لا بد وأن تتضمن التنمية بمضمونها بمفهومها الشامل الجديد تفعيل مؤسسات المجتمع المدني بكافة شرائحه لتعمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة وبحيث تشارك هذه المؤسسات أولاً في صنع القرار وفي اقتراح الخطط وثانياً في المتابعة والمحاسبة والمساءلة. ومثلما لم يعد ممكناً للدولة أن تقوم بالعملية الاقتصادية وحدها دون مشاركة القطاع الخاص لم يعد ممكناً للدولة والقطاع الخاص وحدهما القيام بعملية التنمية ومواجهة المنافسة العالمية دون مشاركة المجتمع المدني بكافة شرائحه وفئاته وكل حسب اختصاصه.
ولا شك أن فقدان التوازن بين دور الدولة ودور المجتمع المدني في العقود السابقة، لصالح دور الدولة، حرم عملية التنمية من مشاركة قدرات بشرية قيمة، وحرم عملية التنمية ذاتها من المحاسبة الموضوعية لها. لا بل نستطيع القول أن تهميش دور المجتمع المدني خلق نوعاً من إتكالية المواطن على الدولة، إتكالية في التفكير كما في العطاء، وأضعف شعوره بالمواطنة. وكانت نتيجة هذا إما القوقعة أو الهجرة. وكم هي من مفارقة أن نرى العقول ورؤوس الموال تغادر دنيا العرب وبينما نرى إسرائيل تستقبل العقول والخبرات ورؤوس الأموال من الشرق ومن الغرب.
إننا اليوم أكثر ما نكون حاجة إلى إحياء مؤسسات المجتمع المدني وإعادة التوازن بين دورها ودور الدولة في إطار شراكة بينهما، شراكة حقيقية في سبيل المصلحة الوطنية الكبرى، فلا الدور الوصائي للدولة ولا دور المواجهة من قبل المجتمع المدني كما نحتاج لتربية مدنية جديدة ركز على الحقوق والواجبات وعلى المساواة فيها وعلى سلطة القانون، وبحيث يصبح كل مواطن خفير وليست الدولة وحدها هي الخفير.
ويجب التأكد هنا وبكامل القناعة والإخلاص أن برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما برنامج التنمية الشاملة يحتاج لمشاركة المجتمع المدني في الإعداد والتنفيذ، حتى يتم قبوله وأن برنامج الإصلاح الاقتصادي يحتاج متى يبدأ تنفيذه إلى مجتمع مدني فاعل ليراقب ويحاسب ويشير إلى الخطأ وإلى الفساد فوراً في حال حدوثه، لا أن يغطى الخطأ والفساد أو يعالج خلف الأسوار وضمن اللجان، حتى يستطيع برنامج الإصلاح تجاوز عثراته المحتملة والتي لا بد منها بالسرعة القصوى.
ثالث عشر- في تنفيذ برنامج الإصلاح
يتأثر برنامج الإصلاح وبشكل كبير بكل من الجهاز الإداري للدولة وأسلوب اتخاذ القرار، وهناك حاجة للإصلاح في كل منهما.
- الإصلاح في الجهاز الإداري للدولة
يحتاج الإصلاح الاقتصادي لإدارة مدنية كفوءة تصنع برنامج الإصلاح وتقوم بتنفيذه، وللأسف فإن جهاز الخدمة المدنية الحكومية في وضعها الحالي ليس على مستوى القيام بهاتين المهمتين بشكل كفوء للأسباب التالية:
- تدني الكفاءات فيها وتداخل السياسة مع الإدارة.
- فقدان الحافز على العمل بسبب تدني الأجور.
- المركزية الشديدة وتضخم الكوادر البشرية وتحكم البيروقراطية المفرطة في الأداء.
- ضعف المعرفة بأدوات نظام السوق وثقافته.
ويتطلب إصلاح الإدارة المدنية الحكومية التالي:
- فصل السياسة و"التنظيم" عن الخدمة المدنية. فالخدمة المدنية عمل تقني بحث وحين تتدخل السياسة في الإدارة تفسد الإدارة.
- إعطاء المجال للمؤسسات التنفيذية القائمة للقيام بالدور المرسوم لها حسب قانون إنشائها، والتأكيد على ضرورة ممارسة كافة الجهات والإدارات في مختلف درجات التسلسل الهرمي صلاحياتها ومسؤولياتها بالكامل ومحاسبتها على هذا الأساس.
