ثالثاً ـ التوجهات السياسية حول المسألة الإدارية

مما يدعو إلى التفاؤل لدينا، ويعتبر من أهم الظروف لتحقيق التنمية الإدارية وجود القرار السياسي حولها، منذ فجر الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس القائد الراحل حافظ الأسد [1] ودعا إلى بناء الدولة العصرية.. وحتى المرحلة الحالية التي يحمل لواءها السيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد..

1- حيث نقرأ في كلمة الرئيس الراحل قوله في العام 1999 " إن تطوير العمل في أجهزة الدولة ومؤسساتها بات ضرورة ملحّة.. ومسؤولية وطنية.. حتى لا تتسع الفجوة بيننا وبين الآخرين.. وحتى نكون شركاء أكفاء في كل ما يجري من تطورات سياسية واقتصادية في الوطن العربي والعالم. "، و " إن تحديث الدولة يقتضي تنمية الشعور بالمسؤولية.. ورفع الكفاءة الإدارية والمهنية..".

2- ويوجه السيد رئيس الجمهورية في خطاب القسم الدستوري بتاريخ 17/7/ 2000 بالآتي:

× التطوير هو باعتقادي الهاجس الأساسي لكل مواطن في هذه البلاد وفي مختلف المجالات..

× الإصلاح الإداري، اليوم حاجة لنا جميعاً، فقصور الإدارة لدينا هو من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية والبناء..

× علينا أن نبدأ بالسرعة القصوى بإجراء الدراسات الكفيلة بتغيير هذا الواقع للأفضل من خلال تطوير الأنظمة الإدارية وهيكليتها، ورفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية..

× ولا بد من محاربة المقصرين والمسيئين والمهملين والمفسدين..

× يجب التأكيد على التخطيط وعلى نوعية هذا التخطيط بهدف الوصول إلى مجتمع ودولة نوعيين، وبالتالي متابعة بناء سورية عصرية متقدمة..

3 - وورد في البيان عن أعمال المؤتمر القطري التاسع للحزب عام 2000:

× شدد المؤتمر على تطوير آليات العمل في مؤسسات الدولة..

× ضرورة بلورة هيكلية اقتصادية متطورة، وتحديث القوانين الاقتصادية، واستخدام الأساليب الحديثة في إدارة الاقتصاد، بما يرفع من الكفاءة والجدوى ومستوى الأداء..

× يتطلب التعامل مع العولمة رفع الكفاءة على كل المستويات وتحديث الدولة والمجتمع..

4 - وناقشت القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية في اجتماعها بتاريخ 23/12/2000 برئاسة السيد الرئيس، المبادئ التي تعتمد لتطوير القطاع الاقتصادي واستعرضت آفاق التنمية الاقتصادية وعوامل تكامل جهود القطاعات الثلاثة العام والخاص والمشترك. وأكدت على أهمية النهوض الاقتصادي في جميع فروع الاقتصاد الوطني في جميع فروعه.. وخضوع مؤسسات القطاع العام الاقتصادي للمعايير الاقتصادية وتوحيد جهات الإشراف عليها.

5 - وأكد الرفيق عضو القيادة القطرية رئيس المكتب الاقتصادي القطري، خلال الاجتماع في مبنى مجلس الوزراء، منتصف شباط الماضي، على الآتي:

× اهتمام القيادة وفي مقدمتها السيد الرئيس بشار الأسد في الموضوع الإداري وأنه يأخذ عليه الكثير من وقته..

× ترابط التنمية الإدارية مع التنمية الاقتصادية وأن لا تنمية اقتصادية دون الإدارة القادرة على تنمية حقيقية بعيدة عن الفساد والروتين..

× إذا كان النصف الأول من العام الحالي هو للإصلاح المالي والضريبي فإن النصف الثاني منه سيكون للإصلاح الإداري..

6 – وتشكل الجوانب الإدارية، وضرورة السير على طريق التنمية الإدارية، في مناقشات أعضاء مجلس الشعب ومداخلاتهم " قاسماً مشتركاً " في كل ما يعرض عليهم من موضوعات.. وبخاصة لدى مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة سنويا.

