الخاتمة

نحن نعيش في عصر المعلوماتية التي بوسع الإنسانية عند استخدامها الملائم، أن تخفف من همومها ومتاعبها، وأن تحقق أحلام الناس في كل مكان،بإنشاء عالم جميل يتم فيه تبادل المعلومات والعلوم والثقافة، فتقرب بين البشر،وتملأ حياتهم بالرضى والطمأنينة.

ولكن الحال في هذا المنجز الإنساني شأن كل الإنجازات العلمية التي حققتها البشرية على مدى التاريخ، لها جوانبها المضيئة وجوانبها المعتمة.

ويصاب أحيانا بعض العاملين في ميدان الفكر الاقتصادي بصحوة ضميرهم الإنساني عندما يرهق وجدانهم شدة المآسي المحدقة بالبشرية نتيجة توظيف الأنانية الخالصة والبحث عن المكاسب في القرارات التي يكون لها منعكسا عالميا.ويروي أحد الصحفيين العرب الواقعة التالية لاستخلاص العبرة منها:

عمل في البنك الدولي خبير بارز أسمه جوزيف شتيغلتز،كان قد اختاره الرئيس كلينتون قبل ذلك ليكون رئيسا لمجلس مستشاريه باعتباره كان خبيرا وأكاديميا يؤمن بأن الرأسمالية هي التي ستحقق النجاح. مع ذلك رأى الرجل بعد بعض الوقت أن هذه الرأسمالية التي يعمل في خدمتها ليست رأسمالية فحسب،بل هي رأسمالية متوحشة. ورأى على خلاف دعاة اقتصاد السوق أن للدولة دورا ساميا وحيويا في التنمية الاقتصادية،وأنه لا يمكن الاعتماد على قوى السوق بشكل أعمى.وأن وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، هي وصفات للخراب الاقتصادي، وان من يدفع ثمنها هم الفقراء. وان الدول الصناعية حين تضغط على الدول النامية لكي تلغي الضوابط وتحرر نظمها المالية، تصبح النتيجة الحتمية هي هزيمة الأمل المشروع لدى تلك الدول في النمو الاقتصادي.

ولا يسع المرء هنا سوى أن يحيّ كلمات الاقتصادي الليبرالي الذي استقال من البنك الدولي ومن خدمة الرئيس كلينتون،وعودته إلى موقعه الأكاديمي:" إنني شعرت بأنه من المهم لضميري الثقافي أن أكون قادرا على التعبير عن نفسي بالقوة التي أراها مناسبة. بعيدا عن ضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي [30] "

الخلاصة أن ما يمكن قوله كخاتمة،هو أن على بلداننا العربية وسورية بالتحديد أن تستعد للتفاعل مع المتغيرات الحاصلة على صعيدي العولمة والمعلوماتية بما يناسب احتياجاتنا في كل منها. ولا بد من وجود سياسات واضحة ومدروسة لإفادة الوطن والمواطن من هذه التكنولوجيا،مع تجاوز المضاعفات السلبية لها.

 أسئلة تنتظر الإجابة وهي مطروحة للنقاش:

1 ـ هل سيحل العمل عن بعد مشكلة البطالة عموما أو على الأقل بطالة بعض الكفاءات المميزة في البلدان النامية، ونحن من بينها ؟ وهل سيكون هذا عاملا إيجابيا للحد من هجرة الكفاءات والعقول التي ألفناها سابقا نحو بلدان الشمال أو على الأقل التخفيف من وطأتها ؟ وما هي الإجابة الحقيقية عن أسئلة تطرح بصدد هذا النمط من العمل مثل:

ـ كيف سيتم تحديد الأجر بالنسبة للأعمال والمهن المستجدة؟.

ـ كيف ستتم مراقبة العمل عن بعد؟.

ـ وما هو مصير جملة من موضوعات الحماية الاجتماعية مثل المعاش التقاعدي، والضمان الصحي والإجازات وغيرها عند الأخذ بهذا النمط من العمل؟.

ـ وما هو شكل العلاقة بين العامل عن بعد ورب العمل؟.

2 ـ هل إن نمط العمل عن بعد يمثل فورة تكنولوجية لن تلبث أن تتلاشى ؟أم هو بداية لمرحلة جديدة ما زالت في الطور الجنيني ؟أم أن الإجابة هنا ستستدعي بعض الوقت لمعرفة نتائج التجربة؟.

3 ـ ألا تستدعي الضرورة إعادة تأهيل متواصل لتكييف منتجات العملية التعليمية مع متطلبات المتغيرات العلمية السائدة ؟ وقبل كل شئ ألا تستدعي الضرورة إعادة تجديد المعرفة لدى كل مستويات المنظومة التربوية ومنظومة التعليم في الجامعات ومراكز البحث العلمي ومراكز التدريب المهني؟.

4 ـ ألا تستدعي الضرورة إعادة تجديد المعرفة لدى فرقاء العمل على كافة الأصعدة في الوزارات والمؤسسات والشركات الحكومية الذين يساهمون بشكل أو بآخر في عملية صنع القرار؟.

5 ـ وهل سنعمل على الأخذ جديا بعين الاعتبار بمقولة أن المستقبل لن يتيح العمل بدون تأهيل متميز، هي مسألة غير قابلة للتأجيل؟ وأنه ليس المطلوب تعلم أي نوع من المهن بل المهنة التي يطلبها سوق العمل في المدى المنظور؟.

6 ـ ثم ألا يمكن الافتراض أن البروليتاريا يمكن أن تتحول من الشكل الذي عرفته كل من الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية المعتمدتين بشكل رئيسي على العمل العضلي،لنصبح أمام بروليتاريا تعمل بجهدها الذهني؟.

7 ـ هل ستنتهي حقا أشكال التنظيم النقابي الذي يجمع بين أفراد المهنة الواحدة للدفاع عن المصالح والأضرار التي تواجه الجماعة المهنية الواحدة، وان البطاقة النقابية ستختفي،لأن الأخلاقيات والتقاليد التي كانت تقرب بين العاملين في صالات العمل ستنتهي وتزول بسبب تغير أنماط العمل وسيزول معها الشعور بالحس الجماعي ؟ لو كان الأمر كذلك فكيف يمكن تفسير إضرابات العاملين ببعض المهن من أصحاب الياقات البيضاء أو أصحاب المعاطف البيضاء كالأطباء والعاملين العلميين وأساتذة الجامعات مما تتناقله أحيانا وكالات الأنباء من هذا البلد الصناعي أو ذاك؟.

8 ـ وهل سينتهي الاستغلال حقا أم أنه سيتحول من استغلال قوة العمل العضلية إلى استغلال ناتج العمل الذهني واستغلال قدرة الإبداع المعرفي للعلماء وذوي المهن الخلاقة وصانعي الأفكار؟.

9 ـ وهل ستنتهي الفوارق الاجتماعية وينتهي التقسيم الطبقي الذي نعرفه ؟ أم انه سيستمر ولكن بتركيبة مختلفة وسيبقى هناك مستغِل ومستغَل؟.

10 ـ بقي السؤال الأهم في هذا السياق وهو ما إذا كان التطور المنتظر للعولمة وثورة المعلومات المرافقة لها سيقود إلى «نهاية البروليتاريا» حقا كما تقول مجلة (دير شبيغل)، أم أن البروليتاريا ستعرف من جديد كيف تدافع عن حقها في العمل وكيف ترفض المصير الذي يكتب لها؟.


 


[30] ـ محمد عوض، صحيفة "السفير "، بيروت،لبنان، 27/2/99 ص 7.

 

 

الدكتور صاموئيل عبود