الإصلاح الاقتصادي في سورية

الدكتور نبيل سكر*

 

مقدمة
كثر الحديث بين الاقتصاديين ورجال الأعمال وصانعي القرار في السنوات العشر الأخيرة حول الإصلاح الاقتصادي في سورية خاصة بعدما دخل الاقتصاد السوري في مرحلة ركود منذ ثلاثة سنوات، فمنهم من نادى بتسريع خطوات الإصلاح التحريرية التي تم اتخاذها في الخمس عشر سنة الماضية، ومنهم من نادى بالتراجع عن هذه الإصلاحات، ومنهم من أوصى بخطوات جزئية محددة، ومنهم من أوصى بمجموعة منها، ومنهم من ركز على مواجهة أزمة الركود القائمة فقط، ومنهم من ركز على التصحيح في البنية الاقتصادية، ومنهم من جمع بين هذا وذاك.
وفي معظم الحالات غابت الصورة الكبرى وغرقت التوصيات في التفصيل، ومن الاقتراحات التي سمعناها: تخفيض الضرائب، رفع الأجور، تشجيع التصدير، ترشيد الاستيراد، ترشيد الإنفاق العام، ضخ السيولة في الاقتصاد، إلغاء القانون رقم /24/ لعام 1986، تعديل قانون الاستثمار لعام 1991، تعديل قانون التجارة، الإصلاح المصرفي إصلاح القطاع العام، القضاء على الفساد، الإصلاح الإداري، وغيرها. ولعلي أستطيع القول أن التوجه في الاقتراحات غالباً ما ارتبط بالمنطلق الفكري للباحث، ومقدار تعمقه في الاقتصاد. وتجربته الشخصية. وعلم الاقتصاد. كما يعرف الكثيرون ليس Exact Scienceولكنه Normative Science، وقلما يُجمع الاقتصاديون على وصفة واحدة لحل مشكلة ما.
فما هي قصة الإصلاح الاقتصادي في سورية؟
أولاً- الأداء الاقتصادي والإصلاحات التي تمت في السنوات الأخيرة
  1. الأداء الاقتصادي
  2. حقق الاقتصاد السوري خلال فترة السبعينيات معدلات نمو عالية بلغت حوالي 10% بالسنة، ويعزى هذا النمو المرتفع إلى معدلات استثمار عالية بلغت حوالي 25%-30% من الدخل القومي، قام بمعظمها القطاع العام، مدعوماً بمساعدات مالية سخية من دول الخليج العربي وبعضها من دول المعسكر الشرقي. وقد اعتمدت الحكومة في هذه الاستثمارات سياسة إحلال الواردات دون تشجيع التصدير، وترافقت هذه السياسات مع سياسة تثبيت الأسعار وتنظيم برامج لتعظيم العمالة، وتوفير التعليم المجاني والخدمات الصحية والدعم الاستهلاكي والإنتاجي.
    لكنه مع أوائل الثمانينيات بدأت المساعدات الخارجية بالانحسار، منحدرة من حوالي 1.5 مليار دولار بالسنة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بالمتوسط،إلى حوالي 300 مليون دولار بالمتوسط في منتصف الثمانينيات وبانحسار المساعدات الخارجية وتدني توفر القطع الأجنبي، برزت اختلالات في الإطار الكلي للاقتصاد وجمودات في البنية الإنتاجية له، كانت قد غطته المساعدات. فوقع الاقتصاد السوري في أزمة شديدة في منتصف الثمانينيات تمثلت في نقص واختناقات في العرض السلعي، وفي تضخم مفرط. ولم تخرج سورية من هذه الأزمة إلا بفضل مجموعة متفرقة من الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقتها الأزمة، وتدفق أموال النفط الجديد الذي كان قد اكتشف في العام 1984. لكنه لم يمر وقت طويل حتى برزت الاختلالات الهيكلية والجمودات البنيوية في الاقتصاد مرة ثانية، بسبب الإحباطات التي ظهرت نتيجة تباطؤ عملية الإصلاح، فوقع الاقتصاد في أزمة جديدة.
    ما هي الإصلاحات التي قامت بها الحكومة منذ الأزمة الأولى وما هي المشكلة في الاقتصاد السوري؟
  3. الإصلاحات الاقتصادية
تنضوي الإصلاحات التي قامت بها الحكومة منذ الأزمة الأولى وحتى الآن ضمن المحاور التالية:
  1. زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد (خاصة في مجالات الصناعة والسياحة والتجارة الخارجية) وبدء الانفتاح على الاستثمار الخارجي المباشر.
  2. التخفيض في سعر الصرف مع تقليص عدد أسعار الصرف المستخدمة رسمياً.
  3. إجراءات باتجاه التحرير الجزئي في التجارة الخارجية.
  4. التوجه نحو تشجيع التصدير إلى جانب إحلال الواردات.
  5. إجراءات باتجاه التحرير في السياسة السعرية.
  6. رفع أسعار المنتجات الزراعية الرئيسية.
  7. محاولات متواضعة لإصلاح القطاع العام.
وقد كانت إجراءات الإصلاح سريعة نسبياً في البداية، لكنها تباطأت بعد صدور قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991، بعدما تدفقت أموال النفط التي أصبحت تدر حوالي 1.2-2 مليار دولار في السنة لمالية الدولة، معوضة عن المساعدات الخارجية التي تقلصت وخالقة بنفس الوقت نوعاً من الاطمئنان الكاذب والشعور بالأمان. وقد نما الاقتصاد السوري بالفعل في النصف الأول من التسعينيات بمعدلات تبلغ حوالي 7% بالسنة بفضل أموال النفط وبفضل الاستجابة الأولية لقانون الاستثمار. فهل كانت المشكلة سياسات تصحيحية خاطئة أو غير كافية، أم أنها مشكلة معوقات واختلالات بنيوية في جسم الاقتصاد لم نحاول التعامل معها بعد. فالجواب هو في الاثنين.
