![]() |
الظروف الموضوعية
المحددة للتمويل الإنمائي في سورية
تتأثر عملية
التمويل الإنمائي بظروف متعددة ناجمة عن الأوضاع المتعلقة بطبيعة الاقتصاد السوري،
وتأثير المتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة بالاقتصاد السوري، وهي ظروف سياسية
واقتصادية واجتماعية مؤسساتية ولربما ثقافية أيضاً، ونتيجة لهذه الظروف أيضاً
تتغير حجم القروض المصرفية وشروطها من حيث مساهمتها في الجهد التنموي الإنمائي،
وأهم هذه الشروط هي:
I-
الظروف السياسية الداخلية والخارجية
منطقة الشرق
الأوسط معروفة دولياً طوال سنوات القرن العشرين، باسم منطقة الفرص الضائعة، وهي
منطقة غير مستقرة تهب عليها رياح المتغيرات الدولية العاصفة نتيجة الاختلالات
المستمرة في توازنات هذا العالم والتغيير المستمر في توجهاته الاقتصادية والسياسية
وانعكاساتها على التوازنات المحلية، ولهذا فهي تعيش هاجس (الأمن) بشتى مفاهيمه
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية على الشكل الذي نراه
واضحاً جداً في لبنان، والسبب هو عدم شعور دول المنطقة وأنظمتها ومكوناتها
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالاستقرار والأمان ضمن حدودها، ولهذا نرى ذلك
ينعكس على سلوك البيروقراطيات الاقتصادية فالنفقات العسكرية والأمنية تتمتع
بالكثير م الأفضلية على حساب المشاريع الاقتصادية التي تهبط في سلم أوليات هذه
النخب إلى الدرجة الثانية ولربما الثالثة، كما يتم التضحية من حين لآخر بكل
المعايير الاقتصادية من أجل تعزيز البقاء، ولعل هذا ما دفع أحد المعلقين في جريدة
فرانكفوتر ألجيمانية الألمانية في أواخر عام 1999م إلى القول (إن المسألة لا تتعلق
بالطريق الاقتصادي الثالث، ولكنها تتعلق بالبقاء والصدارة)، فالبقاء كما حدده هيجل
هو المحرك الأول للتصرفات البشرية، والعيش في ظروف استثنائية يتطلب حلولاً
استثنائية، ولهذا نرى دوماً تحولات مفاجئة في اتجاهات التمويل الحكومي والإقراض
المصرفي من الإنماء الاقتصادي إلى تمويل النفقات الحكومية الجارية، أو إلى تمويل
الحروب وجهود التعبئة العسكرية
واستيعاب نتائجها التمويلية، وهذا ما يجعل كلفة البيروقراطية الاقتصادية والإدارة
الحكومية عبئاً كبيراً على الاقتصاد يتجاوز في بعض السنوات أحياناً الـ 30-40% من
إجمالي الموازنة لها، بينما المشاريع تزيد كلفتها بسبب الأوضاع الاحتكارية على
جانبي العرض أو الطلب، كما يكون سبباً في ميزانيات إضافية تتطلبها ظروف الحروب
الأهلية والإقليمية والتهيؤ لهما، ولا يمكن لاقتصادي عادي تفهم ذلك إلا إذا أدخل
الاعتبارات السياسية إلى ذهنه، أو عمل في مجالات الإدارة العليا للدولة، وبالتالي
فإن هذا الوضع يلزم الحد بين الجد واللعب، كما يجعل من أولوية أولويات التنمية
الاقتصادية والاجتماعية في دول كهذه شيئاً يحتمل الجدال الطويل، لأن أولويات رجل الاقتصاد تختلف عن أولويات ومعايير
رجل السياسية ومنطقه، فالمشكلة في عالم المتقدمين مشكلة مال وبناء ثروات كفى، أما
في عالم الجنوب حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، والتضخم بالانكماش،
والاجتماع بالاقتصاد، والحقيقة بالخيال، والحلم بالوهم، يجد منطق السياسة نفسه
يواجه منطق الاقتصاد في وضع شبه مباشر، ففي اقتصاد السوق لا مكان للمزايدات
الكلامية وإنما فقط للحسابات الاقتصادية أولاً والاعتبارات السياسية ثانياً
فالاقتصاد لا يحتاج للكلمات والطرق الدبلوماسية وأساليبها وإنما الإيمان بالعلم
والتكنولوجيا فقط، ففي الدبلوماسية قد يبدو من الممكن لكل الناس أن يعلنوا أو على
الأقل أن يدعوا الربح، أما في الاقتصاد فلا يوجد دوماً إلا طرف رابح وطرف خاسر.
II-
الاعتبارات الاقتصادية
تتعرض دول
عالم الجنوب التي تنتقل من أزمة لأزمة، لظروف اقتصادية قاهرة، منها شح الموارد
الطبيعية وقلة الموارد المالية، بالمطرح الضريبي محدود وبطيء الاتساع وكذلك
إمكانية النمو السريع في مستوى الدخل الفردي، بينما حجم ومعدلات زيادة السكان
والبطالة في تزايد هندسي، والقطاع العام عاجز وضعيف وغير اقتصادي، بينما القطاع
الخاص متروك بحالة تنافسية كتلك السائدة عادة بين أصحاب الدكاكين المتجاورة.
