الإصلاح الاقتصادي في سورية
الدكتور نبيل سكر*
سابعاً- إصلاح القطاع الخاص
لكي نجعل القطاع الخاص قطاعاً ديناميكياً أكثر إنتاجية وأكثر التزاماً بالتنمية وبالاستثمار طويل الأجل، وأقل اعتماداً على نشاط الوساطة والربح السريع، ينبغي العمل على أربعة أصعدة.
- منحه الأمان الحقيقي من خلال التأكيد على حق الملكية الفردية الخاصة قولاً وعملاً.
إجراء التعديلات اللازمة في البيئة التشريعية والتنظيمية القائمة المتعلقة بالعمل التجاري والاستيراد والتصدير وقوانين وأنظمة القطع وكذلك التشريعات اللازمة لمنع الاحتكار ولتشجيع المنافسة في السوق.
ج- إقامة وإتاحة الفرصة له لإقامة المؤسسات المصرفية المتطورة والمدن الصناعية المخدمة وإقامة الخدمات الاستثمارية المالية والمحاسبية والتقنية اللازمة لعمله.
د- توفير الفرص المتكافئة للجميع وبكامل الشفافية قولاً وعملاً.
هـ- إقامة أو تشجيع إقامة صناديق استثمارية لمساعدته في عمليات إعادة الهيكلة ودخوله مجالات استثمارية جديدة متطورة.
وحين يوجد هذا الإطار وتوجد البيئة التشريعية والتنظيمية السليمة نستطيع أن نتوقع من القطاع الخاص أن يطور نفسه وأن يعيد هيكلة مؤسساته ويدرب موظفيه ويسدد ضرائبه ويبحث عن أسواق التصدير، ويستثمر في هذا الوطن بدلاً من أن يبحث عن الربح السريع.
ثامناً- الإصلاح المصرفي
أصبح من الواضح أن النظام المصرفي القائم في سورية يفتقد إلى القدرة على تعبئة المدخرات المحلية وتحويلها إلى استثمارات وطنية فاعلة، ويفتقد إلى القدرة على نقل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد العولمة، كما يفتقد إلى القدرة على الإسهام في عملية الإصلاح الاقتصادي، من خلال مساهمته في إعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية والخدمية في القطاعين العام والخاص، وتوفير التمويل اللازم والمشورة اللازمة لهما لدعم انطلاقتهما. لا بل أن القطاع المصرفي في وضعه الحالي يساهم في تكريس استمرارية المنشآت الخاسرة في القطاع العام التي يمنحها التسليف وهو يعرف سلفاً عدم قدرتها على التسديد.
ولا شك أن إصلاح النظام المصرفي ينبغي أن يكون عنصراً أساسياً في عملية التصحيح الاقتصادي، وقد كنت قد قدمت محاضرة في هذا الموضوع في ندوة الثلاثاء الاقتصادية في كانون الأول من عام 1994 وقدمت مداخلة مكتوية كذلك في الندوة السابقة في شهر آذار بتاريخ من عام 1999، ولن أكرر الآن ما قلته في السابق، ولكني أركز على مفهوم الإصلاح المصرفي في سورية كما أراه وعناصره الأساسية.
- منطلقات الإصلاح المصرفي
يرتكز الإصلاح المصرفي المقترح على المنطلقات التالية.
- أن الإصلاح المصرفي يجب أن نبع من تصور واضح المعالم النظام الاقتصادي المستقبلي لسورية حتى يأتي الإصلاح لتلبية متطلبات هذا النظام. فالنظام المصرفي القائم جاء لخدمة نهج التخطيط المركزي، وعلينا الآن تحديد أي نموذج نريد من اقتصاد الدولة ونظام السوق حتى نطور نظامنا المصرفي ليلبي احتياجاته.
- ربط الإصلاح المصرفي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً، وخاصة بالنسبة لإصلاح القطاع العام والإصلاح المالي نظراً للترابط الوثيق بين هذه الإصلاحات الثلاثة.
- ربط الإصلاح المصرفي بإقامة البيئة التشريعية والتنظيمية اللازمة لعمل القطاع الخاص فحين تقوم البيئة التشريعية السليمة وتتميز القوانين بالعقلانية وتنتفي الاستثناءات وتسود الشفافية والمساواة في التطبيق يتوقف اكتناز الأموال في المنازل، وتتجه الأموال نحو المصارف لتصبح المصارف حلقة رئيسية فعالة في التنمية الاقتصادية.