- رفع الأجور في جهاز الخدمة المدنية. ولا شك أن هناك حاجة لرفع الأجور وبمعدلات عالي حتى تستطيع الإدارة الحكومية، توفير العيش الكريم لموظفي الدولة ورفع مستوى أدائهم وحتى تستطيع جذب الخبرات العالية للإدارة. لكن هذا الإجراء لا يمكن تطبيقه ما لم يترافق مع التخلص من العمالة الفائضة تماماً مثل مشكلة العالة الفائضة في القطاع العام الاقتصادي ويصبح القرار هنا قرار سياسي واجتماعي بقدر ما هو قرار اقتصادي.
- العمل على تدفق المعلومات بين دوائر الدولة.
- التقليل قدر الإمكان من الازدواجية في العمل عن طريق دمج الوزارات والمؤسسات والهيئات التي تقام بعمل مشابه.
- القيام بدراسة اختصاصية للجهاز الإداري في الدولة بهدف:
- تحديد الفائض الوظيفي وأماكن تواجده.
- تحديد مهمات الوظائف ومسؤولياتها في مختلف دوائر الدولة وتحديد المؤهلات لكل وظيفة.
- دراسة آلية العمليات الإدارية المختلفة في الدولة لتخفيف الروتين والاستفادة بصورة أفضل من وقت العمل بتحويل الوقت غير المنتج إلى وقت منتج.
- وضع معايير أداء موضوعية في الترفيع والمكافآت وإدخال نظام للزيادات والمكافآن يكون مرتبطاً بكمية الجهد الذي يبذله الموظف ونشاطه في العمل ومبادرته المفيدة إلى جانب نظام الترفيع حسب الأقدمية.
- موقع القرار الاقتصادي
إن البطء في اتخاذ القرار الاقتصادي أو غياب هذا القرار في الوقت المناسب يشكل مشكلة رئيسية في سورية، وسيشكل استمرار هذا النمط في تنفيذ برنامج الإصلاح مشكلة كبيرة. ويبدو أن سبب بطء أو غياب القرار الاقتصادي في سورية يعود أولاً إلى المركزية الشديدة المتمثلة في المجالس العليا وفي اللجان المتعددة التي تسلب الوزرة المختصة صلاحياتها ويعود ثانياً إلى تشابك المسؤوليات في اتخاذ القرار الاقتصادي، والنابع من وجود قناتين على الأقل في صنع القرار الاقتصادي، قناة الدولة وقناة التنظيم.
وفي اعتقادنا أن نظام السوق والمنافسة والانفتاح على التجارة الدولية والاستثمار الخارجي يتطلب المرونة والسرعة في الحركة ويتطلب بالتالي تغيراً جذرياً في أسلوب الإدارة الاقتصادية واتخاذ القرار، أسلوباً لا يتحمل المركزية الشديدة حيث يصبح البطء في اتخاذ القرار كلفة يتحمل نتائجها المنتج المحلي مقابل منافسيه الخارجيين.
ويتطلب التغيير اتخاذ قرارين جريئين يشكلان تحولاً جذرياً في أسلوب الإدارة الاقتصادية:
-أولهما: إقامة علاقة جديدة يبن الدولة المؤسسات والتنظيمية تحدد الأخيرة بموجبها كل من الثوابت النظرية واستراتيجية التنمية والتوجهات العريضة المرغوبة للاقتصاد الوطني، ويترك للحكومة اتخاذ القرارات الاقتصادية اليومية ضمن هذا الإطار، ثم تحاسب على أدائها في مؤتمر مصغر كل سنتين. والجدير بالذكر أن الصين قامت بإجراء كهذا في عام 1987 بعد أن تم اتخاذ إقرار التوجهات الاقتصادية الجديدة من قبل الحزب الحاكم وترك للدولة حرية العمل ضمن هذه التوجهات.
- ثانيهما: حل كافة المجالس الوزارية العليا فيما عدا المجلس الأعلى للتخطيط وتحمل كل وزير مسؤولية اختصاص وزارته بالكامل، متيحين للجهات العليا الفرصة لتتفرغ للسياسات الكبرى. كما يتطلب الأمر من كل وزير تحميل مديرياته المختلفة مسؤولياتها بالكامل في الوزارة نفسها، حتى يتسنى للوزير المختص إعداد السياسات والاستراتيجيات العليا بدلاً من الغرق في المعاملات الروتينية اليومية.
رابع عشر- تجارب مختلفة في الإصلاح الاقتصادي
ليس هناك وصفة واحدة للإصلاح الاقتصادي تنفع الجميع لوجود اختلافات كبيرة بين موارد البلدان ومستويات تطورها وثقافاتها وعلاقاتها الخارجية، ولكن يجب علينا الاستفادة من تجارب الآخرين، وسنستعرض أدناه تجارب الإصلاح فيما يسمى بالنمور الآسيوية وفي الصين وروسية وسنستعرض ونقيم كذلك ما يسمى بوصفة البنك والصندوق الدوليين.
