سادساً ـ نظرات إلى زوايا في الواقع الإداري تقتضي المواجهة

انطلاقاً من توجيه السيد الرئيس " عندما نقول نقد بناء ورأي موضوعي، فهذا يعني بالضرورة النظر بصورة متكاملة للقضايا موضوع النقد، بحيث نرى الإيجابيات كما نرى السلبيات، وبذلك نتمكن من زيادة الإيجابيات على حساب السلبيات وهذا هو جوهر التطوير."، نورد بعضاً من النقاط في الواقع الإداري، التي نرى ضرورة دراستها ومواجهتها وتداركها لتتكامل مع الخطوات الإصلاحية الجارية في القطر، بما يجعل أهداف الإصلاح الاقتصادي ومهامه تنفذ بشكل سليم وسريع.

آ ـ حول الإنسان

1 – " مفارقات " الرواتب والأجور والتعويضات التي تعطى للعاملين لدى الدولة والقطاع العام، خاصة إذا قورنت مع ما يعطى للعاملين في القطاع المشترك، الذي تتحمل ربعه خزينة الدولة باعتبار أن حصتها في شركات القطاع المشترك لا تقل عن الربع!. فتعويض الانتقال اليومي يصل في إحداها إلى 2500 بالنسبة للاذقية و2000 ل. س. لحلب.. بينما لا يدفع لأكبر عامل لدى الدولة سوى 178 ل. س.! وبالنسبة للرواتب حدث ولا حرج!. بل علمنا أن إحداها تمنح من لا يدخن 500 ل.س. شهرياً.. فلماذا؟. ألا يشكل هذا الوضع المادي الضعيف للعاملين لدى الدولة مبرراً ودافعاً للكثيرين منهم للهجرة والتسرب، محلياً وخارجيا.. كما يضعف ولاءهم وأداءهم، ويؤثر بالتالي سلباً على نتائج الجهات التي يعملون لديها، بل وعلى المنافسة الشريفة، المفترضة مع القطاعات الأخرى محلياً ومع الجهات الأجنبية؟. ويؤكد صحة ما ذهب إليه الأستاذ أسعد عبود في "الثورة " بتاريخ 26/2، " إذا كانت الدولة تظن أنها ب 200 دولار أمريكي في الشهر تستطيع أن تستقطب مصرفياً مهمّاً أو إعلامياً بارعاً أو أستاذاً جامعياً حقيقياً.. فصدقوني هذا خيال..".

 2 - إغفال التدريب والتأهيل منذ سنوات طويلة لكبار العاملين، كمعاوني الوزراء والمديرين العامين ومن في حكمهم.. برغم أهمية التدريب والتأهيل الإداري المستمر لجميع المستويات، لرفع " الظلم " عن الإدارة وترشيد ممارستها، وبالتالي رفع تهمتيْ " البيروقراطية والروتين " المعروفتين عنها.. فالبيروقراطية أو حكم المكاتب، لا بد منها نظراً لتنوع الاختصاصات وتعددها في المنظمة الواحدة بحيث توزع على عدد من الوحدات الفرعية أو المديريات والأقسام والمكاتب.. وكذلك الروتين أو طريق سير المعاملات لا بد منه أيضاً باعتبار وجود هذه الوحدات الفرعية أو المديريات والأقسام والمكاتب من جهة، ووجود مستويات متتالية في الهرم الإداري لكل منظمة، ورؤساء التسلسل فيه من جهة ثانية، الأمر الذي يقتضي، وبغية انتظام تدفق الأوراق وتفادياً للفوضى، تحديد " طريق " سير المعاملات والأوراق فيما بينهم، وهو ما يسمى " الروتين " في اللغة الأجنبية.. فإذن ليست المشكلة أو العيب في " البيروقراطية أو الروتين "، وإنما في الممارسة الخاطئة، التي تعود لأسباب متعددة، أحدها عدم التعرف الجيد على الإدارة، مضافاً إليه سوء الوضع المعيشي للعاملين الذي يؤدي إلى عدم تحمل المسؤولية، واللامبالاة، والإهمال، والتسرب إلى الخارج في أول فرصة.

3 - والتدريب والتأهيل مغفل، برغم وجود مراكز تعليمية وتدريبية كثيرة لدينا، تتمثل في كليات الجامعات والمعاهد والمراكز التدريسية والتدريبية المرتبطة بعدد من الوزارات غير وزارة التعليم العالي.. ولكنها مبعثرة الجهود، وقليلة المردود بالنسبة للعاملين لدى الدولة.. وذلك لعدم وجود جهة أو مرجع مركزي مختص بالتدريب والتأهيل كجزء رئيسي من وظائف الإدارة في الهرم الإداري الحكومي المركزي.. يستطيع التنسيق فين\ما بينها والاستفادة من إمكاناتها.. وهذه إشكالية هامة، لأن عدد من يحتاجون للتدريب، ومن المديرين ومن هم أعلى، يصل إلى عشرات الآلاف، بينما لا يجاوز عدد المتدربين سنوياً لدى المعاهد المختصة المئات!.. بصرف النظر عن النوعية.

4 - ويؤثر عدم توفر الشروط الموضوعية لتطبيق مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، " كالسجل المسلكي المهني للعاملين؛ وتوصيف الوظائف مع شروط إشغالها.." سلباً على معنويات الأكفياء وأدائهم، وعلى مصلحة وحدتهم وعلى المصلحة العامة، ويؤدي إلى التسرب والهجرة. في حين يعتبر تطبيق هذا المبدأ ضرورياً وهاماً، لارتباط الفن الإداري بصفات الممارسين الإداريين ومؤهلاتهم.. ولعلنا نذكر ما كان يروى عن أن " معاكس " هذا المبدأ قد استعمل في " الحرب الباردة " بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.. حيث استخدمت إحدى الدول الغربية عميلاً كبيراً للتخريب في إحدى دول المنظومة الاشتراكية، ولكنها لم تكلفه بالتجسس ونقل المعلومات والصور.. كما يجري عادة.. وإنما بتطبيق ما يخالف مفهوم المبدأ!!. وفي هذا توكيد آخر على خطورة دور الإدارة وأهميته، ليس على الاقتصاد فقط، وإنما على كل المجالات.

ب ـ في التنظيم

1 - ساهم استمرار المجالس واللجان الوزارية العليا المؤقتة، التي وجدت لمبررات مرحلية، في بعثرة مراكز التخطيط والسياسات واتخاذ القرارات، وبالتالي في تزايد " العفوية " واختلاط الأوراق، وفي تعقيد الصورة في الهيكل التنظيمي العام للإدارة، وفي التداخل في الصلاحيات مع الجهات الدائمة " مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للتخطيط واللجان الوزارية الاقتصادية والثقافية والخدمات ".. فضلاً عن استنفاذ وقت المسؤولين بكثرة اجتماعاتها.. علماً بأن صلاحيات هذه الجهات كافية لمعالجة أي من المهام المناطة بالمجالس العليا المؤقتة، فاختصاصاتها بحسب الدستور وقوانين إحداثها [1] ، تكفل قيادة شؤون الحكم والدولة في كل المجالات والأصعدة والقطاعات، دون حاجة لأي من تلك المجالس واللجان المؤقتة.