ولهذا كان
لزاماً أن تتعرض هذه الدول ومنها لجرعات متعاقبة من التضخم المستمر، قد يعلو فيصل
أرقاماً فلكية مثل 1600% أو ما ماثل ذلك ، وقد ينخفض ليصل 2-5% سنوياً، فالموارد
قليلة لأن الأقوياء سياسياً واقتصادياً لا يريدون أن يتنازلوا عن امتيازاتهم،
وأولها عدم التنازل عن مستوى وطريقة معيشتهم في الماضي ولا في الحاضر فحسب ولا في
المستقبل وثانيهما ما يعتقدونه أنه أولوية حقهم وحصتهم في الثروة الوطنية،
وثالثهما عدم دفع أكثر من ضرائب شكلية من باب ذر الرماد في العيون، بينما الضعفاء
اقتصادياً وسياسياً غير قادرين على توفير المطرح الضريبي الكافي –حتى
ولو حسنت نواياهم- لأن من الضروري
الافتراض أنهم يقولون هامسين في أعماق نفوسهم ولماذا ندفع ما دام الأغنياء لا
يدفعون؟ (فلا يوجد حدا أحسن من حدا). والدولة في هذه الحالة مضطرة في نهاية الأمر
إلى المال لتسيير شؤونها، ولا يبقى إلا اللجوء إلى مصرف الإصدار وطباعة النقد الذي
تمول به مشترياتها ومقومات وجودها وتخلق مسوغات البيروقراطية التي تديرها، ضاربة
عرض الحائط بآراء الاقتصاديين الفنيين سواء أكانوا من الموضوعيين أم من
العقائديين، أو اللجوء إلى مصارفها المتخصصة لمنح القروض لمن ينطبق عليهم مفهوم
المؤتلفة قلوبهم، وطرق غض الطرف عن ممارسات، يسميها الكثير من السادة والسيدات في
هذه القاعة بالفساد أو الإفساد المبرمج أو باللجوء إلى الاقتراض الخارجي. وقد كان
كل شيء ليبقى كما هو لولا أن ماء كثيراً مر تحت جسور الراين والسين والثيمس
والبوتمال والنيل والنيفا ويانجستي طوال هذه السنوات الطوال، مما جعل الآن واضحاً
أنه لا بد من التكيف مع المعطيات من جديد.
وهكذا كان
على البيروقراطية الاقتصادية في كثير من دول عالم الجنوب ابتداع الحلول وإخراج
طيور كثيرة من القبعة السحرية التي تلبسها، الأمر الذي اضطر البيروقراطية
الاقتصادية في كل الدول للجوء أخيراً إلى السعي للجم التضخم بتخفيض الإنفاق
والمديونية التي كانت السبب فيه عن طريق سياسة انكماشية صارمة، يقوم الناس
العاديون في كل بلاد العالم بدفع ثمنها، وهو كلفة برامج الإصلاح وإعادة الهيكلية
مثل تراجع الطلب الإجمالي، وتقلص الإنتاج وتفقر معظم السكان، وتراجع الاستثمار
الحقيقي وانتشار البطالة ومعها الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وفقدان السيولة
تباين الدخول، واضمحلال الحرية والعدالة معاً، والسقوط في دوامات التطرف والعنف
الأعمى نتيجة الصراع الاجتماعي بين مكونات المجتمع العمرية والدينية والعنصرية
والثقافية، في ظل ما يسمى اليوم بالركود التضخمي.
وبانقلاب
اقتصاد سورية مؤخراً من اقتصد طلب إلى اقتصاد عرض، هبط دور ارتفاع الكلفة
وعدم مرونة العرض في إحداث التضخم نتيجة زيادة الأجور النقدية عن الأجور الحقيقية،
وزالت فرص التضخم الساحب، وأصبحت ميزانية الدولة والتضخم الخارجي المستورد أهم
مصادر التضخم النقدي اعتباراً من عام 1996م الذي هبط معدله مع انخفاض الاستيراد
وتراجع الطلب الإجمالي، بينما استمر عجز الموازنة لأسباب يمكن تلخيصها بما يلي:
1- ضآلة
المطارح الضريبية، فالرأسمال يردي ليستثمر، والعمل يريد أن تزاد رواتبه وتعويضاته
وأجوره ليعمل، وكلاهما لا يودان دفع المزيد من الضرائب أساساً
2- التوسع في الخدمات
الاجتماعية شبه المجانية والتي تتركز في قطاع الصحة والتعليم والرياضة والثقافة
والخدمات الإدارية والقضاء وحماية البيئة وغيرها أي حوالي 23% من إجمالي النفقات
العامة، وتشكل هذه الخدمات المجانية عنصر ضغط على الموازنة العامة.
3- التوسع في تشغيل الأيدي
العاملة حيث اعتبرت سورية مؤشر التشغيل هاماً وأساسياً للقيام بالمشروعات العامة
وأو الخدمات الاجتماعية، الأمر الذي أدى لزيادة عدد العاملين في الدولة إلى الحجم
الحقيقي للأعمال بحوالي أربعة أضعاف فقد بلغ عدد العاملين في الأنشطة الإدارية
والمراكز والهيئات الإدارية حوالي 760 ألف موظف عدا العاملين في الشركات العامة
والمؤسسات الإنتاجية حيث يشكل هؤلاء حوالي 12% من السكان القادرين على العمل،
وحوالي 30% من عدد العاملين في الدولة والقطاع الخاص. وتبلغ رواتب وتعويضات
العاملين في القطاع الإداري حوالي 13% من حجم النفقات العامة في سورية.
4- التطور في خدمات الأمن
والدفاع: تشكل نفقات الأمن والدفاع إلى النفقات العامة حوالي 21% وهي نسبة مرتفعة
مقارنة مع الدول الأخرى التي لا تخصص أكثر من 10% من نفقاتها للجيش والدفاع.
5- الإعانات الزراعية: إن
سياسية الدولة الداعمة للقطا العام ولإنتاج الغذاء في البلاد دفع الدولة لتقديم
إعانات للمزارعين بهدف زيادة الإنتاج، حيث تقوم الدولة بشراء الحبوب من الفالحين
بأسعار مرتفعة تفوق الأسعار العالمية%، ناهيك عن الإعانات للقطاع الصناعي (السكر)
والإعانات لقطاع التصدير. وبالتالي تشكل هذه الإعانات حوالي /25/ مليار ل.س.