7 – ويذكر السيد رئيس مجلس الوزراء في الاجتماع بتاريخ 17/3:

× الإدارة شيء أساسي ومهم في عملية التحديث..

× والإصلاح الإداري يتقدم على الإصلاح الاقتصادي في عملية التطور والتنمية التي تقوم بها الدولة من أجل مواكبة التطورات التي يشهدها العالم في مختلف المجالات..

فنحن لا ننطلق من فراغ.. ولا شك في أن ما ذكرناه باختصار، من توجهات ومنطلقات وأهداف ومهام يتطلب الكثير من الجهود الجماعية، الفكرية والعملية، للسير على هديها وتحقيقها، وتوفير متطلباتها وأدواتها وترجمتها إلى واقع في اقصر وقت.. ويأتي في طليعتها ترشيد الإدارة الذي يمكن تحقيقه بتنمية إدارية شاملة وعاجلة، تتبناها وتعمل على تنفيذها وترجمتها إلى واقع، جهة مختصة بالإدارة دائمة ومتفرغة.. ما زلنا نفتقدها في الهيكل للإدارة الحكومية المدنية.

وانطلاقاً من هذه التوجهات، وفي ضوء ما تقدم عن الإدارة والتنمية الإدارية، سنحاول في الفقرات التالية تسليط الضوء على بعض الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وبيان مدى تأثرها بالواقع الإداري وما تتطلبه من إصلاحات إدارية هامة، مما يؤكد أن الإصلاح الإداري مدخل أساس للإصلاح الاقتصادي.

رابعاً ـ تساؤلات حول الإصلاح الاقتصادي

س 1 ـ ماذا نريد من الإصلاح الاقتصادي؟. الإجابة باختصار:

آ ـ تحديد الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، التي تحقق رفع المستوى المعاشي للمواطنين، المادي والمعنوي والاجتماعي والثقافي والتربوي..، والتي نستطيع معها تعزيز ما لدينا من إيجابيات وتصويب ما لدينا من سلبيات، وتحقيق التطوير وطموحاتنا أقرب وقت، وإعادة عجلة الاقتصاد إلى مسارها الصحيح.. على أن تستهدف العام 2025 وما بعده، وليس العام 2020كما نقرأ في الصحف..  إذ يجب أن نفكر ونخطط لمصلحة الجيل الذي يولد الآن. وقد فعلنا ذلك في الخطة الخمسية الثالثة عام 1970 حين استهدفنا العام  2000 أي تطلعنا نحو المستقبل إلى مدى 30 عاما.. وها هو العام 2000 قد مرّ!. وقد تكون السنوات في عمر الأفراد طويلة، ولكنها تكاد لا تذكر في عمر المجتمعات والدول والشعوب، الذي يؤرخ له ويقاس بالعقود والقرون، ويجب أن يخطط له كذلك.

ب ـ ومن ثم وضع الأهداف والسياسات المرحلية والتدابير والإجراءات المختلفة،المنبثقة عنها.

س 2 ـ ما هو نطاق الإصلاح الاقتصادي ومداه؟.

يشمل الإصلاح الاقتصادي المنشود، كل القطاعات في المجتمع، في إطار التعددية الاقتصادية، التي تتطلب إدارة كفؤة على مستوى المجتمع، لتتمكن من توزيع الأدوار بكفاءة بين القطاعات المختلفة، كما يفعل المخرج المسرحي أو السينمائي أو التلفزيوني الجيد، وذلك في إطار الأهداف العامة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبحسب قدرات كل منها وأهدافه المعنوية والمادية.. مما  يقتضي رفع مستوى الإدارة وجعلها رشيدة في كل القطاعات على حد سواء.