2 – وتشكو " الوزارة " وهي الحلقة الوسيطة الرئيسة في الهيكل التنظيمي للهرم الإداري الحكومي، من نقطتي ضعف:

آ ـ  فقدان النص التشريعي الموحد الذي يحدد شخصيتها الاعتبارية، و يوضح دورها واختصاصاتها وعلاقاتها مع المستويات الأعلى والموازية ونطاق صلاحياتها في الإشراف والتوجيه والمتابعة تجاه المؤسسات والشركات العامة المرتبطة بها " بالوزير ".. مما جعل الممارسات تختلف من وزير إلى وزير ومن وزارة إلى أخرى!.

ب ـ وفقدان التنسيق في أعمالها الداخلية منذ " تعدّد " معاونو الوزير فيها بصدور م/ ت 298 تاريخ 12/2/1969، الذي جاء فيه: المادة 1 ـ آ ـ يعاون الوزير في كل وزارة معاون وزير أو اكثر... ب ـ توزع الاختصاصات بين معاوني الوزير بقرار من الوزير المختص. مما نجم عنه ضياع معالم الاختصاص ووحدة المسؤولية والانضباط، وعدم استقرار الاجتهاد فيها.. وإغراق الوزير في تفاصيل الأمور الداخلية للوزارة ولا يتمكن من التفرغ الكافي للاتصالات الخارجية الكثيرة.. لأنه جمع في شخصه بين مهمتي: آ ـ التوجيه والإشراف والمتابعة باعتباره ممثلاً للحكومة، ب ـ والأمور الفنية الاختصاصية الداخلية، المتنوعة والكثيرة أيضاً، التي يفترض أن يضطلع بها موظف عام.

3 ـ الهياكل التنظيمية للشركات العامة وملاكاتها، تحوي على الغالب بطالة مقنعة، تؤثر سلباً على أدائها من حيث زيادة تكلفة المنتجات أو الخدمات بشكل كبير ودون مبرر موضوعي، مما يجعلها عاجزة عن المنافسة الداخلية والخارجية، وبالتالي عن تصريف منتجاتها وتراكمها في المستودعات.. فضلاً عن آثارها على العمل الإداري وتعقيده.. ويؤدي افتقارنا إلى جهة مركزية تضطلع بممارسة وظيفة التنظيم، إلى " مفارقات " أيضاً في التنظيم الهيكلي على مستوى الوحدات. حيث نجد عدداً كثيراً من المعامل الصغيرة قد جُعل واحدها بمستوى شركة عامة، كشركة المعكرونة في درعا، مع ما يتبع ذلك: من تعقيد للإعمال الإدارية، ومن نفقات مرتفعة غير مبررة بسبب زيادة العناصر والبطالة المقنعة في الأشخاص، التي ترفع تكلفة منتجه أو خدمته، وتتراكم المخازين وتقع الخسائر!. فكيف يستطيع المنافسة داخلياً أو خارجيا؟، ومن المسؤول؟. علماً بأن لدينا أكثر من 100 معمل مشابه، المخابز الآلية، قد كفاها إدارة شركة عامة واحدة. بل إن معملي خميرة دمشق وحلب التابعين للمؤسسة العامة للسكر ـ وزارة الصناعة، وهما أكبر حجماً وأعقد فنياً من معمل معكرونة، قد اعتبرا تنظيمياً كمركزي إنتاج فقط ويرتبطان مباشرة بالمؤسسة.. ولم تتم محاولة تحويل كل منهما إلى شكة عامة!. وهما على ما نعلم في حالة ممتازة بعد 18 سنة من وضعهما بالاستثمار..

ألا يعتبر خفض التكلفة في المنتجات والخدمات مطلباً ملحاً من الزاوية الاقتصادية؟، وهو بدوره يتطلب مكافحة البطالة المقنعة، وبالتالي إعادة النظر في التنظيم الهيكلي للمؤسسات والشركات العامة والمنشآت وملاكاتها.. مع مراعاة ضرورات تنظيم سوق العمل التي يدخلها سنوياً بحدود 200 ألف، وتوفير فرص عمل للمواطنين، بشكل عادل وذي جدوى. أليست هذه من المهام الإدارية التي يجب أن تنطلق أولاً. ألا تعتبر مثل هذه الأوضاع غير سليمة من الناحية التنظيمية الإدارية، ولا يجوز أن تستمر في زمن التكتلات الدولية والمنظماتية العملاقة. وقد تنبهت إلى هذا وزارة الصناعة ورفعت مثلاً في العام 1998 مشروع دمج عدد من الشركات الغذائية ( 21 ) في ( 5 )، وغيره، ولكننا لم نصل إلى نتيجة بعد!.

ملاحظة: نعتقد أن السبب الأساس في هذه  " المفارقات " التنظيمية، هو عدم وجود المرجع أو الجهة المختصة بالإدارة، بما فيها وظيفة التنظيم على الصعيد المركزي للإدارة الحكومية المدنية.

 ج ـ في القوانين والأنظمة وأساليب العمل

1 – حرفت العقلية المحافظة لدى الجهات الإشرافية والتوجيهية والمتابعة،عملياً م/ت رقم 18 لعام 1974 وما تزال بالنسبة ل م/ت 20 لعام 1994، عن الأهداف التي توخاها المشرع، وخاصة من حيث علاقات وحدات القطاع العام مع هذه الجهات، التي حصرها في ثلاث نواحي: تنظيمية؛ وتخطيطية؛ وتمويلية.. وما عداها فهي تتمتع بالاستقلالية والمرونة في تصرفاتها. ولكن التطبيق غير ذلك!. بل وبرغم النص على أن من صلاحية مجلس الإدارة واللجنة الإدارية، إقرار نتائج المناقصات وطلبات عروض الأسعار والتعاقد بالتراضي التي تبلغ أو تزيد قيمة كل منها عن المليون ليرة سورية.. وعلى إعفاء العقود والعمليات التي تجريها المؤسسات والشركات والمنشآت من تصديق مجلس الدولة.. ما تزال العقود تعرض على لجنة مؤقتة غير متفرغة في مجلس الوزراء، واللجنة الاقتصادية. فلم هذه المركزية؟، وهل تتناسب مع توكيد الرئيس القائد الراحل " أسمع من الكثيرين أنهم مقيّدون بأمور لم يقيد بها القطاع الخاص والمشترك.. ويريدون التساوي.. والتنافس بين القطاعات تنافس شريف.. عام 1994 " ؛ وعام 1999" يتوجب على الحكومة بالتعاون مع الاتحاد للعمال.. دراسة واقع هذا القطاع من منطلق تحرير شركاته من القيود الإدارية والمالية التي تعيق تطوره.." ؟. وهل يمكن إجراء إصلاح اقتصادي بمركزية إدارية مع استمرار تكبيل القطاع العام بالقيود والسقوف؟.

