بابا من أبواب المعرفة بمعنى إن الانفتاح على المجال الاقتصادي يتيح عبر تبادل المعلومات حول وسائل التنمية وميادين الابتكار توليد مزيد من المعرفة أو فتح آفاق مسدودة أمام العمل المعرفي. ولم يعد من المفيد الازدراء فقط ببعض الأفكار المتداولة مثل منطق السوق وعقلية الاستثمار [29]، مهما كان الموقف الذاتي منها دون المساهمة بمحاولة وضع البدائل الأفضل. ومهمة هذا التدخل ليس وضع الحلول، فهذا فوق طاقة فرد أم جماعة متماثلة الرأي والموقف.بل يحتاج الأمر بالنسبة للرؤية المستقبلية لتطور الموارد البشرية إلى كل الأفكار. إذ لا يملك أحدنا بمفرده الحقيقة الكاملة.والجامعة تحديدا باعتبارها مصانع المعرفة، معنية بالاهتمام بهذه المسألة إلى أبعد حد.

6 ـ المواءمة بين عملية الدخول إلى عصر المعلومات،وفي الوقت ذاته العمل على  تلافي تفشي ظاهرة البطالة:

 على أن يكون العمل باتجاه الحد من تفشي البطالة عامة، وبين الشباب خاصة. وهو الموضوع الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة.ولابد من بذل جهود فائقة لحل هذه المشكلة.

7 ـ الحد من تفكك البرامج التعليمية القائمة على المستوى العربي:

وإيجاد تكامل تقني وتعليمي بديل، يمهد للأجيال القادمة ليس فقط التكيف مع العصر الذي نعيش فيه، بل واستيعاب تقنيات عصر المعلومات استخداما وصناعة أيضا. واستشراف المستقبل تهيؤا لمتطلباته.

8 ـ إدخال مقررات جديدة في مناهج التدريس الجامعي:

أي تشجيع الطلبة على أنواع من الدراسة غير التقليدة مما أصبحت تتطلبه سوق العمل، تتناول تطبيقات التقانة المعاصرة، أو دفعهم لدراسة نظم التجارة المحلية والدولية بواسطة شبكة الإنترنيت الخ..علما أن العديد من الجامعات، وحتى في بلد مثل تايلاند، افتتحت فروعا لديها للتخصص في أساليب التسوق بواسطة الإنترنيت. وبدأت تشجع طلابها على الانخراط في مثل هذه الدراسة.والعمل على إقناعهم بما ينتظر مستقبلهم من توقع الحصول على ملايين الدولارات بسرعة عن هذا الطريق. فالمتخرج في هذه الحالة لا يحتاج إلى محل تجاري (وما يتكلفه ذلك من نفقات)، بل هناك حاجة فقط إلى موقع على الشبكة المذكورة تمكن، صاحب الموقع من الاتصال بالزبائن بائعي الجملة أو أحيانا بالزبائن من مستوى أدنى أو أعلى مثل التعامل على مستوى التجارة الدولية.

9 ـ المحافظة على ملكية الدولة:

لأن القطاع الحكومي سيدعم دور الدولة ويتيح لها فرصة تحكم أفضل،في تقرير أين ومتى وإلى أي مدى ينبغي التدخل بغية إيجاد التوازن المطلوب بين التقنيات الجديدة وتوظيف العمالة .

10 ـ تدعيم نظام الحماية الاجتماعية،والتوسع في الخدمات ذات الطابع الاجتماعي:

إننا نعتقد بأن إقامة نظام متكامل للضمان الاجتماعي قد حان أوانه. بما في ذلك تفعيل مكتب تسجيل البطالة،وتأسيس نظام إعانة العاطلين عن العمل،وتسهيل توفير العمل لمن يطلبونه بطريقة منظمة. وتقديم إعفاءات من بعض الضرائب لشركات القطاع الخاص التي تساعد على امتصاص العمال المهددين بفقدان مراكزهم بسبب التطوير إن كانت ستقوم حقا بإعادة تأهيلهم وتشغيلهم.