ويدور حوار كثير عن الخصخصة.. بين 1- متحمس ومؤيد؛ و 2- معتدل يسلك طريقاً وسطاً حائرا؛ و 3- مدافع عن القطاع العام وداعية لإزالة العقبات من أمامه.. والحوار ينصب عموماً عن الملكية من حيث نقلها بالبيع أو المشاركة، أو فصلها عن الإدارة، أو التصفية لعدد من وحداته.. ونحن نرى، ولاعتقادنا بأن دور كل القطاعات باق بهذا القدر أو ذاك، بأن المسألة الجوهرية هي الإدارة، ومستواها وكفاءتها بصرف النظر عن شكل الملكية والتبعية، وإن كفاءة الإدارة مطلوبة بإلحاح في كل القطاعات، العام والخاص والتعاوني والمشترك والعائلي.. كما في كل أجهزة الدولة والمجتمع. وسنفرد لاحقاً نظرة خاصة إلى تجربة إدارية إصلاحية، تتعلق بالقطاع العام، هي تجربة الإدارة بالأهداف.

س 3 ـ بمن ستنفذ مهام الإصلاح الاقتصادي؟

آ ـ بالإنسان الرشيد المؤهل الجدي، فبدونه، و إذا بقيت الإدارة  مظلومة ومجهولة، لا شيء يمكن تحقيقه، من طموحات وأهداف التطوير في كل المجالات، بما فيها المجال الاقتصادي،!. فتعالوا، نمحو الأمية الإدارية أولاً، ونهيئ الإنسان المناسب كمدخل أساس للإصلاح الاقتصادي وغيره.

ب ـ بإعداد الإنسان الأخلاقي، وهذا يتطلب توفير الظروف الملائمة للمحافظة على معنويات العاملين وأخلاقياتهم ومكافحة الإفساد والفساد وسد ذرائعهما بتدابير إيجابية، التي نعتقد بأن أكثرها تدابير إدارية.. ومنها: رفع مستوى معيشته، وتبسيط القوانين والأنظمة والإجراءات البيروقراطية والروتينية، بحيث لا يلجأ صاحب المصلحة المضطر، إلى أساليب ملتوية للوصول إلى غايته وقضاء حاجته عبر التعليمات الغائمة والإجراءات المعقدة والاشتراطات غير المبررة، كما يشكل هذا الوضع ضغطاً محرجاً على العاملين قد يؤدي إلى سقوط بعضهم في شراكه.

س 4 ـ كيف، أو ما هي الطريقة التي نستطيع معها تحقيق ما تقدم في الإجابة على سؤال " ماذا نريد؟ "، على المدى القريب؛ وعلى المدى البعيد.. وما هي متطلباته؟. ونجيب بعدة اتجاهات:

1 - الإصلاح الاقتصادي، يقتضي ولا شك، مساهمة الجميع فيه، بحيث تصب جهودهم في بوتقة واحدة هي المصلحة العامة للمجتمع، ويتطلب مشاركة جماعية على أوسع نطاق، كما طلب السيد رئيس الجمهورية " دعونا نعمل سوية كفريق عمل واحد " في خطاب القسم الدستوري.

2 - ويقتضي توفير المناخ التنظيمي والإداري والقانوني والمالي العام الملائم.. الذي يساعد على مساهمة جميع القطاعات والشرائح والأفراد، في إطار التعددية الاقتصادية، في تحقيق خطط التنمية الشاملة وبرامجها ومشاريعها وإجراءاتها، بشكل متناسق ومتكامل في ظل ظروف متكافئة ومنافسة شريفة تمكن من الاستفادة من إمكانات وطاقات كل منها على أفضل وجه، وكذلك استفادة جميع القطاعات والشرائح والأفراد، في الوقت نفسه من ثمار التطور والتنمية وبشكل متوازن لا يسمح بانفراد شريحة منها بهذه الثمار، أو بطغيان فئة على أخرى واستغلالها.. وإيجاد مثل هذا المناخ وتحقيق مثل هذه الظروف ممكن في حال كون الإدارة رشيدة، وخاصة في المستويات العليا.

