3 ـ متطلبات الموارد  البشرية في عصر المعلومات:

أدت التطورات التقانية المتلاحقة في عالمي الصناعة والخدمات في جعل السياسات التربوية العربية التقليدية والمتمثلة في تخريج أفواج من المهنيين الفنيين والمهندسين الجامعيين الذين يلمون إلماماً عاماً بالمناهج الفنية والهندسية الأساسية، مع بعض المقاربة العملية الضعيفة للتجارب المخبرية، تضاف إليها في أفضل الأحوال زيارات اطلاعية إلى بعض المؤسسات الصناعية، غير قادرة على التصدي المباشر للتحديات التقنية التي تواجهها الصناعات الحديثة الصغيرة منها والكبيرة. الأمر الذي وضع المؤسسات الصناعية والخدمية الناشئة في بلدنا أمام تحديات إعادة التأهيل والتدريب، التي هي أصلاً من غير وظيفتها الأساسية، فأصبحت العملية التأهيلية، عملية مكلفة وبأداء غير مضمون أو متكامل.

وثمة مفاهيم خاطئة لا تزال سائده في عالمنا العربي اليوم، تتعلق بعدم حاجتنا أصلاً لطاقة بشرية عالية التأهيل والتدريب، لأن مثل تلك الطاقة، إنما يطلب في بيئة صناعية متطورة تطبق مفاهيم الأتمتة الصناعية حيث يتسم الواقع العربي ( في الدول غير النفطية ) بانخفاض كلفة اليد العاملة، وبالتالي فإن أتمتة أقل ستعني تشغيلاً لأعداد أكبر من العاملين وبكلفة أقل الشكل (2).

قد يبدو هذا الكلام صحيحاً بصورة سطحية، ولكنه ليس صحيحاً في إطار الواقع الفعلي للأمور، وللتطورات التكنولوجية المتلاحقة التي شهدتها الساحة العالمية، وللسرعة الكبيرة في انتشار نظام العولمة وزيادة أعداد الدول المنضمة إلى اتفاقية التجارة العالمية، حيث لم يبق من الدول العربية غير المنضمة، والتي قدمت طلب للانضمام إلى هذه الاتفاقية سوى سورية وثلاث أو أربع دول أخرى، وهذ يعني أن صناعتنا المحلية ستنافس صناعات  الدول المتطورة نوعاً وكلفة، وأن مواردنا البشرية ستتنافس مع الخبرات البشرية العالمية. والخبير بالصناعة الإنتاجية أو الخدمية يعرف تماماً أنه لم يعد بمقدور أي أحد أن ينتج بتقانة تقليدية يدوية منتج ينافس منتج ينتج بتقانة مؤتمتة تصميماً وتصنيعاً لا من حيث الجودة ولا من حيث الكلفة، وليس بمقدور خبير بالممارسة أن ينافس خبير ماسك بزمام التقانة الحديثة من نظم معلوماتية وتنظيمية وإنتاجية وإدارية خبيرة وعالية الأداء.

أمام هذه التحديات لابد لنا من إعادة النظر، فيما نحن عليه ودراسة الواقع وتحليله وتحديد متطلبات المرحلة القادمة من الموارد البشرية، وصياغة أهداف واضحة واستراتيجيات واقعية طموحة في هذا المجال.

3 ـ 1 ـ المتطلبات في مجال التعليم:

إن متطلبات الموارد البشرية من التعليم مرتبط مباشرة بالاستراتيجية العامة للدولة، ومن الناحية المنطقية لا معنى لاستراتيجيات جزئية وخطط فرعية من دون وجود استراتيجية عامة، وحتى توضع هذه الاستراتيجية، ونظراً لأن العولمة هي أمر واقع لابد من مواجهة تحدياتها سنأخذ الواقع في الدول الصناعية أساساً لدراستنا، وهذا ما فعلته دول شرق آسيا أيضاً عند صياغة استراتيجياتها.

تنقسم خطط التعليم ودور المؤسسات التعليمية في الدول المتقدمة والناهضة إلى ثلاثة أقسام:

1 – التعليم الأساسي.

2 – إعادة التأهيل.

3 – التأهيل المستمر.

3 ـ 1 ـ 1 ـ التعليم الأساسي:

ونقصد به مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، والتعليم ما بعد الثانوي، حيث يتم التدريس اعتماداً على التقانات الحديثة والمعلوماتية بشكل خاص، وليس تدريس المعلوماتية كمادة مستقلة، فالمعلوماتية في هذه المرحلة ( وباستثناء المرحلة الجامعية وللمختصين بالمعلوماتية ) هي وسيلة وليس علم ولا مادة مستقلة، حيث فشلت تجارب كثيرة في تدريسها في هذه المرحلة كمادة مستقلة، مما اضطر جميع المؤسسات لإعادة تأهيل خريجي المعاهد والجامعات مرة أخرى. وهذا يتطلب إعادة صياغة المناهج وإعادة تأهيل الأطر التدريسية وهو أمر لابد منه.

