![]() |
رابعاً : تأهيل الاقتصاد وتعزيز قدرته التنافسية.
في الوقت الذي يتزايد فيه عجز
الحضارة الغربية في الارتقاء إلى الحضارة العالمية، المستوعبة لتنوع الآخر واختلاف
ثقافته وهويته، يبقى خطاب العولمة الاقتصادية عرضة للمنازعة والرفض. هذه العولمة
المحكومة بعدم انسجامها وتماسكها، إذ تقّدم نفسها داعية لمنطق التوسع الرأسمالي
الذي ينتج بدوره تعارضاً أساسياً كامناً في صلب العولمة الاقتصادية ذاتها، وذلك
بين السوق وسعيها إلى تكريس العقلانية الاقتصادية، ورأس المال وميلها إلى تعظيم
إمبراطورية الربح بأي ثمن كان.
وبالقدر الذي تدّعي العولمة
فيه توحيد العالم ودمجه كونيا، تنتج المزيد من الخارجين عليها، المهمشين في فضاء
انتشارها، الباحثين عن أقلمة وتكتل ضد طغيانها واحتكارها. إذ راحت عولمة الاقتصاد
تكتسي في " سياتل
" معاني جديدةً، فبين الهجوم البراغماتي الأمريكي، والديبلوماسية الأوروبية،
والرفض العالمثالثي، لم تستطع منظمة التجارة العالمية (135 دولة) أن تقدم ملفات
العمل، الزراعة، والبيئة، باعتبارها منتهية أو ناجزه. إذ تمسك المتظاهرون
والرافضون بنشدانهم لسوق عادلة، وضمان حرية التعبير وحقوق العمل وحماية البيئة.
وقد كان السيد الرئيس حافظ
الأسد قد قدّم تصوراً " دقيقاً لعولمة الاقتصاد في رسالة وجهها إلى "
مؤتمر الاتحاد العالمي للنقابات المنعقد في نيودلهي بتاريخ 26/3/2000، بأنَّ
العولمة التي تنادي بها قوى كبرى هي عولمة الاقتصاد وعولمة الثقافة والأفكار، وهي
بهذا المعنى تنطوي على مخاطر بالنسبة للشعوب التي تكافح من أجل التنمية الاجتماعية
والاقتصادية، مع الحفاظ على هويتها وثقافتها ،لأنَّ هذه العولمة تغرق أسواقنا
بمنتجاتها وتحول دون وصول صادراتنا إلى أسواقها، وتفرض على العالم نمطاً أحادياً
من الثقافة والفكر».
في وجه هذا لا يبقى غير
الركون إلى عقلانية الاقتصاد، بعدّها جزءاً من عقلانية شاملة تاريخية، تستطيع
التغلب على تلك الصورة التي تقدمها السوق الكونية للمجتمع، الذي يقتصر فيه ولاء
مختلف أعضاء المجتمع على مصالحهم الذاتية الخاصة، على حساب أي تصور للمصلحة العامة
أو الخير المشترك (22).
وبالتالي إنَّ هذه التداعيات
لعولمة الاقتصاد، لم يبتعد الاقتصاد السوري عن التأثر بها، وزاد في الأمر صعوبة
تراكم معوّقات النهوض بالأداء الحكومي، هذه التي يمكن اختزال أهمها في هذا السياق
إلى:
* عدم الاعتداد بمحددات
تنموية واضحة تستند إلى محاور تنموية وتحدد أولويات. وبالتالي غياب تلك
الاستراتيجية التنموية التي تعتمد التخطيط العقلاني للإمكانات والموارد، وتصوغ
سياسات استغلالها بالشكل الأمثل.
* استبدال إدارة الأداء
والنتائج بإدارة الهياكل واللوائح والإجراءات، فغاب بذلك الأداء كمحدد للنشاط، و
تعزز دور الأجهزة الرقابية، ممادفع بالمبادرة إلى التراجع والمسؤولية إلى النوسان،
والعمل إلى التراخي، ففقدت منظومة الأداء أهم حوافز التطوير والتشخيص المؤسسي
والمستقبلي. وقد حدد السيد الرئيس حافظ الأسد آلية تجاوز ذلك بقوله : إنَّ تحديث
الدولة يقتضي تنمية الشعور بالمسؤولية و رفع الكفاءة الإدارية والمهنية، وهذا
يتطلب قيام كل عامل في الدولة مهما علا موقعه بتحمّل مسؤولياته كاملة وإنهاء حالة
الهروب من المسؤولية سواءاً بإلقائها على عاتق الأدنى أم الأعلى ومحاسبة المقصر،
أو المتهرب واعتبار الإخلال بواجبات العمل والتهرب من المسؤولية، سواءاً مسؤولية
القرار أم مسؤولية التنفيذ، أم مسؤولية المراقبة والمتابعة، إخلالاً بالواجبات
الوطنية*)).
