الإصلاح الإداري كمدخل للإصلاح الاقتصادي

أحمد عبد السلام دباس [1]

أولاً ـ تمهيد

تنامى لديّ، منذ حوالي ربع قرن، وبعد ممارسة ومعاناة لأكثر من ربع قرن قبله، الشعور بأهمية دور الإدارة، وكذلك الإحساس بخطورة إهمال هذا الدور، وبالتالي بأهمية التنمية الإدارية وضرورة السير على طريقها بالأفضلية الأولي لتحقيق ما نصبو إليه من تقدم.. وتتالت كتابتي عنها، التي تفجرت إثر اجتماع للمجلس الزراعي انعقد في 15/5/1977 لاتخاذ تدابير وقرارات حول موسم الحبوب، برئاسة السيد الوزراء.. بعد سلسلة اجتماعات أو مؤتمرات لمدة 5 أيام عقدت برئاسة السيد نائب رئيس الوزراء، وشارك فيها وزراء وممثلون عن حزب البعث العربي الاشتراكي ووزارتي الزراعة والتموين واتحاد الفلاحين والمكتب المركزي للإحصاء ومؤسسة الحبوب وغيرها من الجهات.. حين غضب السيد رئيس الوزراء، بعد سؤاله عدداً من الحاضرين مستفسراً وطالباً معلومات وإحصاءات عن بعض الزوايا.. ولكن المسؤولين عنها لم تكن لديهم المعلومات والإيضاحات المطلوبة!. فتساءل: كيف يمكننا اتخاذ قرارات إذا لم تكن لدينا المعلومات اللازمة والكافية؟. وهل هذا يصح في إدارة شؤون الدولة؟. الأمر الذي أثارني، فتساءلت متحدثاً مع نفسي: السيد رئيس الوزراء معه حق في ما يقوله.. ولكن في الأصل " الحق على مين "؟!. ولماذا نحن بهذا الوضع؟. وخطر ببالي فوراً عنوان عريض للتعبير عما يجول في خاطري: أضواء على المسألة الإدارية.. وقلبت آخر صفحة في دفتري، وسجلته عليها.. وبدأت بتسجيل رؤوس أقلام عن الجوانب السلبية والإيجابية في الواقع الإداري لدينا.. وأكملت ما بدأته في منزلي حتى الصباح.. حيث ولد المقال الأول وكان من 60 صفحة.. وتصاعد التعبير عن إحساسي بالأهمية، بالقول: التنمية الإدارية وسيلة أساسية لبناء الدولة العصرية ـ  التنمية الإدارية يجب أن تكون مرافقة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، بل وأن تسبقها ـ  التنمية الإدارية " أمّ  التنميات " ـ  التنمية الإدارية، أولاً ـ " فتّش عن الإدارة " قياساً على مقولة " فتّشْ عن المرأة ". وأصبح موضوع الإدارة والتنمية الإدارية يشكل عندي هاجساً وطنياً ملحاً، وقضية وجود أو لا وجود. إذ وصلت، وقياساً على مقولة " أنا أفكر، إذن أنا موجود " إلى الاعتقاد بأن وجود الإدارة الرشيدة في مجتمعنا يعني ضمان وجودنا، والعكس صحيح. " وهذا ما ذكرته في "الثورة " في 3/2/2000. أي: أن نكون، أو لا نكون، تلك هي المسألة.

على هذا، تشكل المسألة الإدارية التحدّي رقم ( 1 ) الذي يجب مواجهته بحزم للسير بثبات على طريق " التطوير والإصلاح والتغيير " بواسطة التنمية الشاملة محلياً، ولمواجهة تحديات العصر في ظل ما سمي " بالعولمة " وطفا على سطح العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة. علماً بأنها كانت كذلك لمواجهة زرع الكيان الصهيوني في موقع القلب من الوطن العربي. فرفع مستوى الإدارة فيه دفاع عن النفس. كما أن مستوى الإدارة وكفاءتها " وليس الثروة " يعتبر أحد المعايير الأساس في التمييز بين الدول والمجتمعات وتصنيفها بين متقدمة متطورة، وبين متخلفة نامية.