سنوياً وهي تشكل إلى الإنفاق العام حوالي 12%.
إن مجموع
هذه الخدمات والإنفاقات التي تقوم بها الدولة تشكل عنصر ضغط على الموازنة وتساهم
في زيادة العجز السنوي في الموازنة العامة مما يضطر الدولة لزيادة الإصدار النقدي
لتغطية هذا العجز وقد ظهر ذلك واضحاً في ميزانية مصرف سورية المركزي حيث تشكل
الديون السنوية للدولة مبالغ طائلة لإطفاء العجز إضافة إلى حصول الدولة على قروض
داخلية بسيطة من شهادات الاستثمار لتمويل العجز.
6- تمويل المصارف
المتخصصة: نظراً لانخفاض حجم الودائع المصرفية إجمالاً تقوم المصارف المتخصصة
بالاقتراض من المصرف المركزي لكي تمول خطة التسليف لديها، فقد بلغت الودائع في عام
1996 حوالي 41% من حجم الكتلة النقدية الموسعة وبالتالي تضطر المصارف للاقتراض من
المصرف المركزي. وتقوم هذه المبالغ المقترضة من المصرف المركزي عبر خطة التسليف
للأفراد والمؤسسات بضغط تضخمي جديد حيث تؤدي هذه الأموال لرفع معدلات التضخم عبر
زيادة الطلب الكلي، كذلك فإن المصارف المتخصصة التي لا تعتمد على الودائع في
الإقراض وتلجأ إلى المصرف المركزي تساهم بشكل مباشر في زيادة حجم الطلب الاستهلاكي
أو الطلب الاستثماري وتعتبر مسؤولة مع المصرف المركزي عن هذه الزيادة في حجم الطلب
التي تشكل ضغطاً تضخمياً جديداً في الاقتصاد الوطني، إلا أن الموقف اختلف مع حلول
1997 فأصبحت معظم المصارف السورية تملك سيولة كبيرة مع تراجع الطلب على الإقراض
بحيث أنها في عام 1999 لم تحتج إلا بحدود ضيقة جداً للتجهيز لدى المصرف المركزي.
7- سرعة التداول النقدي:
تعتمد سرعة التداول النقدي على الأوضاع الاقتصادية من رواج وكساد وعلى حركة الدفع
والقبض والبيع والشراء وأشكال دفع الرواتب الأجور والمستحقات وعلى فترة الإنتاج
والتصريف للمنتجات، وتعتمد سورية في دفع الرواتب والأجور على نظام الشهر الواحد
بينما يعتمد القطاع الخاص على نظام الأسبوع وأحياناً الشهر، وقد نشطت حركة التسليف
لتأخذ مفهوم الخميس أي يتم تسديد المدفوعات كل يوم خميس نظراً لانخفاض حجم سيولة
ولتباطئ حركة نمو الإنتاج خلا السنين المنصرمة.
8- زيادة حجم
الفجوة بين الطلب الكلي المحلي وما بين الدخل المتاح.
إن زيادة
حجم الاعتماد على القروض الخارجية لتمويل الفجوة بين الدخل المتاح والطلب الكلي في
سورية ساهمت في رفع معدلات التضخم خلال الأعوام 1993-1994-1995 لكن زيادة
التحويلات للعالم الخارجي بالطرق المشروعة وغير المشروعة أدت إلى انخفاض حجم
الفجوة بين الطلب الكلي والدخل المتاح وأدت إلى انخفاض في معدل التضخم.
9- ساهم خضوع حسابات
المصارف لضريبة التركات حتى صدور القانون رقم /4/ في 25/7/1998 القاضي بإعفاء
الحسابات المصرفية من ضريبة التركات الرغبة بعدم التعامل مع المصارف، وتضطر الدولة
لزيادة إصدار النقد لمواجهة عوامل نقص السيولة وبالتالي تساهم في زيادة معدلات
التضخم النقدي، وهذا ما جعل الاعتماد على عادات الدفع النقدي في التعامل (البيع والشراء)
شائعاً ما أدى إلى انخفاض حجم النقود الخطية والإلكترونية في الاقتصاد السوري.
ج- الأسباب
الاجتماعية:
كان
المستهلك السوري على الدوام بفضل السلع الأجنبية على السلع الوطنية بسبب الرغبة
بالنوعية العالية والسعر الأرخص أو للرغبة بالمباهاة الاجتماعية مؤدياً بالتالي
إلى زيادة الاستيراد على التصدير وارتفاع معدلات التضخم، وقد أدت السياسة
الانكماشية وظروف الركود التضخمي الحالية إلى انخفاض حجم الاستيراد وبالتالي إلى
اضطرار المواطن لاستهلاك السلع الوطنية، مما أدى إلى تخفيض الضغوط التضخمية بعض
الشيء ولكن التضخم ما زال مستورداً، وهكذا قفزت البيروقراطية الاقتصادية من
المقلاة إلى النار بسقوطها في سبات الركود.
ولا يزال
الوعي المصرفي ضعيفاً في وعي الجماهير السورية فلا تزيد حسابات الأطفال في السنة
لدى صندوق التسليف الشعبي عن جزء يكاد لا يذكر من عدد الأطفال المولودين، وإذا ما
قورن عدد الحسابات بعدد الأطفال
الذين لا يتجاوزون السابعة، وهو سن التمييز لم يزد عدد الحسابات عن نسبة 0.0015 من
عدد الأطفال.
