ثالثاً : اقتصاد التسعينيات وغياب الاستراتيجيا

لا يستطيع المتتبع لتطور الاقتصاد السوري، أن يتجاهل حجم الإنجازات الكبيرة التي تحققت في مختلف أنشطة وقطاعات هذا الاقتصاد طيلة الثلاثين عاماً المنصرمة. إذ أثمرت هذه الإنجازات تطوراً على مستوى البنية التحتية والخدمية (شبكة طرق واتصالات) واقامة السدود ومشاريع الري، والتوسع في الخدمات التعليمية والصحية، والاهتمام بالريف وتقليص حجم الفارق الكبير، بينه وبين المدينة.واستطاعت الزيادة المستثمرة في الإنتاج الزراعي تحقيق الاكتفاء الذاتي في الكثير من منتجات الخضار والفواكه والقمح. وحقق الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو بالمتوسط ،وصل خلال أعوام 990-1998 إلى 7 %. وقد عزر ذلك الصادرات النفطية (2 مليار دولار بالمتوسط سنوياً) والقطن والقمح السياحة.كما ارتفعت الصادرات خلال نفس الفترة بمعدل 22%، وحقق الاستثمار معدلاً وسطياً وصل إلى 23 %، كما تراجع العجز في الموازنة العامة للدولة إلى 4,6 % (1997) ومعدل التضخم إلى 2% (1997).

غير أنه يمكن ملاحظة أنَّ التسعينيات قد شهدت مرحلتين مختلفتين ومتناقضتين كلياً :

&            تمثلت الاولى والممتدة حتى 1995 بدرجة كبيرة من تحرير الاقتصاد  (القانون 10 لعام 1991) حيث ارتفعت نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي من 16.5 % لعام 1990 إلى 30 % لعام 1994، وساهم القطاع الخاص ب 17.4 % من الاستثمارات إلى الناتج. ووصل فيها معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي وسطياً إلى 6 % حيث أُحدث خلال هذه الفترة مليونا فرصة عمل، بمعدل نمو توظيف بلغ 7% (وبالأخص لدى القطاع الخاص في الزراعة والصناعة والبناء والتشييد).

 بينما شهد النصف الثاني من التسعينيات تراجع معدل النمـو إلى 2.9 % (1997) (المفوضية الأوروبية) و 2.4% (المجموعة الإحصائية) ويعود ذلك إلى السياسة الانكماشية التي اتبعتها الحكومة وتراجع إنتاج النفط بمعدل 1.5 % (96- 997) وانخفاض أسعاره لعام 1998، وتراجع الإنتاج الزراعي بمعدل  5 % وسوء الظروف الجوية، نمو الصناعة بمعدل 0.5% (97) مقارنة مع معدل نمو 14% (991 – 995)، وتراجع البناء والتشييد بمعدل 4,6 % (1996) والنمو السالب للتجارة لأعوام 1996-1997، كذلك تراجعت استثمارات القطاع الخاص إلى 12,8 % (996) و8% لعام 1998*.      

هذا التراجع على مستوى الأداء الاقتصادي، ولد انكماشاً على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمادية، وذلك بحكم المراهنة على نتائج المؤشرات الاقتصادية لاقتصـاد العـرض

(التضخم، عجز الموازنة، الكتلة النقدية، وتراجع الانفاق والدعم) بمعزل عن التبعات الاجتماعية التي تولدها هذه المؤشرات، مما افقد الطلب الجماهيري زخمه، فتراجعت القوة الشرائية، وتكدس العرض، وتراجعت حجوم التوظيفات والانفاق، فزادت أعداد العاطلين عن العمل،  وتزايدت الواردات على حساب تراجع الصادرات.

في ضوء هذا، كيف يمكن فهم طبيعة هذا التناقض. وهل يستقيم التحليل الاقتصادي وحدَه في تلمس تفسير ذلك، أم إنّ حضور عوامل أخرى " قيمية واجتماعية " سيجعل إمكانية التفسير أكثر سهولة، وبذلك لا يتبادر إلى الذهن أن الأداء الاقتصادي الذي راح يتراجع في النصف الثاني من التسعينات. هو فقط نتاج :

&              غياب الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع الإمكانات المادية والبشرية، والتخطيط لحسن التعامل معها. هو هذا بالتأكيد، لكنه أيضاً نتاج :

&              رؤية أخرى مغايرة غير معلنة، دفعت بالاقتصاد السوري في اتجاهات محكومة

أولاً بالمفارقات الاقتصادية، وثانياً برسم الدخول في معطف برامج الإصلاح الاقتصادي على طريقة البنك والصندوق الدوليين.