من هنا، أسجل تقديري لمجلس إدارة جمعية العلوم الاقتصادية ورئيسه، على إدراج المسائل الإدارية ضمن أبحاث ندوات الثلاثاء الاقتصادية في الأعوام السابقة، وفي ندوة هذا العام.. حيث اختارت عنواناً يتفق مع ما نذهب إليه: الإصلاح الإداري كمدخل للإصلاح الاقتصادي.. فالإجماع منعقد على مثل هذا الاتجاه، كما سنورد في التوجهات السياسية.. وكما نقرأ لدى السلطة الرابعة، فكل من يتحدث عن الإصلاح الاقتصادي، يشترط أن يسبقه أو أن يرافقه إصلاح إداري.. وقد ذكرنا بعضه مما رصدناه حتى 5/11/2000 في صحيفة الثورة، وما تزال هذه الآراء تترى وتتتابع في كل ما نقرؤه ونطالعه ونسمعه، ويشكل " عنصراً مشتركاً " لدى الدارسين والباحثين.. وهذا أمر منطقي، فالإدارة أصلاً قاسم مشترك، موجود في كل تجمع أو تنظيم بشري مهما كانت أهدافه ومجاله. كما أن التنمية الشاملة والمتكاملة في كل المجالات تحتاج إلى أولويات فيما بين هذه المجالات والصعد والقطاعات، بحيث يمهد بعضها للبعض الآخر بشكل محسوب، ويحقق التنسيق وعدم التنافر أو الإعاقة بينها..

ونحن نرى أن التنمية الإدارية مدخل أساس للتنمية الشاملة، الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية.. لتؤمن لخططها ومشاريعها وبرامجها القيادات والإداريين والتنظيمات والنظم والأدوات التي تستطيع تحقيقها وتشغيل مشاريعها بكفاءة. وسنبرر ما نذهب إليه، بالحديث عن دور الإدارة والتنمية الإدارية وصفاتها ومتطلباتها؛ وعن التوجهات السياسية حولها؛ ومحتوى الإصلاح الاقتصادي؛ وعن قضايا اقتصادية يتطلب حلها تدابير إدارية؛ مع نظرة إلى زوايا في الواقع الإداري تقتضي المواجهة؛ لنتقدم بعد ذلك باقتراحات حول خطوات إصلاحية إدارية ساخنة على المدى القريب، وأخرى جذرية على المدى البعيد.. ومن ثم، إلى تكوين " إدارة عربية رشيدة "..

وسنجعل حديثنا شاملاً من خلال طرح عدد من الأسئلة والإجابة عليها، قياساً على ما يقوم به الجندي الفرد في ميدان المعركة، حين يؤمر بالانتقال من موقع إلى آخر.. حيث يطرح على نفسه أربعة أسئلة متتالية منطقياً: إلى أين، ومن أين، وكيف، ومتى؟.. أي يحدد مقصده وهدفه أولاً، ويفتش عن المحور الذي سيسلكه، ويختار الكيفية التي سيتبعها، ثم يبرمج الوقت المناسب الآمن لتحركه.

ولا شك في أن هذا الأسلوب، يضمن له الشمولية في تقدير الموقف، ليتصرف في ضوئه بشكل سليم، يؤدي به مهمته ويحافظ على حياته.. والقياس على مثل هذا الأسلوب مطلوب في مواجهة أي موضوع مهما كان نوعه أو حجمه أو مستواه.. لتكون دراستنا ورؤيتنا عامة وشاملة لكل جوانبه.. ولتكون استنتاجاتنا وقراراتنا وخططنا منطقية وواقعية وشاملة بدورها، ولا تهمل بعض العناصر، مما يشكل قصوراً وإعاقة في التنفيذ.

ثانياً ـ تساؤلات عن الإدارة والتنمية الإدارية

الحديث عن الإدارة، وبالتالي عن الإصلاح الإداري، حديث ذو شجون وشؤون. ولكن طريقاً طولها ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وقد بدأنا.. وعلينا تكريس خطواتنا التالية وتكوين القاعدة الوطيدة، الفكرية والتنظيمية، التي ننطلق منها بقوة واستقرار لتحقيق التطوير والإصلاح والتغيير في أقرب وقت وعلى أحسن وجه.