هذه الرؤية لتجاوز حالة، فيها
الكثير من العطالة، والاشتغال في
الفراغ، هي أكبر من أن تختزل إلى مجرد مراجعة الأداء الاقتصادي، في ظل متغيرات
عالمية جديدة، والأصح هي رؤية لحالة وطنية شاملة ،تقوم على الاستنهاض القيمي
والثقافي فينا، فتحديث الدولة إذاً عملية تحتاج إلى ما تدعيه "
الانتروبولوجيا الاقتصادية " وهو أكثر بكثير من مجرد " سياسة اقتصادية
معلنة " وأياً كانت، هي أولاً إعادة بناء " القيمي والثقافي والمعرفي
" في المناخ الذي يتطلب تنمية وليس العكس أبداً، فما جدوى البرنامج الاقتصادي
الذي يعد لمواجهة تحديات العولمة، إن لم يتم الارتقاء بالإنسان ذاته (كقيمة
تاريخية ووطنية كبيرة) لمواجهة استحقاقات العولمة ذاتها.
وهكذا لا يمكن الفصل بين
الدعوة لتحقيق " الكفاءة " في التعامل مع الموارد والبنى الإنتاجية
للاقتصاد، بمعزل عن تحقيق " العدالة " عبر نفاذ الأفراد إلى الموارد
والناتج الاقتصادي ذاته.
الأمر الذي ينبغي فيه على
الاقتصاد السوري، تحقيق "الكفاءة الفنية"، بالتعرف على إمكاناته
المختلفة، لتحقيق التحولات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة، عبر مستوى أوّلي من
العقلانية الاقتصادية المنسجمة مع تطور اقتصاد السوق المعاصر، هذه العقلانية التي
تنتقل بتصرفات الأفراد الذين يراكمون أفعالهم للوصول إلى غاياتهم ،إلى مستوى ثانٍ
من العقلانية التاريخية، التي يُدرك فيها، آلية التوافق بين البنى الاقتصادية
والأخرى السياسية والاجتماعية، وهكذا فالآليات الاقتصادية المطلوبة سواءٌ لاشتغال
الأفراد (القطاع الخاص) أو لتطوير القطاع العام، هي تلك التي تجسد السلوك
الاقتصادي المحكوم بآلية عمل النظام الاجتماعي بمجمله، وليس بآلية تحقق المصلحة أو
المنفعة مجتزأة من سياقها المجتمعي –و الوطني.
في سياق
هذا ينبغي التعامل مع "
الذهنية "كما يقول الدكتور بشار الأسد : فالذهنية هي الأساس، لأن الذهنية هي
التي توفر التصور، في المجال السياسي ،كما في المجال الاقتصادي، والذهنية تحدد
الأسلوب أيضاً دون أن ننسى التغيير في الذهنية أيضاً، فالذهنية هي التي تنطلق منها
تصورات التعليم والتربية وأنماط العمل.(23)
ورغم أنه قد يكون من السابق
لأوانه مقاربة "الأداء الحكومي " الذي يتسم ولا شك بنزوع واضح للإرتقاء
لمواجهة متطلبات التحديث والتجديد، إلاّ أنَّ هذا التحدي ذاته " التغيير
والتجديد " الذي يواجه الاقتصاد السوري من جهة، وطبيعة السياسات الاقتصادية
التي تكرست في التسعينات (النصف الثاني منه، في ظل استكمالها أو القطع معها)
تدفعنا من جهة أخرى إلى المجازفة بتلمّس مسارين مختلفين ومتزامنين، يؤطران عمل
الاقتصاد اليوم:
الأول:
المضي في سياسات تحرير الاقتصاد، واستكمال خطوات " التكييف الهيكلي " بالشكل
المتدرج، بعيداً عن " أسلوب الصدمات " (الحديث عن تعويم الأسعار
والليرة، المصارف المشتركة، سوق الأوراق المالية، الإعفاءات الضريبية في ظل
القانون 10، في الوقت الذي لا يزال فيه القطاع العام ينوء تحت تقاناته المتقادمة،
وسحب فوائضه وأرباحه، وتعثّر إدارته) ويؤكدّ هذا جملة القوانين التي صدرت (إلغاء
القانون 24، القانون 10 معدلاً) والتي ستصدر لاحقاً لإنتاج بيئة عمل محفّزة
ومناسبة للقطاع الخاص أو لتحقيق الشراكة مع الأوروبين، ولكن في ظلّ عدم إنتاج
آليات مشاركة فعالة للقطاع العام في المناخ التنموي، مما يدفع به إلى التراجع عن
المشاركة في صياغة مستقبل الاقتصاد السوري.
الثاني:
تفعيل الأداء الحكومي، وإنتاج سياسات تدخل للارتقاء بالقطاع العام، وتجاوز
حالة الانكماش الاقتصادي أو التدخل لتخفيف الآثار الاجتماعية التي ستنتجتها هذه
المتغيرات الاقتصادية المتعددة، ويخدم هذا التوجّه المؤشران التاليان :
*: مضاعفة الإنفاق الاستثماري
في الموازنة العامة للدولة لعام 2000 (من 62 ملياراً فعلياً لعام 1999 إلى 132
ملياراً لعام 2000). وتوجيه هذا الاستثمار نحو البنى التحتية والخدمية (طرق سكك
الحديد، المشافي، الكهرباء..) الأمر الذي سيولد فرص عمل جديدة ويوسع من الطلب
الداخلي.
