ثانياً : اقتصاد السوق والإصلاح الاقتصادي :

تشرعن العولمة السوق، بعدّها الأساس الاقتصادي لحياتنا، ساحة نزال للسلع والخدمات ورأس المال والأشخاص. وإذا كان الحيّز الجغرافي يأتي كتعبير عن علاقات تبادلية للسلع، إلاّ انه يستبطن علاقات أخرى أكثر أهمية، ليس أقلهّا، تلك الاجتماعية، القانونية ،التنظمية والإدارية …

وقد كان " أدم سميت "أرسى هذه الدعائم الليبرالية لسلطة السوق، عبر مطالبته بإزالة كلّ الرسوم والقيود التجارية على حركة السلع.لكن الليبرالية الجديدة، التي تشكلّ الأساس النظري للعولمة، ترى أن  سلطة السوق المطلقة تحتاج إلى المزيد من الأدوات والمرتكزات الأخرى، لتدعيم انطلاقتها غير المقّيدة (المخطط 3):

 

 


إعادة الهيكلة            الخصخصة         تحرير التجارة والأسواق

 

(مخطط 3 : المرتكزات النظرية لعولمة الاقتصاد)

 


q    فأولاً هناك إعادة الهيكلة : أي تراجع الدولة عن التدخل في أحداث وحركة السوق. فالسوق بالقدر الممكن والواسع، والدولة بالقدر الضروري، السوق كثيرها، والدولة أو التخطيط قليله، إن لم يكن عدمه.

q    وثانياً هناك الخصخصة : إذ إنَّ المؤسسات والشركات الحكومية لا تستطيع أن تستغل قوى السوق والتعامل بجدارة مع مفردات مثل : الربحية، والمرونة، والترشيد، ووالكفاءة الاقتصادية.

q    وهناك ثالثاً : اللبرلة وتحرير التجارة من كلّ القيود، بإطلاق حرية الأسواق والتبادل غير المقيّد، وإزالة جميع القيود لاعطاء شهادة ثقة مطلقة بالسوق. وهكذا، تعتبر العولمة أنَّ هذا " الثالوث المقدّس " هو الذي يجب أن يرسم اتجاهات السياسة الاقتصادية في كلّ مكان.

مع أنَّ التاريخ الاقتصادي يقدّم حقائق مغايرة، لتلك التي تسوقها العولمة، من أنَّ حرية التجارة هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، أو أنَّ الدول الكبرى تلجأ أو تتمسك بهذا المبدأ إلاّ لمكاسب ذاتية أو ظرفية، إذ يُجمِع الاقتصادي العالمي " بايروك " على أنه من العسير إيجاد حالة أخرى، تتناقض بينها الوقائع إلى هذه الدرجة مع النظرية السائدة، بقدر حالة المبدأ، الذي يقول : إنَّ الأسواق الحرة هي التي كانت محركاً للنمو(11).

وكانت فترة الثمانينات، قد شهدت عودة لهذه الكلاسيكية الجديدة، عبر برنامج الإصلاح والعلاج الاقتصادي في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، من قبل " اقتصاديي العرض " الذين تزعمهم " ميلتون فريدمان "، الذي اقترح حينها على بريطانيا " علاجاً بالصدمات" حيث لجأت الحكومة إلى الخصخصة، وقلصّت القواعد الناظمة للاقتصاد، ودور النقابات. كما أجرت " إدارة ريغان " تخفيضات كبيرة في الإنفاق الاجتماعي. وذريعة هؤلاء ما قاله

" ساي " عبر " قانون المنافذ " : على أن إجمالي العرض يخلق الطلب الخاص به.فما دام الأغنياء هم الذين يدخرون، فهم المستعدون بقدر أكبر للاستثمار، شريطة إجراء تخفيضات كبيرة في الضرائب والحدّ من الإنفاق الحكومي. إذ يرى " اقتصاديو العرض " أن هناك عملية "طرد "، وأنه يتعين تحرير الموارد اللازمة لدفع الإنتاج، باستخلاصها من براثن الدولة المهيمنة(12).

