القروض المصرفية والتمويل الإنمائي

"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين قهر الرجال"

ملأى  السنابل تنحني بتواضع، والفوارغ رؤوسهن شوامخ

شاعر غير معروف

إعداد: الدكتور محمد رياض الأبرش*

 

مقدمة

أيها السيدات والسادة الحضور

إني أود أن أعبر لأعضاء مجلس إدارة العلوم الاقتصادية عن أجمل مشاعر الامتنان والسعادة الغامرة لإقامتهم ندوة الثلاثاء الاقتصادي هذه السنة أيضاً التي تتبدى وكأنها عكاظ جديدة، استدركت كنقطة مضيئة من تاريخ رائع لنا مضى وأدبر – فهي توفر لكل باحث ومهتم بالأمور الاقتصادية العامة في سورية والخارج فرصة الاطلاع المكثف والمجاني على مجريات الأمور في هذا الوطن ومعرفة منجزات وردود أفعال ورصد مدى وأسباب تبدل لهجات خطابية ومواقف عامة وخاصة ما كان لمهتم أن يعرفها لولا هذه الفرصة الرائعة، فلهم الشكر مرة أخرى على هذا العمل الحضاري الذي ينجزه اقتصاديون متنافسون يختلفون فيما بينهم على كل شيء في هذه الدنيا تقريباً، اللهم إلا أنهم اقتصاديون، ولاسيما وقد جاءت هذه المرة تحت عنوان مؤثر ومهيب (الاقتصاد السوري على عتبة القرن الحادي والعشرين…قضايا تنتظر الحل…!).

كما أنني أشكركم على تجشمكم عناء حضوركم المميز والكريم إلى هذا اللقاء في هذه الأمسية الجميلة من شباط (فبراير) لعام 2000م.

والحقيقة أنني عندما كلفتني جمعية العلوم الاقتصادية بالكتابة حول هذه الموضوع، تناوبني كالعادة لأول وهلة مشاعر متباينة ومتتالية من السعادة والتردد، فأما السعادة فناجمة عن شعور عميق بالامتنان لتقدير يستحقون الشكر الجزيل عليه، وأما التردد فناجم عن الشعور بأنه كنت أعرف سلفاً أن علي لزاماً تبعاً لذلك أقضي أمام الحاسوب بضعة أسابيع في جهد مضن مجاني لا رحمة فيه ولا هوادة، يحسبه الآخرون مجرد كلمات تكتب، وسطوراً تملأ، وأوراق تقرأ، ثم ترمى في سلال القمامة لتذروها الريح، يقضي في التفكير فيما يمكن كتابته، ثم في إعادة كتابة النصوص مراراً وتكراراً الذي يضطر إليه رجل باحث من خريجي المدرسة الواقعية التي تطالب خريجها بأعلى مستويات الأداء الممكنة، بسبب كون المحاضرة ليست معدة للإلقاء في قاعة من قاعات جامعة مونستر أو كييل أو برلين أو ستوكهولم أو إحدى الجامعات الأمريكية، وإنما لتداول محيط يتساءل عن جدوى مثل هذه المحاضرات ما دام الناتج عنها دوماً هو اللاشيء، وما يلبث أن ينسى الناس الجهد المضني الذي بذل بدون طائل، فوسط هذه الظروف يصبح هذا الجهد المجاني المبذول في إعداد هذه المحاضرة مؤلماً بشكل مبرح، بسبب الشعور العميق بعبثية الأشياء من جهة، ونتيجة الاضطرار المتواصل لإعادة شرح مكرر لهذا المحيط يقول: إنه الوطن أيها السيدات والسادة الأجلاء، وطن الأجيال الصاعدة، وطن لم يراهنوا لأنفسهم أو لأبنائهم أو لأحفادهم عن وطن آخر.