3-1 مفارقات اقتصادية :

الاقتصاد السوري : اقتصاد عربي، وعالمثالثي، فيه الكثير، من هذا وذاك، والأكثر هو تلك الفرادة التي تنظمه، فتغايره، والخصوصية التي تنسحب عليه، فتضفي عليه ملامح بعيدة عن الرؤية الاستراتيجية لعناصره، والتخطيط لها، واستخدامها بالشكل الأفضل.

وإذا كان " كارلايل " قد وصف سابقاً " علم الاقتصاد " بأنه " علم الكآبة "، منطلقاً من طبيعة اتخاذ البشر لقراراتهم الصعبة، وتحمل عواقبها، بعد أن يقدّم لهم " علم الاقتصاد " دراسة هذه "الاختيارات ". وهكذا كي يستطيع المرء، أن يحس الاختيار مثلاً، بين هواء أنظف أو سيارات أكثر وأسرع، أو بين حماية الفقراء والاستثمار في تأهيلهم أو الإيرادات المالية الأكثر، عليه ألاّ ينسى أيضاً تعريف "الفرد مارشال" لعلم الاقتصاد ذاته : بأنه تلك المهنة التي ينبغي أن تمزج العلم الرفيع بالإخلاص للشعب(19).

في ضوء هذا كيف يمكن مقاربة الاقتصاد السوري بإخضاعه للمعرفة الاقتصادية، والتحليل الاقتصادي، بغية استقاء ملامح محددة يسهل التعامل معها والاحتكام إليها، في ضوء الابتعاد أو القرب من صوابية المعرفة الاقتصادية ذاتها. في مقاربة من هذا النوع، ثمة نزوع أكيد إلى المغامرة، التي يتسع مجالها فوق طيف المعرفة الاقتصادية ذاتها، حيث تُظْهِر تلك الفرادة أو الخصوصية لطبيعة الأداء الاقتصادي ،وهي تنطلق من المعطيات التالية :

أولاً : يقدّم الاقتصاد السوري نفسه، بعدّه أفقر الاقتصادات العربية تناولاً على مستوى الكتابة والتنظير والتحليل والشفافية. فالمتتبع لحجم ونوعية مستوى التحليل النظري لطبيعة هذا الاقتصاد، وشكل أدائه، سينتهي عند ضآلة التراكم المعرفي المتولد عن الممارسة الاقتصادية وتحديداً، تنافر واختلاف وتضارب نتائج هذا التحليل، بتعدد مصادر وجهـات التحليــل (أكاديمية، حكومية ،منظمات، مؤسسات أعمال وخاصة)(])

وهكذا، تنتج هذه الحالة من عدم الاتفاق على تشخيص الحالة الاقتصادية، مصادرة معرفية لأحد أطرافها، هذه التي تقدم نفسها، وهي تختزل الحدث الاقتصادي، حين يفضي إيجاباً باعتباره إنجازها، أما حين تسفر الحالة أو الظاهرة الاقتصادية عن نتائج سلبية، فيصبح كلّ تناول لها، تناولاً للقائمين على إدارة الحالة ذاتها، بعدّه حالة ذاتية، وليس تناولاً لظاهرة تحكمها قوانينها موضوعياً

ثانيا: يدفع الاختلاف في الرؤية، وتعدد مصادرها، إلى تقديم صورة مضلّلة عن الأداء الاقتصادي، في الوقت الذي، قد تُبنى فيه سياسات أو قرارات هامة من قبل صانعي القرار على صورة كهذه :

2-1 ما هو مثلا معدل النمو الاقتصادي الفعلي للناتج المحلي الإجمالي (أسعار ثابتة)

_ هل هو حقيقة،7.3%(996)و2.4(997)و7.8(1998)(المجموعة الاحصائية)؟

_ أم 3.6% و1.7% لنفس الأعوام (996-1997) (المفوضية الأوروبية)؟

_ أم 3.6% و1.9% و2.8%(لنفس الأعوام : تقرير الأسكوا) ؟

ثم كيف يمكن لمعدل النمو الاقتصادي أن يتضاعف ثلاث مرات تقريباً بين 1997–1998 (المجموعة الإحصائية) ولا يغير ذلك من طبيعة الانكماش الاقتصادي القائم، أو لا ينعكس إيجاباً على المستهلك ؟

