تمت في السنوات الماضية محاولات متواضعة لإصلاح القطاع العام الاقتصادي كما ذكرنا أعلاه ، بداية من خلال القانون رقم /20/ لعام 1994، وبعد ذلك من خلال اعتماد "مبدأ الإدارة بالأهداف". وتشكل هذه المحاولات مساهمات بسيطة في حل مشكلة القطاع العام الاقتصادي التي ذكرناها في بداية المحاضرة، والتي تتشكل من حيث الجوهر في التالي:
- وجود أصول رأسمالية كبيرة تراكمت على مدى أربعة عقود، لكنها تعطي عوائد متواضعة أو سلبية وتحمل المالية العامة للدولة خسائر فادحة.
- خضوع القطاع العام لهرم بيروقراطي ثقيل.
- تعرض القطاع العام في السنوات الأخيرة لمنافسة شديدة من القطاع الخاص.
- احتواء القطاع العام لفائض عمالي كبير يحقق وظيفة اجتماعية لكنه يرفع من كلفته ويقلص من إنتاجيته.
وتبعاً لمشاكل القطاع العام المتراكمة والحادة وآثارها السلبية على الاقتصاد الوطني، فقد أصبح من الضروري القيام بدراسة متعمقة وموضوعية للقطاع العام الاقتصادي بهدف:
- إعادة هيكلة بنيته المالية والإدارية والتقنية.
- إيجاد آلية جديدة لعمله لإعطائه المزيد من الاستقلالية والمرونة في الحركة.
- رفع أجور عماله بحيث تتقارب أو تتساوى مع أجور القطاع الخاص.
ويتوجب أن تكون هذه الدراسة دراسة موضوعية تحدد الوضع الحقيقي والموضوعي للقطاع العام الاقتصادي وتقترح الحلول والخطط اللازمة لمعالجة مشاكله. ولكي تكون الدراسة مفيدة وموضوعية وبناءة، يجب أن تبدأ من السؤال الجوهري: لماذا نريد القطاع العام الاقتصادي، وما هو دوره في العملية الإنتاجية وأين حدود هذا الدور، وهل للقطاع العام وظيفة اقتصادية فقط أم وظيفة اجتماعية كذلك. وإذا كنا بحاجة إلى القطاع العام لإقامة التوازنات في الاقتصاد أو للقيام بوظيفة اجتماعية إضافة إلى وظيفته الاقتصادية، فأين مجالات هذا الدور وأين حدوده، وإذا كنا نريده كذلك لمواجهة الشركات العالمية العملاقة لمنع فرض سيطرتها على الدول، كما يقول البعض، فكيف يكون ذلك؟
وفي مضمار البحث عن الحلول أعلاه يجب أن نكون واقعيين وصريحين، وخاصة فيما يتعلق برفع الأجور وموضوع الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية، فقد نستطيع إعادة الهيكلة لمؤسسات القطاع العام وقد نستطيع وضع آلية جديدة لعمله، ولكن هل يمكن جعل القطاع العام ديناميكياً فاعلاً يستطيع الحفاظ على خبراته البشرية الحالية واستقدام خبرات جديدة ، دون أن يرفع مستوى أجوره لتتقارب أو لتتساوى مع أجور القطاع الخاص؟ وهل ممكن رفع الأجور إلى المستويات المطلوبة دون التخلي عن العمالة الفائضة فيه؟ هذه هي الحقيقة المرة التي إذا لم ندركها سنصل إلى طريق مسدود، إذ يعني التخلي عن العمالة الفائضة فصل الوظيفة الاجتماعية عن الوظيفة الاقتصادية للقطاع العام، ويصبح هذا قرار سياسي واجتماعي وليس فقط قرار اقتصادي. والخيار هنا واضح وصريح. إما قطاع عام اقتصادي بوظيفة اجتماعية توفر العمالة وسبل العيش للعديد من الفئات الاجتماعية، أو قطاع عام كفوء بوظيفة اقتصادية قادر على لعب دور قيادي فعال في العملية الإنتاجية، وقادر على المنافسة والتوسع وخلق فرص عمل للمجموعات الجديدة الوافدة إلى سوق العمل وقادر كذلك على اختراق الأسواق العالمية. وقد نجد الحل بالنهاية في إقامةنوعين من القطاع العام الاقتصادي يقوم كل منهما بوظيفة مختلفة، يخضع أحدهما لنفس البيئة التشريعية والتنظيمية التي يخضع لها القطاع الخاص، بينما يخضع الآخر للبيئة التشريعية القائمة لعمل القطاع العام في الوقت الحاضر مع بعض التطوير.
وإذا قررنا خيار القطاع العام الاقتصادي الديناميكي الفعال فلا بد من إعداد البرامج اللازمة لمساعدة العمالة الفائضة على التحول نحو مجالات إنتاجية أخرى. وبحيث يتضمن مثل هذا البرنامج، فيما يتضمن:
- برامج التأهيل والتدريب (لمساعدة العمالة الفائضة على الانتقال إلى وظائف أخرى).
- برامج التعويض المالي للفئات المتضررة.
- برامج لمنح معونات فنية ومالية للعمال الراغبين في دخول الأعمال الحرة بدلاً من التوظيف.
- الاستمرار بتقوية القطاع الخاص حتى يستطيع المساهمة في استيعاب العمالة الفائضة.
كذلك في مجال الحلول ينبغي النظر في:
- تعديل مقاييس النجاح في القطاع العام الاقتصادي بحيث يصبح الربح هو المعيار الرئيسي للنجاح وليس تحقيق الخطة الإنتاجية.
- دمج بعض الشركات ذات النشاط الواحد والتخلص من تلك المستعصية على الحل أو المنتجة لسلع استهلاكية بسيطة لا تستحق أن تبقى في القطاع العام.
- النظر في تجميع الشركات ضمن شركات قابضة على غرار التجربتين المصرية والجزائرية استعداداً لإعادة هيكلتها.
وأخيراً، أعتقد أنه من الحكمة بمكان، اتخاذ قرار ضمني بتجميد القطاع العام الاقتصادي ضمن حدوده الحالية إلى أن تتم الدراسة الموضوعية المقترحة أعلاه ووضع الخطة لإعادة هيكلته والخطة الأخرى للآلية الجديدة لعملها، حتى يصبح قطاعاً عاماً رائداً في العملية الإنتاجية. أما أن نضيف استثمارات جديدة لتعمل ضمن نفس آلية العمل الحالية التي أثبتت عدم فعاليتها لا بل مخاطرها، فهو يشكل في رأيي استمرار للهدر في المال العام وسيزيد من كلفة إصلاح القطاع العام الاقتصادي حين نبدأ بإصلاحه.