- يجب أن يكون الإصلاح المصرفي شاملاً فلا يركز على إعادة هيكلة المؤسسات المصرفية فقط، بل يجب أن يشمل السياسة النقدية ومؤسساتها والرقابة على المصارف من قبل هذه المؤسسات وإصلاح وإعادة هيكلة المؤسسات المصرفية ذاتها.
- عناصر الإصلاح المصرفي
تتشكل العناصر الرئيسية للإصلاح المصرفي في اعتقادي من :
- تقوية مؤسسة المصرف المركزي وإعادة إحياء مجلس النقد والتسليف بهيكلية جديدة.
- تفعيل السياسة النقدية واستخدام سعر الفائدة كواحد من أدوات هذه السياسة.
- إقامة نظام متطور للرقابة على نشاط المصارف يشمل الرقابة على إدارتها وأموالها ومحافظها الاستثمارية وسيولتها وملاءمتها (وهذا يتم الآن حسبما أدري بمساعدة أوربية). وقد أكدت الأزمة الآسيوية الأخيرة مدى أهمية الرقابة على المصارف لتفادي الأزمات.
- إلغاء مبدأ الحصر والتخصص المصرفي الإلزامي القائم حالياً على الأمر الإداري، والاستعاضة عنه بالتخصص المبني على الخبرة.
- إدخال عنصر المنافسة إلى العمل المصرفي والتأكيد على استقلالية المصارف في قرارات التسليف سواء في القطاع الخاص أو العام إلى القدرة على التسديد.
- إعادة هيكلة البنية المالية والإدارية للمصارف القائمة، وإقامة برامج تدريبية مكثفة للكوادر العاملة فيها.
- التوجه نحو إقامة صيغة للقطاع المشترك في العمل المصرفي، بمشاركة رؤوس أموال مصرفية عربية وأجنبية، تنقل إليها المصارف القائمة حالياً بعد إعادة هيكلتها ومعالجة مشكلة ديونها المتعثرة، كما يمكن من خلال هذه الصيغة السماح لإقامة مصارف جديدة مشتركة. وأعتقد بكامل القناعة بان مشاركة القطاع الخاص مع القطاع العام المصرفي، هو الحل الأمثل والأقصر والأكثر فاعلية لتطوير المؤسسات المصرفية القائمة، فهو ينقل التقنيات المصرفية الحديثة إلى هذه المصارف بشكل مباشر وعن طريق الممارسة. ولا أعتقد أنه يجب إقامة أية مؤسسات مصرفية جديدة قبل حسم موضوع إصلاح النظام المصرفي بالكامل.
- العمل على تطوير البنية المالية التحتية وتطوير أسواق المال، مع وضع قواعد للإفصاح المالي من قبل الشركات، وإقامة جهات رقابية كفوءة للإشراف على تطبيق هذه القواعد. ويجدر التأكيد هنا على أن تطوير أسواق رأس المال لا يعني بالضرورة الانفتاح على الأسواق المالية العالمية، لا بل من الضروري الحفاظ على "محلية" أسواق المال طويلة تجنبنا لتعرضنا التأثيرات مالية خارجية.
تاسعاً- الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
تجمل عملية الإصلاح الاقتصادي معها، كما دلت التجارب في دول أخرى، احتمال تزايد فروقات الدخول بين الطبقات في مراحلها الأولى: مزيد من الأغنياء ومزيد من الفقراء بسبب سياسات تحرير لأسعار وترشيد الدعم الاستهلاكي ووقف التوظيف الاجتماعي من قبل الدولة، ثم احتمال ظهور طبقات طفيلية تستفيد من الثغرات خلال مرحلة الانتقال إلى نظام السوق.
ومن جهة ثانية تزداد قناعة المفكرين بين الاقتصاديين في الغرب وقناعة المؤسسات المالية العالمية لتلتقي مع قناعة المفكرين وأصحاب القرار في الدول النامية من أن العولمة الاقتصادية ستساهم في زيادة الفقر وانتشار البطالة في الدول النامية وخاصة الدول ضعيفة الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.
إذا أضفنا إلى ذلك معدلات النمو السكاني في سورية والتركيبة السكانية السورية المتصفة بارتفاع نسبة الفتوة فيها، والتي تدفع بحوالي 200.000 شخص إلى السوق العمل في السنة كما ذكرنا سابقاً وأضفنا كذلك قرارات التخلص من العمالة الفائضة في القطاع العام كحاجة ملحة لا بديل عنها لزيادة الكفاءة، أدركنا حجم القضية الاجتماعية المقبلين عليها ونحن ندخل نظام السوق ونظام العولمة.