2ـ2 ثم ما هو المعدل الفعلي للتضخم ؟

_ هل هو 2% (997- المفوضية الأوروبية ؟

_ أم سالباً بمقدار 1.5% (998:دراسة للبنك المركزي)؟

_ أم 4.9 % (1998 : تقرير الأسكوا)؟

_ وما هو المغزى الاقتصادي في أن يكون معدل التضخم منخفضاً لهذه الدرجة في ظل التضحية

" بالاجتماعي": البطالة المتزايدة (هل هي 9% أم 15%)؟

2-3 (وما هو المغزى الاقتصادي وحده، في تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة ؟

_ من 4% إلى3.6% (96-98 : تقرير الاسكوا)

_ أو من 5% (93 –1995) إلى 2.6% (997: المفوضية الأوروبية)

_ أومن 6.3% (1995) إلى 3.3 % (التقرير الاقتصادي العربي الموحد) في الوقت الذي يُضحي فيه "بالاجتماعي" : الانفاق الاجتماعي وضغط الاجور.

وهكذا، قد يستقيم الانطباع لدى الكثيرين، بأنَّ الإدارة الاقتصادية اشتغلت وفق التجريب. فالانتقائية المجتزاة لعناصر من السياسة المالية والنقدية وتحريك معدل التضخم وتجاهل معدل الفائدة مثلاً (من المفارقات مثلاً، أنه بينما كان معدل التضخم يتجاوز 15% في النصف الأول من التسعينات وصولاً إلى حدوده الدنيا اليوم، ظلّت أسعار الفائدة ثابتة عبر كل هذه الفترة من تعاقب الانتعاش إلى الانكماش الاقتصادي)، قد توحي بغياب السياسة الاقتصادية، والركون إلى الإجراءات والتجريب، سيّما في ظل غياب سياسة اقتصادية معلنة تخطط لتطور المؤشرات الاقتصادية. غير أننا سنحاول وخلافاً لهذا الانطباع دراسة جملة هذه الإجراءات ضمن إمكانية اندراجها تحت سياسة " التثبيت الهيكلي" ودفع الاقتصاد لاحقاً إلى مرحلة " التكييف الهيكلي ".

ثالثاً: أنتجت الإدارة  الاقتصادية عبر إدارة العناصر والموارد الاقتصادية (المادية والبشرية) عملية طرد لهذه الإمكانات التي يمتلكها الاقتصاد موضوعياً، بدلاً من إنتاجها لعناصر الجذب والتفعيل لهذه الموارد :

3-1 فإذا كان من الثابت عملياً، أن الجامعات ومراكز الأبحاث تستمد مشروعيتها اجتماعياً واقتصادياً من حجم تواجدها وفعاليتها في قلب الاجتماعي والاقتصادي من الحالات، وليس بمجرد التنظير عليها ولها. فلماذا تعتقد الإدارة الاقتصادية أن (الأكاديمي) لا يملك أكثر من أسلحة النقد والتنظير. مع أن قراءة المسألة، تدفع بها إلى مغايرة أخرى مفادها : أنه في الوقت الذي تغرق فيه الممارسة الاقتصادية في العملانية المنتـجة لاحتمـالات الخطـأ والصـواب،

 أو في غير المعلن من السياسة الاقتصادية ذاتها، فإنها تخشى انكشافها أمام المحاكمة العقلانية للاقتصاد. وبالتالي تركن إلى عدم مشاركتها لأحد من خارج إدارة هذه اللعبة. هذه الرؤية القاصرة بدأت تنزاح تدريجياً أمام (الإدارة الحكومية) الجديدة، التي يبدو أنها تنفتح تدريجياً على الخبرات من داخل الجامعة أو خارجها، سيما وأن الاحتكام إلى العقلانية الاقتصادية وعمل الفريق والارتقاء بالأداء الاقتصادي، هو الذي يجب أن يكون الناظم لصحة الأداء والممارسة الاقتصادية.