وكان " كينز " قد حذّر منذ الثلاثينات من هذه السياسة، المتمثلة في " الآخذ من الفقراء لإعطاء الأغنياء "، داعياً لإجراءات تشجيع الطلب، بعدّه الرافعة الرئيسية لدفع النشاط الاقتصادي. حتى إنَّ اقتصادياً أمريكياً معاصراً هو " جيمس فالوز "، قد وجّه إدانة صريحة لهذا التمسك بالنظرية الكلاسيكية الجديدة، مبّينا، أنّ : الهوس الانغلو – أميريكي باقتصاديات السوق، قد أعمى بصيرة الأمريكيين، عن رؤية الدور الحاسم الذي تلعبه الحكومات في الشأن الاقتصادي، وعن إدراك أن معظم الدول في العالم، تنتهج سياسة اقتصادية تدخلية، تتناقض مع القواعد والمقولات الأساسية للكلاسيكية الأمريكية الجديدة(13)   

ومع أنَّ الرأسمالية المعولمة، لا تستطيع الادعّاء بامتلاك نظرية جاهزة وقابلة للتعميم، حول الوصول بمعدلات النمو والدخول الفردية إلى أقصاها، لكنها تمتلك فهماً دقيقاً، حول تعظيم "الأفضليات الفردية"،  دون إيجاد مسار تاريخي أو مستقبلي لرعايتها وعقلانيتها. فهي – أي الرأسمالية – تعزو قيمة قصوى للتفضيلات الفاسدة والمدمرة ذاتياً، بالسرعة ذاتها التي تعطيها للتفضيلات الإنسانية البعيدة عن الأنانية(14). وهي غير معنية بالأكلاف الاجتماعية، التي قد يدفعها النظام الاجتماعي، عندما يقّدم فرصاً لزيادة المنافع إلى الحدود القصوى، من خلال ممارسة التفضيلات الفردية، فسواءٌ كان الفرد مجرماً، أو قسيساً، فكلاهما أمر مشروع.

بيد أن داعياً ليبرالياً أخر هو "  فوكوياما "يعترف بأنَّ " الإنسان الاقتصادي " المدفوع بقراراته العقلانية الرشيدة، إلى تحقيق المنقعة الذاتية، لا يعطي للكلاسيكية الجديدة التي ترعى هذا السلوك الإنساني، أكثر من ثمانين بالمئة. فالكلاسيكية الجديدة، وإن قدمت إجابات مقنعة عن : المال والأسواق.غير أنه يظلّ هناك عشرون بالمئة من السلوك الإنساني، عصياً عليها. ولكي يجد " فوكوياما " جواباً يرضيه بتفعيل الرأسمالية وتجاوز أزماتها، يعود إلى "أدم سميت" ذاته، ليجد أنّ التاريخ لا يُختزَل إلى الاقتصادي وحده، وأنه لا يمكن فهم الحياة الاقتصادية بمعزل عن جملة العادات والتقاليد والأعراف والقيم الأخلاقية السائدة (15).   

مع ذلك، يحدث هذا، في الوقت الذي تنتج فيه الليبرالية ذاتها.تناقضات حادة، على مستوى المجتمع، حين تعتبر أنَّ " الجدارة " تحدد كلّ شيء، والفائز يستحوذ على كل شيء. ذلك أنّ رفع " الجدارة " إلى مرتبة النظام الاجتماعي، يولد الاستبعاد، وعدم المساواة، فالجدارة لا تؤمن بالاستيعاب والمساواة : أي إتاحة الفرص المتكافئة أمام الأفراد لممارسة مواطنيتهم (المواطنة). والاستبعاد هو نتاج حتمي تحتكم إليه الليبرالية الجديدة، وبذلك فهي تدفع الناس باتجاهين :

&           استبعاد قسري نزولاً نحو القاع، وعدم المشاركة في الفرص الاجتماعية.

&    واستبعاد إرادي " لجماعات النخبة " صعوداً نحو القمة، حيث تنسحب الجماعات الثرية من النظم العامة، إذ يختار أعضاؤها أن يعيشوا بمعزل عن بقية المجتمع، داخل مجتمعات محاطة بالأسوار، منسحبين من نظم التعليم والصحة العامة (16).

ويدفع الصندوق والبنك الدوليان ،سياسات الاصلاح الاقتصادي في الدول العربية. تحت شعار النمو الاقتصادي المستمر، وضرورة إحداث التغيرات الهيكلة وتحقيق الاستقرار المالي. ويؤكد المنتمون لهذه السياسات أن الإصلاحات الهيكلية (تحرير الأسعار والتجارة، وتحويل المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، وإصلاح سوق العمل والضرائب)، تعمل على تعزيز النمو الاقتصادي، على المدى المتوسط والطويل الأجل. أمّا كم تطول تلك الفترة القصيرة الأجل، التي ينبغي العمل خلالها على تخفيض العجز المالي، واتباع سياسة نقدية انكماشية، لكبح التوسع الإنمائي وتخفيض قيمة العملة ومعدل التضخم، فلا يريد أحـد من دعـــاة " الإصلاح " معرفة تداعياته الاجتماعية على الفقراء، سوى أنّ الوضع السابق على تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، ينطوي على أثار اجتماعية، تطال الفقراء وأصحاب الدخل المحدود. والإصلاح الاقتصادي ينطوي أيضاً على أثار اجتماعية سلبية في كثير من الأحيان.ولكن " سعيد النجار" يصرّ على أنّ الكلفة الاجتماعية للوضع السابق على تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، تتجاوز في نطاقها وفي عنفها وفي استمرار كلّ تكلفة اجتماعية يمكن أن تنجم عن تنفيذ هذه البرامج (17).