س 1 ـ ما هي الإدارة وما هو دورها؟.

سؤال نفضل الإجابة عليه مطلع البحث، لنتعرف عن ماذا نتكلم وأهميته. وبذلك نتحدث بلغة مشتركة عن شيء متعارف عليه بيننا إلى حد ما. لاعتقادنا بأن مفهوم كلمة " الإدارة " ودورها ما زالا غائميْن غير واضحين أو موحدين لدى الكثيرين.. وكأن الإدارة " شبح "، وكلّ منا يتصور له شكلاً في مخيلته!. ولاعتقادنا أيضاً بأن الإدارة ما تزال مهنة " مظلومة " في الدول النامية والمتخلفة، ونحن منها، وتمارس دون سابق تحضير، برغم أهمية هذا التحضير لأنها ورثت عشية الاستقلال السياسي أجهزة إدارية ضعيفة، نوعاً وكماً.. ولم تعمل على تدارك هذا الضعف وتقوية إدارتها، لدى وضع خطط التنمية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق أهدافها الطموحة في اللحاق بركب الحضارة المعاصرة. فلم تؤت تلك الخطط ثمارها كما يجب!. ولم تحظ التنمية الإدارية لدينا بلجنة مستقلة للتخطيط لها سوى في العام 1984، إذ اقتصرت الخطط الخمسية التي وضعت قبل ذلك على الإشارة إلى بعض الأهداف والسياسات الإدارية في بعض أقسامها، ولكن دون تحديد لمن سيقوم بها، وكيف، ومتى؟.. كما أن هذه الخطوة لم تكتمل، بسبب التوقف عن التخطيط المرحلي الشامل من وقتها، كما هو معلوم!. ونتفاءل بأن نتفادى هذا النقص في هذه المرحلة.

نجمل المفهوم العام لدور الإدارة في: 1- استثمار؛ 2- الإمكانات المتاحة، البشرية والطبيعية والمادية والمالية والعلمية والفنية والتكنولوجية..؛ 3- لتحقيق مختلف الأهداف المنشودة؛ 4- على أحسن وجه.

ومنه نستنتج دورها  الهام والخطير، إذ هي أداة " الوصل والوساطة " بين الأهداف من جهة، والإمكانات من جهة. ويتوقف على مستواها وفعاليتها، مدى تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة باستغلال الإمكانات المتاحة أو إهمالها. خاصة وأن الإمكانات هي دائماً أقل من الطموحات والأهداف التي تنشدها الجماعات البشرية المختلفة..  فإذا كانت الإدارة رشيدة كفؤة، يكون المردود جيداً، والعكس صحيح، إذ تودي بنا الإدارة الضعيفة، إلى عدم بلوغ الأهداف مع هدر في الجهد البشري والإمكانات وإضاعة في الوقت!.

وبرغم أهمية دور الإدارة وخطورته، فهي ما تزال تشكو نقطتي ضعف:

آ – الجهل والظلم: لأن ممارسيها في الدول النامية لم يتعلموها، فهي " مظلومة " بين أيديهم!. والمرء عدو ما يجهل، وسترافق أداءه الأخطاء. وهل هناك مهنة أو اختصاص يمارس دون سابق معرفة؟، فلماذا نستثني الإدارة؟، ألا يعتبر ممارس الطب الذي لا يحمل شهادة معترفاً بها، دجالاً ويُسجن؟. " كان الصيادلة خاضعين منذ عهد المأمون لامتحان يحصلون بعده على إجازة لممارسة المهنة.."[2] ، أفلا يجدر بنا أن نخضع ممارسي الإدارة لمثل ذلك وأن ندربهم؟.

ب – حيْرتها بين المتعلمين والممارسين، فالأكاديميون يتحدثون بلغة تجريدية غير واضحة للممارسين، لأنهاً مغرقة في التنظير أو منقولة حرفياً عن الآخرين دون مراعاة البيئة!، والممارسون بعيدون عن علم الإدارة لأنهم لم يؤهلوا له، ولا يكلفون أنفسهم مشقة تعلّمه لاعتقادهم بإمكانية اكتسابه بالتجربة فقط!. ولا أحد يعلمهم!.