د- الأسباب
الثقافية المحددة للسلوك والتعامل مع التمويل المصرفي:
ما يزال
الكثير من السوريين لا يحبون التعامل مع المصارف إلا مكرهين، فهم بحكم الثقافة
والظروف التاريخية يرمقون المصارف بأنواعها بشكوك عميقة وبحساسية شديدة تفرضها
عليهم قناعاتهم الدينية، ولا زال البعض وإن بدأ العدد بالتراجع في نهاية القرن ممن
يحبون أن يحتفظوا بمدخراتهم في بيوتهم على أن يضعونها في المصارف حيث من الممكن أن
تتلوث برأيهم بالمال الربوي الحرام، أو أن تتعرض للمصادرة أو المساءلة أو الحجز أو
الاقتطاع من قبل بيروقراطية اقتصادية متوالية لم تكن في عيون مواطنيها تقليدياً
عبر القرون الطويلة إلا جائزة ظالمة، وعلى هذا مازال الأفراد في سورية يفضلون
التعامل النقدي المباشر فيما بينهم (الدفع نقداً) بدلاً من الحسابات المصرفية وذلك
لتخلف آلية العمل المصرفي وللاعتقاد الديني بحرمة الربا حيث تدل دراسة لعمليات
صندوق توفير البريد على أن عدد الحسابات التي لا تحمل فائدة تبلغ 10% عام 1993
ارتفعت إلى 27% من إجمالي عدد الحسابات في ذلك العام 1988، وقد زاد البلة طيناً تخلف العمل المصرفي وطول
فترة الانتظار عند تحريك الحسابات الصرفية، وعدم وجود سوق مالية لتجميع المدخرات
الوطنية وتوظيفها في الصناعة والاستثمار مما يدفع المستثمرين للاعتماد على أموالهم
الخاصة عند إقامة مشاريعهم الخاصة EQUITY وانخفاض سعر الفائدة في سورية إلى أقل من معدل التضخم لسنوات
طويلة الأمر الذي ما زال يؤدي إلى عدم التعامل مع المصارف أو قلة الاعتماد عليها
حيث سعر الفائدة 8% - 8.5% بينما كان معدل التضخم والفجوة التضخمية تجاوز
الـ20-28% في سنوات كثيرة تلت الاستقلال ولاسيما الستينات والسبعينات والثمانينات.
أنماط التمويل
الإنمائي في سورية
الاقتصاد
السوري اقتصاد بسيط التركيب ومتذبذب معدل النمو واتجاهاته، وسريع الهشاشة على
المستوى الإجمالي، يسير مع الزمن نم أزمة لأزمة من حين لآخر على جانبي العرض
والطلب كمعظم الدول في عالم الجنوب، فمن أزمة الإسمنت إلى أزمة الدواء إلى أزمة
المخازين إلى أزمة الموز إلى أزمات القطع والتهريب وما رافقها من اضطرار المواطن
إلى استيراد كل شيء إلى أزمة الغازـ وهكذا دواليك، وعلى الرغم من اعتماد الاقتصاد
السوري على التصدير كبلجيكا، ولكنه لم يستطع أن يطور ثقافة تصدير كبلجيكا، لأسباب
نفسانية واجتماعية وتاريخية وثقافية يصعب شرحها هنا، أهمها الميل إلى الارتجال
وأنصاف الحلول على حساب الإتقان، ولهذا فهو بالمقارنة مع اقتصاديات دولة متقدمة
صغيرة كبلجيكا أو هولندا أشبه باقتصاد قرية لم يمر عليها الزمن إلا من وقت قريب،
ولقد شاءت الأقدار له أن يحكم عليه بالبقاء هكذا لأسباب موضوعية بحتة لا تتعلق به
ولكن بظروف وخصائص المجتمع المرتبط به والبيروقراطيات الاقتصادية المنبثقة عنه،
ولما كان شرح ذلك يقودنا إلى استغراق وقت كبير في جدال فلسفي منهجي لا طائل تحته
مع كل الذين يؤمنون بالمفاهيم الماركسية أو الدينية أو يهتمون بالاجتماع والثقافة
دون الاقتصاد، فأنا لهذا أكتفي هنا بالإشارة دون الشرح.
آ- التمويل
الإنمائي الذاتي Self-Financing
ما يزال هذا
النوع من التمويل يشكل قسماً هاماً من إجمالي التمويل، ولا يمكن معرفة حقيقة حجم
هذا القسم من الادخار إلا بطريقة الصوافي أو بطريقة التقدير بالعينة العشوائية،
كما لا تتوفر معلومات تفصيلية يمكن الركون إليها.
ب- التمويل
الإنمائي الذاتي بالاستعانة بالمصارف
على الرغم
من المعارضة المبدئية للتعامل مع المصارف للأسباب التي أوردناها آنفاً، تدفقت
أجيال ولدت مع استقلال سورية، قبلت مبدأ التعامل بالورق السوري كما كانت العملة
تسمى آنئذٍ، كما قبلت التعامل مع المصارف التجارية الخاصة والعامة المتخصصة بحكم
الأمر الواقع وفقدان البديل، واستحالة الطرائق القديمة في الادخار والاستثمار
وفقدان البديل الإسلامي، وهذا ما جعل المصارف منذ الأربعينات من القرن الماضي
هدفاً لودائع وشرائح كثيرة من الشعب تزداد اتساعاً، يجري إيداعها بفائدة ودون
فائدة، الأمر الذي يوفر لهذه المصارف دخولاً إضافية مجانية نتيجة عدم منح الفائدة
للمودع وتآكل ماله بالتضخم أحياناً وبالضرائب والرسوم أحياناً (فيما عدا صندوق
توفير البريد) أو نتيجة عمل كلاهما، وتتم عملية التمويل الإنمائي هنا عن طريق سحب
الودائع الشخصية والتجارية بالتدريج أو عن طريق الاقتراض عن طريق الشيكات وأذونات
الدفع من أجل الاستثمار التجاري في مشاريع تجارية أو صناعية صغيرة تتفاوت من شراء
دكان تجاري إلى إقامة مغسل آلي أو من أجل إقامة وتطوير مزرعة صغيرة أو شراء جرار
زراعي أو إقامة بناء للإيجار أو للسكن أو لتمويل شراء مواد أولية أو أسمدة للأعمال
الزراعية أو بهدف إقامة مصنع كبير أو سيارات للنقل والأجرة أو ما ماثل ذلك.