والعمل على توسيع دور الدولة في قطاع الخدمات الاجتماعية ولا سيما تلك التي تعمل في قطاع الخدمات الصحية والتعليمية التي يمكنها أن تنّشط التنمية البشرية.

11 ـ دعم القطاع الخاص الوطني:

ولا سيما ذلك الذي يعمل في النشاط الاقتصادي كثيف العمالة وتقديم المزايا والحوافز لتشجيعه

12 ـ استحداث تعريفات وقوانين جديدة للمهن الجديدة:

إذ ستكون هناك ضرورة في المستقبل لوضع تعريفات علمية وقانونية لحالات جديدة مثل:تعريف العمل عن بعد وتعريف أمن شبكة المعلومات والقرصنة المعلوماتية والتجارة الإلكترونية،وهذه الأخيرة أخذت تلقى الكثير من الاهتمام في السنوات القليلة الماضية في العالم،حيث بلغ رقم أعمالها 1500 مليار دولار أمريكي خلال الأعوام الثلاثة الماضية (من 1997 إلى عام1999).

الخاتمة

نحن نعيش في عصر المعلوماتية التي بوسع الإنسانية عند استخدامها الملائم، أن تخفف من همومها ومتاعبها، وأن تحقق أحلام الناس في كل مكان،بإنشاء عالم جميل يتم فيه تبادل المعلومات والعلوم والثقافة، فتقرب بين البشر،وتملأ حياتهم بالرضى والطمأنينة.

ولكن الحال في هذا المنجز الإنساني شأن كل الإنجازات العلمية التي حققتها البشرية على مدى التاريخ، لها جوانبها المضيئة وجوانبها المعتمة.

ويصاب أحيانا بعض العاملين في ميدان الفكر الاقتصادي بصحوة ضميرهم الإنساني عندما يرهق وجدانهم شدة المآسي المحدقة بالبشرية نتيجة توظيف الأنانية الخالصة والبحث عن المكاسب في القرارات التي يكون لها منعكسا عالميا.ويروي أحد الصحفيين العرب الواقعة التالية لاستخلاص العبرة منها:

عمل في البنك الدولي خبير بارز أسمه جوزيف شتيغلتز،كان قد اختاره الرئيس كلينتون قبل ذلك ليكون رئيسا لمجلس مستشاريه باعتباره كان خبيرا وأكاديميا يؤمن بأن الرأسمالية هي التي ستحقق النجاح. مع ذلك رأى الرجل بعد بعض الوقت أن هذه الرأسمالية التي يعمل في خدمتها ليست رأسمالية فحسب،بل هي رأسمالية متوحشة. ورأى على خلاف دعاة اقتصاد السوق أن للدولة دورا ساميا وحيويا في التنمية الاقتصادية،وأنه لا يمكن الاعتماد على قوى السوق بشكل أعمى.وأن وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، هي وصفات للخراب الاقتصادي، وان من يدفع ثمنها هم الفقراء. وان الدول الصناعية حين تضغط على الدول النامية لكي تلغي الضوابط وتحرر نظمها المالية، تصبح النتيجة الحتمية هي هزيمة الأمل المشروع لدى تلك الدول في النمو الاقتصادي.

ولا يسع المرء هنا سوى أن يحيّ كلمات الاقتصادي الليبرالي الذي استقال من البنك الدولي ومن خدمة الرئيس كلينتون،وعودته إلى موقعه الأكاديمي:" إنني شعرت بأنه من المهم لضميري الثقافي أن أكون قادرا على التعبير عن نفسي بالقوة التي أراها مناسبة. بعيدا عن ضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي [30] "

الخلاصة أن ما يمكن قوله كخاتمة،هو أن على بلداننا العربية وسورية بالتحديد أن تستعد للتفاعل مع المتغيرات الحاصلة على صعيدي العولمة والمعلوماتية بما يناسب احتياجاتنا في كل منها. ولا بد من وجود سياسات واضحة ومدروسة لإفادة الوطن والمواطن من هذه التكنولوجيا،مع تجاوز المضاعفات السلبية لها.