3-2 وكم هو عدد القوانين المالية والإدارية، التي خضعت عشرات المرات للتعديل، حتى اقتضى الأمر أن يملك المواطن، معرفة المحامي للتعامل مع تلك التعديلات، مع أنَّ طبيعة التطور الاقتصادي والاجتماعي تدفع إلى تغيير القانون بقانون أخر، ينسجم مع احتياجات وعدالة التعامل معه، وليس تعطيله ببلاغ أو تعميم أو توجيه، في الوقت الذي وجّه فيه السيد الرئيس حافظ الأسد دائماً إلى ضرورة تحديث القوانين. وانسجاماً مع ذلك، بادرت " الحكومة الجديدة " إلى إنهاء العمل ببعض البلاغات التي عطلت العديد من القوانين طيلة السنوات الماضية، فغابت المبادرات الفردية، وضعفت المسؤولية، وتمركزت القرارات (بلاغات رئاسة الحكومة حول منح الصلاحيات للتعيين والاستخدام والتعاقد وصرف المكافآت، وتحمل المسؤولية).

3-3 في ظل المتغيرات العالمية، وكثافة التحديات التي تولدها العولمة، دخل الخطاب الاقتصادي المحلي مفهوم " الإصلاح الاقتصادي " هذا الاستحقاق الذي يبدو كأن التحديات الخارجية وادارتها المؤسّسية، أو القطاع الخاص وفعالياته، هي التي تُطلِقه، فتسحب بذلك المبادرة من الإدارة الاقتصادية التي توحي، حين لا تقدم برنامجاً للتحديث والتطوير، محوره الأساسي القطاع العام، إما بأنَّ الاقتصاد السوري لا يستدعي إصلاحاً، أو تأهيلاً، أو أنها تنساق لطبيعة الاصلاح، كما تريده المؤسسات الدولية. وهكذا تتم مصادرة المبادرة في أن يأتي التغيير والتحديث، مستَنْبَتاً في الواقع الذي ينتجه، بكل عناصر قوته أو ضعفه :

3-3-1 فإذا كانت منظمة التجارة العالمية، تشكّل إحدى هذه الاستحقاقات المقبلة، والتي ينبغي دراسة كلّ إمكانات وأشكال الدخول فيها، وما يولدّه ذلك من مكاسب أو خسائر. والخسائر حاصلة حكماً، بقوة ارتفاع الأسعار، وتحديد الزراعية. فالسؤال الذي يطرح نفسه  هل ثمة مبادرات للإدارة الاقتصادية بحسب الاختصاص (الصناعة، المالية، الزراعة، الاقتصاد) لدراسة الآثار المترتبة على الدخول في هذه المنظمة أو تقديم تصور لاستراتيجيات الحدّ من المنعكسات السلبية*.

3-3-2 وهل ثمة مصادفة في أن يأتي تصور المفوضية الأوروبية بدمشق، مطابقاً لتصور قطاع الأعمال عن متطلبات الاصلاح الاقتصادي. إذ يُجمِع الطرفان على أن الإصلاحات الاقتصادية ضرورية لمقاربة سورية من الحقائق الاقتصادية الجديدة في العالم، ومن الإصلاحات:

×             الاصلاح الضريبي وتحديث القطاع المالي (القوانين والمؤسسات)

×             تحديث السياسات النقدية والمصرفية (توحيد أسعار الصرف)

×             تحرير وتنشيط التجارة الخارجية

×             تحسين بنية الاستثمار المحلي والأجنبي (بما فيه حماية حقوق الملكية الفكرية وتأسيس جمعيات)

×             الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (20) 

إذاً يعتقد الاتحاد الأوروبي، أنَّ الشكل الحالي من الإدارة الاقتصادية غير ممكن على المدى الطويل، وأنَّ كلفته الاجتماعية، أكبر بكثير من النظام الاقتصادي البديل. وفي هذه الرؤية يلتقي دعاة الاصلاح جميعهم، على طريقة البنك الدولي، أو إطار الشراكة الأوروبية، أو مطاليب القطاع الخاص المحلي، في الحديث عن التكلفة الاجتماعية للتأخر عن الاصلاح.