3 - بالتخطيط والبرمجة، وهذه وظيفة إدارية عامة، يجب أن يتعلمها ويتقنها من يناط بهم الاضطلاع بها من أشخاص ومؤسسات في كل المستويات والقطاعات.. ومن هذا نستنتج ضرورة بدء الإصلاح الإداري أولاً، لنضمن وضع خطط ورسم برامج منطقية وواقعية وطموحة، في حدود ما نملك من إمكانات متنوعة من جهة، وما نتطلع إليه من أهداف من جهة ثانية.. فلا بد والحالة هذه، من تفعيل دور هيئة تخطيط الدولة والمجلس الأعلى للتخطيط، والحد من بعثرة مراكز التخطيط واتخاذ القرارات، بإلغاء المجالس واللجان الوزارية العليا أو تجميدها بداية.. وفي الوقت نفسه، لا بد من تأهيل العاملين في التخطيط في كل المستويات والمجالات والقطاعات.

4 - بالمعلومات والأرقام والشفافية.. إلا أنه مع الأدوات الإدارية المتخلفة، لا يمكن تشكيل قاعدة معلوماتية صحيحة أولاً بأول.. فكيف يمكن تحديد الأهداف ووضع خطط واتخاذ قرارات معللة سليمة ومتابعة تنفيذها ومعرفة مآلها؟. وبافتراض وجود الأدوات الإدارية المتطورة، وبالتالي افتراض إنشاء قاعدة معلوماتية صحيحة من قبل نخبة من المختصين والتقنيين.. فكيف يمكن الاستفادة منها على نطاق واسع، في المجتمع بجميع مؤسساته ومستوياته وقطاعاته وأفراده؟. إذا كان الأكثرية لا يحسنون استعمال تلك الأدوات والاستفادة من إمكاناتها الهائلة!. فتعالوا، نوسع خطوات المعلوماتية وبرامجها الجارية في القطر منذ سنوات، ونمحو الأمية المعلوماتية أيضاً، بعقد دورات تدريبية لمحو الأمية المعلوماتية لدى ذوي المناصب وكبار العاملين.. كمدخل أساس للإصلاح الاقتصادي وغيره.

5 – باحترام الزمن، فالإحساس بالزمن من الخصائص التي ميز بها الله الإنسان عن بقية المخلوقات؛ وتنظيم الوقت وحسن استغلاله يعتبر أحد الأشكال التي تتحقق معها الكيفية الجيدة لأداء الإدارة. وعدم احترام الزمن وتنظيمه واستغلاله على أفضل وجه، هو من الصفات التي تتسم بها الدول المتخلفة والنامية، ولا تؤهلها بالتالي لتقليص الفجوة التي تفصلها عن الدول المتقدمة.. بل إن هذه الفجوة تتزايد بشكل كبير مع التطور الهائل في وسائل الاتصالات والمعلوماتية، مما يفاقم آثار التخلف، وقد يدعو إلى الإحباط إذا لم نستدرك هذا التمايز " السلبي " المتزايد، بأقصى ما يمكننا من تصميم واستطاعة وجهد وسرعة.. منطلقين بدأب السلحفاة، وسرعة الأرنب ورشاقته في آن واحد.

ونعتقد أنه أصبح معلوماً لدى الجميع على نطاق الكرة الأرضية، أن أغنى رجل في العالم، قد وصل إلى ثروته الضخمة وإلى شهرته المنتشرة في كل أرجاء المعمورة، في عدد محدود من السنوات، بفضل ما قدمه من نظم وبرمجيات سهلة ومبسطة " بمقدار ما هي معقدة ومحيرة فنياً "، يسرت للبشر، سبل جمع المعلومات وترتيبها وتصنيفها وحفظها وتطويرها واسترجاعها وتبادلها على نطاق الكرة الأرضية أيضاً، في زمن قصير جداً نكاد لا نشعر به.. في مثل لمح البصر وبما يشبه السحر!، وإن جوهر هذا النجاح والتفوق المبهر يكمن في رأينا، بأن هذا الرجل، ومن يقوم بمثل أعماله، قد ساهم في إعادة الإنسان إلى طبيعته، فملأ على بني الإنسان وقتهم كله، وجعلهم يستفيدون منه دون هدر، ويتحلون بالميزة الخاصة بهم كبشر يختلفون عن بقية المخلوقات، التي تعيش لوقتها وبغريزتها، بالإحساس بالزمن وبضرورة احترامه والاستفادة العظمى منه.