فنحن بأمس الحاجة، إلى رفع " الظلم " عنها، وإلى التقريب بين المتعلمين والممارسين، ونزع فتيل الانفصام بين هؤلاء وأولئك، وإيجاد فئة واسعة من " العارفين " بالإدارة، الذين يجمعون بين النظرية والتطبيق، بين دراسة علم الإدارة وفنونها وبين التجربة والمعاناة.. ونشير هنا إلى أن الاقتصاديين ليسوا إداريين بالضرورة.. والإداريون العارفون بالإدارة، المؤهلون علمياً والممارسون عملياً قلائل.

كما نشير إلى أن حديثنا عن الإدارة حديث عام، ينطبق عليها في كل القطاعات العام والخاص والمشترك والتعاوني.. بل وفي كل التجمعات والتنظيمات والقطاعات البشرية على اختلاف أهدافها ومجالاتها وتنوع مستوياتها وحجومها.. لأن علم الإدارة ومبادئه واحد، وما يختلف هو الفن في التطبيق من شخص لآخر، وبحسب الأهداف التي يبغيها التجمع والظروف الموضوعية والزمانية والمكانية.. التي تحيط به.

س 2 ـ علام ترتكز الإدارة؟  سنكتفي بذكرها بين محاور التنمية الإدارية لعدم التكرار.

س 3 ـ ما هي وظائف الإدارة؟  =     =     =      =      =      =      =      =

س 4 ـ ما هي أهم صفات الإدارة؟

آ ـ الإدارة حتمية، باعتبار أن الإنسان اجتماعي بطبعه، يعيش وينتظم في جماعات متنوعة.

ب ـ وهي ضرورية، بسبب تقسيم العمل والاختصاصات والأنشطة وتنوعها في الجماعات والتجمعات البشرية.. واختلاف إمكاناتها ومواردها.. ولا بد من " التنسيق " فيما بينها للحصول على أفضل النتائج.

ج ـ فهي موجودة في كل الجماعات والتجمعات البشرية على اختلاف أهدافها وحجمها ونطاقها.. وهي قاسم مشترك، يشارك كل نشاط بشري فعاليته ويساعده على بلوغ أهدافه.. إذا كان " مؤهلاً "، والعكس صحيح.. لذا يصح قولنا: فتّشُ عن الإدارة، لأنها وراء النجاح أو الإخفاق.

د ـ وبالتالي، تعتبر اختصاص الجميع في كل الصعد والقطاعات والأنشطة.. مما يفرض على الجميع أن يتقن علم الإدارة إلى جانب إتقانه اختصاصه، ليتمكن من ممارسة أعماله بكفاءة ورشد.

هـ ـ وهي مهنة جماعية، إذ يتوقف نجاح التجمع على الجهد الذي يقدمه كل أعضائه.. كأي كيان متكامل. وبرغم أهمية دور العاملين في المستويات العليا، فإنه غير كاف.. واليد الواحدة لا تصفق.. وعلى القياديين التصرف على أساس أن مرؤ وسيهم أعوان، وليسوا أتباعا.

