التعاون والتنسيق السوري ـ اللبناني

د. كمال حمدان

لا يسعني بداية إلا أن أشكر وزارة الثقافة والمركز الثقافي العربي وجمعية العلوم الاقتصادية على هذه الدعوة الكريمة التي أتاحت لي فرصة التحدث ـ هنا في دمشق ـ عن التعاون والتنسيق الاقتصادي السوري ـ اللبناني أمام هذه النخبة من الباحثين والمفكرين وأصحاب القرار.

إن هذه الورقة التي تتناول موضوع التعاون والتنسيق السوري ـ اللبناني في المجال الاقتصادي، لن تستفيض في الوصف التاريخي أو الحدثي التفصيلي لكل ما تمخضت أو قد تتمخض عنه هذه العلاقة من اتفاقات، بل سوف تتناول أبرز مرتكزاتها الموضوعية والذاتية، محاولة استكشاف، ليس فقط ما تحتمله من آفاق مشتركة واعدة، بل كذلك ما يعترضها من معوقات ومحدات. والهدف من هذه المكاشفة هو بالضرورة خلق الأجواء المناسبة لتوفير معالجات رصينة وهادئة لهذه المعوقات والمحدات وصولاً إلى تعزيز فرص التعاون والتنسيق بين البلدين وإلى توظيفها في خدمة مروحة واسعة من الطبقات الاجتماعية المنتجة وغير الطفيلية في كل من لبنان وسوريا.

1 ـ مدلولات الانفصال الجمركي عام 1950

ظل الاقتصادان اللبناني والسوري جزءاً من مجال اقتصادي واحد حتى منتصف القرن المنصرم (القرن العشرين)، حين أفضى التباين بين شبكة مصالح التشكيلات الاجتماعية المتحكمة بهذين الاقتصادين، إلى اعلان الانفصال الجمركي بين البلدين عام 1950. ففي حين كانت البورجوازية السورية آنذاك شديدة الارتباط بنسق اقتصاد المدن الداخلية المستند أساساً إلى قطاعات الانتاج السلعي الأساسية وبخاصة الزراعة وإلى حد معين الصناعة والحرف، كانت البورجوازية اللبنانية منذ نشأتها وتبلورها، شديدة التمفصل نحو التجارة والخدمات والاسواق الخارجية. وقد تعزز هذا التباين ـ بعيد استقلال لبنان ـ بتباين من نوع آخر ذي بعد سياسي وحتى ثقافي، متصل بتفاوت بنية وتوجهات هاتين التشكيلتين الاجتماعيين وكذلك بتفاوت نمط تعاملهما مع الدول الاستعمارية التي لم تعدم وسيلة لإدامة سيطرتها على المنطقة.

2 ـ الدوافع الموضوعية لعودة مسيرة التعاون والتكامل:

بعد مضي نحو نصف قرن على الانفصال الجمركي، يجد البلدان نفسيهما، كل لأسبابه الخاصة، أمام ضرورة ـ بل أكاد أقول حتمية ـ العودة إلى شكل متقدم من التعاون والتنسيق الاقتصادي المشترك، وسط تراجع مثير في الخيارات التي كانت تسمح لكل منهما في السابق بتلمس مسارات نمو مستقلة أو شبه مستقلة.