كما أن أحد الجوانب الرئيسة في قياس الأداء في الإنتاج والخدمات وسائر الأعمال، هو مقدار ما يتحقق منها في واحدات الزمن.

س 5 ـ بماذا؟ نستطيع القيام بمهام الإصلاح الاقتصادي الجسيمة، لتحقيق ما نتطلع إليه من أهداف ونضعه من خطط على طريق التطوير والإصلاح والتغيير؟، وما هي الأداة التي نحتاج إليها لتسيير قاطرة الإصلاح ومن ورائها بقية مقطورات المجتمع؟. والجواب هو من جديد الإدارة الكفؤة الرشيدة.. هذه الأداة، أو الإدارة التي يمكن إيجادها بتنمية إدارية شاملة تنصب على ثلاثة محاور مترابطة متكاملة: المرتكزات الأساسية للإدارة؛ الوظائف العامة للإدارة؛ المهام التقليدية للإدارة.. كما ذكرنا.

س 6 ـ وتطرح نفسها أخيراً أسئلة كثيرة عامة وهامة: من أين نبدأ؟. وما هي الأهداف والمهام التي يجب التركيز عليها في هذه المرحلة؟. وما هي المستويات والمؤسسات والمنظمات والأجهزة التي ستعطى الأفضلية في الإصلاح والتصويب؟. ومن يستطيع أن يقوم بذلك، وهل هو موجود وكفء وجاهز، أم يجب أن نعززه ليصبح جاهزاً إذا كان موجوداً أو أن نوجده في حال السلب ليقوم بمهام الإصلاح والتطوير؟. وما هي الوسائل والأدوات اللازمة لكل ذلك، وهل هي موجودة وإلا يجب علينا إيجادها؟.. وهي أسئلة يصعب الإجابة عليها في بحث واحد وبجهد فردي.. إلا أنها ملحّة وتتطلب المواجهة والإجابة الواقعية السريعة.. ونحن نطرحها للتحريض والإثارة، مقدمين بعد قليل، وفي حدود معرفتنا، عدداً من المقترحات العاجلة والجذرية.. ومشيرين إلى أننا بحاجة ماسة لرفع كفاءة إدارة الاقتصاد الوطني إلى المستوى الذي يمكنها من القيام بهذه المهام الجسيمة والهامة، وذلك " بتثقيل  دور الدولة "، كما وصف د. كمال شرف دعوة د. محمد الأطرش لتفعيل دورها بتاريخ 20/3/2001.

خامساً – قضايا اقتصادية يتطلب حلها تدابير إدارية

1 ـ يتطلب تشجيع الاستثمار، كما التعددية الاقتصادية، كفاءة في الإدارة العليا والقياديين والمديرين المعنيين، لتوزيع الأدوار والمشاريع بين جميع القطاعات بتوازن بين الجهات الداخلية والخارجية، حسب الأهداف العامة والاستراتيجية للمجتمع، ولتهيئة فرص متكافئة للتعاون والتنسيق بينها، بحيث تصب الجهود جميعها بشكل متكامل في بوتقة الاقتصاد الوطني..

2 – هل يمكن دراسة الجدوى لمشروع ما، وإقراره، من قبل صاحبه أو من قبل الجهة المعنية في وزارة الصناعة أو من قبل المجلس الأعلى للاستثمار.. دون دراسة الأمور الإدارية والتنظيمية والعمالية؟. ألا تتطلب هذه الدراسة قدرة وكفاءة إدارية في كل من يشارك بها من الأطراف؟.

3 ـ والقانون والنظام المالي والضريبي، ألا يتداخل مع كل الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية؟. ألم ينعقد الإجماع على إعادة النظر فيه؟. ألا تعتبر القوانين والأنظمة عموماً أحد المرتكزات الأساسية للإدارة؟. وهل يصح أن نقرأ في " تشرين " مثلاً، بتاريخ 19/3 عنواناً يقول " المنشآت السياحية تدفع 21 نوعاً من الضريبة "؟. ألا يحتاج هذا النظام إلى أدوات " حاسوبية " وبرامج معلوماتية متطورة للحد من التهرب الضريبي وفض التشابكات المالية وإنهاء التراكمات المحاسبية؟!.