وإذا كان مسوّغاً أو مفهوماً هذا التصور لصياغة الاقتصاد السوري، انسجاماً مع متطلبات الشراكة، أو مع بيئة أعمال مشجعه للقطاع الخاص، في سعى كل من هذه الأطراف لتحقيق مصالحها، والتي ليس بالضرورة أن تتطابق مع مصلحة القطاع العام، لكنها لا يجب أن تتعارض معها أيضاً، وبالتالي ما هو مستقبل الاقتصاد السوري في الحالة، التي يترك فيها القطاع العام، بعيداً عن المشاركة في صياغة مستقبله الاقتصادي والوطني. فإذا كان من الضرورة بمكان أن يستمر القطاع العام في تأدية دوره الهام في تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة، فإنه من الضروري أيضاً، إعادة هندسة دوره الاقتصادي  والارتقاء به إلى مستوى المنافسة مع القطاع الخاص، وإعادة تجديد أساليبه الإدارية وتحديث بنيته التنظيمية، وتحريره من معوّقات إطلاق مبادرته وتحسين إنتاجيته.وكان السيد الرئيس حافظ الأسد قد شدد في خطاب القسم : على أن القطاع العام يشكّل القاعدة الرئيسية  للاقتصاد الوطني، وعامل  التوازن الاقتصادي والاجتماعي، مما يتطلب الاهتمام به، حتى يكون قادراً على تحقيق الأهداف الاقتصادية والوطنية (21).

الأمر الذي يستدعي الخروج بهذا القطاع من دائرة العطالة والأزمات، وتمليكه زمام المبادرة لصياغة دوره في المرحلة القادمة، كشريك حقيقي، ومنافس فعّال، وليس مجرد متلقٍ للصدمات والآثار الاجتماعية التي ستنتجها جملة هذه التداعيات الاقتصادية.

رابعاً : إذا كان بالإمكان فهم كلّ ما تقّدم من تعثر للأداء الاقتصادي، والاشتغال في الفراغ والعطالة، بالاعتراف به، والاتفاق عليه، وتوافر إرادة تجاوزه، تبقى مسألة في غاية الأهمية، وهي كيف أن الدبلوماسية السورية تنفرد بالمتميز من المواقف السياسية، وإدارتها لعملية التسوية السلمية، وتداعياتها المختلفة في المنطقة، عبر رؤية استراتيجية ثابتة منتجة لهذا الأداء الرفيع، في الوقت الذي يجهد فيه الأداء الاقتصادي، فينأى عن الارتقاء إلى هذا المستوى. بتعبير أخر، أليس ثمة تكلفة لهذا التباعد بين الأداء السياسي المتميز، والأداء الاقتصادي المتعثّر، أليست السياسة تكثيفاً للاقتصاد، أليس من الضرورة بمكان، أن يرتقي الأداء الاقتصادي ليطال السياسي، مشكلاً بذلك، استنهاضاً للاجتماعي والأخلاقي والوطني، ومعززاً للاندماج والانتماء المواطني؟؟.

3-2 : أية سياسة اقتصادية برسم الممارسة :

ثمة تصور ينزع تدريجياً إلى الهيمنة، برسم مصلحة الاقتصاد الوطني، مفاده أنَّ تكيّف هذا الاقتصاد مع العولمة ومتغيراتها الدولية المتعددة، لا يخرج عن ضرورة مجانبة أحد خيارين، لا ثالث لهما :

الأول : إمّا الاستمرار على الوضع الاقتصادي القائم، وهو وضع يفرز تداعيات انكماشية مستمرة. ويولّد أثاراً اجتماعية متزايدة في حدتها. ويتحدث دعاة برامج البنك الدولي أو الشراكة الأوروبية بان هذه التكلفة أكبر بكثير من تلك التي ينتجها الاصلاح على طريقة البنك، أو الشراكة الأوروبية (فهي حاصلة إذاً) ولا كبير فرق بينهما.

الثاني : وهو الآخذ بتلك البرامج للإصلاح الاقتصادي، التي يسوّق البنك الدولي قبولها، بالنتيجة الإيجابية لطرح تكلفة البعد الاجتماعي، كإحدى تكاليف النمو الاقتصادي، من المنافع التي ستعود على المجمع، والمتمثلة بزيادة النمو الاقتصادي، عبر تحرير التجارة.

