![]() |
تكنولوجيا الأمس وتكنولوجيا اليوم وظاهرة العولمة
لقد
زاد الابتعاد عن الصيغة النظرية للمنافسة والتي كانت سائدة حتى أواسط القرن التاسع
عشر، بظهور الاحتكارات الكبيرة. وفي أواسط الثلاثينات من القرن العشرين كان واضح
أن السائد في الأسواق هو المنافسة الاحتكارية. معتمدة على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا
بغض النظر عما إذا كان السوق سيحقق العمالة الكاملة أم لا. كينز دق ناقوس الخطر
في حينه عندما أثبت عجز السوق عن تحقيق العمالة الكاملة وأكد على تأثير ذلك على
ظهور الركود الاقتصادي الكبير.في الثلاثينات من القرن الماضي. ودعا لتدخل الدولة
بمشروعات تشغيل كبيرة ليزيد الطلب الكلي الفعّال.
إلا أن الشركات متعددة
الجنسيات (أو متعدية الجنسية) تناست أحداث ثلاثينيات القرن الماضي، فهي لا تكف
الآن عن تمجيد السوق والتدني بدور الدولة القومية بالرغم من تنبيه الكثيرين من
رجال السياسة والاقتصاد بعقم الأساس النظري والأضرار الاجتماعية التي يمكن أن
يتسبب بها هذا التوجه[9].
كما أن خلق بيئة دولية مضطربة تستفحل فيها قوى العولمة بشكل كاسح يكاد يدمر "الدولة
ويحل محلها الشركات متعددة الجنسية،بحيث أصبحت مسألة مكافحة البطالة أو التخفيف
منها، إلى جانب التطور في التقنية، مسألة عزيزة المنال "[10].
إلى أن جاءت مجريات حركة مقاومة الشوارع في سياتل لتوجه صحوة لهذا المنحى، وإن
كنا لا نعلم إلى متى. لذلك نقول منذ البداية بضرورة عدم إغفال العلاقة بين منجزات
عصر العولمة والمعلوماتية واصطدامها مع قوة العمل.
وقد كان لتقنية المعلومات
تأثير واضح على انطلاقة العولمة وترسيخ نجاحاتها، التي تحققت لها حتى الآن، وذلك
لتوفر عاملين تضافرا معا على تحقيق ذلك النجاح:
الأول: هو التطور التكنولوجي فائق التقدم (هايتكنولوجي)
الذي تحقق حتى الآن،
والثاني: هو مجموع السياسات والقرارات التي تعمل الدول
الصناعية المتقدمة وحكوماتها على فرضهما على العالم مثل سياسة الخصخصة،وقرارات
إلغاء الدعم وقرارات فتح الأسواق.[11]
والمشكلة أن مجيء العولمة،أي
تعاظم حرية حركة رؤوس الأموال والسلع دون عوائق،وتعاظم سطوة الشركات متعددة الجنسية،
وإخضاع مصالح الدول والمواطنين لمصلحة التنافس العالمي والأسواق المالية الدولية،
جاءت لتزيد الأمور خطورة.فقد كانت انعكاساتها سلبية في مواضع عديدة أهمها:
(1) إن العولمة قضت على إمكانية السيطرة على الأسواق المحلية،
التي تشكل إحدى الدعائم الرئيسية للدولة كمؤسسة.
(2)
إن العولمة أبطلت إلى حد بعيد، من فاعلية أية سياسات وطنية يمكن أن تتخذها الدول
لرعاية مصالحها المحلية،ومن بينها قدرتها على التشغيل ومحاربة البطالة.
(3) نجم عن استخدام التكنولوجيا الجديدة المتقدمة، المرتكزة
على كثافة المعلومات، إلى حد بعيد، لأن تصبح المدخرات تزيد كثيرا على الاستثمارات
الفعلية على صعيد العالم كله. وبدلا من إعادة توظيفها كما كان يحدث في السابق،
في إيجاد مشاريع جديدة لتشغيل من أخرجتهم التقنيات الحديثة من وظائفهم، اتجهت
فوائض المدخرات العالمية إلى عمليات المضاربة المحمومة التي تحدث الآن في أسواق
الصرف الأجنبي والأسواق النقدية والمالية. وتفاقم ذلك على النحو الذي جعل هذه
الأسواق أشبه بنوادي القمار التي أصبحت فيها تحركات الأسعار هبوطا وصعودا، تهز
شركات عملاقة،بل وتهز دول ومناطق جغرافية بكاملها [12].
لقد امتطت الشركات متعددة
الجنسية حصان المعلوماتية واندفعت بواسطتها إلى ما أطلق عليه عولمة الاقتصاد.
"وبدأ المثلث العالمي منظمة التجارة العالمية،صندوق النقد الدولي، والبنك
الدولي، يمطروننا صباح مساء بمئات الاجتماعات والندوات والمؤتمرات،بعيدا عن الكاميرات
وأمامها بدعوة ملحة مفادها أن العولمة حتمية، وتحرير التجارة قدر لا فكاك منه.
وأن الكل يجب أن يبيع مصانعه وشركاته وبنوكه "[13].وتتم
الدعوة لذلك دون أي اعتبار لقوى العمل الذين وضعتهم العولمة الاقتصادية على قارعة
الطريق.
والحقيقة أن العولمة وبضمنها المعلوماتية
فيها فائزون طبعا، وهم حتى الآن أصحاب الصوت العالي، لأنهم يمثلون 300 شركة متعددة
الجنسية عابرة للقارات، ثلثاها أمريكية. وفيها خاسرون أيضا، فالعولمة بشكلها
المتوحش المطروح أخيراً، خلفت ضحايا هم حتى الآن أربع أخماس كل البشر على كوكبنا.
[14].
وبالرغم من أن تقنيات المعلوماتية
كانت حصانا للعولمة، وأظهرت في كثير من الأحوال وجها معاديا لمصالح قوى العمل،
إلا أن المعلوماتية من جانب آخر كان لها وجها طيبا. إذ
من بين المفارقات العديدة التي رافقت الأحداث التي قامت بها الجماعات المحتجة
في سياتل، أن تلك الجماعات كانت قد توصلت إلى ترتيب تجمعاتها وترتيب برنامجها
الاحتجاجي بواسطة الإنترنيت. ويمكن الافتراض بالتالي أن هذه الشبكة يمكن أن تكون
منبرا لتوصيل قضايا الجماعات والأفراد غير المقتدرين على توصيل ما يريدون توصيله بالوسائل التقليدية. وهذا مجال متاح
بنفس القدر للجماعات والأفراد وحتى الحكومات والدول في بلدان العالم الثالث.
[9] ـ اسماعيل صبري عبدالله "بؤس الاقتصاد " في مجلة "الرباط "، الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية،العدد 30، شهر يناير (كانون الثاني)لعام 2000.
[10] ـ انظر د. رمزي زكي، كتاب "الاقتصاد السياسي للبطالة "، سلسلة عالم المعرفة،الرقم 226،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،اكتوبر (تشرين الأول)1997، ص487
[11] ـ انظر أيضا د.ابراهيم العيسوي،في مجلة " الرباط "،الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية عدد يناير /كانون الثاني لعام 2000
[12] ـ د.رمزي زكي "كتاب "الاقتصاد السياسي للبطالة "، سلسلة عالم المعرفة،الرقم 226،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،اكتوبر (تشرين الأول)1997، ص 486
[13] ـ محمد عوض،نائب رئيس تحرير "أخبار اليوم "القاهرية،نقلا عن السفير،بيروت، تاريخ 27/12/1999 ص 7
[14] ـ محمد عوض،مرجع سبق