الإصلاح الاقتصادي في سورية

الدكتور نبيل سكر*

 

  • ثانياً- ما هي المشكلة الاقتصادية ولماذا الإصلاح الاقتصادي؟
  • يعاني الاقتصاد السوري من مشكلات ومعوقات اقتصادية داخلية جوهرية، ويتعرض بنفس الوقت لتحديات خارجية، تجعل معالجة المعوقات الاقتصادية أكثر إلحاحاً. فما هي هذه المشاكل والتحديات الاقتصادية الداخلية، وما هي التحديات الخارجية.
    1. معالم المشكلة الاقتصادية
    2. حقق الاقتصاد السوري إنجازات هامة خلال العقود الأخيرة تمثلت في بناء قاعدة صناعية قوية، والقيام بجهود كبيرة في مجال بناء السدود واستصلاح الأراضي وتوسيع شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء إلى الريف كما إلى المدن، وجهود كبيرة أخرى في نشر التعليم في كافة أنحاء البلاد، وفي تقديم الخدمات الصحية المجانية لغير المقتدرين. لكن الاقتصاد السوري يعاني اليوم من مشاكل جوهرية عديدة لعل أهمها هي التالية:
      1. النمو غير المستدام للاقتصاد، المعتمد اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجية (في النصف الأول من الثمانينيات) وعلى موال النفط (منذ أوائل التسعينيات).
      2. معدلات نمو سكانية عالية، تدفع بحوالي 200.000 شخص إلى سوق العمل سنوياً.
      3. بطالة عالية وتزايد في الفقر.
      4. وجود قطاع عام قائم ضمن هرم اقتصادي مرهق يمنعه من الحركة ومن اتخاذ القرار المستقل وقطاعخاص صغير مفتت، يفتقد إلى الديناميكية اللازمة، وكل منها يعاني من إدارة تقليدية وتكنولوجيا قيمة.
      5. وجود نظام من الحماية العالية للصناعة لا يتيح الفرصة للمنافسة وبالتالي يساهم في تدني الإنتاجية ورفع الكلفة.
      6. بيئة تنظيمية/تشريعية تحكم عمل كل من القطاع العام والخاص لا تساعد أي من القطاعين على المرونة والحركة للتكيف مع المتغيرات.
      7. قصور في المعرفة والقدرات العلمية وفي القدرة التكنولوجية مترافقاً مع تدني الخبرات البشرية مما يؤدي إلى ضعف الإنتاجية والقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
      8. تدني النوعية في نظام للتعليم يركز على الحفظ والاستظهار لا على التحليل والتفكير، كما لا يتلاءم مع متطلبات سوق العمل.
      9. غياب القطاع المصرفي المتطور.
      10. غياب المناطق الصناعية المخدمة.
      11. قدرة تصديرية ضعيفة خارج قطاع النفط (يغطي التصدير خارج النفط حوالي 30% فقط كامل مستوردات الاقتصاد).
      12. نظام خدمة مدنية يتصف بالمركزية الشديدة والبيروقراطية المفرطة.
      13. تفشي الفساد وما يتسبب هذا من هدر للمال العام وتفاوت في الفرص الاستثمارية للمواطنين.
      14. هجرة العقول السورية وعدم عودة الخبرات والرساميل الموجودة في الخارج.
    3. التحديات الخارجية
    4. يتعرض الاقتصاد السوري لتحديات خارجية تفرض عليه العمل المكثف والسريع لزيادة قدرته التنافسية في الأسواق الداخلية والأسواق الخارجية وهذه التحديات هي:
      1. النظام الاقتصادي العالمي الجديد المسمى بالعولمة المتصف بتحرير كل من التجارة العالمية وتدفق رؤوس الأموال الخاصة بين الدول، والذي يشكل تهديداً للعديد من الدول النامية وخاصة تلك المنغلقة على نفسها.
      2. الشراكة العربية-العربية والشراكة الأوربية المتوسطية وهي الشراكات التي ستسهل دخولنا نظام العولمة لكن ستفرض علينا تحديات خاصة بها تتشابه من حيث الجوهر بتحديات نظام العولمة.
      3. التسوية القادمة إلى المنطقة والقادم معها خطر المشروع الأوسطي، الذي يتضمن الاندماج السياسي والاقتصادي لإسرائيل في المنطقة، وهي الدولة المسلحة صناعياً وتكنولوجياً والساعية إلى فرض هيمنتها الاقتصادية في المنطقة.
      هذه التحديات، الداخلية منها والخارجية، تفرض علينا العمل المكثف والسريع لتفعيل عملية التنمية بأبعادها العريضة، ولزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد، حتى نستطيع الدخول في النظام الاقتصادي العالمي ونتحاشى التهميش.
    ثالثاً- من أين يبدأ الإصلاح الاقتصادي؟
    يبدأ الإصلاح الاقتصادي، في اعتقادي، من رؤية مستقبلية واضحة لتصورين أساسيين:
    أولهما: تصور لمستقبل سورية الاقتصادي في ظل التحديات الداخلية والخارجية أعلاه، وترجمة هذا التصور في خطة شاملة طويلة الأجل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
    وثانيهما: تصور للنظام الاقتصادي السوري المستقبلي.
    1. وضع تصور لمستقبل سورية الاقتصادي وخطة التنمية الشاملة
    2. تتطلب التحديات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها أعلاه وضع تصور لمستقبل سورية اقتصادي في ضوء كل من:
      1. موارد سورية الطبيعية والبشرية وإمكانياتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي.
