تضمنت الإصلاحات التي تمت حتى الآن إجراءات يمكن تصنيفها ضمن إدارة الطلب وإجراءات أخرى يمكن تصنيفها ضمن زيادة العرض السلعي.
بالنسبة للإجراءات الأولى فقد لجأت الحكومة في إدارة الطلب الكلي إلى استخدام السياسة المالي وحدها، واعتمدت في ذلك سياسة مالية انكماشية من خلال تثبيت الأجور في القطاع العام وتكثيف جهود التحصيل الضريبي وإدخال بعض الإصلاح في التشريع الضريبي. وقد ساعدت هذه الإجراءات بالفعل في خفض عجز الموازنة وفي تثبيت سعر الصرف واحتواء التضخم، ولكن هذه الجهود كانت على حساب النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية. وقد أغفلت الحكومة اللجوء إلى تخفيض الإنفاق الحكومي غير المنتج في سياستها المالي، كما لم تلجأ إلى السياسة النقدية. فتحمل التحصيل الضريبي كل العبء في سياسة إدارة الطلب مما أدى إلى النتائج المشار إليها أعلاه.
أما من حيث العرض فقد ساعدت الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة منذ منتصف الثمانينيات في زيادة العرض السلعي من مستلزمات إنتاج في الصناعة والزراعة وسلع استهلاكية أساسية، كما أدت إلى إنتاج وفير في الزراعة، مزيلة مشكلة الاختناقات السلعية. لكن إجراءات الحكومة بالنسبة لدعم القطاع الخاص كانت مترددة وقاصرة وكانت محاولاتها لإصلاح القطاع العام متواضعة.
فبالنسبة للقطاع الخاص تركز دعم الحكومة على السماح له بدخول قطاعات كانت حكراً على القطاع العام في السابق ومنحته من خلال قانون الاستثمار الإعفاءات الضريبية والإعفاء من بعض التشريعات والتعليمات المعيقة، لكن قانون الاستثمار لم يتبعه إجراءات لإقامة بيئة تنظيمية وتشريعية جديدة ومؤسسات مصرفية متطورة تتلاءم مع الإصلاحات التي أدخلتها باتجاه نظام السوق والدور الأكبر للقطاع الخاص، ومبقية من حيث الجوهر على البنية التنظيمية القائمة بالأساس لخدمة النظام السابق بدلاً من أن يكون قانون الاستثمار بداية فقد أصبح نهاية.
أما بالنسبة للقطاع العام فقد ساعدت أموال النفط على إعادة تشغيله بعد أزمة منتصف الثمانينيات، لكن الدولة لم تقم بمحاولات جدية لإصلاحه، مركزة الجهد فقط على إصلاح الإدارة فيه، وآتية بحلول جزئية في هذا المجال، فكان القانون رقم /20/ لعام 1994 الذي أعطى المزيد المتواضع من الاستقلالية لمدراء القطاع العام الاقتصادي، وتجري الآن محاولة إعطائه المزيد من الاستقلالية ضمن عنوان "الإدارة بالأهداف". وتبقى المشاكل الأخرى للقطاع العام خارج جهود الحل وأهمها التنظيم الهرمي البيروقراطي الذي يرزح تحته، العمالة الفائضة، تدني الأجور، ارتفاع الكلفة، انخفاض الكلفة، انخفاض الإنتاجية، عدم القدرة على التسويق، اهتراء أصوله الرأسمالية، مركزية التسعير، فقدان الحرية في التوظيف والتسريح، وأخيراً الخسائر الكبيرة التي تشكل نزيفاً لمالية الدولة.
وفي ظل هذا الإصلاح المتردد أحجم القطاع الخاص عن الاستثمار بعد حماسته الأولى، وازداد شلل القطاع العام بعد تعرضه لمنافسة القطاع الخاص، وتضررت الفئات الفقيرة من سياسة تثبيت الأجور.
وبالنهاية لم تستطع الإجراءات تحفيز الإنتاج والاستثمار بشكل كافٍ لأنها، وباستخدام مفردات البنك الدولي، ركزت على التثبت الاقتصادي وقصرت في التكييف الهيكلي، فوقع الاقتصاد في الركود من جديد.