ولهذا عندما اختارت جمعية العلوم الاقتصادية لي هذا العنوان حسبت لأول وهلة إنني قد فوت أخيراً بموضوع اقتصادي فني بحت يغني رجلاً مثلي هذه المرة عن التماحك غير المجدي وحتى ولو من بعيد والذي لا يثير في نفسي إلا الكثير من الملل ولواعج الأسى مع بيروقراطية اقتصادية ملأها مرور الزمن الطويل بالتيه والزهو النرجسي فأصبحت تسير في الأرض مرحاً، وهي تحسب أنها تحسن صنعاً، تريد أن تسمع فقط، ولكن لا تحب أبداً أن تستمع إلا من باب رفع العتب ليس إلاّ، وبكثير من الامتعاض والانزعاج ونفاذ الصبر والتململ الساخر – على الرغم من أن إعداد هذه الدراسات يحتاج عادةً لمئات ساعات العمل المضنية، وكون الحقيقة الموضوعية التي يدافع عنها منيرة واضحة كالشمس، بسيطة كالسهل الممتنع مماثلة في حقيقة الأمر لعلم الرياضيات الذي لا يرضى بحد ذاته صديقاً ولا يرضي عدواً.

 

أيها السيدات والسادة الكرام

وهكذا ما بدأت سعادتي المبدئية أن تلاشت حين وجدت أن إعداد هذه الدراسة عن القروض المصرفية والتمويل الإنمائي في سورية لا بد من أن تقودني في نهاية المطاف وعلى الرغم مني بدون أدنى شك من جديد إلى مجالات الإحراج الشديد باضطراري لمناقشة أوضاع هذا الاقتصاد الذي ضحت به هذه البيروقراطية الاقتصادية ببساطة ما بعدها بساطة فأرسلته بعد موجات كبيرة وجرعات متتالية من التضخم والانكماش في إغماءة كبيرة تزداد عمقاً، من أجل استقرار اقتصادي ومالي موهوم، بمعنى أنه متهاوٍ وقابل للتداعي، في أول فرصة ترفع يدها عنه وتتركه في نهاية الأمر، وقبل مرور عشرة سنوات أخرى لاقتصاد السوق الحرة وفقاً للاتفاقات الدولية حينما تأزف الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة، وتحل استحقاقات اليوم الموعود في اتفاقات الشراكة والتعاون والتجارة الحرة مع لبنان والعرب وأوربا والعالم.