4 ـ ألا يعتبر إصلاح النظام المصرفي جزءاً هاماً من عمليات الإصلاح الاقتصادي؟، ألا يتطلب تطوير هذا النظام إجراءات إدارية كثيرة.. تنظيمية، وتأهيل العاملين، ورفع مستوى مداخيلهم المادية عاجلاً، وإدخال أدوات الاتصالات والمعلوماتية العصرية ونظمها؟.. سيما وأن المصارف العامة ستتعرض لمنافسة شديدة لدى إنشاء المصارف الخاصة وبدء نشاطها.. وإلاّ، صح فيها ما ذكره الأستاذ أسعد عبود في " الثورة " بتاريخ 31/3 " أنها، المصارف، لا تستطيع المنافسة بكادر مصرفي يمتلك الخبرة ويفتقد الأجر المناسب!! ".

5  ـ ومعالجة الركود أو الانكماش الاقتصادي الذي يجري الحديث عنه منذ سنوات، وتفعيل السوق الداخلية، التي يتحكم فيها العرض والطلب.. يمكن المساهمة في حلها بإجراء عملي بسيط، بزيادة الطلب، عن طريق تطبيق روح نظام الحوافز لعام 1977 بشكل يعطي العاملين حقهم، في مقابل ما يقدمونه من إنتاجية.. ودون تقييدها بأية " سقوف " مصطنعة.. لأن " سقف " الحافز يشكل " حاجزاً " ضده!. ونعتقد بإمكانية تطبيق هذا الإجراء بسرعة وبمردود كبير، لأن العاملين في القطاع العام وأجهزة الدولة وسائر المرافق الحكومية والعامة والمحلية، يشكلون شريحة كبيرة من المواطنين.. وإن كل إضافة على دخولهم، تعني طلباً إضافياً في السوق الداخلية، ينشطها بذات المقدار.. علماً بأن الإضافة ستكون في مقابل إنتاج مادي أو خدمة فعلية، ولن تؤثر في زيادة التضخم النقدي، كما قد يذهب البعض.

6 ـ وقرأنا في " تشرين " في 12/2/2001 الستاذ عبد الفتاح العوض يقول " لا غرابة أن تبدأ يورية إصلاحها الاقتصادي بخطة وطنية لتأمين فرص العمل تكلفتها 1،6 مليار دولار. وأطلق على هذه الخطة اسم لافت، خطة طوارئ، إحساساً بامشكلة وأهميتها.. ونقرؤه بتاريخ 31/3 في زاوية بصراحة، عنواناً مثيراً " خطة طوارئ ميتة!! " ويقترح لها " خطة إنعاش.. ".. ألا يحق لنا تكرار مقولتنا " فتّش عن الإدارة؟.

7 ـ ويصدر القانون رقم 3 لعام 2001 الخاص بمكاتب التشغيل التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مستهدفاً تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين العاطلين وتنظيم حصولهم عليه.. ولكننا نطالع في الصحف بعض العناونين التي تدل على أن الواقع الإداري التنفيذي لا يكافئ هذه الأهداف.. " مكاتب التشغيل بدمشق.. ازدحام وضيق بمكاتب "، و " مكتب التشغيل في طرطوس والأسس غير العادالة في فرصة العمل!!! " ، و " مكتب توظيف أم حلبة مصارعة؟! " عن مكتب اللادذقية.ـ وإن تفعيل دور القطاع العام التجاري، من شأنه تحقيق التوازن والمصلحة المتبادلة بين المنتجين والمستهلكين.. وتفعيل السوق الداخلية، نظراً لوجود شبكته الواسعة التي تغطي، مع شبكة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، جميع المدن والبلدان.. وهذا يتطلب تحريره من معوقات خاصة به، كالاستعلام الضريبي، الذي فرض منذ سنوات، و يتلخص في أن تحال عقوده التي يبرمها مع القطاع الخاص إلى المديريات المالية، لفرض الرسوم والضرائب عليها!. فكان أن توقف القطاع الخاص وعزف عن مثل هذه العقود.. ولم تكن المحصلة في مصلحة المنتج الخاص، أو في مصلحة المستهلك، أو القطاع العام التجاري، أو في مصلحة الخزينة العامة.. أو في مصلحة الاقتصاد الوطني في النتيجة..