2 ـ 1 ـ الدوافع السورية

ففي الجانب السوري، باتت مسيرة التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية تصطدم منذ فترة غير قصيرة بواقع بنيوي جديد: سقوط النموذج ـ نموذج الاشتراكية المحققة وصيغة العالمثالثية المختلفة ـ الذي استوحيت منه معظم السياسات التدخلية التي اعتمدتها سوريا منذ الستينات، مع استمرار عدم اتضاح المعالم الفكرية والمرجعية الأساسية لنموذج بديل يمكن لسوريا ولغيرها من البلدان النامية الاستئناس به، في محاولة للحد من درجة الخضوع الفج لمفاعيل العولمة والتبعية المتجددة الأشكال. والاقرار بهذا الواقع يجب أن لا يقلل من أهمية ما حققته سورية تاريخياً من انجازات سواء في مجال مشاريع البنى التحتية الأساسية من سدود واستصلاح أراضي وتشييد شبكات ري ومياه وكهرباء وصرف صحي وطرقات، أم في مجال الخدمات العامة الملحة من تعليم وصحة واسكان ونقل، أم كذلك في مجال توسيع القاعدة الصناعية والزراعية والسياحية للبلاد. ويمكن تلمس هذه الانجازات في اتجاهات معدلات النمو المحققة خصوصاً في السبعينات وبنسبة أقل في التسعينات (وإن كانت هذه المعدلات موضع تقديرات خلافية). بيد أن ما تحقق لا يلغي واقع المشكلات والتحديات التي تواجهها سوريا: انتاجية عمل ضعيفة تخفي بطالة مقنعة وصريحة عاليتين، أجر ودخل وسطيان منخفضان، أنشطة اقتصادية قليلة التداخل والتشابك، انتاج زراعي غير معد بصورة كافية للتصنيع، صناعة بديلة للمستوردات تعترضها القيود على غير صعيد، خدمات معظمها ذات طابع بسيط وغير قابلة للتداول (الخارجي) مع بعض الاستثناءات (جزء من السياحة)، قطاع مصرفي غير قادر على تعبئة الادخارات وبلورة فرص الاستثمار، تشريعات وسياسات حمائية تحد من التخصيص الأمثل للموارد ومن الانفتاح على المنافسة وعلى حركة انتقال وتوطين التكنولوجيا، هذا بالاضافة إلى قطاع عام «متضخم» تتحكم به النزعات البيروقراطية وآليات التوزيع البسيط للدخل على حساب دوره المأمول كرافعة للاقتصاد الوطني وكأداة رئيسية لإعادة التوزيع.....

2 ـ 2 ـ الدوافع اللبنانية:

أما في الجانب اللبناني، فإن المشكلة لا تقل عمقاً وتعقيداً: فالنموذج الاقتصادي اللبناني المستند منذ الاستقلال (بل منذ ما قبل الاستقلال) إلى مرتكزات معظمها ريعي، استنفد جل طاقاته وهو يشارف الآن مراحله الأخيرة، بفعل عاملين أساسيين، الحرب اللبنانية وما جرته من دمار وخسائر مباشرة وغير مباشرة من جهة، والتغير الجذري في سمات وخصائص المحيط العربي الذي ظل الاقتصاد اللبناني يضطلع فيه بأدوار وساطة مختلفة طيلة عقود ثلاثة من جهة أخرى. فهذا النموذج الذي غالباً ما اعتبرته «النخب» اللبنانية الحاكمة قدراً سرمدياً لا حدود له، بات منذ الثمانينات يعيش وضعاً مأزقياً، حيث تبين أن ما انطوى عليه ذات يوم من «معجزة اقتصادية» كان محكوماً بعوامل ظرفية ونسبية مالت في معظمها إلى الانحسار، وأفقدت بالتالي لبنان العديد من الوظائف والأوراق التي كانت تجعل منه «ضرورة اقتصادية» للعالم العربي، وبخاصة للمحيط الخليجي. هذا مع العلم أن الجهد الاعماري اللبناني الضخم، الذي اعاد في العقد الأخير تأهيل وانتاج شبكات البنى التحتية الأساسية المدمرة، لم يغير بشكل جذري من هذا الوضع المأزقي بل لعله ساهم في «تظهيره» بمزيد من الوضوح. فقد ثبت أن اقتصار الجهد الاعماري على مشروع للبنى التحتية فقط، لم يكن كفيلاً وحده باعادة ابراز الميزات النسبية للاقتصاد اللبناني وحفز الاستثمار الخاص والعام ضمن تخصص وأولويات من نوع جديد متقدم، وتوفير الشروط الآيلة إلى كبح جماع الاختلالات الاجتماعية ومظاهر عدم المساواة، وذلك في ظروف دولية تعصف فيها التحولات والتغيرات السريعة والعميقة في عغير مجال. ويجد هذا النموذج نفسه راهناً ـ مع استهلال الألفية الثالثة ـ أمام صعوبات كأداة: اتجاه حثيث نحو تراجع معدلات النمو، تفاقم استثنائي في أزمة المديونية العامة، استثمار عام وخاص تطغى عليه سمات بنيوية ريعية الطابع، استفحال عجز الحساب الجاري، ضعف هيكلي في قطاعات الانتاج الأساسية وفي قدرتها على المنافسة والتصدير وسط غلبة بنية تكاليف انتاج مرتفعة عليها، هذا بالاضافة إلى العديد من السمات الأخرى التي سبق أن أشير إليها في حالة النموذج السوري، وهي تكاد تنطبق، إلى هذا الحد أو ذاك، على حالة النموذج اللبناني.