وقد استطاع العديد من لجان الإنجاز تنفيذ مشاريع هامة اقتصادية ورياضية وغيرها، لأن الرئيس القائد الراحل أصدر قرارات بتشكيلها استناداً للمرسوم التشريعي رقم 25 لعام 1971 تنص في أحد موادها على: استثناء قراراتها وأعمالها من القوانين والأنظمة النافذة.. وفي مادة أخرى على صرف النفقات التي تعقدها من الأموال الجاهزة لدى الجهة المعنية. وكان الهدف  تحريرها من القيود الإدارية وإعطاءها الاستقلالية والمرونة.. فالكثير من المشاريع الهامة ما كانت لتنفذ " دون تأخير " لولا صدور قرارات عن السيد اللرئيس  بموجب هذا التشريع، أي لولا تحريرها من القيود ومنحها حرية الحركة.. مما يجعلنا نستنتج وجود صعوبات ومعوقات معرقلة في القوانين والأنظمة النافذة.. وهذا ما أكدته تجربة القطاع المشترك.

حيث ورد في صكوك إحداث شركات القطاع المشترك الحكم التالي " لا تسري على هذه الشركة الأحكام والقيود الواردة في النصوص التشريعية المتعلقة بشركات القطاع العام.."!. ألا يعتبر مثل هذا الحكم اعترافاً صريحاً بوجود القيود المكبلة للقطاع العام؟!. الذي تملكه الدولة كلياً، علماً بأن القطاع الخاص محرر منها في الأصل.. فلماذا؟. وهل نتوقع في مثل هذا الوضع تكافؤاً وتنافساً متوازنين بين القطاعات في إطار التعددية الاقتصادية، التي تتطلب أدوار فعالة ومتكاملة لكل القطاعات والأفراد في المجتمع، لكي تصب جهودهم جميعاً في بوتقة المصلحة العاملة، وترفد إيجابياً نهر التنمية الشاملة؟!.

2 - ما تزال المركزية سارية في ممارسة الأمور الاقتصادية.. بخلاف ما يقتضيه واقع التوسع الكبير في مهام الحكومة الذي زاد مع ازدياد مهام الجهاز الإداري والقطاع العام والمرافق كماً ونوعاً.. وبرغم وجود نظام الإدارة المحلية.. وبرغم أنها لم تعد تلائم عالم " الانترنيت "  ولا تتفق مع التطور الهائل في الأدوات الإدارية، التي جعلت العلاقات والاتصالات وتبادل المعلومات وعقد الصفقات بين أرجاء الكرة الأرضية، تتخذ صفة فورية آنية واتجاهات أفقية مسطحة، لا تسمح بإضاعة الفرص والوقت الطويل في العلاقات الرأسية لأخذ رأي الجهات الأعلى وتوجيهاتها أو موافقتها!. كالتوصية بتصديق مشاريع العقود من قبل اللجنة الاقتصادية الوزارية، بعد دراستها من قبل لجنة غير متفرغة مشكلة في مكتب شؤون مجلس الوزراء.. التي نسوق مثالاً عليها في التسعينات من القرن الماضي، وهو مشروع عقد لشراء 10 مصاعد لمبنى وزارة التموين والتجارة الداخلية، حيث كلفت اللجنة الاقتصادية وزيرين للتباحث مع العارضين قبل إصدار توصياتها!.

3 - وتعدد جهات المتابعة دون تحديد دقيق لنطاق اختصاص كل منها وصلاحياتها، يؤدى إلى التداخل فيما بينها، وإرباك أجهزة الدولة والقطاع العام ومرافقها ويفقدها الاستقلالية وحرية المبادرة.

د ـ  في التخطيط

1 - لم يبق للتخطيط إلاّ الدور الشكلي في مناقشة البرامج والموازنات السنوية، لأن وجود المجالس واللجان الوزارية العليا المؤقتة التي انفردت بالساحة، قد جعل هيئة تخطيط الدولة مهمّشة منذ سنوات، برغم احتياجنا إلى التخطيط الشامل المنسق للتنمية الشاملة، للإدارة والاقتصاد والمجتمع. الذي يحدد أهدافنا الاستراتيجية للعام 2025 وما بعده، التي تنبثق عنها الأهداف والسياسات خلال الخطط التنفيذية المرحلية.

2 - فافتقدنا التنسيق بين وحدات القطاع العام وبقية الأجهزة والقطاعات، بافتقادنا الخطة العامة للدولة، وسادت "العفوية " في الأنشطة وأصبح كلٌ يغني على ليلاه!.

3 - ولم يعط التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية، ونحن منها، الثمار المرجوة كما تصور واضعو الخطط. لأن التخطيط لم يترافق، أو لم تسبقه تنمية إدارية شاملة تهتم بإعداد من يستطيع تنفيذ الخطط وبرامجها ومشاريعها، ومن يقوم ببقية الوظائف كالتنظيم والتدريب والتحفيز والتمويل.. فوظائف الإدارة متداخلة متكاملة ولا يصح التركيز على بعضها دون البعض الآخر، لكي لا تأتي النتائج قاصرة.

 

 

 

هـ ـ حول تجربة الإدارة بالأهداف

لقد كانت خطوة تدل على أهمية الإصلاح الإداري، كما كانت تلمساً لطريقة أو نظرية إدارية مقتبسة عن الآخرين.. وقيل عنها " ثورة إدارية ".. وأعطيت اهتماماً كبيراً من قبل الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال، وسلطت عليها الأضواء ساطعة في وسائل الإعلام وعقدت حولها الندوات والمحاضرات.. وكان وراءها نوايا طيبة.. وقد مضى عليها أكثر من سنتين، بعد أن بدأت ب 4 شركات ثم توسعت إلى أكثر من 30.. فما هو مآلها؟. ولماذا خبا بريقها وأًغفلت تقريباً ولم نعد نقرأ عنها لدى " السلطة الرابعة " ؟. وهل درستها وقيمتها " لجنة الـ 35 " ؟، ألم تصرف عليها جهود مخلصة؟. ألم تصبح واقعاً لدينا؟. ألا يستحق هذا الواقع، الذي يتصل بالقطاع العام ودوره المحوري في التطوير والإصلاح، أن نقيّمه، لنتعرف إيجابياته فنعززها وسلبياته واحتياجاته لنتداركها؟. وهذا ما ندعو إليه ونتمنى أن تقوم به الجهات المعنية بالتنمية الإدارية والقطاع العام، على أن يشارك في ندوة للتقييم: الممارسون والمنظرون، وممثلو الحكومة والمنظمات السياسية والشعبية والإعلام.. وكل مهتم من المواطنين.. فالمسألة، كجزء من الإصلاح الإداري وبالتالي الإصلاح الاقتصادي، تتطلب مشاركة جماعية على أوسع نطاق في هذا التقييم، ولا يمكن أن تقوم بها النخبة، أو اللجان غير المتفرغة، وفي غرف مغلقة.. فما نسمعه أو نقرؤه عن " لجنة الـ 35 " في وسائل الإعلام قليل، ولا يسمح بالمساهمة وبيان الرأي.. مع أن الموضوع هام ويتعلق بقطاع  يلعب دوراً مركزياً في المجتمع، وأمره يهم الجميع.