ج- تمويل
قطاعات الأعمال المنظمة وغير المنظمة
يتناول هذا
القطاع مجالات كثيرة، وينبع التمويل الإنمائي لهذه القطاعات من ادخارات عائلية
للمالكين ومن أرباح الشركات الفردية ومن الربح غير الموزع أي بعد تنزيل المبالغ
المقررة للمساهمين وبعد طرح الضرائب في قطاعات الأعمال المنظمة بغض النظر عن
ملكيتها، وهذه المدخرات تذهب واقعياً إلى الاستثمار الحقيقي على شكل توسعتا في
الأعمال التي تعمل فيها لشركات المعنية، كما تذهب بعض الاحتياطات إلى تلبية حاجات
الاستهلاك.
وتساهم
قطاعات الأعمال من خلال الملاءة المالية الكبيرة التي تتوفر لها في التمويل
الإنمائي لمجمل المجتمع عن طريق جذب ادخارات القطاع الأهلي مباشرة أو عن طريق
الاستقراض من القطاع المصرفي أو عن طريق أرباح عمليات المصارف فيما يتعلق بهذه
الأخيرة، وبذلك يكون هذا القطاع عادة أكبر المساهمين بعملية التكوين الرأسمالي في
الدول التي لا تعتمد التخطيط المركزي وأنظمة الحكم التدخلية الواسعة المدى، وللأسف
لم تستطع هذه القطاعات في سورية تحقيق الشيء الكثير في هذا المجال ولاسيما في مجال
السوق العالمية للرأسمال.
د- تمويل
نشاطات الدولة الإنمائية
يتم هذا
التمويل من خلال فائض إيرادات الدولة ونفقاتها، ثم من فوائض القطاعات الاقتصادية
المحولة إلى البيروقراطية الاقتصادية عبر صندوق الدين العام، ثم من المساعدات
العربية والأجنبية، ثم من القروض من الصناديق العربية والأجنبية للتنمية مثل
الصندوق الكويتي للإنماء العربي صندوق الدنقد الدولي والبنك الدولي.
جانب الطلب
في عملية التمويل الإنمائي
يعتبر
المناخ الاستثماري في سورية من أهم محددات عملية التمويل الإنمائي على جانب الطلب
من التمويل الإنمائي، والحقيقة أنني كنت قد أعددت بحثاً مطولاً عن هذا الأمر يقع
في 36 صفحة ولكن قصر الزمن المتوفر لهذه المحاضرة، ونزولاً عند رغبة جمعية العلوم
الاقتصادية في بقاء المحاضرة محصورة بالوقت المخصص وبحجم معينـ فقد تم اختصار هذه
المحاضرة وفق هذه الرغبة، ولهذا فإني أكتفي في تعداد ملامح هذا الوضع دون شرحها،
وتعتبر الأمور التالية من أهم ملامح الاقتصاد السوري عام 2000م: وهي على التسلسل
في الأهمية، عدم وجود سعر صرف موحد وعدم ثبتا سعر العملة، عدم توفر الإحصاءات
الموثوقة، الأوضاع المضطربة للقطاع العام، عدم وضوح السياسات الاقتصادية
للبيروقراطية، ضرورة تشخيص القطاع الخاص هل هو امتداد للقطاع العام أم أنه قطاع
مستقل، وتحديد العلاقة ما بين البيروقراطية وهذا القطاع، انتشار الفساد الإداري
وغير الإداري، تخبط السياسات الاقتصادية وغموضها، عدم كفاية البنية التحتية،
انخفاض الإنتاجية المتوسطة والحدية للعامل، شيوع اليأس والقنوط من أي أمل بإصلاح
حتى ولو كان يتضمن إعادة الهيكلة، وانخفاض مستوى التأهيل والتدريب، وانتشار
الثقافة المعادية للرأسمال.
كثير من
الناس متواضعوا الأهداف في هذه
الحياة، فكل تحسين في أضاعهم يعتبرونه تقدماً وإنجازاً، ولكنني أنتمي إلى
ذلك الصنف من الرجال الذين يريدون وطنهم أن يكون نموذجياً، ولهذا أنا لا أحب
المقارنة بالجوار لأشعر بالرضا ولكني أقارن بما يجب فعله لأصبح في مصاف دول
كالسويد والولايات المتحدة، فكل إنسان يقيس إنجازاته بمثله العليا وتصوراته للحياة
ومتطلباتها وأهدافها، ففي يوم ما كنت في الكويت مستشاراً للأمم المتحدة، فكتبت
لوزير التجارة والصناعة هناك تقريراً عن مستقبل الكويت بدأته بعبارة "الكويت
دولة تملك صناعة متقدمة بالنسبة للبلاد العربية المحيطة بها" فما كان إلا أن
رد علي بلهجة حادة وقال إذا كنت تقارننا باليمن فبئس المقارنة، قارنا يا سيدي
بإيطاليا وإسبانيا مثلاً، وهكذا كلما ارتفع مستوى المقارنة كانت النتيجة أكثر
تحفظاً وأقل راحة للنفس، وأنا أكرر هذا المثل لأني أريد أن أفهم محدثي أن التفاؤل
والتشاؤم مسألة نسبية، فكل يعيش في هذه الدنيا بطريقته، وكل على قدر الزيت فيه
يضاء ولهذا أريد أن تفهم النتائج أدناه وفقاً لهذه الخلفية:
أولاً: ملاحظات
فكرية اقتصادية عامة
1- سورية بلد محدود الإمكانات والثروات
الاقتصادية بالمقارنة مع دول نامية ولكنها كبيرة المساحة غنية بالثروات كأندونيسيا
والبرازيل حباها الله بثروات طبيعية كبيرة.