والبيروقراطية الاقتصادية لا تقول دوماً ما هي سياساتها تجاه ذلك، وهي من أجل القيام بالمناورات بحرية تلوذ بالصمت المطبق، وإذا تكلمت غمغمت الكلمات، تاركة للمستقبل الاقتصادي – إرثاً ثقيلاً لا يحسد عليه أحد فهي ما تزال تعيش أوهام التخطيط المركزي الشكلي والبيروقراطي المركزي الذي غربت أيامه وضحلت ينابيعه أو جفت في عالم العولمة والحاسوب والإنترنت، كما لو أن شيئاً في هذه الدنيا لم يتغير ولهذا فحين قال أحد السادة الذين تعاقبوا على هذه المنصة هنا "لا يمكن بناء بيت جديد من حجارة قديمة"، ثم قال –وأنا أستخدم تعابير المعقب في 1/2/2000م الحرفية- إلى "أن بعض كادرات الحاضر ترى، أو على الأقل تخشى ألا تكون مفاهيمها ومؤهلاتها وخبراتها صالحة أو مناسبة للمناخ الجديد وبالتالي ألا يتاح لها دور في المناخ المقبل، أما بعضها الآخر فيعلم أن مركزة القرار تعني له مركزة المنافع ولن يتخلى عنها ما أمكن، وأعتقد أن هذا يفسر المناخ المتحفظ في وربما المعادي الذي تواجهه التجربة في سورية"، وجاء أحد مدراء الصناعة بعد ذلك مطالباً عن صفحة تشرين في 8/2/2000م بتغيير دور الدولة الاقتصادي وتأليف (مجلس استشاري اقتصادي) مثلث الزوايا (بيروقراطية، رجال أعمال، عمال) أرجو لو تحقق ألا يكون في حقيقته صورة منقحة ومزيدة للجان، أو لمجالس عليا بقيت أهم وظائفها إعطاء التغطية اللازمة لتسويغ أعمال البيروقراطية الاقتصادية التي أدارت الاقتصاد حتى الآن فوصل إلى ما وصل إليه، فشعرت بأن من الأفضل لي الجلوس براحة وهدوء في مقعدي والاستمتاع بدفئه والامتناع عن التعليق عليهم، أنني شعرت أخيراً بالقناعة أن كل شيء يمكن فعله لهذا الاقتصاد أصبح الآن معروفاً ومفهوماً للجميع بحكم قوانين الأشياء، ولم يعد هناك شيء يمكن فعله لشرح لمستزيد فما واجهته في هذا المجال تجارب يوغسلافيا في الخمسينيات وتجارب الجزائر في الستينيات ثم تجربة مصر في السبعينيات لقرن رحل، فقد أصبح كل شيء مع مرور الزمن واضح بما فيه الكفاية مما لا يحتاج لمزيد من الكلمات يضيفها رجل مثلي تعلم أن يوجز ما يقول في أقل الكلمات والتعابير، وهذا يعني أيها السيدات والسادة، أن كل كلمة إضافية تقال حول هذا الموضوع أصبحت مضاعة تماماً وفقاً لمبادئ التحليل الحدي في الاقتصاد وعلى الشكل الذي تحدثت عنه كلمات رجل فيلسوف إنكليزي رائع القول وهي: "كل شيء أيها السيدات والسادة قد قيل الآن في هذا الموضوع، فنحن قد جئنا إلى جلسة المناقشة هذه متأخرين جداً، فقد مضى نحو سبعة آلاف سنة منذ بدأت البشرية بالتفكير فيه" (راجع كتاب بالفرنسية مفاتحات النفس 1985م).

 