وبانتظار مثل هذا التقييم الجماعي الذي نأمل أن يجري في أقرب وقت، نقدم هنا بعض الآراء:

1 - لم تنطلق التجربة من نظرة شاملة للإصلاح الإداري في المجتمع وهيكله التنظيمي.. واقتصرت على قطاع معين، القطاع العام، وبعض شركاته المرتبطة بوزارة الصناعة فقط..

2 - وبالتالي لم يهيأ لها المناخ العام، التنظيمي والإداري والقانوني والمالي والمحاسبي، الذي يساعد على إنجاحها ومؤازرتها، وعدم عرقلة خطواتها والإجراءات التي تقوم بها الشركات..

3 - وكأنه أريد للشركات أن تعمل كجزر منعزلة!. وهذا غير منطقي، وغير ممكن. فعلاقات وحدات القطاع العام الصناعي وغيرها، مشتركة ومتشابكة مع كل الجهات العامة والأجهزة الإشرافية والوصائية والتوجيهية والمتابعة والتنفيذية.. بل هي مندمجة معها، وتتبادل معها التأثر والتأثير..

4 - لم ينظر لدى الإعداد للتجربة في مسألة التنظيم الهيكلي لوحدات القطاع العام وملاكاتها، وما تتضمنه من بطالة مقنعة مع آثارها الإدارية والمالية ورفع تكلفة المنتجات والخدمات..

5 - برغم ما أعطي للشركات من تسهيلات ومرونة، فإنها لم ترق إلى ما أعطي للقطاع المشترك في السبعينات، حيث ورد في صكوك إحداث إحدى شركاته " عمريت "، بالحرف " لا تسري على هذه الشركة الأحكام والقيود الواردة في النصوص التشريعية المتعلقة بشركات القطاع العام مهما بلغت نسبة مساهمة الدولة (وزارة السياحة) فيها "!. فلم نستمر بهذه القيود؟. ألا يعتبر تعديل القوانين والأنظمة مطلباً إدارياً يمهد لكل إصلاح وتطوير؟.

6 - كما أتها لم تحط بكل أنشطة القطاع العام، وحصرت في عدد محدود من الشركات المرتبطة بوزارة الصناعة فقط.. مع أن القطاع العام ومعه بعض أجهزة الدولة تنشط في مجالات ذات أهمية كبيرة وثقل نوعي كبير أيضاً في الاقتصاد الوطني، كالنفط والحبوب والقطن والكهرباء والسكك الحديدية والمصارف والدخان..

7 - وبرغم انحصارها بما يرتبط بوزارة الصناعة، فإن الشركات المطبقة للتجربة، ما تزال أقل من نصف عدد هذه الشركات.. علماً بأن هناك شركات صناعية كثيرة وهامة ترتبط بوزارات أخرى بقيت خارج التجربة..

8 - وكلفت بالإشراف على التجربة ومتابعة خطواتها، لجنة برئاسة السيد وزير الصناعة، وممثلين عن بعض الجهات.. وهي غير متفرغة برغم حجم المسألة وأهميتها، ولا تملك الصلاحيات لمواجهة المستجدات واتخاذ القرارات المناسبة والسريعة.. ولسنا ندري إذا كان أعضاؤها مختصين بالإدارة..

9 - وقد اعتمدت التجربة في أساسها على فكر إداري أجنبي غريب نودي به لأول مرة في مجتمع يختلف في ظروفه عن مجتمعنا، وعن بقية المجتمعات، في الولايات المتحدة الأمريكية منتصف القرن الماضي.. وروّج لهذا الفكر عدد من الكتاب العرب، وحاولت مجتمعات أخرى نقله وتطبيقه، كالشقيقة مصر.. ولا نعتقد بحصول النجاح!. إذ العبرة في كل نظرية وفكر إداري، هي الملاءمة لظروف المجتمع والمنظمات التي تسعى لتطبيقه ولبيئتها وخصوصياتها.. التي يستحيل أن تتماثل وتتطابق بين مجتمع وآخر أو منظمة وأخرى، مهما بدا من التشابه أو التقارب بينها.. وبالتالي فإن العبرة في هذا التطبيق هي للمردود والنتائج العملية التي نتوخاها منه، وفي المحيط والجهات المشرفة والوصائية والمؤازرة والمتابعة والمنفذة.. الأمر الذي يتطلب تدقيق النظريات والأفكار والتجارب الخارجية قبل استيرادها، وتمحيصها للتأكد من إمكانية نجاحها عندنا.. فالاتحاد السوفياتي السابق كان يعتمد أسلوباً إدارياً مشابهاً ومعروفاً للكثيرين، ويدعى " الحساب أو المحاسبة الاقتصادية " فهل أعطى نتائج إيجابية هناك؟. ونذكر هنا بأن الإدارة مهنة محلية، وأن الأمور نسبية في عالم الإدارة، كما سبق القول..

10 - وتجدر الإشارة إلى أن بعض دعاة الإدارة بالأهداف، ممن أصدر كتباً عنها، أصبح الآن يدعو لنظام جديد اسمه "إدارة الأداء ".. وصحيح أنه لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغير الأزمان.. ولكن شريطة أن يتم التغيير بعد دراسة متأنية واقعية، وليس أخذاً مباشراً عن مجتمعات أخرى.. فهذا النظام الجديد مأخوذ أيضاً عن الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ تطبيقه عام 1993!. ونقرأ مؤخراً في البعث الاقتصادي بتاريخ 27/2/2001 اقتراحاً مقدماً إلى رئاسة مجلس الوزراء باعتماد " برنامج تحسين الأداء للمؤسسات، OD/PIP " لأنه اعتمد في عدد من الدول الأجنبية‍‍‍؟‍. وبعد شهر، بتاريخ 27/3، نطالع ملخصاً عن كتاب بتسمية جديدة: الإدارة بالنتائج الاقتصادية وبالمحصلة الاجتماعية.. بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيقه عام 1993 أيضاً!. فهل ننساق وراءها أيضاً، وأيهما ننقل عن أمريكا؟!. أم نختار ونكوّن ما يناسبنا، بعد دراسة وتمحيص؟.