- تجربة النمور الآسيوية:
تعتبر تجربة الدول الآسيوية نموذجاً من نظام السوق المعدل، المبني على شراكة القطاع الخاص والتدخل الحكومي. وقد بنيت هذه التجربة على أساس الاعتماد الكبير على نظام السوق والتدرج في تخفيض الحماية الجمركية ودعم التصدير والاستثمار الكبير في التعليم الأساسي كما في رفع القدرات التكنولوجية المحلية. وقد استفادت هذه التجربة في نجاحها من احتواء التضخم (في البداية)، وحفاظها على إطار اقتصادي كلي سليم، كما استفادت من وجود اليابان إلى جوارها لتستفيد من تقنياته واستثماراته.
لكن هذه التجربة قصرت في تأخرها بوضع تشريعات لمنع الاحتكار وتعميق المنافسة، وعدم إعطاءها الاهتمام الكافي بالنواحي الاجتماعية وبمكافحة الفساد. كذلك فقد ارتكبت هذه التجربة خطأ كبيراً في أوائل التسعينيات بتحريرها القيود على تدفق رأس المال الخاص المحفظي (وليس المباشر)، مما أدى إلى أزمة مالية محلية أولاً ثم عالمية، كلفت هذه البلدان انخفاضاً في النمو وبطالة وفقر. لكن هذه البلدان بدأت تستعيد عافيتها لتعود الآن مستفيدة من تجربة الأزمة، ومن القصورات الأخرى، معتمدة على القاعدة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية العريضة التي بنتها خلال العقود الثلاثة الماضية.
- التجربة الروسية
اعتمدت التجربة السوفيتية/ الروسية أسلوب الصدمة (مثلما اعتمدته دول أوربة الشرقية والوسطى)، وتعتبر التجربة الروسية أسوء تجربة للتحرر الاقتصادي في العالم، لأنها هدفت بدعمٍ من الولايات المتحدة إلى هدم الدعائم الاقتصادية والسياسية للنظام الاشتراكي القديم وبسرعة كبيرة، قبل أن تضع تصوراً للنظام الجديد وتضع أسساً وتشريعات له فأسرعت في تحرير الأسعار بالكامل وبالخصخصة قبل أن تضع تشريعات لتنظيم عمل القطاع الخاص ونظام السوق. لذلك كانت الفوضى وظهور المافيات ونهب القطاع العام. وقد قامت هذه التجربة بتحرير الأسعار منذ البداية، والإسراع في الخصخصة بدون دراسة ودراية.
- التجربة الصينية
تتصف التجربة الصينية بالتحرر الاقتصادي المتدرج الهادف، الذي لم يخل بالتركيبة السياسية القائمة، علماً بأن التجربة الصينية أجرت بعض التعديل في علاقة الدولة بالحزب، باتجاه منح الدولة المزيد من الحرية في القرار الاقتصادي اليومي.
ويعود نجاح التجربة الصينية:
أولاً: لوجود برنامج مسبق للإصلاح والتزام واضح به.
ثانياً: لأنها اختارت أسلوبها الخاص المتدرج في تحرير التجارة وبدأت بأنظمة تعميق المنافسة الداخلية وتأنت في الخصخصة.
ثالثاً: لاستفادتها من مواردها الهائلة المتنوعة ومن السوق الكبير ومن أموال وخبرات واستثمارات رجال أعمال صينيين المتواجدين في كافة أنحاء العالم.
رابعاً: رخص اليد العاملة الصينية التي أتاحت الفرصة للتصدير خاصة إلى الأسواق الأمريكية الكبيرة.
- وصفة البنك والصندوق الدوليين
تضمنت وصفة البنك والصندوق الدوليين بشكل عام الإجراءات التالية:
- اعتماد سياسة انكماشية لإعادة التوازن الاقتصادي، قوامها الإصلاح الضريبي وترشيد الإنفاق العام بما فيه إلغاء الدعم الاستهلاكي.
- التقليل من "التشوهات السعرية والهيكلية" في الاقتصاد والناتجة عن التسعير الإداري والقيود الكمية.
- إزالة القيود وإفساح المجال ما أمكن لقوى السوق وقانون العرض والطلب ولدور القطاع الخاص في شتى المجالات الإنتاجية والخدمية والتجارية.
- تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي والبيع المباشر لمؤسسات القطاع العام.