3 ـ اتفاقات التعاون الاقتصادي اللبناني ـ السوري: الآفاق والمعوقات

بهذا المعنى نعود إلى التأكيد مجدداً أن التعاون الاقتصادي السوري ـ اللبناني بات، في ظروف البلدين الراهنة ـ فضلاً عن ظروف المنطقة والعالم ـ نوعاً من الضرورة الموضوعية، لا بل القدر. والمتنورون من اللبنانيين يدركون، بعمق، هذه الحقيقة، مع قناعتهم بأن مدى النجاح في هذا الطريق مرتبط، إلى حد كبير، بتحقيق التوازن في ما يعود من نفع للشعبين الشقيقين ـ أوسع شرائح الشعبين ـ من جراء هذا التعاون، على قواعد الشفافية والمصارحة والمساءلة والحساب الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا الاطار ينبغي أن يثمن عالياً توقيع البلدين لمعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق قبل نحو عقد من الزمن، مع ما تفرع عنها من اتفاقات وبروتوكولات مبدئية ثنائية غطت مجالات الأمن والصناعة والزراعة والاستثمار والتعليم والصحة والسياحة والعلم والتكنولوجيا والمياه والطاقة والبريد والمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية والمرافق العامة الأساسية وغيرها من المجالات. إن محاولة تقييم هادئة لمسيرة تطبيق هذه الاتفاقات، يمكن أن تفضي ـ بإيجاز ـ إلى تسجيل الملاحظات والاستنتاجات الأساسية التالية:

3 ـ 1 ـ الانتقال من المبادئ إلى النصوص التنظيمية

إن الاتفاقات والبروتوكولات الموقعة هي ـ ككل الاتفاقات ـ أطر ومبادئ عامة، تحتاج إلى نصوص تنظيمية مفصلة ينبغي توفيرها قبل ولوج مرحلة تنفيذ تلك الاتفاقات. ويتفاوت حجم الصعوبات في انجاز تلك النصوص من مجال تعاون إلى آخر، وذلك بحسب درجة انسجام أو تباين التشريعات القانونية والإجراءات الإدارية الناظمة لكل من هذه المجالات، بالاضافة إلى توفر أو عدم توفر القواعد الاحصائية والموارد البشرية والفنية التي من شأنها تسهيل أو عدم تسهيل وضع هذه النصوص التنظيمية في صيغها القابلة للتطبيق العملي، من دون افساح المجال أمام «الاجتهادات» أو الالتباسات في التفسير.
وفي الحالة اللبنانية ـ السورية، تميل الصعوبات التي تعرقل الوصول إلى صياغات نهائية للنصوص التنظيمية المذكورة إلى أن تكون ذات شان وتأثير كبيرين نسبياً. فالتشريعات الاقتصادية في سوريا، وما يتفرع عنها من تنظيمات وإجراءات إدارية، تتباين إلى حد معين عن تلك السائدة في لبنان. ويبدو ذلك جلياً بالنسبة لآلية تشكيل أسعار الصرف ومدى تعدد مستوياتها، وكذلك بالنسبة لتصنيف السلع وتبنيدها ومعدل الحماية الجمركية الفعلية المطبق عليها ومدى تقييد كل من البلدين للاستيراد عبر الإجازات المسبقة والحواجز الكمية وتعدد المصادقات وإجراءات التسجيل من قبل الوزارات المختلفة، هذا بالإضافة طبعاً إلى الأسس المرجعية المحددة لشهادة المنشأ والمواصفات والمقاييس وشهادات المطابقة ناهيك عما يتعلق بحرية انتقال الأشخاص والرساميل وحرية التملك والنقل والإقامة والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي وما يسري على هذه كلها من تباين في معدل وحجم الرسوم والضرائب والاقتطاع. كما تبدو الصعوبات جلية أيضاً في ما يتعلق بمدى توفر آليات للتسديد بواسطة خطوط الاعتماد المصرفية وبحجم ونوع الاستثناءات من أحكام بعض اتفاقات خصوصاً اتفاق تحرير تبادل المنتجات الصناعية والاتفاق الخاص بإطلاق تبادل المنتجات الزراعية. وينطبق الأمر كذلك على ما ينجم عن تباين مستويات الكلفة والأسعار بين البلدين من تشجيع لأعمال تهريب يصعب في معظم الأحيان ضبطها مع ما لذلك من آثار متعارضة على الطرفين. والشيء ذاته يطاول أيضاً سوق الاستخدام الذي يبقى، بشكل عام، عصياً على الضبط ضمن الأطر التشريعية والإدارية التي قد يتفق البلدان على خطوطها العامة، وذلك بسبب الاتجاهات الطويلة المد التي تحكمت بحراك القوى العاملة بين البلدين واكتسبت سمات ذات طابع بنيوي لا يسهل تغييرها بشكل مفاجئ أو سريع.