2- النفط والفوسفات والقطن
والحبوب والفواكه والصناعات المرتبطة بها وخدمات النقل والسياحة والتعليم والصحة
يمكن أن توفر لسورية مستوى حياة أفضل بكثير من الوضع الحالي، ويمكن لسورية تأمين
معدلات نمو مبدئية لا تقل عن 10% سنوياً في حال تصميم سياسة اقتصادية تهدف لتنمية
الاقتصاد قبل كل شيء، وأنا أكرر هنا كلمة اقتصاد، وليس تحقيق أهداف أخرى.
3- ثمة قضايا
أساسية خلافية الطابع لا يمكن تجاهلها مستقبلاً وأهمها ما يلي:
· زيادة
السكان بالمعدلات الهائلة وهي التي تتراوح ما بين 2و3% و3% حالياً.
· تحديد موقع
الاقتصاد على سلم الأولويات.
· نوعية
مكونات البيروقراطية الاقتصادية وطريقة عملها.
· الكلفة
الباهظة لهذه البيروقراطية الاقتصادية التي جعلت المجتمع في وضع أبعد ما يكون عن
التوازن، بسبب تفشي مظاهر وسلبيات الفساد من ناحية ومن حيث إشاعة تباينات الدخل
التي ستكون سبباً مستقبلياً في الحد من إمكانات وفرص الاستثمار والتنمية في سورية
خلال العقود القادمة من القرن الجديد.
· حل مشكلة
البطالة في الريف والمدينة.
· وضع حد للموقف
الغامض من الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية.
· تباين
المواقف الفكرية من المتغيرات الدولية مثل العولمة، والفكر الليبرالي، والموقف من
الخصخصة.
· البت في
قضية الكفاءة ومعها الحرية والسير على دروب الامتياز أولاً أما لعدالة الاجتماعية
والمساواة؟ إذ لا يمكن اقتصاد تصديري يقتحم الأسواق الدولية دون حسم هذا السؤال
بجواب يتوقف عليه مستقبل اقتصاد سورية.
4- تشكل
فكرة قيام الدولة بالدور الواسع شيئاً بديهياً في التفكير السوري العام والاقتصادي
خاصة لأسباب دينية وثقافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية وسياسية، فمعظم الناس فقراء
يبحثون عن فرص عمل لا يجدونها إلا عند رب العمل الأول في سورية وهي الدولة، ولا
عجب في ذلك فمعظم الاقتصاديين موظفون وعاملون في الدولة يعيشون على رواتبها
وهباتها ومنافعها المنظورة وغير المنظورة، وبالتالي فهم مع توجه الدولة سلباً
وإيجاباً ولو من حيث الظاهر وخلاف القناعة الذاتية، رغبة منهم بالاحتفاظ بمقومات
حياتهم على بساطتها حتى ولو تركت الدولة لهم حق الكلام وحرية التعبير، ففي الصمت
السلامة ومعها البقاء والاستمتاع بما يعطي نم امتيازات وحوافز تقديرية مهما كانت
في حقيقتها النهائية محدودة.
5- الأداء
التنموي السوري أداء محافظ جداً، ويفتقر إلى الديناميكية، والرؤيا، وهو عنصر غائب
في البيروقراطية الاقتصادية، فالصلة ما بين المجتمع الجامعي بعالم المال والاقتصاد
والتجارة الدولية شبه معدومة، والارتباط بالإنترنت ما زال حديث جداً وغير عملي
بالنسبة للكلفة والأداء، وكثير من المصطلحات ما زالت غير معروفة أو مفهومة بالنسبة
للكثيرين من العاملين في المصارف والقطاعات المالية، والجدير بالذكر أن سورية ما
زالت مدرجة بين الدول الخمسة والأربعين المعتبرة عدوة للإنترنت لعدم السماح بها
أولاً وبشكل مطلق الحرية وثانياً بسبب الاعتماد على مخدّم واحد Single server (راجع صوت أمريكا، 14آب1999).
6- إن أي
إصلاح جذري لمظاهر الفساد وسوء الائتمان وانعدام الحس المسلكي والشعور بالمسؤولية
يصطدم بانخفاض الرواتب والتعويضات، وقد أصبح من الممكن زيادة الرواتب مع تخفيف
الجانب الاجتماعي لعمل الدولة، وبالتالي أصبح من الممكن الآن توفير درجة أعلى درجة
من الحوافز الأفضل مع تخفيض مستمر في عدد الموظفين عن طريق جعل العمل أكثر آلية.
ثانياً: ملاحظات
اقتصادية تطبيقية
7- المطارح
الضريبية في سورية بحكم المستنفذة أو هي كذلك لحد كبير، ولا يكفي ما تبقى منها لسد
فجوة الاستثمار أو فجوة ميزان المدفوعات على المدى الطويل، فالعمل غير قادر على
الدفع بمستوى الأجور السائد، والرأسمال يردي ألا يدفع مساهماته في نفقات الدولة
بشتى الحجج، مثل الاستفادة المباشرة من خدمات مقابلة، وعدم عقلانية البيروقراطية،
وعدن كفاية البنية التحتية وسوء نوعية الخدمات التي تقدمها، وعدم كفاية التدريب
والتأهيل في معاهد الدولة، واعتباطية التكليف وعشوائية الجباية الضريبية، وعدم
وجود الحماية القانونية، والثقافة المعادية للرأسمال التي تدعمها البيروقراطية
الاقتصادية، بينما يؤيده الفكر المعاصر الذي ينساب عبر الحدود ويحيط بسورية من كل
جانب.