- تشجيع الاستثمار الأجنبي.
وقد نجحت برامج التثبيت الاقتصادي والتعديل الهيكلي في بعض البلدان النامية وفشلت في البلدان الأخرى، ولعل الدروس التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذه التجربة هي التالية:
- اتباعها برنامج التصحيح وكأنه غاية وليس وسيلة.
- اعتمادها التقشف الشديد على حساب النمو والعدالة الاجتماعية.
- أخطأت في حدة وكبر الجرعة في الكثير من الأحيان دون اعتبار تبعاتها السياسية والاجتماعية.
- عدم إعطائها البعد الاجتماعي حقه من الاهتمام.
- الدعوة إلى تراجع دور الدولة في الاقتصاد واعتبار الخصخصة كأولوية في برنامج الإصلاح.
- عدم إصرارها بالقدر الكافي على بناء المؤسسات والقوانين والتشريعات اللازمة لعمل نظام السوق قبل الخصخصة، وأهمها إقامة تشريعات تمنع الاحتكار وتعزز المنافسة في السوق.
- عدم إصرارها بشكل كافي على أنظمة الرقابة المصرفية.
- عدم إعطائها موضوع مكافحة الفساد الاهتمام الكافي.
وباختصار فقد تعلمنا من وصفة البنك والصندوق الدوليين أن سياسات احتواء التضخم المالي وفتح الأسواق للمنافسة الخارجية، قد تصلح لتحسين التوازن في الاقتصاد ولكنها ليست كافية لتحقيق النمو والاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد استفدنا من تجارب وصفة البنك والصندوق ومن التجارب الأخرى في الإصلاح التي أشرنا غليها أعلاه في الاقتراحات التي قدمناها لإصلاحنا الاقتصادي في هذه الورقة.
خامس عشر- الإصلاح الاقتصادي والتكتل الاقتصادي العربي
إن الإصلاح الاقتصادي يتوجب أن يترافق مع خطة التنمية كما أسلفنا ولكنه يجب أن يترافق كذلك مع خطوات التكتل الاقتصادي العربي المبني إلى تعزيز التجارة والاستثمار. ويوفر هذا الاندماج أفضل الفرص لسورية للدخول في النظام الاقتصادي العالمي من دون تبعية. ويوفر كذلك المدخل لإقامة نظام عربي جديد، ومشروع مشروع نهضوي عربي، يساعدنا على مواجهة تحديات العولمة وتحديات المنطقة بعد التسوية. وفي اعتقادي أن الاندماج الاقتصادي العربي هو الأمل الوحيد الباقي في الوقت الحاضر لإعادة إحياء النظام العربي.
ومن حيث الواقع فإن الاندماج الاقتصادي العربي لا يتحقق من خلال الحكومات فقط، فالحكومات تضع الإطار وتؤسس الأرضية اللازمة، ويبقى تحقيق الاندماج الاقتصادي الفعلي على عاتق القطاع الخاص الذي يقيم العلاقات التجارية والاستثمارية بين الأطراف العربية المختلفة. ولا أغالي إذا قلت أن المستثمرين ورجال الأعمال العرب وليس المفكرين والمسؤولين العرب اليوم هم الذين سيحملون مسؤولية إحياء النظام العربي وذلك من خلال الاقتصاد.
سادس عشر- الإصلاح الاقتصادي والسلام
ستشهد المنطقة بعد عقد اتفاق التسوية صراعاً عنيفاً على النفوذ في المنطقة بين سورية وإسرائيل وقيام تحالفات ومنافسات سياسية واقتصادية واستراتيجية، وإذا لم تسرع سورية في إصلاحها الاقتصادي المترافق مع جهود التنمية المشار إليها أعلاه وإذا لم تتسارع خطوات التكتل الاقتصادي العربي، سيتيح العرب الفرصة لإسرائيل لفرض هيمنتها على المنطقة. فبدون الإصلاح الاقتصادي وبدون التكتل الاقتصادي العربي، ستذهب معظم الاستثمارات الخارجية القادمة إلى المنطقة 0استثمارات التكنولوجيا والمعلوماتية واستثمارات السياحة والصناعة) غليها، وهي الدولة المنفتحة أصلاً على الاقتصاد العالمي والمتقدمة على العرب جميعاً صناعياً وعلمياً وتكنولوجياً.