 أسئلة تنتظر الإجابة وهي مطروحة للنقاش:

1 ـ هل سيحل العمل عن بعد مشكلة البطالة عموما أو على الأقل بطالة بعض الكفاءات المميزة في البلدان النامية، ونحن من بينها ؟ وهل سيكون هذا عاملا إيجابيا للحد من هجرة الكفاءات والعقول التي ألفناها سابقا نحو بلدان الشمال أو على الأقل التخفيف من وطأتها ؟ وما هي الإجابة الحقيقية عن أسئلة تطرح بصدد هذا النمط من العمل مثل:

ـ كيف سيتم تحديد الأجر بالنسبة للأعمال والمهن المستجدة؟.

ـ كيف ستتم مراقبة العمل عن بعد؟.

ـ وما هو مصير جملة من موضوعات الحماية الاجتماعية مثل المعاش التقاعدي، والضمان الصحي والإجازات وغيرها عند الأخذ بهذا النمط من العمل؟.

ـ وما هو شكل العلاقة بين العامل عن بعد ورب العمل؟.

2 ـ هل إن نمط العمل عن بعد يمثل فورة تكنولوجية لن تلبث أن تتلاشى ؟أم هو بداية لمرحلة جديدة ما زالت في الطور الجنيني ؟أم أن الإجابة هنا ستستدعي بعض الوقت لمعرفة نتائج التجربة؟.

3 ـ ألا تستدعي الضرورة إعادة تأهيل متواصل لتكييف منتجات العملية التعليمية مع متطلبات المتغيرات العلمية السائدة ؟ وقبل كل شئ ألا تستدعي الضرورة إعادة تجديد المعرفة لدى كل مستويات المنظومة التربوية ومنظومة التعليم في الجامعات ومراكز البحث العلمي ومراكز التدريب المهني؟.

4 ـ ألا تستدعي الضرورة إعادة تجديد المعرفة لدى فرقاء العمل على كافة الأصعدة في الوزارات والمؤسسات والشركات الحكومية الذين يساهمون بشكل أو بآخر في عملية صنع القرار؟.

5 ـ وهل سنعمل على الأخذ جديا بعين الاعتبار بمقولة أن المستقبل لن يتيح العمل بدون تأهيل متميز، هي مسألة غير قابلة للتأجيل؟ وأنه ليس المطلوب تعلم أي نوع من المهن بل المهنة التي يطلبها سوق العمل في المدى المنظور؟.

6 ـ ثم ألا يمكن الافتراض أن البروليتاريا يمكن أن تتحول من الشكل الذي عرفته كل من الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية المعتمدتين بشكل رئيسي على العمل العضلي،لنصبح أمام بروليتاريا تعمل بجهدها الذهني؟.

7 ـ هل ستنتهي حقا أشكال التنظيم النقابي الذي يجمع بين أفراد المهنة الواحدة للدفاع عن المصالح والأضرار التي تواجه الجماعة المهنية الواحدة، وان البطاقة النقابية ستختفي،لأن الأخلاقيات والتقاليد التي كانت تقرب بين العاملين في صالات العمل ستنتهي وتزول بسبب تغير أنماط العمل وسيزول معها الشعور بالحس الجماعي ؟ لو كان الأمر كذلك فكيف يمكن تفسير إضرابات العاملين ببعض المهن من أصحاب الياقات البيضاء أو أصحاب المعاطف البيضاء كالأطباء والعاملين العلميين وأساتذة الجامعات مما تتناقله أحيانا وكالات الأنباء من هذا البلد الصناعي أو ذاك؟.

8 ـ وهل سينتهي الاستغلال حقا أم أنه سيتحول من استغلال قوة العمل العضلية إلى استغلال ناتج العمل الذهني واستغلال قدرة الإبداع المعرفي للعلماء وذوي المهن الخلاقة وصانعي الأفكار؟.

9 ـ وهل ستنتهي الفوارق الاجتماعية وينتهي التقسيم الطبقي الذي نعرفه ؟ أم انه سيستمر ولكن بتركيبة مختلفة وسيبقى هناك مستغِل ومستغَل؟.