وهكذا، تُخَتَزل مسألة الخيارات المتاحة، على أنها " الإفراط الحتمي " ولا مندوحة من الاحتكام إلى أحد طرفيه : فإما الإفراط في التدخل الحكومي، أو الإفراط في اللجوء إلى سياسة الحرية الاقتصادية. لكن أن يكون الخيار هو " الوطني " الذي يملك الخصوصية، التي لاتجافي التوازن بين الاندماج الاقتصادي العالمي  (مع الشراكة مثلاً) وبين استقلالية القرار والمبادرة الوطنية، فذلك يبدو أنه ليس بالمسألة السهلة.فإذا كان من الثابت علمياً ،أن برامج الاصلاح الاقتصادي، تنطوي على تراجع الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية، مع ما يرافق ذلك من تداعيات سلبية على الفقراء، فأين هي الدولة التي وُجِد دورها الاقتصادي بالأساس لحماية الفقراء، والسؤال الآخر، إذا كان هدف هذه البرامج هو تحقيق النمو الاقتصادي عبر تحرير التجارة، فما هي الضمانة العملية بتوزيع فوائد النموالاقتصادي على مختلف الأنشطة والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، توزيعاً عادلاً، إن لم تكن الدولة حاضرة وبقوة هذه المرة.

 في هذا السياق، كيف يمكن مقاربة الأداء الاقتصادي للتسعينيات في ضوء اندراجه تحت قائمة " التثبيت والتكييّف الهيكلي ":


برنامج التثبيت الهيكلي

 

المقاربة العملية

أسلوب العمل

نوع البرنامج

 

من 5 % (95) إلى 3% لعام 98

تخفيض الإنفاق الجاري والاستثماري وصولاً إلى الركود.

الموازنة العامة للدولة

تخفيض عجز الموازنة الحكومية

 

من 26,2 % (97) إلى 24,7 (98) (صحة وتعليم)

النقل، المواصلات، التعليم الصحة وتخفيض الاتفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية 

زيادة أسعار الخدمات العامة

من 30 % لعام 94 إلى 20 % لعام 1998 (إجمالي الاستثمار)

الإنفاق العام يطرد الإنفاق الخاص.

تراجع دور الدولة الاستثماري وعدم الالتزام بتوظيف الخريجين

24,16%  (99) و24,29%

(2000)

ثباتها اسمياً وتآكلها فعلياً

تجميد الرواتب والأجور في القطاع الحكومي

عدم تجديد الأصول وسحب الفائض الاقتصادي النمو الصناعي0.5:% (97) قياساً بـ 14% بالمتوسط (91-95)

بدفعها لاحقاً على التصفية

 

تراجع حماية الإنتاج الوطني

إلغاء دعم المؤسسات الحكومية.

 

السماح للقطاع الخاص بالاستيراد المتنّوع.

 

السماح بتحويل رؤوس الأموال والأرباح إلى الخارج.

ميزان المدفوعات :

إلغاء القيود النوعية على الواردات.

إلغاء الرقابة على الصرف.

إلغاء القانون 24 بالقانون 6

تراجع فرص الاستثمار المحلي أمام المنافسة الأجنبية لها

حوافز تشجيع الاستثمار الخارجي.

تعديل القانون 10 لعام 1991

زيادة قابلية دفع الديون الخارجية.

رفع الاحتياطي النقدي للدولة.

 

من 256,237 مليار (95) إلى 272.062 (98) 

من 17,4 % (94) إلى 8,5 % (98)

المدخرات 1% (90) إلى 27% (998) (الخاص)

 

بامتصاص الادخار وتراجع فرص الاستثمار 

السياسة النقدية :

زيادة أسعار الفائدة

قانون للتداول الأسهم

انتشار بورصات وأسواق لتداول الأسهم.

2.  تنمية أسواق المال

 

برامج التكييف الهيكلي

المقاربة العملية

أسلوب العمل

نوع البرنامج

قانون التموين – تعويم الأسعار

 

التدرج اتّقاء للاضطرابات الاجتماعية

أخر زيادة أجور اسمية 1994 قبول العاطل بأي عمل عند أي حد من الراتب 0

 

 

 

إنتاج الخدمة الرديئة، دَفْعاً لاستحداث الخدمة الخاصة (التعليم- الصحة)

 

 

30% على سلع منطقة التجارة الحرة العربية.

50% على السلع اللبنانية

(تراجع الرسوم لعام 2000 بقيمة 930 مليون)

 

 

نسبة نمو الصادرات بالمتوسط من27% (90) إلى 30%(98) من الناتج المحلي

التراجع عن التدخل في آليات العرض والطلب

إزالة التشوّهات السعرية وتشجيع المنافسة

انخفاض الأجور الاسمية والحقيقية بفعل البطالة

وارتفاع أسعار الخدمات الصحية والتعليمية بانخفاض القوة الشرائية للمستهلك.

 

إزالة التشوهات الهيكلية والسعرية 

 

 

ارتفاع أسعار الواردات

المنافسة وإغراق السوق المحلية

 

 

 

 

 

التراجع عن سياسة بدائل الواردات.