3 ـ 2 ـ تحرير التبادل: محصلة أولية

إن ما أنجز حتى تاريخه من المبادئ العامة للاتفاقات والبروتوكولات الموقعة بين البلدين لا يزال بشكل عام متواضعاً، وإن تفاوتت مفاعليه من اتفاق إلى آخر. ولعل أهم مؤشر يختزل محصلة مسيرة التعاون هذه، هو ذاك المتمثل في تطور الحركة التجارية بين البلدين بعد إقرار مبدأ حرية التبادل. والملاحظ على هذا الصعيد، بحسب المعطيات المتداولة للأشهر الثمانية الأولى من عام 1999، عدم حصول أي تغير جوهري في تدفقات المبادلات بين البلدين. لا بل أن بعض التراجع قد طرأ في ذلك العام، وربما كان ذلك عائداً إلى واقع تراجع معدلات النمو (وفي بعض الحالات تراجع مستويات الناتج المحلي) في كل من البلدين. ففي هذه الأشهر الثمانية سجل تراجع بنسبة 30.9% في مستوردات لبنان من سوريا بالتزامن مع تراجع بنسبة 17.4% في صادرات لبنان إلى سوريا، مقارنة مع أرقام الفترة المماثلة من عام 1998. وترافق ذلك مع تراجع مرتبة سوريا بين المصدرين إلى لبنان والمستوردين منها، ومع ثبات نسبي في تركيب الأصناف المتبادلة بين البلدين. ومع أن هذه الأرقام لا تعكس إلا جانباً من التبادل التجاري بين بلدين متجاورين ـ يتجاوز عدد الخارجين منهما والداخلين إليهما مليونين بل ثلاثة ملايين نسمة ـ إلا أنها تبقى ذات دلالة على محدودية حجم التدفقات السلعية النظامية بين البلدين.