و ـ والإدارة مهنة محلية، تنشط في ظروف بيئتها وخصوصياتها المتنوعة: الحضارية والتراثية والثقافية والاجتماعية والعلمية والأخلاقية والتقاليد والأعراف والعادات.. وكذلك تعمل لتحقيق أهدافها وطموحاتها في ضوء إمكاناتها ومواردها المتاحة.. الأمر الذي يجعل الأمور نسبية في عالم الإدارة، ولا يترك مجالاً للتقليد والاستنساخ عن الآخرين.. أو الانبهار بما يحدث هناك وهناك، أو بما يصدر من آراء ونظريات تعبر عن وجهات نظر أصحابها في محيط ومجتمع وظروف خاصة بهم. برغم ضرورة الاطلاع على تجارب الغير وخبراتهم وآرائهم ونظرياتهم الإدارية، للقياس عليها وتمحيصها دون النقل الحرفي.. لأن الظروف والأهداف والإمكانات لا يمكن أن تتماثل بين المجتمعات والمنظمات والمؤسسات، وإن بدا فيها بعض التشابه، ولكنه قطعاً ليس تطابقا!. فيجب أن نعتمد ونفصّل من النظريات ما يلائم خصوصياتنا، وأن نطبق من الآراء والأفكار ما ينسجم مع ظروفنا وأوضاعنا.. ويراعي " الأهداف والإمكانات " المحلية والقومية أولاً، والانطلاق على أساسها.. ويساعد على التكيّف مع المستجدات والظروف القطرية والقومية والإقليمية والعالمية.. وعدم اعتماد النماذج التي قد يعتبرها البعض ناجحة في عدد من بلدان العالم أو قبول القوالب الجامدة والوصفات الجاهزة التي تقدمها بعض الجهات والتي قد يعتبرها البعض أيضاً منطقية.. بل دراستها وتمحيصها ومعرفة جوانبها الإيجابية والسلبية، واستخلاص الدروس منها التي تلائمنا من حيث الظروف وتحقيق الأهداف التي ننشدها.. وإذا كان الاطلاع على تجارب ناجحة هنا وهناك وارداّ ومقبولاّ، فهو غير كاف.. لأننا نرى ضرورة دراسة حالات وتجارب مخفقة واستعراضها واستخلاص الدروس منها.. لاعتقادنا بأن الأولى تبهر الأبصار، ويمكن تقليدها آلياً مع إغفال الأخطاء والصعوبات التي رافقتها والاكتفاء بالنواحي الإيجابية التي تسلط الأضواء عليها غالباً. في حين تُسلط الأضواء بشدة على الجوانب السلبية في التجارب المخفقة وعلى معوقاتها، ويتلاوم المسؤولون عن فشلها.. بحيث يستطيع الدارس أخذ العبر منها.. وفي هذا أكبر فائدة له، فالحكيم من يتعلم من أخطاء غيره.

على هذا، فلا بد من السير باتجاهين:

1 – تكوين عقيدة أو نظرية عربية إدارية رشيدة، تتفق مع ظروفنا وأهدافنا وإمكاناتنا..

2 - سرعة تكوين إداريين محليين لممارستها وفق الخصوصيات المحلية، التي لا ينفع فيها الأجنبي الغريب عن البيئة. الذي قد يصلح للأمور الفنية، ولكن ليس للأمور الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتصلة بالإنسان ومستواه العلمي ومعتقداته وتقاليده، وبالقوانين والأعراف المسيطرة على علاقات البشر وصلاتهم.

هذا، وإن تكوين الإداريين المحليين الراشدين، مطلوب أيضاً نظراً لأهمية الفن في تطبيق علم الإدارة، وتعلّقه بأهلية الأشخاص الممارسين لها إلى حد بعيد.

س 5 ـ ماذا نعني بالتنمية الإدارية؟. سؤال يكمل سابقه ويزيد معرفتنا عن المقصود من الإصلاح الإداري ومضمونه وصفاته ومتطلباته، علماً بأننا نرجح عليه مصطلح التنمية الإدارية.

وهي العمليات الإرادية التي تستهدف تطوير الإدارة وترشيدها لتكون فعّالة في تحقيق أهدافها وواجباتها، باستثمار الإمكانات المتاحة لها بأحسن وجه. وتتركز محاورها في ثلاثة اتجاهات رئيسة:

1 - العناية بالمرتكزات الأساسية للإدارة: الإنسان؛ والهيكل التنظيمي؛ والقوانيـن والأنظمة؛ والأدوات؛ وعلى التوازي فيما بينها، مع أفضلية  للإنسان، إذ هو هدف الإدارة وعمادها الأساس؛

2 -  رفع مستوى الوظائف العامة للإدارة: كالتنظيم، والتخطيط، واتخاذ القرارات، والتحفيـز، والتدريب، والإحصاء، والمتابعة.. من حيث تأهيل العاملين لممارستها ابتداءً وباستمرار، أو من حيث توفير الأساليب الحديثة والأدوات المادية اللازمة لها.

