بين نمط العمل التقليدي ونمط العمل المعاصر

إلا أن قوى العمل لا تنظر إلى كافة أنواع المكتشفات التكنولوجية بعين الحذر.والواقع أن هذه النظرة المتشككة مرهونة بموقف التوجه الاقتصادي السائد في مركز اتخاذ القرارات. ولا يمكن توقع موقف يشوبه الحذر تجاه المكتشفات التقنية الجديدة إذا كان غرضها المحافظة على فرص العمل وتسهيل شروط الأداء والتخفيف عن عبء العمل من حيث الجهد والزمن اللازم لإنجاز السلع ضمن عملية الإنتاج، أو لإنجاز الخدمات في القطاعات المعنية بذلك.

وتميز قوى العمل في العادة بين نوعين من التطور التقني :إذ هناك أولا نوع من تطور التقانة الذي يخلق منتجات جديدة واحتياجات جديدة ويعتبر مصدرا مهما للتطور الاقتصادي ويسمح بإيجاد أعمال ومهن جديدة ترتبط بهذا المنجز. مثل اختراع القطار والسيارة والجرار والهاتف والتلفزيون والطائرة وبعض التجهيزات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل جديدة . وهناك ثانيا نوع آخر من تطور التقانة الذي يدخل أشكالا من الأتمتة الجديدة التي تحل مكان العامل، وتمكّن أصحاب رأس المال من تخفيض كلفة السلع الموجودة في السوق عن طريق تخفيض ساعات العمل الضروري لإنتاجها. وتعمل بالتالي على إخراج قوى العمل وإحلال التقنيات الجديدة مكانها،بأداء أفضل وبكلفة أقل.

النوع الثاني من التطور التقني، هو ما كان يعتبر مصدر قلق لليد العاملة لأنها كانت ترى فيه تهديدا لعملها.وتحطيم العمال لآلات النسيج وتكسيرها مع بداية الثورة الصناعية معروفة [15] وإن لم يدركوا حينها أن تلك الآلات ليست سوى الموجة الأولى وأنه سيتبعها العديد من الموجات اللاحقة فيما بعد. وأن تأثيرات الأتمته السلبية والإيجابية لم تظهر إلا في أواخر القرن العشرين وما بعده. وكما كان عمال الحرير في الماضي يخشون آلة الحياكة، كذلك يوجد اليوم العديد ممن يخشون العولمة وعصر المعلومات.

ومع انتشار الثورة الإلكترونية وتطبيقاتها في مجال الأتمتة التي أدت إلى إحلال  الرجل الآلي مكان الإنسان في المصانع، بدأت التساؤلات تعكس الخوف المجهول لدى العمال، فيما إذا كانت هذه التقنيات ستؤدي إلى تدمير العمل أم أنها ستؤدي على نقيض هذا الخوف، أي إلى فتح المجال لأشكال وأنماط جديدة من العمل فحسب ؟

كما أنه مع بروز ظاهرة العمل عن بعد، وهي الظاهرة الحديثة في الوقت الراهن، عاد التشكك من جديد كما كان عليه الشأن عند اكتشاف الآلة البخارية وتطبيقاتها الأولى في الصناعة. وعاد العمال إلى طرح السؤال ذاته على أنفسهم مرة أخرى،وهو: هل يمكن لهذه الظاهرة الجديدة أن تخلق ديناميكية اقتصادية تؤدي إلى خلق وظائف جديدة ؟وهل إن عصر المعلومات وعصر التقانة فائقة التطور ستكون وبالا عليهم، أم ستكون محركا فعليا لتنشيط سوق العمل ؟ وهل سيكون بمقدور هذا النمط من الأعمال المستجدة حل مشكلة البطالة وإيجار فرص عمل جديدة لهم؟.

 



[15] ـ د.شادية العارف قارووط مرجع سبق ذكره (مثلا في مدينة ليون الفرنسية قام عمال الحرير منذ مائتي عام برمي أول آلة حياكة في الماء خوفا من أن تلغي أعمالهم وتأخذ مكانهم ولم يدركو أن هذه الآلة ليست سوى الموجة الأولى وأنه سيتبعها العديد من الموجات وأن تأثيرات الأتمته السلبية والإيجابية لن تظهر إلا في أواسط القرن العشرين وكما في الماضي كان عمال الحرير يخشون آلة الحياكة، كذلك يوجد اليوم العديد ممن يخشون حداثة التقانة.