  1. أين أصبنا وأين أخفقنا؟
  2. تضمنت الإصلاحات التي تمت حتى الآن إجراءات يمكن تصنيفها ضمن إدارة الطلب وإجراءات أخرى يمكن تصنيفها ضمن زيادة العرض السلعي.
    بالنسبة للإجراءات الأولى فقد لجأت الحكومة في إدارة الطلب الكلي إلى استخدام السياسة المالي وحدها، واعتمدت في ذلك سياسة مالية انكماشية من خلال تثبيت الأجور في القطاع العام وتكثيف جهود التحصيل الضريبي وإدخال بعض الإصلاح في التشريع الضريبي. وقد ساعدت هذه الإجراءات بالفعل في خفض عجز الموازنة وفي تثبيت سعر الصرف واحتواء التضخم، ولكن هذه الجهود كانت على حساب النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية. وقد أغفلت الحكومة اللجوء إلى تخفيض الإنفاق الحكومي غير المنتج في سياستها المالي، كما لم تلجأ إلى السياسة النقدية. فتحمل التحصيل الضريبي كل العبء في سياسة إدارة الطلب مما أدى إلى النتائج المشار إليها أعلاه.
    أما من حيث العرض فقد ساعدت الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة منذ منتصف الثمانينيات في زيادة العرض السلعي من مستلزمات إنتاج في الصناعة والزراعة وسلع استهلاكية أساسية، كما أدت إلى إنتاج وفير في الزراعة، مزيلة مشكلة الاختناقات السلعية. لكن إجراءات الحكومة بالنسبة لدعم القطاع الخاص كانت مترددة وقاصرة وكانت محاولاتها لإصلاح القطاع العام متواضعة.
    فبالنسبة للقطاع الخاص تركز دعم الحكومة على السماح له بدخول قطاعات كانت حكراً على القطاع العام في السابق ومنحته من خلال قانون الاستثمار الإعفاءات الضريبية والإعفاء من بعض التشريعات والتعليمات المعيقة، لكن قانون الاستثمار لم يتبعه إجراءات لإقامة بيئة تنظيمية وتشريعية جديدة ومؤسسات مصرفية متطورة تتلاءم مع الإصلاحات التي أدخلتها باتجاه نظام السوق والدور الأكبر للقطاع الخاص، ومبقية من حيث الجوهر على البنية التنظيمية القائمة بالأساس لخدمة النظام السابق بدلاً من أن يكون قانون الاستثمار بداية فقد أصبح نهاية.
    أما بالنسبة للقطاع العام فقد ساعدت أموال النفط على إعادة تشغيله بعد أزمة منتصف الثمانينيات، لكن الدولة لم تقم بمحاولات جدية لإصلاحه، مركزة الجهد فقط على إصلاح الإدارة فيه، وآتية بحلول جزئية في هذا المجال، فكان القانون رقم /20/ لعام 1994 الذي أعطى المزيد المتواضع من الاستقلالية لمدراء القطاع العام الاقتصادي، وتجري الآن محاولة إعطائه المزيد من الاستقلالية ضمن عنوان "الإدارة بالأهداف". وتبقى المشاكل الأخرى للقطاع العام خارج جهود الحل وأهمها التنظيم الهرمي البيروقراطي الذي يرزح تحته، العمالة الفائضة، تدني الأجور، ارتفاع الكلفة، انخفاض الكلفة، انخفاض الإنتاجية، عدم القدرة على التسويق، اهتراء أصوله الرأسمالية، مركزية التسعير، فقدان الحرية في التوظيف والتسريح، وأخيراً الخسائر الكبيرة التي تشكل نزيفاً لمالية الدولة.
    وفي ظل هذا الإصلاح المتردد أحجم القطاع الخاص عن الاستثمار بعد حماسته الأولى، وازداد شلل القطاع العام بعد تعرضه لمنافسة القطاع الخاص، وتضررت الفئات الفقيرة من سياسة تثبيت الأجور.
    وبالنهاية لم تستطع الإجراءات تحفيز الإنتاج والاستثمار بشكل كافٍ لأنها، وباستخدام مفردات البنك الدولي، ركزت على التثبت الاقتصادي وقصرت في التكييف الهيكلي، فوقع الاقتصاد في الركود من جديد.
  3. لماذا أخفقنا؟
في رأي أننا أخفقنا لأربعة أسباب رئيسية:
  1. لأن الإصلاحات التي تمت لم تكن نابعة من نهج فكري واضح، يتعامل مع الجمودات التي برزت في البنية الإنتاجية للاقتصاد ومع التوجه الجديد نحو نظام السوق والدور الأكبر للقطاع الخاص، كما لم تكن نابعة من برنامج تصحيحي شامل. بل كانت إصلاحات جزئية من منطلق إدارة الأزمة، عاكسة فكر حائر بين التخطيط ونظام السوق.
  2. لأن أموال النفط أعطتنا الأمان الكاذب بأن الاقتصاد السوري بخير وبالتالي لا حاجة للإصلاح العميق وتحمل مخاطرة.
  3. لأن لم يكن هناك مجتمع مدني فاعل ومنابر صحفية حرة تشارك في القرار وتراقب وتساءل وتحاسب وتدل على الخطأ حالما يظهر.
  4. لأننا فصلنا السير البطيء بالإصلاح، باسم الخشية من أسلوب الصدمة الذي يخلق الخضات الاجتماعية، فوقعنا في الجمودات التنموية ومعها الضائقات الاجتماعية.

  5.  الصفحة التالية - الفهرس