وإذا كان كلّ من : " أُوسبورن " و " كابلر" يصّران في كتابهما "إعادة اكتشاف الحكومة " على ضرورة تجديد الحكومة وإعادة فاعليتها في مواجهة الأسواق، وفي الوقت الذي تدفع به العولمة بدينامية الارتقاء لتدخل الدولة في المجتمعات الغنية، فلماذا يفترض أن يتم تراجع الدولة لدينا عن رعاية التوازن الاجتماعي وتوزيع الفائض الاقتصادي، وحماية الطبقات الشعبية.إذاً في مقابل تعطيل دينامية الدولة وتدخلها لصالح الفقراء، تحت لواء تحرير التجارة وإعادة الهيكلة، يقتضي المنطق أن تصبح إمكانية التدخل الحكومي متناسبة مع مستوى النمو ذاته، الأمر الذي يفترض من الدول الأفقر أن يتناسب تدخلها مع عمق الإصلاحات الهيكلية المفروضة على اقتصادها ومجتمعها.(18)

لقد استطاعت سورية طيلة الأربعين سنة الماضية، العبور بالتناقضات الاجتماعية إلى أقلهّا، عبر حالة من المصالحة، إن لم يكن التعايش السلمي، وذلك عبر حضور القطاع العام، الذي أرسى دعائم الوشائج الاجتماعية والحفاظ على النسيج الاجتماعي، حول ما يدعى " بالطبقة الوسطى "، هذه التي حملت طيلة الفترة التاريخية الممتدة من الثورة وحتى الثمانينات، لواء التوازن الاجتماعي الذي رعته الدولة عبر تكثيف الوظيفة الاقتصادية للقطاع العام للوظيفة الاجتماعية والسياسية. وفي الوقت الذي يتعثر فيه أداء هذا القطاع، ويدخل في عطالة إنتاجية، فإن هذه الطبقة هي التي تتعرض للدفع إلى الأسفل والتشظي اجتماعياً، وبذلك يختلّ التوازن الاجتماعي ليتمحور المجتمع حول قطبيه : الفقراء والأغنياء.

وهكذا، إذا كانت ثمة متغّيرات وتحولات عالمية تكثّف حضورها أمام الاقتصاد السوري فليس بالضرورة أن يكون تصور " الليبرالية الجديدة " عن اقتصاد السوق، تصوراً ناجزاً ومكتملاً، ينبغي استنباته في غير ترتبه. إذاً لماذا لا يكون اقتصاد السوق، اقتصاداً منتجاً للتوازن الاجتماعي والعقلانية الاقتصادية، ولماذا لا تكون عناصره : الدنيامية، والفعالية، والاتساق الاجتماعي ،وبناء الوحدة الاجتماعية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي ؟ ألا يستدعي كلّ هذا حضوراً راقياً للدولة، منتجاً لشراكة وطنية فاعلة بين جميع الفعاليات والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية؟.



11) :  ورد في تشو مسكي، نعوم : قوى وآفاق، تأملات في الطبيعة الإنسانية والنظام الاجتماعي، ترجمة ياسين الحاج صالح، دار الحصاد، دمشق 1998 / ص 62. 

12)  : ميشيل بوو جيل دوستالير، تاريخ الفكر الاقتصادي منذ كينز ، ترجمة حليم طوسون، دار العالم الثالث، القاهرة، 1997 / ص150.

13) : فوكوياما، فرانسيس، الثقة، مصدر سبق ذكره … ص20 .

14) : ثارو، ليستر،  مستقبل الرأسمالية، ترجمة عزيز سبا هي / دار المدى للثقافة والنشر / دمشق 1998 / ص308 

15) :  فوكوياما، فرانسيس، مصدر سابق، ص 19

16) : كريستوفرلاش، تمرد النخبة، نيويورك الوزن 1995.

17) : النجار، سعيد، الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية  تحرير طاهر كنعان، صندوق النقد العربي، أبو ظبي، 1996 / ص11 .

18) : البعلبكي ،أحمد : التحولات العالمية وحدود التكيّف والمغالبة في التركيبات الاجتماعية العربية. ندوة التحولات العالمية ومستقبل الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين ،التي أقامها المركز العربي للدراسات الاستراتيجية مع مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث الاستراتيجية بجامعة دمشق، بين 12-14 /2000 .