10 ـ بقي السؤال الأهم في هذا السياق وهو ما إذا كان التطور المنتظر للعولمة وثورة المعلومات المرافقة لها سيقود إلى «نهاية البروليتاريا» حقا كما تقول مجلة (دير شبيغل)، أم أن البروليتاريا ستعرف من جديد كيف تدافع عن حقها في العمل وكيف ترفض المصير الذي يكتب لها؟.



(1) د.صاموئيل عبود،أستاذ قي معهد التخطيط بدمشق،أستاذ سابق في جامعة الجزائر العاصمة باحث في قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية .



[1] ـ لقد تجاوز د.أكرم ناصر في محاضرته تحديد مفهوم كل من الموارد البشرية وقوى العمل.وقد يكون مبرره أن المحاضرة ستقدم إلى حضور يغلب عليه الأكاديميون. إلا أنني أعتقد أنه مع تنوع الحضور الذي أخذ مكانه في محاضرات الثلاثاء الاقتصادي، قد لا يكون هناك ضرر من الإشارة إلى ذلك: فالموارد البشرية هي رصيد شعوب أي بلد وما تملكه من الطاقات والمهارات والمواهب والمعارف المستخدمة فعلا، أو التي يمكن استخدامها في إنتاج السلع والخدمات من اجل سدّ حاجات المجتمع. أما قوة العمل فهي التي تملك تلك الطاقات والمهارات والمواهب والمعارف. في حين تعني تنمية الموارد البشرية، المقدرة على استخدام كافة أفراد قوة العمل في أعمال مثمرة، والحد من الضياع الذي تتعرض له فئات السكان بسبب بقائها خارج قوة العمل رغم أنها قادرة على العمل وراغبة فيه. كما تعني تنمية الموارد البشرية توفر المقدرة على إعداد قوة العمل وتزويدها بالمهارات والمعارف اللازمة في عملية إنتاج السلع والخدمات، وتطوير هذه المهارات والمعارف للتوافق مع متطلبات الإنتاج الحديث والتوافق مع توقع تطوره المستمر.والوسائل المتاحة لتنمية الموارد البشرية كما هو معروف هي: التعليم العام،والتنمية الإدارية،والتدريب المهني. يرجع إلى مجلد " ندوة تنمية الموارد البشرية في الخليج العربي "المعقودة في البحرين في الفترة 15 18 فبراير (شباط) 1975،المعهد العربي للتخطيط بالكويت، الجزء الأول ص 199.

[2] ـ هاني شحادة الخوري، عرض كتاب " فن إدارة الموارد البشرية " تأليف الفرنسي مانفرد ماك، ترجمة د. محمد مرعي مرعي. في صحيفة (البعث) ملف الاثنين، 26 /4 /1999 ص 10

[3] ـ في بداية القرن العشرين قدّرت نسبة الذين يعملون في الزراعة بالولايات المتحدة الأمريكية، بحوالي 30% من قوة العمل. أما اليوم،فيعمل بالزراعة 2,5 %فقط،وهم ينتجون أكثر من الثلاثين بالمائة بعدة أضعاف أي أن المزارع الذي كان ينتج من قبل ليطعم أربعة أشخاص، أصبح الآن ينتج ل 78 شخصا حسب معطيات عام 1998

[4] ـ Der Spiegel,Heft:52 von,27.12.99,S;116

[5] ـ انظر كتاب المؤلفين الألمانيين:هانس بيتر مارتين، وهارالد شومان، بعنوان "فخ العولمة " بترجمته العربية من قبل د. عدنان عباس علي،في سلسلة عالم المعرفة،الرقم 238،صادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،أكتوبر(تشرين الأول) 1998 ص 181 وما بعدها،حيث قُدمت أمثلة عديدة بهذا الصدد

[6] ـ مجلة دير شبيغل الألمانية ( Nr.11,13.3.2000,S.117,Der Spiegel) تاريخ 13/3/2000 وقد وصفت المجلة هذا الاندماج بأنه سيكون عملاقا ماليا على المستوى الأوروبي برأسمال قدره 2,4 بليون مارك ألماني، وأن المصرف الجديد سيحمل اسم (دويتشه بنك) ولكنه سيحتفظ بلون وشعار (درسدنر بنك) الذي ستخلى عن اسمه لقاء ذلك بحسب الاتفاق. والتوفير الذي سيحققانه معا سيكون أولا عبر إلغاء ازدواجية الفروع، وثانيا عن طريق تفعيل طريقة ال(Onlinebanking) الذي يمكن الزبائن من إدارة حساباتهم إما بالهاتف أو بواسطة الكومبيوتر الشخصي على مدى 24 ساعة يوميا. وهذا يعطي بدوره نموذجا آخر لما سيكون عليه المستقبل غير البعيد الذي يتوجب الاستعداد له.