8- معظم
السوريين ما زالوا لا يتعاملون مع الجهاز المصرفي بسبب عدم الرغبة أو بسبب عدم
الحاجة ولحد ما يسبب عدم المقدرة، حيث أن مجموع المودعين في كل المصارف بما فيه
صندوق توفير البريد لا يزيد عن أربعمائة ألف مودع خاص بالحد الأدنى، أي ما يعادل
22/1 من السكان، أو 26/1 من الداخلين في حسابات القوة البشرية السورية عام 2000 ،
وهذا الرقم بحد ذاته إعلان بعدم الثقة بالنظام المصرفي بقدر ما يعكس انخفاض مستوى
الوعي المصرفي وأهمية المصارف بالنسبة لشرائح عريضة من المواطنين السوريين.
9- تساهم
القروض المصرفية الداخلية بما في ذلك صندوق الدين العام في تمويل التنمية السورية،
عن طريق خطة التسليف السنوية، وهي خطة لا
تتعلق بالمصارف بقدر ما تتعلق بتقديرات البيروقراطية الاقتصادية غير
الاقتصادية، وهذا ما يؤدي من حين لآخر إلى ارتفاع مديونية الدولة لدى المصارف،
ويساهم في إحداث التضخم.
10- لا
تساهم المصارف السورية حتى الآن مباشرة بمشاريع التنمية أو بمشاريع القطاع الخاص،
فيما عدا بضعة مشاركات غير موفقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد المحددة.
11- ادخارات
القطاع الأهلي كلها من نوع ادخارات اليوم الأسود، وهي قليلة الحجم بالمطلق وغير
مرنة ولا حساسة تجاه الفائدة، ولا يمكن الاعتماد عليها في أية عملية تنمية واسعة
المدى.
12- ادخارات
قطاع الأعمال التعاوني والمشترك ضئيلة جداً ولا يعتمد عليها أيضاً لتمويل تنمية
واسعة المدى على الشكل المأمول.
13- ادخارات
القطاع الحكومي محدودة بالقسم الإنمائي من الميزانية العامة للدولة، وهي في
حقيقتها ممولة بادخارات القطاع العام، ويتم تنفيذ الاستثمار الحكومي على حساب هذا
القطاع المسكين.
14- ادخارات
القطاع الخاص تذبذبت نسبتها إلى إجمالي الاستثمار في سورية حسب الظروف والسياسات
الحكومية، ويذهب أكثرها إلى الاستثمار مباشرة داخل وخارج سورية، ولا يستخدم القطاع
الخاص والقطاع المصرفي الحكومي إلا من أجل تسيير أعماله وبشكل عابر وغير مقصود من
حيث التمويل الإنمائي، فالثقة الفعلية بالبيروقراطية شبه معدومة في علاقة يشوبها
مشاعر الحذر المتبادل تاريخياً.
15- القطاع
المصرفي يتمتع بسيولة عالية الآن بسبب السياسة الانكماشية التي تتبعها
البيروقراطية الاقتصادية من أجل تثبيت سعر القطع.
16- لا توجد
أي نوع من أنواع المنافسة بين المصارف من أجل جذب الادخارات، فالمصارف السورية
صورة أمينة للبيروقراطية السورية وتشارك في التنمية من خلال خطط تعرف بخطط
التسليف، فهي محكومة بدور سلبي يسلبها حق المبادرة والإبداع الخلاق واستخدام الطرق
الاقتصادية في جذب المستثمرين.
17-
البيروقراطية الاقتصادية ما زالت تستخدم أدوات بيروقراطية في إدارة الاقتصاد وليس
أدوات اقتصادية كسعر الفائدة أو معدل الحسم أو عمليات مصرفية مفتوحة، وهذا يعني أن
الإدارة الاقتصادية ما زالت تدير الاقتصاد بالأوامر والقرارات والتعاميم، وهي
إدارة لم تعد تنسجم مع الواقع في العالم المعاصر طبعاً.
18- الادخار
في سورية من حيث الحجم المطلق لا يكفي لتمويل متطلباتها من الاستثمار الحقيقي، ولن
يكفي في المستقبل القريب، ولكن البيروقراطية الاقتصادية لم تستنفذ إمكانات هذا
الشعب بتشجيعه على الادخار.
19-
الاستثمار في سورية، هو المحرك الرئيس بالنسبة لعمليات التنمية، وهو الجانب الأهم
في عميلة التمويل الإنمائي يجب أن يصبح الشعار الأعلى والحافز الأول لكل نشاطات
إدارة اقتصادية كفؤة وفعالة، فالتمويل الداخلي السوري وصل ضمن الظروف المحبطة
للأمل وغير المحفزة لا للاستثمار ولا حتى للادخار في حقيقته إلى الذروة على مستوى
فئات الدخل الدنيا، وأنا لا أعتقد أن القوى الاقتصادية في سورية حتى تلك التي جعلت
منها البيروقراطية الاقتصادية امتداداً ظلي لها طوال كل هذه العقود الراحلة من
الزمن تزيد في الحقيقة أن تستثمر المزيد في سورية في إطار الظروف الموضوعية
السائدة، فالمردود محدود، والثقة غير متوفرة، يدل عليها الخلاف الخفيف مع
البيروقراطيات الاقتصادية والمالية الذي يتم التعبير عنه والخوض فيه تلميحاً على
صفحات الجرائد اليومية منذ أشهر أواخر العام الماضي ومطلع العام 2000م.