3 ـ 3 ـ العراقيل البنيوية

قد يكون من غير الجائز اقتصار التقييم على ما انتهت إليه أرقام السنة الأولى من تطبيق اتفاقات تحرير المبادلات. وإذ ينبغي الإقرار أن العوائق التشريعية والإدارية والإحصائية وبيروقراطية أجهزة الدولة في البلدين تتحمل جزءاً من المسؤولية عن بطء تقدم مسيرة تنفيذ الاتفاقات، من الواضح أن العوامل الأساسية المعيقة تستوي في مجالات ومكامن اخرى، معظمها يرتدي الطابع البنيوي. ومن بين أبرز هذه العوامل التماثل النسبي في البنية السلعية للتجارة الخارجية للبلدين (إذا ما استثني قطاع النفط في سوريا) مع اختلاف بنيتها الجغرافية، والتماثل النسبي كذلك في بنية القطاع الصناعي الذي يغلب عليه، في كل من سوريا ولبنان، منطق إحلال بدائل للمستوردات. ومن بين هذه العوامل كذلك التباين الملحوظ في درجة انفتاح البلدين على التجارة الدولية وكذلك في مؤشرات العمق النقدي والمالي لاقتصاد البلدين (الكتلة النقدية الموسعة كنسبة من الناتج المحلي، والتسليفات المصرفية كنسبة من الناتج أيضاً)، إضافة إلى التباين في حجم ووظيفة القطاع العام في كل منهما، وتفاوت مواقف البلدين من موضوع خصخصة بعض أنشطة هذا القطاع. كما يشار في الإطار ذاته إلى عدم الوضوح الكافي حول مدى انسجام المواقف التفصيلية للبلدين إزاء موضوع الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ومشروع الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، والبرنامج السلعي والزمني لتحرير المبادلات وأنواع البدائل الضريبية التي قد يلجأ إليها البلدان لتعويض الانخفاض التدريجي لوارداتهما الجمركية.

4 ـ معالجات جزئية ام معالجات مستمدة من رؤى مستقبلية استراتيجية

إذا كان توقيع الاتفاقات بين البلدين أمراً يستجيب من حيث المبدأ لمصالحهما المشتركة، وإذا كانت مسيرة تنفيذ هذه الاتفاقات ـ عبر الوزارات والهيئات الرسمية والخاصة والعديد من اللجان الفنية والاستشارية المعنية بهذه المسيرة ـ تعتبر بالرغم من تواضع منجزاتها إيجابية في ذاتها كونها على الأقل شخصت بالتفصيل بعضاً من المعوقات الاقتصادية والتشريعية والإدارية التي تعترض عملية التنفيذ، فإن الجهود المستقبلية يجب أن تنصب بالضرورة على معالجة أسباب هذه المعوقات والحد من تأثيراتها السلبية. ويقيني أن المعالجة المطلوبة ليست مجرد «رصف» لإجراءات أو تدخلات جزئية في هذا الحقل أو ذاك من حقول التعاون المشترك ـ على ما في ذلك من ايجابيات نسبية ـ بل هي من النوع الشامل ذي الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية المتداخلة والمتشابكة. ومن دون الادعاء بامتلاك وصف دقيق ومفصل لمعالم هذا النوع من المعالجة، اكتفي في هذه المداخلة المقتضبة باستعراض توجهات ومبادئ أساسية أرى أنها تشكل على الأرجح جزءاً من هذه المعالجة.

4 ـ 1 ـ تكامل مشروط بتعميق نهج الاصلاح

إن التقدم الحثيث على طريق التعاون والتكامل الاقتصاديين مشروط إلى حد كبير بإطلاق عملية اصلاح واسعة النطاق في كل من البلدين، بدءاً من السياسة مروراً بالادارة والقطاع العام وانتهاء بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وفي عصر نواجه فيه موضوعياً تحديات العولمة والتحولات الدولية العاصفة المقرونة بها، علينا أن نحسم الموقف كالآتي: أن العمل على اعادة بناء قدراتنا الذاتية بما يتيح لنا تحسين شروط التكيف مع العولمة كظاهرة موضوعية لا أن نمعن في تجاهل هذه الظاهرة بحجة أن هذا التجاهل يحمينا من مفاعيلها. إن اعادة بناء هذه القدرات تتطلب، من دون شك، اصلاح الادارة العامة واعادة النظر في وظائف القطاع العام وانساق تدخلاته وآليات عمله ومؤسساته. وفي معرض هذا الاصلاح علينا أن نميز دائماً بين نهجين: نهج تصحيح هيكلي وتحرير اقتصادي وخصخصة، يرد إلينا كوصفات جاهزة تسوقها المؤسسات الدولية الدائرة في فلك التشكيلات السياسية ـ الاقتصادية المسيطرة دولياً، ونهج آخر نحدد نحن لبناته وآلياته ونمسك بمفاتيحه، حتى لو تضمن فيما تضمنه جانباً من آليات التصحيح والخصخصة (على غرار ما حاولت الصين توسله في معرض تكيفها مع العولمة). إن نهجاً كذلك، من دون أي تفريط بالدور الأساسي للقطاع العام، لا يمكنه قط الدفاع عن وضع للقطاع العام يغلب عليه طابع التوزيع البسيط للدخل والبطالة المقنعة والانتاجية الضعيفة والأجور التي تقل عن خط الفقر ناهيك عن المصالح الطفيلية التي تعيق موضوعياً عملية التنمية.