[7] ـ يرمي أصحاب الأعمال لتحقيق غرضين في وقت واحد في هذه الحالة:الأول هو أنهم يعمدون لتسريح عمالهم بغية التهرب من تحملهم للالتزامات المتعلقة بدفع الرواتب،ومن المسؤوليات الاجتماعية الأخرى. والغرض الثاني إعادة التشغيل من جديد بغية تلقي الدعم الحكومي الذي يشجع أرباب العمل على امتصاص العمالة.

[8] ـ انظر د.شادية العارف قارووط،صحيفة السفير،لبنان، بيروت،14/4/1998 ص 19.وقد أوردت الكاتبة في مقالها جملة من الإحصاءات الهامة حول تطور هذا النمط في عدد كبير من الشركات الأمريكية المعروفة مثل (آي.بي.إم)التي توظف 20%من أصل عمالها في الولايات المتحدة وعددهم 104 آلاف و(دوبون) التي توظف 10%وفق هذا النمط منأصل 60 ألف عامل و(ديجيتال)التي توظف 10% من أصل عمالها البالغين 65 ألفا،بل وحتى الإدارة الفيدرالية الأمريكية نفسها بدأت العمل بهذا النمط ولديها الآن ثلاثة آلاف من أصل مليوني موظف. ولهذا النمط امتداد إلى أوروبا حيث قدر من يعمل به في فرانسا بين 200 300 ألف عامل.أما في ألمانيا فهناك عدم اتفاق بين الحكومة والنقابات،وهم ينتظرون دراسة من الاتحاد الأوروبي (وإن كانت الصحافة الألمانية توحي بأنه معروف لديها ومنتشر أيضا ص. ع).وفي بريطانيا لا يوجد إحصاء محدد، ولكن الصحافة تنشر إعلانات للعمل بهذا النظام.وفي اليابان ما زالت الثقافة هناك رافضة له وهم يفضلون العمل معا تحت سقف واحد.

[9] ـ اسماعيل صبري عبدالله "بؤس الاقتصاد " في مجلة "الرباط "، الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية،العدد 30، شهر يناير (كانون الثاني)لعام 2000.

[10] ـ انظر د. رمزي زكي، كتاب "الاقتصاد السياسي للبطالة "، سلسلة عالم المعرفة،الرقم 226،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،اكتوبر (تشرين الأول)1997، ص487

[11] ـ انظر أيضا د.ابراهيم العيسوي،في مجلة " الرباط "،الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية عدد يناير /كانون الثاني لعام 2000

[12] ـ د.رمزي زكي "كتاب "الاقتصاد السياسي للبطالة "، سلسلة عالم المعرفة،الرقم 226،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،اكتوبر (تشرين الأول)1997، ص 486

[13] ـ محمد عوض،نائب رئيس تحرير "أخبار اليوم "القاهرية،نقلا عن السفير،بيروت، تاريخ 27/12/1999 ص 7

[14] ـ محمد عوض،مرجع سبق ذكره

[15] ـ د.شادية العارف قارووط مرجع سبق ذكره (مثلا في مدينة ليون الفرنسية قام عمال الحرير منذ مائتي عام برمي أول آلة حياكة في الماء خوفا من أن تلغي أعمالهم وتأخذ مكانهم ولم يدركو أن هذه الآلة ليست سوى الموجة الأولى وأنه سيتبعها العديد من الموجات وأن تأثيرات الأتمته السلبية والإيجابية لن تظهر إلا في أواسط القرن العشرين وكما في الماضي كان عمال الحرير يخشون آلة الحياكة، كذلك يوجد اليوم العديد ممن يخشون حداثة التقانة.