20- لن
تستطيع البيروقراطية الاستمرار طويلاً في سياساتها الانكماشية الحالية إلى مالا
نهاية، دون أن تعرض للخطر الكثير مما تود حمايته أصلاً، وأنا أعتقد أنها وصلت بها
إلى الطريق المسدود، فسياساتها هذه نتيجتها قتل الدجاجة التي تبيض ذهباً وهي الفرص
الاستثمارية بإلغاء مردودها الاقتصادي من ناحية ، وبقاء سعر القطع غير الموحد إلى
أجل بعيد جداً، وبالتالي فإن هامش المناورة سيصبح مع مرور الزمن أكثر فأكثر ضيقاً.
21-
الاقتراض من سوق الرأسمال العالمي وبمعدلات شروط شبه تجارية سيصبح قريباً البديل
والمنفذ، بعد أن كانت بالأمس المساعدات الدولية بالفوائد المخفضة، فالمسألة وفقاً
للطريقة التي تتبعها هذه البيروقراطية الاقتصادية مسألة وقت فقط.
22- كل شيء
يتعلق بمستقبل الاقتصاد السوري يعمد على كفاءة وخبرة ودراية إدارة اقتصادية تملك
قوة المبادرة ورؤى ذاتية تستطيع من خلالها إيجاد حلول تجمع ما بين الواقعية
والمثالية، فإذا لم يتحقق ذلك لن تكون محاولة إجراء إصلاح حقيقي مأمول في هذا
الوطن أكثر من سحابة صيف ممطرة أو زهرة ربيع وحيدة في صحراء قاحلة معادية، يعاد من
خلالها وبعدها تأكيد لحكمة مأثورة عن الآباء والأجداد رحمهم الله (ما فيش فايدة يا
ابني) وكلمات التراث المقدس (ولا حول ولا قوة إلا بالله).
23- لقد مضى
حوالي العام على محاضرتي حول الإصلاح النقدي والمصرفي في سورية في 13/5/1999 في
هذه القاعة، ولم تتخذ البيروقراطية الاقتصادية منذ ذلك اليوم أية خطوة مهما كانت
صغيرة باتجاه الإصلاح ناهيك عن التغيير في طرق عمل ذاك القطاع، أو أي شيء باتجاه
توحيد سعر للصرف قابل للصرف دون
قيود، ولا أظنها قادرة عليه رغم كل كلماتها المعسولة حول الموضوع لأسباب موضوعية
بحتة أهمها عدم توازن ميزان المدفوعات، وعدم استعدادها للنزول باحتياطاتها إلى
السوق للدفاع عن السعر، وهكذا فإن أوضاع الاقتصاد السوري ستبقى تراوح بالتأكيد في
مكانها على المستقبل المنظور.
إذا كان ينبغي على
الإنسان أن يكون كل ما يقوله صادقاً، فليس عليه أن يقول الحقائق كلها
الفيلسوف إيمانويل كانت
-
أسعد عبود "البؤس الحقيقي" الثورة الاقتصادي، شباط
2000م.
-
علي حمزة "تشرين" رجال الأعمال والعام 2000م.
-
عبد الفتاح عوض "تشرين" رجال أعمال كبار امتنعوا
عن تسديد ديون لمصارف لبنانية 5/1/2000.
-
أنيس حربا "الهدر" تشرين 5/1/2000.
-
فيصل أحمد "الشركات التجمعية إلى أين" تشرين
11/1/2000.
-
عبد الكريم أبي زيد "دبابيس" جريدة نضال
الشعب" أعداد متعدد عام 1999 و2000.
-
مداخلات متنوعة لبعض نواب مجلس الشعب تتعلق بميزانية عام
1999م وأحاديث مسجلة في مجلس الشعب.
-
رياض سيف
"هموم في الصناعة والسياسة 23/9/1999م، وأحاديث صحيفة عديدة بتواريخ عديدة.
-
بسام جعارة "السوريالية التجارية" الحوار
"والإصلاح الاقتصادي" 17 كانون الثاني وشباط 2000م.
-
علي كنعان "الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتضخم في
سورية حتى عام 1998م" غير منشورة.
-
ديرك شومر "في الشوق إلى قهر الساعة: إنسان العولمة في
دوامة الوقت "فكر وفن عدد 7- 1999م ألمانيا صادرة بالعربية.
- التقارير
السنوية للمصرف التجاري السوري 1987-1998م والمصرف العقاري، ومعلومات مستقاة من
الإدارات العامة لكل المصارف المتخصصة وصندوق توفير البريد في سورية.
- لن يبقى في
هذه الدنيا أيها السادة استقرار اجتماعي سكوني، لأن العولمة ستتكفل به بطريقة
"الهدم الخلاق" فكرة الاقتصادي النمساوي الأشهر جوزيف شومبيتر،
وكلنمات ديرك شومر،
-
مجلة فكر وفن الألمانية عدد رقم 70 السنة 36 العام 1999.
-
Dr M. Riad Abrash, Born
in Damascus, Syria. Graduate of Damascus Law faculty. Ph. D. (Eco) the
University of Muenster (Westf) Germany. Acted as Director of the various
departments of planning ministry of Syria UNDTC chief technical adviser for
planning and industrial studies in Pakistan, Deputy minister of State for
planning in Syria, UNIDO Industrial Economist in Kuwait, Chief technical
adviser of UNDTCD, New York, in Sudan Visiting Scholar in Michigan University
in Ann arbor, USA. Lecturer professor at university of Damascus for
Post-graduate on public management and bank analysis, International Adviser on
industrial planning and project financing, member of international societies.
In the realms of world future, human right, international development and
financing.
Tel/Fax 00963 11 2779989. E-mail Orincasd. Ymi.com.lb
في النهاية، لا يصح إلا الصحيح،
يقول المثل السوري، وتنتصر الحقيقة ولو بعد فوات الأوان (مثل ايرلندي)