4 ـ 2 ـ نحو سياج جمركي يعزز التنمية ويحسن شروط التكيف مع العولمة

إلى جانب أولوية الاصلاح في كل من البلدين ـ كشرط للتقدم الفعّال على طريق التكامل بينهما ـ تطرح جملة من المسائل التي ينبغي امعان التفكير فيها تحقيقاً للهدف نفسه. وفي طليعة هذه المسائل فتح ملف نظام التعرفات الجمركية برمته، الذي تطور في كل من البلدين تحت ضغط مؤثرات مختلفة، بعضها حمائي وبعضها الآخر مالي وبعضها الثالث عائد إلى اعتبارات ظرفية أو إلى منطق المساومات التسووية بين الدولة ومجتمع رجال الاعمال أو بين هؤلاء أنفسهم. وفي مطلق الأحوال أصبح هذا النظام الجمركي غير خاضع، أساساً، للاعتبارات الاقتصادية بمعناها الأدق والأشمل. ولعله من المفيد في حالة لبنان وسوريا ـ حيث التماثل في بنية الصناعة التحويلية والبنية السلعية للمبادلات التجارية سائد إلى حد كبير ـ الانكباب على اصلاح هذا النظام وتنسيق آلياته ومندرجاته سورياً ولبنانياً، وصولاً إلى شكل من أشكال الاتحاد الجمركي الذي يراعى الخصائص الاقتصادية الأساسية للبلدين. وبالنظر إلى المفاعيل الموضوعية للعولمة وضرورات تحسين شروط التكيف معها، يمكن أن تراعى في معرض هندسة هذا الشكل من الاتحاد الجمركي، المسائل الحيوية المتصلة باحتمال انضمام البلدين الناجز إلى منظمة التجارة الدولية أو إلى مشروع الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية أو إلى غيرها من التجمعات. وفي مثل هذه الحالة، لا تعود قضية الانضمام مشروطة بادخال تشويهات اضافية على نظام جمركي مشوه أصلاً ـ في هذا البلد أو ذاك ـ تحت ضغط الاعتبارات الخارجية الداهمة، بل تصبح جزءاً من منطق اعادة بناء القدرات الذاتية عن سابق تصميم واستناداً إلى خيارات فيها قدر أكبر من الحرية والاستقلال للبلدين اللذين يفاوضان الأطراف الأخرى انطلاقاً من مدى اقتصادي ـ جغرافي أوسع وعبر سياسات تفصيلية مشتركة. وليس خافياً أن التزامن بين تحرير المبادلات بين البلدين من جهة والسعي إلى شكل من الاتحاد الجمركي من جهة أخرى، من شأنه أن يزيل الكثير من العقبات أمام التخصيص الأمثل للموارد القائم على الحساب الاقتصادي والميزات المقارنة والمنافسة. ومع أن هذا الاقتراح لا يطال، بصورة مباشرة، إلا الانتاج والتبادل السلعيين، فإنه يبقى جديراً بالاهتمام والدراسة، شرط أن يترافق مع بلورة اقتراحات فعالة ومكملة تطاول تطوير انتاج وتبادل الخدمات.