سابع عشر- الإصلاح الاقتصادي والعولمة ونظام السوق
لا شك أن الإصلاح الاقتصادي زيادة الاعتماد على نظام السوق في توزيع الموارد وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد والتحرير المتدرج للتجارة وفتح الباب للاستثمارات الخارجية ودخولنا في الوقت المناسب منظمة التجارة العالمية، سيتضمن بعض التنازل، ولكنه لا يعني التخلي عن السياسات الاقتصادية الوطنية ولا يعني إدارة الاقتصاد الوطني للصندوق والبنك الدوليين، ولا يعني ربط الاقتصاد السوري بالرأسمالية العالمية، كما يحلو للبعض أن يقول. لكن هذا الانفتاح إذا أقيم بالتدرج المكثف المدروس وتلازمت معه تعميق جهود التنمية في الارتقاء التكنولوجي والمعلوماتي، سيخفف من المعاناة التي لا بد وستصيب اقتصادياتنا بداية، وستساعدنا هذه الجهود على الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه الاندماجات. وإذا أردنا الحفاظ على هدف الاعتماد على الذات فالأجدى السعي لتحقق تجاوباً مع متطلبات العصر عن طريق:
تنمية القدرات المحلية البشرية والتكنولوجية.
توسيع القاعدة الإنتاجية الصناعية والزراعية.
وتوسيع مصادر القطع الأجنبي من خلال التصدير (حتى نخفف من الاعتماد على المساعدات الخارجية وأموال النفط غير الدائمة).
ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن تؤخذ العولمة ومخاطرها وتهديداتها كذريعة لعدم الشروع بالانفتاح المطلوب. بل يجب التحصن لمواجهتها بالنهج الذي أشرنا إليه، كما لا يجوز أن تؤخذ الأزمات التي حصلت في روسية وإندونيسية وغيرها كذريعة للتباطؤ في الإصلاح، بل يجب الاستفادة من هذه التجارب لتحاشي مساوئها، كما لا يجب أن يمنعنا عداؤنا التقليدي للغرب الرأسمالي من انفتاحنا الاقتصادي على العالم. وكذلك لا يجب التذرع "بالخصوصية السورية" لعدم التغيير فالتجربة السورية في التنمية لا تختلف من حيث الجوهر عن التجربة المثرية أو الجزائرية أو العراقية والتونسية. وبالمحصلة علينا الانفتاح الاقتصادي المدروس المرتبط بخطة التنمية الشاملة بالأهداف التي افترضناها حتى نستطيع دعم قدراتنا التنافسية في زمن العولمة.
خاتمة:
إن التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تواجهها سورية في الوقت الحاضر كبيرة ومعقدة وقد تراكمت هذه التحديات لأننا تباطأنا في عملية الإصلاح الاقتصادي تحت أعذار مختلفة، وعلينا أن نشحذ الهمم لمواجهة هذه التحديات. وإن نهج الإصلاح الاقتصادي المتكامل المترافق مع التنمية الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية، لم يعد ترفاً نأخذه أو نرفضه أو نؤجله، بل أصبح اعتماده ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل، فهو الحل الذي سيساعدنا على تجاوز عقبات التنمية المحلية وتسريع وتيرتها وهو الذي سيساعدنا على الاندماج في التكتل الاقتصادي العربي ومن خلاله دخول النظام الاقتصادي العالمي. وقد علمنا الكثير من تجارب الإصلاح في الدول الأخرى واستفدنا في هذه الورقة من هذه التجارب في رسمنا معالم الإصلاح المطلوب لتلبية احتياجاتنا.
كذلك فإن الإصلاح المترافق مع التنمية الشاملة ومع التكتل الاقتصادي العربي سيدعم دور سورية الإقليمي وسيساعدنا على تعزيز الأمن القومي العربي في معركة الصراع على النفوذ في المنطقة بعد السلام.
أخيراً، بقد حاولنا في هذه الورقة تقديم نهجاً للإصلاح الاقتصادي المترافق مع التنمية الشاملة، ومعلمنا للتنمية العادلة التي يشترك بثمراتها القطاع الأوسع من الشعب، وأسلوباً للتنمية الديمقراطية التي يساهم الموطنون بإرادتهم في خياراتها ويشاركون في تنفيذها. ونأمل أن نكون قد أصبنا. ولنا كل الثقة في قيادتنا السياسية الحكيمة وكذلك كل الثقة في مجتمعنا المدني المعطاء، آملين أن نتعاون القيادة والحكومة والمجتمع المدني في تخطي الأزمات والوصول إلى الأهداف التنموية والقومية العليا. نحن نريد ان ندخل التاريخ مع الذين قرأوا التاريخ جيداً واستطاعوا التكيف بدلاً من الذين لفضوا التكيف فتهمشوا.
د. نبيل سكر
الصفحة السابقة - الفهرس