11 – ونحن نرى أن نعود إلى لغتنا العربية الجميلة وواقعنا وظروفنا مباشرة، وأن نتوخى الرشد أو الرشاد في الممارسة الإدارية، وأن نطلق على الإدارة صفة مشتقة منهما، فنقول: المطلوب أن تكون " الإدارة رشيدة ".. فالرشد أو الرشاد يلم بكل التسميات ويحيط بكل المعاني والصفات.. التي تطلق هنا وهناك على الإدارة، والإداري الراشد، وحتى بالتعريف الحقوقي، هو القادر على التصرف على أحسن وجه واتخاذ التدابير الملائمة بحسب الأهداف والإمكانات والظروف.. على أنه لا بأس في معرفة ما لدى الآخرين..

و ـ أمثلة على الممارسات الإدارية المعقدة

1 ـ حين اقترحت العام الماضي بتاريخ 15/11/2000 هنا في المركز الثقافي العربي في المزة، على د. كمال شرف رئيس الجمعية، إدراج موضوع التنمية الإدارية في ندوة هذا العام، أعطاني د. عدنان شومان، بعد انتهاء تعقيبه على المحاضرة، ورقة بخط اليد، أسجل نصها حرفياً: (طلب عداد ماء، ـ استغرق 3 أشهر ونصف ـ الإضبارة تضمنت 18 ورقة ـ عدد التواقيع 56 ـ عدد المشاوير للمراجعة بين الجهات المعنية بالمياه أخذت 80 كيلو متر بالسيارة من منزلي إلى تلك الجهات. ما رأيكم دام فضلكم؟! لهذا أنا معك يجب وضع المحور الإدارة بالمعنى الواسع MANAGEMENT ويجب أن يتضمن الروتين والفساد ". أذكر هذه الواقعة دون تعليق، فهي واضحة وتعبر عن: التعقيد، ومعاناة مواطن، مع هدر في الوقت الاجتماعي.

2 ـ من يرغب في الحصول على إجازة استيراد، عليه أن يقدم الوثائق التالية، وهي 8 كما صرح مدير إحدى الشركات الصناعية، السيد حسين ديري: موافقات وزارتي التموين، والزراعة، مؤسسة الصناعات الغذائية، مديرية صناعة المحافظة، وبراءة ذمة من المالية، وسجل تجاري، وسجل صناعي، وشهادة تسجيل في غرفة الصناعة.. وكل موافقة تحتاج إلى أسبوع واثنين.. ومن ثم فهو يصادف بعض الصعوبات: كتأخر وثائق الشحن لتخليص البضاعة " تصديق الفواتير وشهادة المنشأ والشهادة الصحية من السفارة السورية في بلد المصدر "، لمدة طويلة، وصلت في إحداها إلى 35 يوما.. ثم يذكر بأن إجازة الاستيراد تعطى في بلد مجاور " تركيا " فوراً لطالبها من المصرف بعد أن يدفع ضريبة الاستيراد التي تُحول إلى المالية.. في حين أنه لم يدفع ضريبة عن مستورداته منذ أكثر من 10 سنوات بحجة أنه لم يتم تكليفه.. ويضيف: لنتصور مقدار الخسائر على الدولة..

3 ـ ويروي في تصريح آخر، يتعلق بطرد بريدي بزنة 250 كغ وقيمته 200 دولار، أنه قدم طلباً لتخليصه من جمارك المطار.. وبعد العديد من الذهاب والإياب إليه، وبعد أن اقترن طلبه ب 20 توقيعاً، طلب منه الحصول على إجازة استيراد حكمية لأن قيمة البضاعة مع أجرة شحنها زادت عن 200 دولار حسب تقدير رجل الجمارك.. وفي مديرية الاقتصاد طلب منه معاون المدير: المخصصات من وزارة الصتاعة علماً بأنها ألغيت من قبل السيد وزير الاقتصاد، براءة ذمة من المالية، سجل صناعي، سجل تجاري، شهادة غرفة التجارة..!. علماً بأن الأمر لا يتطلب أكثر من تقديم صورة عن السجل الصناعي بحسب لوائح التعليمات، ولكن.. وينتهي إلى القول: تم تخليص البضاعة بعد 50 يوما..

4 ـ ويختار المواطن أن يرسل الدراهم أو الرسائل والطرود، بين المحافظات، عن طريق شركات النقل والشحن الخاصة.. فلماذا؟. أليس لأنه يريد أن يتفادى التعقيدات والتأخير الذي سيتعرض له فيما لو سلك طريق المصارف أو البريد؟. فهل يجب أن نستمر على هذه الحال، أم هنالك حل إداري؟!.

4 ـ ولعلنا جميعاً نتساءل: لماذا يوجد " معقبو المعاملات " أمام الكثير من الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة؟، وما هي دلالة وجودهم، ولمصلحة من؟. أهي ظاهرة إدارية صحية؟. وهل يجب الاستمرار بهذا الأسلوب؟. وما هو الحل؟، ومن سيقوم بذلك، وكيف، ومتى؟..

5 ـ وعن المحافظات يمكن إيراد بعض الأمثلة:

× كثرة المجالس واللجان التي يرأسها المحافظ بموجب القوانين والأنظمة النافذة حكماً، وبموجب ما يصدر من قرارات إدارية عن رئاسة مجلس الوزراء والمجالس الوزارية العليا والوزارات.. من حين لآخر، وفي مواضيع مختلفة.. ونعتقد أن لا أحد يستطيع معرفة عددها!. وفي الكثير منها إضاعة لوقته وصرفه عن مهامه الرئيسية كصاحب منصب، يمثل السلطة التنفيذية في محافظته بكل مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية والشعبية.. فهل يملك الإنسان أكثر من 24 ساعة في اليوم؟. أليست الساعة 25 مستحيلة؟. ألا يستحق مثل هذا الوضع إعادة نظر إدارية؟.

ملاحظة: كثرة المجالس واللجان، وبالتالي الاجتماعات، ظاهرة شائعة في معظم المستويات، وخاصة في قمة الهرم الإداري.. وأخطر ما فيها، أنها تأخذ على المشاركين فيها أكثر وقتهم، وتشغلهم في قضايا ثانوية، وقد تضيع معها معالم المسؤولية..