4 ـ 3 ـ نحو ربط أقوى لشبكات البنى التحتية

انطلاقاً مما سبق، وتحقيقاً للغرض ذاته ـ غرض تعزيز التعاون والتكامل في مصلحة الشعبين الشقيقين ـ يفترض صب الاهتمام على موضوع ربط وتشبيك ما يمكن ربطه وتشبيكه من مرافق البنى التحتية الأساسية للبلدين. بالطبع إن هذه مسألة شائكة وبالغة الدقة والتعقيد، بالنظر إلى أن شبكات البنى التحتية قد شيدت أساساً، في معظمها، انطلاقاً من المجال القطري لكل من البلدين. والمطروح هنا، بالتزامن مع تقدم تقسيم العمل وتوسيع المجال الاقتصادي المشترك للبلدين، هو دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لعملية ربط وتشبيك البنى التحتية، وإقرار التوجهات الاستراتيجية على ضوء نتائج هذه الدراسة، ومن ثم التدرج في تنفيذ تلك التوجهات مع تطور المعطى الاقتصادي والاجتماعي للحياة اليومية. وفي هذا الاطار، يمكن لقيام عدد من المشروعات الاقتصادية المشتركة والضخمة ـ بمبادرة ربما من هولينغ رجال الاعمال السوريين واللبنانيين ـ أن يلعب دوراً مهماً في تشكيل نقاط استقطاب ودمج للمجال الاقتصادي المشترك، وأن يعزز بالتالي عملية ربط وتشبيك مرافق البنى التحتية العائدة للبلدين.

4 ـ 4 ـ نحو نظرة اكثر تطوراً لتقسيم العمل بين البلدين

في اطار هذه الاصلاحات والتغييرات الهيكلية ـ تحسين الأداء العام للجسم السياسي واصلاح الادارة العامة ورفد منطقة التبادل الحر بنوع من السياج الجمركي وربط ما أمكن من شبكات البنى التحتية واستحداث مشروعات مستقطبة للمجال ـ تنشأ الظروف المؤاتية لقيام عقلانية اقتصادية من نوع جديد تحكم تقسيم العمل بين البلدين وداخل كل منهما، بخلاف تقسيم العمل الراهن المشبع، إلى حد معين، بمصالح محمية ومتوارثة تاريخياً، أو بمصالح ذات طابع طفيلي أو ريعي أو سلطوي. ولا بأس من الاقرار بصورة مبدئية، أن لسوريا ميزة واضحة في الحقل الزراعي، وإلى حد كبير في مجال العديد من الصناعات التحويلية المعتمدة على العمالة الكثيفة. ويفترض بالطرف اللبناني، مع تقدم عملية التكامل في المدى المتوسط والبعيد، أن يقدم تنازلات للطرف السوري في هذا المضمار، احتراماً لواقع الميزات النسبية الموضوعي. في المقابل فإن لبنان يتمتع بميزة واضحة فيما يخص العديد من فروع الخدمات، لاسيما الطليعية منها، كالمصارف والمال والتأمين والتسويق والترويج والاعلام والاعلان وإلى حد معين التعليم، اضافة إلى بعض الصناعات الأكثر انكشافاً على التكنولوجيا وأساليب التعبئة والتغليف والطباعة الحديثة. هذا مع العلم انه كلما نمت الزراعة والصناعة التحويلية السورية، ازدهرت بدروها فروع الخدمات اللبنانية المواكبة والمكملة لتلك النشاطات.

4 ـ 5 ـ التكامل ... ومستوى معيشة السكان

إن تتابع هذه الأفكار والاقتراحات ـ المعروضة أساساً للنقاش ـ لايمكن له أن يستوي، ما لم يفض إلى نهاياته المأمولة: تحسين الاوضاع المعيشية للسكان في البلدين. فالاوضاع الاجتماعية السائدة تعاني من اختلالات على غير صعيد بحسب تقارير التنمية البشرية الصادرة عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة: تفاوتات اجتماعية صارخة، مستوى منخفض للأجور، شبكات أمان اجتماعي محدود الفعالية، تعليم رسمي متدني المستوى، سوق عمل غير منتظمة مشاركة ضعيفة للمرأة في سوق العمل، سياسات ضريبية ذات أثر محدود على اعادة توزيع الثروة والدخل الوطنيين،.... إن تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، يفترض أن يكون متزامناً مع خلق الشروط المؤاتية لتحسين مستوى معيشة السكان والحد من مظاهر عدم المساواة والفقر والتهميش، وذلك تجسيداً لمبدأ المواطنة واحتراماً لحقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. وعلى سبيل المثال ينبغي أن يندرج شمول مواطني البلدين بأنظمة الضمان الاجتماعي في اطار الأهداف الأساسية لسياسة التكامل بين البلدين، ليس فقط لتوفير الحماية الاجتماعية للمواطنين بل كذلك لإضفاء مزيد من الشفافية والمنافسة المشروعة والانتظام في مجال الاستخدام.