أيها السادة والسيدات الحضور

لم يقل الذين اختاروا الموضوع لي –مشكورين طبعاً- ماذا يريدون حقيقة مني أن أتكلم عنه، فالعنوان يوحي بالكثير الكثير مما يصلح لكتابة عدة أطروحات دكتوراه في علم الاقتصاد أو لعدد من المحاضرات، هل يعنون القروض المصرفية الخارجية التي اقترضتها البيروقراطية الاقتصادية من الخارج أي من دول ومنظمات دولية، أم القروض المصرفية الداخلية التي حصلت هذه البيروقراطية عليها من مصارفها هي لغايات إنمائية؟، ولربما نسوا أو تناسوا –إذا كانوا قد عرفوا- في إطار لرأسمالية المنتفعين التي بدأت منذ التسعينيات من القرن الماضي تسود عالم الجنوب تختلط الأشياء والأمور وتتوحد، وتصبح الرؤية الواضحة صعبة جداً، إذ لا يمكن لإنسان أن يحدد المسافات والرؤى بدقة ترتجى، ففي ظلال الشفق والغسق المعتمة التي تعبر فيهما ومن خلالهما رأسمالية الدولة العقائدية لتتحول إلى رأسمالية للمنتفعين، كما يجب أن يسميها الماركسيون والمتمركسين الولعين والمغرمين بتحليلاتهم المستندة إلى فكرة التبعية، تصبح الحقيقة شبه حقيقة ويختلط العام بالخاص، ويصبح العام شبه عام والخاص شبه خاص وبالعكس، والاثنان على قدم المساواة من الضرورة والأهمية والمشروعية، ويملك القاضي في ظل هذا النوع من الرأسمالية في جيبه حكمان، واحد لصالح طرف وآخر لصالح الطرف الآخر، بينما القانون وهو الحاضر الغائب في إطار رأسمالية المنتفعين مسلط بزاوية 45 درجة بانتظار التحرك المطلوب صعوداً أو هبوطاً على ضوء الضرورة والحاجة فرأسمالية المنتفعين هبيلا شك نوع من الرأسمالية ولكن بدون رأسماليين يؤمنون بالربح والتراكم والتنافس في إطار آليات قوانين اقتصاد السوق وبضرورة الحريات الواجب توفرها فيه بقدر ما يؤمنون بالكسب، والفارق اقتصادياً كبير بين الربح والكسب، تماماً كما لو كان الأمر سابقاً في ظل الاشتراكية الواقعية أو رأسمالية الدولة في شرق أوربا مجرد مظاهر اشتراكية ولكن بدون اشتراكيين، هكذا يرى المتتبع لبواطن الأمور في معظم دول الجنوب كافة الأشياء والنماذج العصرية والعريقة المعروفة في هذا العالم المتمدن وهي تتحول إلى مجرد أطياف وخيالات لواجهات وأوهام تمتد طولاً من وجهة نظر علم الرياضيات مع حدة زاوية الظل الرياضي، فكل شيء موجود شكلاً وغير موجود مضموناً ففي ظلال رأسمالية المنتفعين السائدة في معظم دول الجنوب التي تمتد على طول خارطة التخلف وعرضها لا يبقى للكثيرين من الرومانسيين والمثاليين وأصحاب المدن الفاضلة والرؤى وأصحاب الضمائر والأخلاقيات وكل من يبحث عن الكوامل في عوالم النواقص سوى الاستمتاع بكل هدوء وصمت بالإحباط والكآبة وبأحلام تنقلب أوهاماً، ولا يبقى للأغلبية الصامتة في كل تلك الدول القابعة يومياً وراء أجهزة التلفاز أو الإذاعة سوى التنقيب بعصبية في الموجات القنوات الكثيرة متعددة المصادر والأهواء أو تقليب النظر في صفحات الجرائد بتململ لعلها تجد هناك من طرفة يمكن لها أن تتندر بها في أيامها الطوال المشبعة بأهواء الفراغ والخواء الفكري، أو لعل هناك من خبر مستجد أو حديث مثير جديد يعزيها عن تذكر فرط الفقر والحرمان والفشل والتهميش الذي تعيش فيه، أو يصرف عنها الملل والقنوط.

ج

أيها السيدات والسادة الحضور

لربما هناك ثمة من يسألني، كيف يؤدي الحديث عن القروض المصرفية والتمويل الإنمائي إلى البحث في الاقتصاد ككل، والجواب أن الاقتصاد كالجسم الإنساني كلٌّ مترابط، يتداعى لبعضه بالسهر والحمى، وهكذا حال التمويل الإنمائي،فهو يعتمد على ادخارات قطاعات معروفة مثل القطاع العائلي وقطاع رجال الأعمال وقطاع الدولة، والادخار بدوره يعتمد على مستوى الدخل المطلق والنسبي لدى شرائح المجتمع التي يتجه معظمها الآن باتجاه الفقر النسبي والمطلق والمستقبل المجهول، كما يعتمد على مدى ثبات العملة ودرجة تلاؤم معدل الفائدة مع حقائق السوق من ندرة نسبية للرأسمال وتضحية للمدخر، ومعدل التضخم أو الانكماش،وأوضاع المصارف ومن بحكمها وسياساتها، وسعر الفائدة الأصلية ومعدل الحسم لمختلف أنواع القروض متفاوتة المدد، وهل التمويل يتم بالقروض أم بالادخارات الحقيقية، وهل يتم من أجل سد عجز الموازنة العادية أم من أجل التمويل الإنمائي، وهل يتم في مشاريع البنية التحتية أو الفوقية، وما هي حجم ارتباطاته بسياسات وإيحاءات المنظمات الدولية التي توفر التمويل لقسم عمليات الإنماء الأساسية في هذه البلاد، وهل يتم الاستفادة بشكل فعال واقتصادي من القروض والفرص المالية المعروضة أم لا؟ وهل يتم تصديق البرامج المتفق عليها مع تلك الهيئات في الوقت المحدد؟ ولماذا لا يتم الاقتراض من الشعب علناً؟ أليس هو صاحب الحق في معرفة أين تصرف أمواله؟ ولماذا تفضل البيروقراطية الاقتصادية الاقتراض من جيوبه سراً وعلى غفلة منه ودون أن يدري عن ذلك شيئاً؟ وهل يتم التمويل من خلال خطط إنمائية وبالتنسيق بين القطاعات الوظيفية؟ وهل يخلق هذا التمويل فرصاً إنمائية حقيقية وفرص عمل كافية أم لا، لماذا، وإلى أي حد يتم هذا التمويل على أسس اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية؟، وما هو تأثير ذلك على إمكانية خدمة الدين ودون الاضطرار للتقشف وبالتالي لتململ المواطنين الذين يعاني جزء لا بأس به منهم من البطالة والفقر، ثم هناك المناخ الاستثماري، فالتمويل الإنمائي مرتبط كلية بهذا المناخ، والمناخ مرتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية، وهذا هو السبب الذي اضطررني لمناقشتها هنا في سياق هذه المحاضرة وعلى هامشها ولو على عجلة.