تحرير الأسعار :

 

1 ـ إلغاء الدعم السلعي

2 ـ إلغاء الحد الأدنى للأجور     وزيادة تحمّل المستهلك لأسعار الخدمات الاجتماعية.

 

الخصخصة :

تحويل مؤسسات القطاع العام إلى الخاص.

 

حرية التجارة :

1 ـ تخفيض سعر العملة المحلية

2 ـ خفض الرسوم على الواردات وإلغاء القيود الكمية على الواردات

 

 

1 ـ التراجع عن حماية الصناعة المحلية

2 ـ التحول إلى سياسات التصدير

وهكذا، فالمتابعة العملية لطبيعة الانكماش الاقتصادي الذي حصل في النصف الثاني من التسعينيات، مستعيناً ببعض أدوات السياسة المالية والنقدية، لا يخرج عن سياسة " التثبيت الهيكلي " بكل مؤشراته، استعداداً لدفع الاقتصاد إلى المرحلة التالية من  " التكييف الهيكلي ".

إذا كان من الطبيعي أن يخضع الاقتصاد السوري على مستوى الممارسة والأداء، لتأطير نظري معين، يرسم ملامح واتجاهات تطور هذا الأداء في السنوات القادمة، وبغض النظر عن طبيعتها، فإنَّ الضرورة تقتضي إعلان هذه الرؤية وبرنامج العمل والسياسات الكفيلة بتحققها، ذلك أنَّ إعلان هذه الرؤية المستقبلية ودعوة الرأي العام والفعاليات الوطنية المختلفة للمشاركة في الحوار حولها وصولاً إلى أفضلها، هو تتويج لتعزيز مبدأ التعددية الاقتصادية، والمشاركة الوطنية، وتحمل المسؤولية أمام النتائج التي تسفر عنها هذه الرؤية مستقبلاً.

 



* : المعطيات الإحصائية مأخوذة من حسابات المجموعة الإحصائية لعام 1998، وتقرير البنك المركزي لعام 1998، ودراسة صادرة عن المفوضية الأوروبية بدمشق.

19) : بوشهولتز ،تودج : أفكار جديدة من اقتصاديين راحلين، ترجمة نذيرة الأفندي، عزة الحسيني، مراجعة حازم الببلاوي، المكتبة الاكادية، القاهرة 1996، ص16.  

]) ومع أن َّ جمعية العلوم الاقتصادية استطاعت عبر تراكم السنوات المنصرمة أن تنجز مساهمة هامة على هذا المستوى غير أنَّ طبيعة الدراسات التي تنزع إلى التجريب والتحليل الاقتصادي الجزئي، راحت تبعدها عن مهمة تقديم الدراسة العلمية الممنهجة موضوعياً التي تقارب الممارسة الاقتصادية، لكنها تظل تتكئ على النظرية الاقتصادية، إذ كيف يُعدّ البحث مقبولاً على المستوى العلمي والمعرفي، ويولّد مصداقية حين لا يستند إلى مرجع علمي واحد، أو أن تكون معظم، إن لم يكن جميع مصادره، الصحف مثلاً (مع أهمية المعلومات التي تقدمها) ؟  

* وقد كانت الأمم المتحدة أصدرت في العام 1990 دراسة عن طبيعة الخسائر المترتبة على تحرير التجارة الدولية الزراعية، إذ يسقط من هذه الخسائر على سورية 37 مليون دولار في الإيرادات العامة للدولة و48 مليون دولار في الرفاه الاجتماعي للمستهلك. وكانت مصر قد قدمت العديد من الدراسات عن أثار الدخول إلى المنظمة ومنعكساتها على الاقتصاد المصري، وكيفية الحدّ منها استعداداً للدخول (انظر مجلة المال والصناعة، بنك الكويت، عدد 14 لعام 1996).

20) يمكن الرجوع إلى مارك بيريني، رئيس المفوضية الأوروبية في محاضرة له بمعهد غوته 19 نيسان 2000، وللمذكرة التي قدمها رئيس اتحاد غرف التجارة السورية إلى السيد رئيس مجلس الوزراء وتصوره عن التجديد والإصلاح.بتاريخ نيسان / 2000.

21) خطاب السيد الرئيس حافظ الأسد أمام مجلس الشعب بتاريخ 11 / 3/ 1999.