3 - رفع مستوى المهام الإدارية التقليدية، كما الوظائف العامة: كالدراسات والأبحـاث، والشؤون القانونية، والديوانية، والشخصيـة، والاتصالات، والبريد، والحفظ والأرشفة.. 

وكلها محاور هامة متشعبة، وعميقة في آثارها الآنية والمستقبلية، ولن نستطرد في الكلام عنها. على أنه يكفي لتوكيد أولوية التنمية الإدارية، أنها تشمل التنمية البشرية التي تتضمن: تعليم الإنسان وتثقيفه وتدريبه إدارياً وفي كل اختصاص علمي وفني وتقني، وتحسين أوضاعه المادية والمعنوية والسلوكية والمسلكية.. أي العناية به من أربع زوايا: مادياً، ومعنوياً، وسلوكياً، وتأهيلاً، على حد سواء.. ونعتقد أن الرقي بالإنسان يعتبر أهم متطلبات التطوير والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، لأنه هو الأساس الذي سينفذ ما يتقرر من أهداف وسياسات وخطط ومشاريع وبرامج.

كما يكفي شمولها الأدوات الإدارية التي تشهد في تقنياتها ونظمها ثورة متسارعة تبهرنا فقط، ومازلنا مترددين في استعمالها!. مما يساهم في توسيع الفجوة مع الدول المتطورة وتؤخر مسيرتنا الحضارية، مع أن المطلوب هو العكس!. فحاجتنا إليها كحاجتنا إلى الماء، وهي تدخل في كل نشاط بشري كما الماء في جسم الإنسان. وبدونها لا يمكن أن تتوفر المعلومة الآنية والرقم الصحيح، مع سرعة تبادلها بين جميع المستويات والأنشطة والفعاليات.. ومثل هذا الوضع لا يساعد على التصرفات والخطط والقرارات السليمة، فضلاً عن المصداقية والشفافية فيها ومتابعة مآلها.

وتجدر الإشارة إلى ضرورة السير في اتجاهات التنمية الإدارية الثلاثة على التوازي. فالدول المتخلفة مثلاً، تركز على التخطيط والرقابة، وتنسى باقي الوظائف مما يجعل النتائج سلبية. فهل ينفذ عاملٌ غير مؤهل خطةً؟ وما نفع مراقبة عامل جاهل؟ وهل ينصرف من يشكو سوء معيشته إلى واجباته بهمة عالية؟ ولو شبع العامل وكانت القوانين والأنظمة واضحة، ألا نحد من مظاهر الفساد؟ وكيف تتخذ قرارات سليمة بأدوات متخلفة ومعلومات ناقصة؟. وهل يمكن لمنظمة أو شركة أن تنجح إذا حوت في تنظيمها الهيكلي وملاكاتها عناصر فائضة أو بطالة مقنعة؟.

س 6 ـ ما هي صفات التنمية الإدارية ومتطلباتها؟. نجيب باختصار:

1 ـ الشموليــة، لجميع جوانب المسألة الإدارية، وللتنظيمات والقطاعات كافة، في المجتمع.

2 ـ والمسؤولية عنها والمساهمة فيها جماعية، تشارك فيها جميع المستويات والقطاعات، مع تميّـز دور المستويات العليا، لأثرها السلطوي الإشعاعي على باقي المستويات والقطاعات.

3 ـ ضرورتها في كل البلاد، المتقدمة والنامية، الغنية والفقيرة على حد سواء. وتزداد هذه الضرورة أهمية في البلدان النامية، والدول العربية جزء منها، التي نالت استقلالها السياسي منتصف القرن الماضي، لأنها ورثت عشية استقلالها جهازاً إدارياً ضعيفاً، وليس مؤهلاً، للاضطلاع بالواجبات الجسام اللازمة للتنمية الشاملة واللحاق بركب الحضارة. كما تحتل هذه الضرورة أولوية قصوى مع وجود الكيان الصهيوني، وفي ظروف النظام العالمي الجديد " العولمة " واستحقاقاته وتحدياته.

4 ـ وذات خصوصية محلية، باعتبار أن الإدارة في الأصل مهنة أو اختصاص محلي.