× بناء على أحكام قانون الإدارة المحلية ولائحته التنفيذية والتعليمات التي تلتها، ترفع طلبات المعلمين والممرضين في المحافظة وغيرهم، المتعلقة بالنقل أو الحصول على إجازة بدون راتب أو الإحالة على الاستيداع.. من المديرية المختصة إلى المحافظة، فتسجل في ديوانها العام، لتحال إلى ديوان الذاتية لإعداد الكتاب اللازم، ثم أمانة السر لوضعه في بريد المحافظ للتوقيع.. وبعد التوقيع، يعود بالاتجاه المعاكس.. ليستلمه صاحب العلاقة من الديوان العام بعد تأريخه وتوشيحه بالخاتم.. وتبلغ مثل هذا المعاملات المئات شهرياً.. وتستغرق كل منها 4 – 5 أيام كحد أدنى.. فلم هذه المركزية؟، ولماذا نشغل وقت المحافظ الثمين بمثل هذه الأوراق؟. ولماذا نشغل دوائر المحافظة وموظفيها بإجراءات ورقية آلية، ودون رأي أو تنسيب؟. لأن الأصل فيها يعود للمديرية المختصة التي يجب أن تتحمل مسؤولية قراراتها.. علماً بأننا نرى، وقياساً على المقولة الاقتصادية، العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق،: أن المعاملات الصغيرة تطرد المعاملات الكبيرة من أمام صاحب المنصب والوظيفة العليا، لأنها تأخذ عليه بكثرتها وبساطتها، جلّ وقته، فلا يخصص للكبيرة  إلا النذر اليسير من الزمن غير الكافي، ويضطر "لسلقها " عند ضغط الوقت!.

× ورخصة البناء، تمر عبر سلسلة طويلة من المراحل.. والمصورات.. والدراسات.. والآراء.. كان قد قرر لها أن تصدر خلال شهر واحد.. ولكنها تحتاج عملياً إلى 6 أشهر.. علماً بأنها تقطع هذه الطريق باليد، دون أتمتة، مع ما قد يرافق المعاملات اليدوية من أخطاء أو سوء تصرف وائتمان.. واستنفاذ وقت طويل!.

× وينطبق أسلوب المعاملات الورقية اليدوية، وآثاره السلبية المحتملة، كذلك على الأمور المالية.. كاسترداد الأمانات.. الذي تنتقل أوراقه بين العديد من الغرف " 6 – 7 " ويتداولها ما لا يقل عن 10 موظفين.. مما يتطلب بدوره أتمتة الحسابات، للمحافظة على أموال المحافظة، ولتحقيق الدقة في مثل هذه الأمور الحساسة بما يحفظ الطرفين: المحافظة والمتعاملين معها، ويوفر الوقت على الجميع.

ملاحظة: حاولنا في التقاط السابقة، الإثارة والتحريض وتسليط الضوء على زوايا كبيرة مع إضافة زوايا، قد تبدو للبعض صغيرة، ولكنها ذات تأثير كبير على المسألة الإدارية.. جمعنا بذلك، وإلى حد ما، بين التنظير والواقع.

سابعاً ـ اقتراحات بخطوات إصلاحية إدارية، لا تحتمل التأجيل

إن التدابير المطلوب القيام بها، لتحقيق التوجهات السياسية حول المسألة الإدارية، ولتنفيذ الأهداف الاقتصادية ولتصحيح الأوضاع الإدارية التي ذكرنا بعضاً منها، كثيرة ومتنوعة.. ومنها ما يحتاج إلى زمن ليسس بالقصير، ومنها ما يمكن إجراؤه على المدى القريب.. وإذا كانت التدابير بعيدة المدى تحتاج إلى دراسة شاملة وجهد جماعي، فإننا نتقدم هنا، وبناء على طلب السيد رئيس الوزراء في اجتماع 17/3، الذي نوقش فيه مشروع الخطة الوطنية للتنمية الإدارية، (يجب التوصل إلى اقتراحات عملية، وبالتالي السعي لوضع برنامج ضمن الاستراتيجية لتحقيق الأهداف والتسيير بالبرامج بشكل منسق..) باقتراحات بما يمكن اتخاذه على المدى القصير بصفة عاجلة، كتمهيد للإصلاح الإداري و لخطة التنمية الإدارية.

1 – سرعة إصدار الصك القانوني بإحداث الهيئة العامة للتنمية الإدارية، أو الوزارة الدائمة المختصة بها.. لسد الفراغ وملء الشاغر " ولا سيما في وظيفتي التنظيم والتدريب " في الهيكل التنظيمي المركزي للإدارة الحكومية.. ولنضمن وجود المرجع المختص الدائم، الذي يترجم التوجهات حول المسألة الإدارية إلى واقع ملموس، واستمرارية أداء واجبات الإصلاح الإداري وشموليتها، وعدم انقطاع الخطوات التي تجري من حين لآخر، لدى إعادة تشكيل الحكومات. ولكي لا تظل الإدارة " يتيمة " بإيجاد الجهة صاحبة الولاية العامة والدائمة على الإدارة، التي تستطيع رفع " الظلم " عنها، والتي يمكن مساءلتها عن الوضع الإداري وتطوره، فنكافئها إن أحسنت، ونؤاخذها في حال العكس. وبإحداثها، نتدارك ما أشارت إليه مثلاً السيدة سلمى سلمان في " البعث " 25/3 بعنوان: خطط دون تنفيذ‍‍‍.. " حتى تاريخه لم يلمس المواطنون المتلهفون للتغيير الفعلي بأرض تلك التنمية الإدارية التي نودي بها عدة سنين، ولكن كثفت حملاتها في السنة الأخيرة، وطرحت كاستراتيجية في عملية التطوير والتحديث التي تعيشها سورية، وشرعت برفع شعاراتها بكل ركن وزاوية من وزاراتنا ومؤسساتنا العامة. نحن بحادة إلى فعل حقيقي، إلى لمس الخطط له ممارسة، لا إلى سطور على ورق يستهلك منه الأطنان.. في دوائر الدولة وأركانها الإدارية..". 

2 ـ بدء تنظيم كشف أو سجل للعاملين، كخطوة ضرورية لتطبيق مبدأ الرجل المناسب، وذلك بقرار من السيد رئيس الوزراء يكلف به كلاً من المكتب المركزي للإحصاء وسجل العاملين في الدولة بهذه المهمة، وفق نموذج محدد.. ويبدأ من كبار العاملين.

3 – سرعة عقد دورات تدريبية إدارية إلزامية، تبدأ بألف باء الإدارة، للعاملين في المستويات الإدارية العليا.. معاونو الوزراء والمديرون العامون ومن في حكمهم.. وهذه الدورات الأساسية ممكنة بقرارات من السيد رئيس الوزراء، اعتماداً على الإمكانات البشرية ولتعليمية والتدريبية المتوفرة لدينا حاليا.. وقد سبق في العام 1980 أن تقرر عقد الدورة الأولى اعتباراً من 16/2 ونظم منهاجها، وكلف أشخاص بإدارتها والتدريب فيها، وطلب إلى الوزارات ترشيح المتدربين تباعاً، للدورة الأولى وما بعدها.. ولكنها أجلت إلى أجل غير مسمى‍‍؟.

4 – وكذلك، على التوازي، سرعة عقد دورات تدريبية معلوماتية، لهم.. بالتعاون مع الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية وغيرها من الجهات المؤهلة..