أقول هذا لأؤكد على حجم القضية الاجتماعية المتصفة بزيادة احتمالات البطالة والفقر التي تهددنا، حتى نعد لها البرنامج الخاص لمعالجتها بالشكل المباشر (لا بشكل غير مباشر فقط وكنتيجة لعملية النمو). وعلينا إعداد برنامج متكامل لمعالجة قضايا الاجتماعية بالتلازم مع برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وفي مضمار الإعداد لبرنامج التنمية الاجتماعية نقترح:
- التأكيد على التعليم ونوعيته وتجاوبه مع متطلبات السوق كأداة من أدوات معالجة القضية الاجتماعية ومكافحة البطالة والفقر مثلما هو أداة من أدوات زيادة الإنتاجية في الاقتصاد وتعزيز القدرة التنافسية.
- اختبار القطاعات الاقتصادية التي توفر الفرص الكبيرة للعمالة.
- زيادة الفرص المتاحة لعمل المؤسسات الصغيرة.
- إقامة برامج شبكات الحماية الاجتماعية بمختلف أنواعها بما فيها التدريب والتأهيل وتلك التي تقدم القروض والمساعدة الفنية لإقامة المشروعات الصغيرة.
- توسيع وتحسين الخدمات الصحية خاصة للشرائح السكانية الفقيرة.
عاشراً- الإصلاح الاقتصادي وإصلاح التعليم
يجب اعتبار إصلاح التعليم جزءاً لا يتجزأ من الإصلاح الاقتصادي سواء فيما يتعلق بالتعليم الأساسي (الابتدائي والثانوي) أو التعليم العالي. وقد أثبتت تجربة النمور الآسيوية الارتباط المباشر بين رفع سورية التعليم وزيادة الإنتاجية في الاقتصاد. يجب أن يعتبر التعليم مفتاحاً لـ:
- تكوين الشخصية القومية والحفاظ على الهوية في مواجهة العولمة الثقافية وفي مواجهة التحدي الصهيوني في المنطقة بعد السلام.
- لزيادة الإنتاجية في الاقتصاد من خلال خلق الفرد القادر على التحليل والتفكير والإبداع.
- للتعامل مع الثورة التقنية والمعلوماتية.
- لتلبية احتياجات سوق العمل.
- لتوزيع الدخل ومكافحة الفقر، (فالتعليم يخلق فرصاً الارتقاء المعرفي وبالتالي زيادة الدخل).
ومن جهة أخرى ينبغي تكثيف نشاط كل من التدريب المهني والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، ويجب أن يكون البحث العلمي محدد الأهداف والاستراتيجية، وقابلاً للتحول التجاري إلى سلع وخدمات، فالبحث العلمي لا ينبع من فراغ، بل ينبع من الطلب عليه في السوق من قبل الصناعي والمهندس والمزارع والمقاول والطبيب وغيرهم. وإذا لم يوجد قطاع إنتاجي ديناميكي معرض للمنافسة، ويحتاج للتطوير التكنولوجي ليبقى، فسيبقى البحث العلمي مجرد عملية مخبرية قيمتها في خصائصها البحثية وليس في أهميتها الاقتصادية.
حادي عشر- الإصلاح ومكافحة الفساد
يزداد الاقتناع بأنه لا يمكن أن يتم الإصلاح الاقتصادي بنجاح ما لم يتم لجم الفساد والعمل على تكافؤ الفرص وتوفير الشفافية، وبدون ذلك:
سيتم هدر المال العام الذي يحتاجه المجتمع لكل من عملية التنمية وعملية التصحيح وتخفيف أعبائها على الفقراء.
ستتخذ قرارات اقتصادية تخدم أصحاب النفوذ ولا تخدم المصلحة الوطنية العامة.
سيظهر الإثراء غير المشروع وتزداد الفروقات بين الطبقات.
ستخرج الأموال المحصلة نتيجة الفساد إلى خارج البلاد.
لذلك يجب أن يضع الإصلاح الاقتصادي القضاء على الفساد بمختلف أشكاله وعلى كافة المستويات هدفاً من أهدافه. ولعل من أصعب تحديات الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى نظام السوق كما أثبتت التجارب هو منع أصحاب النفوذ وأصحاب المال من الاستفادة من الثغرات أثناء عملية التحرر الاقتصادي، ولنا في التجربة الروسية والتجربة الإندونيسية دروساً.
ومن الإجراءات التي تساعد على كبح الفساد:
- توفر الإرادة السياسية العليا لكبحه.
- توضح النهج الفكري في الاقتصاد.