5 ـ الاستمرارية والتجديد، فهي ليست إصلاحاً ظرفياً مؤقتاً، يتعلق بمرحلة معينة. كما أن المسائل والظروف الاجتماعية، والإدارية جزء منها، دائمة التطور والتبدل. وما هو جديد ومناسب اليوم، سيصبح في مرحلة تالية قديماً وغير مناسب ويحتاج إعادة نظر. فعلى التنمية الإدارية أن ترافق " أو أن تسبق " المستجدات والمتغيرات في المجتمع، وفي الخارج.

6 ـ التكامل والتوازن في محاورها الثلاثة، في آن واحد وبشكل مستمر. بحيث لا يكون هناك تركيز في نواحي وتقصير في نواحي أخرى، فتعيق هذه تلك.

7 ـ الارتباط الوثيق والجدلي، مع أنشطة التنمية الشاملة في سائر الأصعدة والمجالات. بل، يجب أن تكون سابقة لها في الزمن، باعتبارها مدخلاً تمهيدياً لها، لتؤمن لها " أداة "، أي إدارة رشيدة كفؤة تساعدها على القيام بواجباتها. فمن السهل إشادة مصنع أو مشفى وتجهيزه بسرعة نسبية، ولكن قبل الإنشاء وبعده، لابدّ من إعداد العناصر المؤهّـلة في كل الاختصاصات، وتحضير الهياكل والأنظمة المناسبة، وتأمين الأدوات اللازمة.. لاستثماره وتشغيله بفعالية، وإلاّ، بقيت المنشآت هياكل جامدة كالأشباح!.

8 ـ وجود مرجع مختص بها ومتفرغ ودائم على الصعيد المركزي، إذ لا تنفع فيها اللجان المؤقتة. مع فروع له في جميع القطاعات والأقاليم، أو أهمّها.

9 ـ نشر علم الإدارة في مناهج المراحل الدراسية والتعليمية كافة.

10 ـ التوسع والإلزام في تدريب العاملين على الإدارة ليشمل الجميع، بدءاً من المستويات العليا.

11 ـ إيجاد وسائل التنوير والتثقيف الإداري، كالصحف والدوريات المتخصصة.

ولعلّـنا بنشـر تعليم الإدارة والتدريب والتثقيف الواسع عليها، ننفذ ما أشار إليه السيد رئيس الوزراء في اجتماع لدى هيئة تخطيط الدولة بتاريخ 17/3/2001 ونوقش فيه مشروع الخطة الوطنية للتنمية الإدارية، من حيث " أهمية التدريب والتأهيل للعاملين في الدولة... وربط التعليم في الدولة بما يلبي الحاجة من اليد العاملة المؤهلة والمدربة والمتخصصة في مجالات العمل والمعرفة والعلم والإدارة..".

12 ـ الدمج في الإجراءات وفي التعليم والتدريب والتثقيف، بين النظرية والتطبيق، بين التعلم والممارسة، لتحقيق الاستفادة من المتعلمين والأكاديميين من جهة، ومن الممارسين الواعين من جهة ثانية.

13 ـ " التبكير " في التصدي لهذه المهام والبدء ببناء قاعدة انطلاقها في أسرع وقت.. تماماً كما نبكر للسفر إلى مكان بعيد.. ومن ثـمّ، الاستمرار على طريقها بخطى وئيدة حازمة. نظراً لجسامة حجم المسألة.

14 ـ وأولاً وأخيراً، فإن التنمية الإدارية تتطلب القناعة والإيمان بها وبأهميتها وضرورتها وفوائدها، مما عرضناه وغيره ومن ثـمّ ثانياً، توفر المعرفة والجهد والصبر والدأب والإخـلاص.. في العناصر التي ستختار للنهوض بأعبائها. كما يجب أن تعطى الوقت الكافي " ولكن دون تواكل"  للبحث والدرس والتنظيم والتخطيط والبرمجة.. كي تكون خطواتها وإجراءاتها جذرية



[1]  باحث إداري متقاعد

[2]  التقويم الهاشمي ـ دمشق ـ 21/3/2001