5 – إزالة " سقوف " الحوافز والمكافآت والتعويضات، المصطنعة أو المستعارة، بتوجيه من السيد الوزراء إلى اللجنة العامة للحوافز، فالقوانين والأنظمة لا تقررها في الأصل، وإنما وضعتها عقلية ليست بإدارية وليست اقتصادية!. ونسوق هنا مثالاً واقعياً عن الأثر الإيجابي الكبير الذي ينجم عن إلغاء " السقوف " وجعلها مفتوحة.. ونسوق هنا مثالاً واقعياً عن الأثر الكبير لمثل هذا الإجراء.. ففي إحدى مراحل توسيع معملي خميرة دمشق وحلب عام 1990، طرحت لجنة الإنجاز الأعمال الميكانيكية لتركيب التجهيزات الجديدة في معمل حلب بالمناقصة؛ وكان أقل العروض الواردة 2،3 مليون ل س.. فتقدم مهندسو المعمل وفنيوه وإدارته إلى اللجنة بطلب يلتزمون فيه بالتركيب لقاء 700 ألف ل س فقط، وخلال المدة المحددة وهي 3 أشهر.. على أن توزع عليهم أثناء التركيب ودون " سقوف ".. فأيدت اللجنة طلبهم بعد أن تأكدت من قدرتهم على التنفيذ ورفعته إلى اللجنة الاقتصادية التي أيدته بدورها، ووافق عليه السيد رئيس الوزراء.. وتم ذلك بنجاح.. وكانت المحصلة: ازدياد الدخل المادي للعاملين مما زاد في اندفاعهم وإنتاجيتهم؛ توفير مبلغ 1،6 ل س لمصلحة خزينة الدولة؛ توزيع مبلغ 700ألف ل س في وقت قصير على ما يزيد عن مائة شخص، بدلاً من أن يحصل شخص واحد على مبلغ 2،3 مليون ل س، وفي هذا عدالة اجتماعية؛ واكتسب المهندسون والفنيون والعاملون خبرة عملية ترفع مستواهم وتؤهلهم لتشغيل المعمل وصيانته بكفاءة.

6 – الاستمرار في إلغاء البلاغات والتعاميم التي تقيد القوانين والأنظمة النافذة.. وتعميم التسهيلات والمرونة التي أعطيت لشركات تجربة الإدارة بالأهداف، على جميع وحدات القطاع العام المرتبطة بوزارة الصناعة وغيرها.

7 - الاكتفاء بطرح القضايا العامة في المؤسسات الحكومية الدائمة: مجلس الوزراء، ولجانه الوزارية الاقتصادية والخدمات والثقافية، والمجلس الأعلى للتخطيط.. ومبدئياً تجميد أو إيقاف نشاط المجالس واللجان الوزارية العليا المؤقتة التي أحدثت في حينها لمواجهة مسائل معينة، وذلك تمهيدً لإعداد الصكوك بإلغائها..

ملاحظة: إن ما اقترحناه في الفقرات الخمس أعلاه، لا يحتاج سوى لتدابير إجرائية، بسيطة في اعتقادنا.. كما أنها ممكنة التطبيق بالإمكانات المتاحة لنا.. مع آثارها الإيجابية الكثيرة على مسيرة التطوير والإصلاح والتغيير في كل المجالات.

ثامناً ـ التدابير الجذرية للإصلاح الإداري

وعلى التوازي مع ما أوردناه عن التدابير العاجلة، نرى ضرورة البدء بخطوات متداخلة معها، ومكمّلة لها، والتي تجعل الإصلاح الإداري أكثر شمولية وأكثر فائدة للإصلاح الاقتصادي، وللتطوير عامة.. ومن ذلك:

1 - إلغاء " سقف " الأجور والرواتب. إكمالاً للقانون رقم 5 لعام 2001 الذي أزال السقف الرقمي للمعاش التقاعدي.

2 - رفع التعويض العائلي، إلى ما يعادل القيمة الفعلية التي كانت له، لدى إقرار ألـ 25 ل. س.

3 - إعادة النظر بالحد الأدنى من رواتب العاملين وأجورهم المعفى من ضريبة الدخل.

4 - سرعة استكمال القانون الأساسي للعاملين 1985باستصدار: قانون الضمان الصحي؛ وتعديل تعويضات الاختصاص، وطبيعة العمل، والانتقال والسفر، والتمثيل، والمسؤولية، والعمل الإضافي.. ومعظمها إجراءات ممكنة بموجبه، إلا أنها موقوفة التنفيذ!.

وإن التركيز على رفع مستوى معيشة العاملين، من شأنه، وعلاوة على رفع مستوى أدائهم الإداري، أن يساهم بقسط كبير في سد ذريعة هامة للإفساد والفساد، كظاهرة خطيرة تهدد المجتمع بصورة عامة، أخلاقياً ومادياً، بما ذلك الاقتصاد.

5 –  التركيز على وسائل الاتصال والمعلوماتية وأنظمتها وبرامجها، أولاً بأول، فالصراحة والوضوح والشفافية، كفيلان بنجاحنا في المرحلة الأولى التحضيرية، وهي تشخيص الحالة الراهنة وتحليل ظواهرها الإيجابية أو السلبية ومسبباتها، لكي نستخرج منها بمنطقية وواقعية، تدابير التطوير والإصلاح والتغيير و إجراءات المعالجة الإيجابية والوقائية، الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، ضمن رؤية شاملة تستشف آفاق المستقبل إلى مدى معقول، حتى العام 2025 وما بعده.

6 - تعزيز المراكز المفتاحية المركزية بالكفاءات وتعديل هيكليتها وصلاحياتها، وتفعيل دورها، لكي  تساعد الحكومة في نشاطها بكفاءة، ولأنها متداخلة باختصاصاتها مع كل الجهات، وتؤثر بالتالي على أنشطتها وأدائها، إيجاباً أو سلبا: وهي هيئة تخطيط الدولة، ومكتب شؤون مجلس الوزراء ليقوم بدوره كأمانة عامة، وزارة المالية، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش لتساهم في " تطوير العمل الإداري " كما نصت الفقرة 1 من المادة 2 من قانون إحداثها رقم 24 لعام 1981، والمكتب المركزي للإحصاء كمرجع رئيسي للمعلومات والمتابعة، ومجلس الدولة ليلعب دوره التشريعي حسب اختصاصه. وبمثل هذه الإجراءات نضمن مؤازرة هذه الجهات المركزية للحكومة في وضع الأهداف والاستراتيجيات والسياسات والخطط والبرامج وتنفيذها.. ومتابعة تنفيذها مستقبلاً بشكل إيجابي.