3 ـ 1 ـ 2 ـ إعادة التأهيل:

لقد تأخرت الدول العربية وسورية بشكل خاص، بوضع استراتيجية واضحة لإعادة تأهيل مواردها البشرية بما تطلبه التطورات التقانية والاقتصادية في العالم، وأصبح الأمر اليوم أكثر إلحاحاً من ذي قبل، وإن البرنامج الوطني للمعلوماتية خطوة صحيحة على الطريق إلا أنه يحتاج إلى مكاملة مع برامج أخرى من خلال استراتيجية واضحة وإعادة صياغته بناءً على دراسات ميدانية للمتطلبات.

3 ـ 1ـ 3 ـ التأهيل المستمر:

ما زالت مؤسساتنا التعليمية عاجزة عن تلبية حاجات الموارد البشرية إلى التأهيل المستمر، لتغطية التطورات التقانية، والعلمية، والبرامج الموجودة متواضعة جداً، ولا تغطي إلا نسبة ضئيلة مما هو مطلوب، وهي عمومية غير معتمدة على استراتيجية عامة ولا على دراسات ميدانية واقعية، وإنما مبنية على ردود فعل و دراسات نظرية بعيدة عن الواقع. لذا لابد من وضع استراتيجية قطاعية للتأهيل المستمر معتمدة على استراتيجية عامة واضحة.

3 ـ 2 ـ المتطلبات في البحث والتطوير والصناعة:

إن هناك إشكالية وطنية قومية في مفهوم البحث العلمي وأهدافه، فحسب المفهوم السائد أن البحث العلمي هو بحد ذاته يؤدي إلى تطوير المجتمع بشكل عام والصناعة بشكل خاص، في حين أنني أرى أن البحث العلمي ربيب المجتمع والصناعة ينمو بنموها ويساعدها على التطور والمنافسة، ويخبوا مع ضعفهما ويكون عالة عليهما. والبحث العلمي في وطننا العربي ومعظم الدول النامية يرضع من ضرع جاف، فالصناعة ضعيفة متخلفة والمجتمع أميل إلى الهزالة منه إلى القوة والمنعة. ولا سبيل إلى تطوير البحث العلمي إلا بتنمية الصناعة وإطلاقها من مرحلة الرعاية والحماية إلى مرحلة النضج والمنافسة، وأعتقد أن أحد أكبر ضحايا الحماية المطلقة للصناعة الوطنية هو البحث العلمي.

إن برنامج وطني لتطوير الصناعة الوطنية وإعادة تأهيلها تقانياً، ورفع الحماية عنها سيؤدي ذلك حتماً إلى تحريك البحث العلمي، الأمر الذي يتطلب إعادة تأهيل الباحثين على التقانات الجديدة وخاصة تقانة المعلومات ووضع وسائلها تحت تصرفهم من برامج متطورة وشبكات معلومات.

3 ـ 3 ـ متطلبات التطوير الإداري والتخطيط:

هناك إشكالية أخرى في مفهوم التطوير الإداري والتخطيط على حد سواء، على المستوى العربي بشكل عام، والسوري بشكل خاص. حيث تسعى  الدول العربية بما فيها سورية منذ عقد من الزمن إلى تطوير بنيتها الإدارية من خلال:

ـ إعادة تأهيل الأطر الإدارية.

ـ افتتاح المعاهد والكليات الإدارية في الجامعات.

ـ تأمين التجهيزات اللازمة لأتمتة الأعمال الإدارية.

إلا أن النتائج متواضعة جداً، ولسبب وجيه نجهله أو نتجاهله، وهو أن البنية الإدارية من بنى هيكلية وأنظمة وقوانين ضعيفة إن لم نقل هرمه ( ولا يصلح العطار ما أفسده الدهر ) ولم تعد ملائمة لعصر المعلومات والسرعة والعولمة وأي دعم لوجستي لها لن يؤدي إلى نتيجة تذكر وإنما إلى زيادة الهدر في الأموال والجهد. لذا لابد وقبل كل شيء من إعادة هيكلة البنى الإدارية، وتحديث القوانين والأنظمة منطلقين من المبادىء التالية:

ـ أهداف واضحة.

ـ لا مركزية في الإدارة.

ـ وضوح هيكلية الإدارة والاختصاصات.

ـ وضوح الصلاحيات والمسؤوليات.

ـ توصيف العمل والوظائف والالتزام به.

ـ استقلالية مالية للإدارة وصلاحيات مالية مطلقة ضمن الميزانية الموضوعة.

ـ استقلالية في القرارات الإدارية ضمن الإدارات المستقلة مالياً.

ـ الرجل المناسب وذو التأهيل المناسب في المكان المناسب.

بعد إعادة الهيكلة يمكن لبرامج إعادة التأهيل والتأهيل أن تكون ذات جدوى.