      2. متطلبات العولمة الاقتصادية وواقع انضمام سورية إلى الشراكة الاقتصادية العربية-العربية في ظل مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتوقع انضمامها للشراكة الأوربية المتوسطية.
      3. خطر الهيمنة الصهيونية الاقتصادية في المنطقة بعد التسوية.
      ويقع على سورية، في ظل المعطيات أعلاه، واجب وضع تصور لأولوياتها الاقتصادية ولعلاقاتها التجارية والاستثمارية المستقبلية ودورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة. وترجمة هذا التصور إلى خطة تنمية شاملة تضم مفهوماً جديداً للتنمية يركز على كل من النمو ونوعية النمو وعلى العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر، وعلى تطوير التعليم وتنمية القدرات البشرية والتكنولوجية المحلية، بنفس الوقت الذي يؤكد على تنمية كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية في الاقتصاد الوطني ضمن استراتيجيات تضع تعظيم التصدير وزيادة فرص العمالة في أولى أولوياتها.
      ولا بد من التأكيد على أن رفع القدرات البشرية والعلمية والتكنولوجية لزيادة معدلات الإنتاجية، ولكي نستطيع المنافسة في زمن العولمة، عملية مجتمعية شاملة تتطلب ثقافة جديدة تشمل تطوير المجتمع القائم على العملية الإنتاجية مباشرة والمجتمع القائم وراء هذه العملية، فهي عملية تحتاج لنمط جديد في العمل والتفكير لدى كل من صاحب القرار وموظف الدولة ومدير المنشأة والعامل والمهندس والمحامي والطبيب والمقاول والمساعد الإداري والسكرتير وكل فرد يقدم خدمة أو سلعة، نمط يعتمد على التحليل والتفكير والتخطيط والإبداع والابتكار، وقادر بنفس الوقت على استخدام تكنولوجيا المعلومات الجديدة في كل مجال، وملتزم التزاماً مقدساً بمبدأي التخطيط والإتقان في العمل. وهذا ما يتطلب وضع التطوير التربوي في البيت كما في المدرسة، ضمن أولويات الإصلاح والتنمية حتى نستطيع تحرير العقل وتخليصه من موروثات فكرية وأسطورية قديمة ومن أساليب إتكالية في التفكير‎‎ في العمل وفي أداء الواجب، ومن جهة ثانية يتطلب هذا التطوير الشامل تطوير وتوسيع وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، بحيث تشارك هذه المؤسسات في صنع القرار وفي اقتراح الخطط وفي المتابعة والمحاسبة والمساءلة لضبط الأخطاء.
    3. وضع تصور للنظام الاقتصادي السوري المستقبلي:
    4. لا بد من أن تقوم سورية بتحديد الإطار النظري للاقتصاد الذي تريده لنفسها في المستقبل، وتحديد دور كل من القطاع الخاص والعام ودور التخطيط ونظام السوق في توزيع الموارد فيه، وخاصة بعد التحولات الهيكلية الجذرية التي تمت في الاقتصاد السوري في السنوات الأخيرة، والتي رفعت نسبة مساهمة القطاع الخاص فيه إلى حوالي 60% من الدخل القومي ورفعت حصة القطاع الخاص في التجارة الخارجية خارج النفط إلى حوالي 70%، وحصته في الاستثمار إلى التساوي مع حصة القطاع العام. وبدون هذا التحديد سيستمر التخبط النظري وستأتي خطوات الإصلاح ناقصة أو متناقضة. ولا بد من الاعتراف بأن مبادئ البرنامج المرحلي لعام 1963 ومقررات المؤتمر القطري الثامن لم تعد صالحة كإطار نظري للقرار الاقتصادي في ظل هذه التغيرات، فضلاً عن التوجهات العالم من حولنا نحو نظام السوق ومحورية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية. وأصبح هناك ضرورة لبلوغ الإطار النظري الجديد في وثيقة جديدة تطرح في مؤتمر قطري، وتشكل بدء مرحلة جديدة بفكر جديد تتناسب مع المتغيرات على أرض الواقع ومع متطلبات العالم الاقتصادي والسياسي الجديد.
      ويتوجب أن يسعى الإطار النظري الجديد إلى التوفيق بين مفاهيم النظام الاقتصادي العالمي الجديد والثوابت الاقتصادية التي تريد سورية الحفاظ عليها، وكذلك تحديد دور جديد للدولة، هذا الدور الذي لابد وأن يكون مختلفاً في نوعيته عن الدور السابق لها، وقد يكون دوراً أكبر منه، يركز على التخطيط التأشري وعلى القضايا الاجتماعية والتنمية البشرية والتكنولوجية وعلى تعزيز المنافسة في السوق وعلى الحماية من مخاطر الاحتكار ومن تهديدات العولمة. وفي اعتقادي أن الفكر الاقتصادي الجديد يجب أن يعتبر السوق والدولة مكملين لبعضهما البعض وليس بديلين، وأن يعتبر الملكية الخاصة حق وليس منحة، والخاص والعام شريكين في عملية التنمية.
      وأعتقد أنه بإمكاننا الحفاظ على مفهوم "الوطنية الاقتصادية" في ظل نظام السوق والعولمة، وذلك من خلال التركيز على التنمية البشرية والتقدم العلمي والتكنولوجية ومن خلال التشجيع على الاستثمار وعلى التصدير (الذي يخفف من الاعتماد على المساعدات الخارجية) ولكن من خلال الحماية الجمركية.

    الصفحة التالية - الصفحة السابقة - الفهرس