7 - النظر في القوانين والأنظمة وأساليب العمل، بما يكفل توضيح الاختصاصات ونطاق الإشراف والمتابعة بدقة.. ويكفل إيجاد المناخ التنظيمي والإداري والقانوني والمحاسبي الملائم، الذي يساعد على ممارسة كل جهة لاختصاصاتها، وعلى المرونة في القيام بالواجبات المكلفة بها وتحمل مسؤولياتها، دون مركزية شديدة، وازدواجية وتنازع إيجابي أم سلبي في الاحتصاصات.

8 – النظر في التنظيم الهيكلي في قمة الهرم الإداري وأوسطه.. مجلس الوزراء، والمجالس واللجان الوزارية العليا، والوزارات والهيئات والمؤسسات المركزية.. بما يكفل وضوح الاختصاصات وحدود الصلاحيات لكل منها، والتنسيق فيما بينها وفي علاقاتها الإشرافية والوصائية والمتابعة مع سائر الجهات.. وبما يحقق الاستقلالية في التصرفات وتحمل كل جهة لمسؤولياتها والابتعاد عن المركزية وعدم التدخل في شؤون الغير والمرونة وحرية الحركة وسرعتها.. وبما يتفق مع المرحلة التي يعيشها القطر ومستجدات العصر وتقنياته ومتطلبات الإدارة الرشيدة.

تاسعاً ـ خلاصة وختام

1 - خلاصة ما نود طرحه، هو أننا بحاجة إلى " إدارة رشيدة "، كنظرية وتطبيق، تعتمد على تراثنا وماضينا، وعلى تحليل موضوعي لواقعنا وحاضرنا، وتحدد الأهداف الاستراتيجية، الطموحة والموضوعية، التي تكفل تطورنا وتقدمنا في المستقبل، قطرياً وقومياً وعالمياً.. وترسم الخطط المرحلية على المدى القريب والبعيد لتحقيقها.. وتضع البرامج والمشاريع والتدابير العملية لتنفيذها.. مستخدمة في كل ذلك الإمكانات المختلفة المتاحة لنا، على أفضل وجه وبشكل مكثف، ودون هدر في الإمكانات أو إضاعة في الوقت.. منطلقة في كل ذلك من خصوصياتنا وظروفنا وبيئتنا وأهدافنا ومصالحنا، قطرياً وقومياً، مع الاطلاع على ما لدى الآخرين، للقياس والاقتباس، ودون تقليد أو استنساخ.

2 - وباعتبار أن التطوير والإصلاح والتغيير هو شعار المرحلة، كما يوجه السيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد، نتمنى على الحكومة، وفي جملة ما تقوم به من إجراءات، سرعة تلافي هذه الشجون الإدارية التي عرضناها باختصار وغيرها.. وإعطاء الإجراءات الإدارية، الساخنة والجذرية، الأولوية والأفضلية، الأمر الذي يساعد على تنفيذ سائر الخطوات الإصلاحية وتحقيق أهداف خطط التنمية الشاملة بأحسن شكل، في المجال الاقتصادي وغيره.. ذلك لأن استمرار هذه الزوايا الإدارية وغيرها، مع آثارها السلبية على الاقتصاد والمجتمع، وبقاء الإدارة " يتيمة "  لا وصي عليها، مع غياب الجهة المركزية الدائمة المختصة بالتنمية الإدارية.. من شأنه جعل وتيرة التطور والإصلاح بطيئة، لا تكافئ ما ننشده، ولا تتواافق مع وتيرة التطورات والمستجدات والتحديات والاستحقاقات المتسارعة في العالم.

3 - كما نتمنى، ونظراً لأن المسألة الإدارية من الأهمية والخطورة بمكان ومن الجسامة بحيث لا يمكن  الإحاطة بها بجهد فردي وإنما تحتاج إلى جهد جماعي منظم ومسؤول وممتد في الزمن.. أن تتبنى جهة ما في الحكومة أو المنظمات الشعبية والعلمية أو في السلطة الرابعة.. مسؤولية إكمال خطوات الإصلاح، وأن تنظم ندوة عامة عن المسألة الإدارية " بما فيها مشروع الخطة الوطنية للتنمية الإدارية، وتجربة الإدارة بالأهداف، وما وصلت لجنة الـ 35 ، وغيرها من الجهات واللجان.. " ولعدة أيام على الأقل.. تعرض فيها خلاصة الأبحاث والآراء والانتقادات والمقترحات التي سبق أن قدمت، والتي ستقدم حتى موعدها، على المناقشة الموسعة والصريحة.. وأن تعلن عنها، وعن محاورها، قبل وقت كاف لتأمين المشاركة فيها على أوسع نطاق، من قبل ممثلين عن حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية والحكومة والقطاع العام والمنظمات الشعبية المختلفة والمفكرين واتحاد العمال والجامعات والإعلام والدارسين والمفكرين.. ومن يرغب من المواطنين..

وأن تكون للندوة لجنة تحضيرية مختصة وعلى مستوى، وأمانة سر جديرة وكفؤة، بحيث تُعد بنتيجة الندوة دراسات ومذكرات تشمل مقترحات وتوصيات معللة بتدابير وإجراءات عملية محددة.. ترفع إلى القيادة والسلطات المعنية.. وتتبناها وتدأب على نشرها والترويج لها السلطة الرابعة. كي لا تكون الندوة نوعاً من الترف الفكري، وتضيع الجهود سدى.

4 - وآمل ختاماً، أن أكون قد وفقت في تكوين القناعة لديكم، بأن العناية بالإدارة والتبكير في السير على طريق التنمية الإدارية، ذات أهمية كبيرة، وتشكل التحدي رقم ( 1 ) الذي يجب مواجهته. وأن أكون قد بينت أسباب إلحاحي وإصراري على التنمية الإدارية، وبررت دوافعي للحماس للإدارة، حيث أنها شكلت لدي هاجساً بل اعتقاداً يرفعها إلى مرتبة إثبات الوجود من عدمه، في هذا العالم.

كما أشكر جمعية العلوم الاقتصادية، على إتاحة هذه الفرصة لي، كما أشكر حضوركم واستماعكم، مع أملي بأن يساهم كل منكم في رفع مستوى الإدارة، في شخصه، وفي الموقع والمجال والقطاع الذي ينشط فيه، الحكومي والعام والخاص والتعاوني والمشترك والفردي.. فهي اختصاصنا جميعا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دمشق 10/4/2001

أحمد دباس ابن عبد السلام




[1] وهي مثلاً من م/ت 147 لعام 1967، المواد: م/2 ؛ م/ 2 ـ د ـ ط  " وتخص مجلس الوزراء ورئيسه" ؛ م/6 آ حتى ص " وتخص اللجنة الاقتصادية " ؛ م/8 ـ آ حتى ط " تخص الثقافية " ؛ م/10 آ حتى و " تخص الخدمات "؛ م/16 ؛ م/26 ؛ م/27 " بالنسبة للوزراء " .. والمادة 3 ـ آ حتى ز من م/ت 81 لعام 1968، للمجلس الأعلى لتخطيط..