8 ـ ويجري الحديث عن فوائض مالية لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية بقيمة 30 - 40 مليار ل س.. لم توضع بالاستثمار؟. وكيف يمكن الاستفادة منها في دورة الاقتصاد الوطني؟. ألا يحتاج مثل الأمر إلى إدارة رشيدة تضطلع به؟.

9 ـ إن التنافس الشريف بين القطاعات، لما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني، يتطلب تحرير القطاع العام الإنتاجي والتجاري والخد مي وبقية الأجهزة والمرافق.. من الأحكام والقيود التي تقيّده وتعرقل نشاطه، والتي تحرر منها القطاع المشترك في صكوك إحداثه، والقطاع الخاص محرر منها في الأصل.. وبهذا، تلعب كل القطاعات دورها الإيجابي في مسيرة التنمية الشاملة مع تكافؤ في الفرص فيما بينها..

10 ـ وتقتضي " العولمة " ومنظماتها.. والعلاقات الاقتصادية الخارجية مع الحكومات والمنظمات والشراكات العالمية واشتراطاتها، والمنافسة والصراع في خضمها، والتصدير خصوصاً..

× كفاءة الإدارة العليا للاقتصاد الوطني؛

× كفاءة القياديين والمديرين من خلال التدريب والتأهيل المستمر، سواء العاملين في الداخل أو بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج؛

× اللامركزية في إدارة دفة الأمور؛

× الاستقلالية والمرونة للجهات العامة والخاصة والأفراد؛

× الوضوح والمرونة والبساطة في القوانين والأنظمة والتعليمات، والابتعاد عن الظواهر المرضية للبيروقراطية والروتين؛

× وأولاً وأخيراً، توفر تقنيات متطورة في الاتصالات والمعلوماتية، لمواجهة " شلالات " المعلومات المختلفة المتدفقة والمتناثرة في جميع أرجاء الكرة الأرضية، والتعامل معها والاستفادة منها لتحقيق مصالحنا بكفاءة.

11 ـ ويقتضي التقيد باشتراطات المنظمة الدولية للتقييس " الأيزو " تنظيماً وإجراءات إدارية جيدة. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من نصف اشتراطات الحصول على شهادة الجودة تعتبر من الأمور الإدارية.. مما يجعلنا نضع المعادلة الآتية:

الجودة  = المصلحة  = الإدارة.. أي أن تحقيق الجودة يضمن مصلحة صاحب العلاقة، وهي تتطلب إصلاح الوضع اللإداري أولاً

12_ ولابد من الاستعداد المسبق للتقليل من خطورة الحالات الطارئة والكوارث التي تخلف في جملة نتائجها آثاراً اجتماعية واقتصادية سلبية مدمرة، من تدابير مسبقة تنظيمية وإدارية وتدريبية وغيرها.. علاوة على توفير احتياطات استراتيجية من السلع الاستهلاكية والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج وقطع التبديل.. مما يساعد على إدارة دفة " اقتصاد الطوارئ أو اقتصاد الحرب " بكفاءة، وبخطط وإجراءات وتدابير تصورناها مسبقاً، ودون ارتباك أو اقطاع..

ملاحظة: ما أوردناه كان على سبيل المثال، فالجوانب الاقتصادية التي تتأثر، إيجاباً أم سلباً، بمستوى الإدارة أوسع من الإحاطة بها بجهد فردي.

 



[1]  كنا جمعنا المقتطفات الإدارية التي وجه بها سيادته، حتى العام 1992 في كتاب صدر عن دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر ـ دمشق