إن الطابع الجذري للمشكلات التي يواجهها البلدان، قد فرض ـ وسوف يفرض ـ أن تكون مقاربة الحلول هي أيضاً متسمة بالطابع الجذري (اصلاح سياسي واقتصادي، رفد التبادل الحر بسياج جمركي، مشروعات ضخمة مشتركة لاستقطاب المجال، تشبيك وربط البنى التحتية، سياسات جريئة لإعادة التوزيع ..) ولا يقلل هذا من ضخامة الجهود التي بذلتها سوريا ولبنان في معرض التمهيد للاصلاح. فمنذ بداية التسعينات واهتمام سوريا منصب على محاولة تطوير الآليات والديناميات المحفزة لمناخ الاستثمار والانفتاح (توحيد تدريجي لأسعار الصرف، تحرير نظام التجارة والمدفوعات، السماح للمقيمين بحيازة ودائع مصرفية بالعملات الأجنبية، اقرار تسوية على الديون الخارجية مع المؤسسات الدولية المعفية، اصدار قانون الرقم 10/91 ومن ثم المرسوم الرقم 7 للعام 2000، السماح للمستثمر الأجنبي بإخراج رأسماله الصافي بعد خمس سنوات من بدء عقد المشروع ...). وينطبق هذا، وإن في ظروف وشروط مختلفة، على لبنان أيضاً، على الأقل في العامين المنصرمين، حيث اصدر هذا البلد مؤخراً برنامجاً للتصحيح المالي الخماسي، واتبعه بخطة خمسية للتنمية الاقتصادية.

وعلى أهمية هذه المحاولات الاصلاحية، المعلنة أو المطبقة هنا وهناك، فإن الظروف الدولية والاقليمية الداهمة، تفرض على البلدين تلمس رؤى تكاملية مستقبلية استراتيجية كي تنتظم في اطارها تلك المحاولات الاصلاحية وآثارها التراكمية، وتزداد بالتالي فعاليتها في المديين المتوسط والبعيد. وينبغي أن تطمح تلك الرؤى لإعادة صياغة تنظيم للمجال الاقتصادي والاجتماعي والبشري والثقافي في هذا الجزء من المشرق العربي، قائم على مرتكزات قوامها: بناء القدرات الذاتية ـ بما في ذلك خصوصاً الموارد البشرية والعلمية ـ واعدادها للمنافسة والانفتاح والتمكين التكنولوجي، مع الحرص على تحقيق قدر أكبر من العدالة والرفاه الاجتماعيين. وإذا كانت الواقعية تحثنا على اعتبار تطبيق هذه الرؤى أمراً صعب التحقق في المدى المنظور، فلماذا لا نفكر في سيناريوهات متوسطة لا تخلو من تحديات: انشاء منطقة سورية ـ لبنانية (شمال عكار، الهرمل، حمص مثلاً) تخضع لنظام قانوني خاص وترعاها محاكم تجارية ونظام نقدي ونظام تسليف وتشريعات عمل ونظام ضريبي قائمة بذاتها، ويجري فيها اختبار الانتقال من محاولات تكامل جزئية وربما ايجابية ـ ولكن دونها عقبات وعقبات ـ إلى محاولة كلية ومفتوحة على احتمالات التكامل في أقصى صيغه، ليصار مع كل تقدم في هذا المسار إلى نقل موجات واشعاعات هذا التكامل المتقدم إلى المجال السوري ـ اللبناني الأوسع الذي يفترض أن تكون الاصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة قد بدأت تعطي ثمارها فيه!!

د. كمال حمدان