[16] ـ عصام الزعيم،مقابلة صحفية، في" البعث الاقتصادي "عدد 90، تاريخ 1/2/2000 ص 10 وما بعدها

[17] ـ انظر أيضا جلال أمين استشهادا برمزي زكي في مجلة "وجهات نظر "العدد الأول،شهر فبراير (شباط)1999ص 49

[18] ـ د.جميل قاسم، صحيفة " السفير " بيروت، تاريخ 30/12/1999 ص 21

[19] ـ انظر د.عصام الزعيم،"البعث الاقتصادي،مرجع سبق ذكره

[20] ـ د.جميل قاسم مرجع سبق ذكره

[21] ـ د. رمزي زكي،كتاب "وداعا للطبقة الوسطى "، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1998، نقلا عن جلال أمين، مجلة "وجهات نظر" العدد رقم 1 لشهر فبراير شباط 1999،القاهرة،ص 49

[22] ـ مجلة (دير شبيغل الألمانية Der Spiegel)تاريخ 27/12/1999 ص 117

[23] ـ انظر د. رمزي زكي، كتاب "الاقتصاد السياسي للبطالة "،مصدر سبق ذكره، ص 474 ـ 478،ويقصد المؤلف توجه "المدرسة المؤسسية "(غالبرايت وريفكين) الذين كانوا يردون على أصحاب المدرسة الكينزية معتبرين أن أفكارهم لم تعد صالحة بالنسبة لما يقترحونه من بدائل للبطالة وأنه من أجل تجاوز الفجوة القائمة بين مستويات التطور المرتفعة في الإنتاج والتكنولوجيا يحتاج الأمر إلى إصلاح مؤسسي بين الأطراف الثلاثة الفاعلة فبي النظام الرأسمالي وهي:الشركات والعمال والحكومة. أي أنهم يدعون إلى الإصلاح الاجتماعي للرأسمالية.

[24] ـ د. محمد الرميحي،لقاء "العصف الفكري"في "الاسكوا"،انظر صحيفة السفير،بيروت،لبنان، تاريخ 26/2/2000، ص 6

[25] ـ توجه الصحيفة الألمانية ملاحظتها إلى أن ألمانيا ما زالت متراجعة عن المستوى الموجود في بلدان أوروبا الشمالية المجاورة لها وعليها اللحاق بذلك. إذ فقط نصف الموظفين يعملون على أجهزة الحاسب، في حين أن كل موظف نرويجي يعمل على (1,1 جهاز). وتعيد الصحيفة سبب تردي انتشار الأجهزة لدى اليابانيين، وكون فقط 13% من الموظفين يملكون أجهزة حاسبة، بأنه ربما يعود هذا إلى صعوبة منظومة الكتابة في البلدان الآسيوية، التي تتضمن أكثر من 2000 حرف ورمز وسطيا. وتغلب اليابانيين على صعوباتهم تلك عبر إيجاد ما يقابل ابجديتهم في اللغة اليابانية لم يتم إلا منذ عدة سنوات فقط. وهذا هو مبرر تراجعهم الحالي عن البلدان الأوروبية.

[26] ـ خير الدين الخطيب، " تقنيات المعلومات والإدارة: الأثر والتطبيق "، مركز التوثيق والمعلومات، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، مقتبسة بدون تحديد بقية توثيق المرجع، عن دراسة لصحيفة (البعث) (قسم التحقيقات) تاريخ 26 /4 /1999 ص 10

[27] ـ هاني شحادة الخوري،عرض كتاب "فن إدارة الموارد البشرية مرجع سبق ذكره.

[28] ـ انظر علي حرب،" اقتصاديات المعرفة في عصر المعلومة والمعرفة "، صحيفة السفير، بيروت، تاريخ 18/7/1998

[29] ـ المرجع السابق

[30] ـ محمد عوض، صحيفة "السفير "، بيروت،لبنان، 27/2/99 ص 7.

 

 

الدكتور صاموئيل عبود