*: استحداث برامج طوارئ
إنقاذية خارج الموازنة لمعالجة مشكلة البطالة (ثلاث سنوات) وزيادة القدرة الشرائية
(زيادة الأجور) وتحسين الإنتاجية.
ومع أنَّ هذه الدلالة، تدخل
في إطار تفعيل الأداء الحكومي، وإدارة العملية الاقتصادية، لايزال هذا يحتاج إلى
الفضاء الاستراتيجي والمستقبلي الذي يؤطّره، فيحدد السياسات والبرامج قصيرة
ومتوسطة المدى، ويرسم ملامح تطور الاقتصاد السوري وآليات التعامل مع جميع عناصره
وموارده وفعالياته (التعددية الاقتصادية) في إطار " مشروع استنهاض وطني
شامل". لكلّ ذلك، ينبغي التعامل مع مشروع "استنهاض الأداء الحكومي
" باعتباره فعلاً ثقافياً، ينصب على السلوك ومحفزاته، وعلى منظومة القيم
ومكوناتها، بقدر ما ينصب على النتائج وهي " الاقتصادية ".وبذلك فإنَّ
المستقبلي أمام استحقاقات الاقتصاد السوري وتحدياته المتعددة هو برسم إنتاج "
منظومة " وطينة متكاملة : أهم مكوّناتها :
×
المكوّن التنموي : الذي يرسم استراتيجية محاور
تنموية محددة وواضحة، عبر رؤية مستقبلية للاقتصاد السوري لا تقل عن 2025 (كالصناعة
التحويلية مثلاً)، وفيها للعام كما فيها للخاص.
×
المكوّن الإداري : الذي يعيد هندسة السياسات
الإدارية وتطوير القطاع العام بتحريره من القيود التنظيمية والإدارية والمالية
وإطلاق قدراته التنافسية.
×
المكوّن الاجتماعي : الذي ينطلق من دور منظومة
الحكم والإدارة، في تعزيزها للبعد الاجتماعي، وحماية المستهلك وتعزيز شبكة الحماية
الاجتماعية، وحلّ مشكلة البطالة.
×
المكوّن الرقابي : الذي يستمد مصداقيته من
المخرجات، والأداء المؤسسي، وتكريس الشفافية والنزاهة، والاحتكام إلى شرعية
القانون، وليس من مراقبة الإجراءات واللوائح، وتصيّد الأخطاء.
هذه " المنظومة الوطنية
" تستمد مشروعيتها من قدرتها على إنتاج سياسات وبرامج لتطوير
" القدرة التنافسية
للاقتصاد السوري " والتي تقوم على إعادة النظر في :
×
البيئة الإنتاجية، وعوامل إنجاح الجودة، وتخفيض
التكاليف، وتحديث التقانات
×
تشجيع الطلب الداخلي، عبر زيادة الاستثمار
الحكومي والخاص، في البنية التحتية والخدمية لامتصاص البطالة وتوسيع السوق
الداخلية
×
البنية التشريعية والإدارية، بخلق ظروف مناسبة،
لإطلاق المبادرة الخاصة والعامة
×
التعرف المبكر على نقاط الاختلال والضعف، في
الأداء الاقتصادي، لتجاوزها وتعزيز نقاط القوة والتميز (الإدارة الاستراتيجية) .
وبعد
كلّ هذا، فإنَّ هذه المقاربة الهادفة، لرفع الأداء الاقتصادي، في مواجهة تحديات
العولمة، لا تستطيع الزعم بامتلاك تصور شامل واستراتيجي نهائي لما ينبغي تحققه،
لكنها تستطيع الزعم باقتراب هذا الأداء من ذلك التصور الرائع الذي قدّمه "
هوميروس في الإلياذه" قبل أكثر من ألفي عام : في
أنَّ المُلْكَ الصالح، هو ذاك الذي يحترم الآلهة، ويتمسك بالعدالة ويحكّم العديد
من الرجال البُسلاء، وتربته السمراء تغلّ القمح والشعير، وأشجاره مثقلة بالفواكه،
وقطعانه تتزايد بلا انقطاع، ويوفر له البحر الأسماك، كلّ ذلك بفضل إدارته الحكيمة،
وفي ظله تزدهر الشعوب».
الدكتور
عدنان سليمان
|
- الصفحة
السابقة - الفهرس
|
22) باربر، ب : الجهاد ضد السوق الكونية،
الثقافة العالمية، الكويت 1 نيسان 2000 /ص 68.
*
خطاب السيد الرئيس حافظ الأسد بمناسبة أداء القسم الدستوري أمام مجلس الشعب في
11/3/1999.
23)
مقابلة مع الدكتور بشار الأسد في مجلة الوسط ليوم 23/8/99.