القروض المصرفية والتمويل الإنمائي

أيها السيدات والسادة الحضور

التمويل الإنمائي ليس علماً ,غنما مفهوم علمي لعملية إجرائية علمية الأساس تقوم بها البيروقراطية العاملة في مجال التنمية والمالية العامة والاقتصاد، وهي تتألف بحكم اسمها من شيئين:

أولاً- التمويل ذو الطبيعة الطويلة أو المتوسطة الأجل بحد ذاته الذي يهدف إلى نقل ادخارات المواطنين الطبيعيين والقانونيين أو الاعتباريين في دولة ما لاستثمار حقيقي يهدف على المستوى الاقتصادي الإجمالي وتحقيق تكوين (تراكم حسب التعابير النظرية الماركسية) رأسمالي إيجابي وحقيقي بمفهومه المتعارف عليه دولياً، وذلك عبر ما يسمى اقتصادياً بضارب النمو ومسرع الاستثمار الذي يستدعي الاستثمار بخلقه الفرص الاستثمارية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الاستثمارات التي هي محرك التنمية في كل المجتمعات، أي إلى زيادة وتوسع الكتلة أو القاعدة الرأسمالية في مجتمع ما أو إلى زيادة في مخزون المؤسسات الإنتاجية من البضائع والسلع الجاهزة في المخزون أو المواد الأولية اللازمة للإنتاج الفوري، ويشمل ذلك على أرض الواقع أيضاً الإضافات إلى الإنشاءات القائمة والمباني والطرق والسكك الحديدية والمطارات والصوامع والمخازن ووسائل النقل المرتبطة بعملية الإنتاج أو إعادة الإنتاج، ويدخل ضمن هذه النفقات نفقات الترميم والصيانة والتجديد، وكل ما يرفع من قيمة الأصل الحقيقي أو يزيد من عمره التقني أو عمره الزمني أما نفقات التي تنفق على تحسين مستويات التعليم والصحة والخدمات الثقافية أو العامة فلا تدخل ضمن هذا المفهوم.

ثانياً- الإنماء أو التنمية ويعني بها هنا التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، والتنمية إيجابي تجمعي يقوم به المجتمع ممثلاً بالدولة أو بقواه المنتجة الأخرى أو بهم معاً هدفه إحداثه تغيير إيجابي مستمر ينقل طبيعة وأسلوب وقدرات المجتمع والأفراد من حال قائم لحال أفضل عبر الزمن أي خلال مدة معينة منه، بواسطة الاستثمار الحقيقي لا المالي طبعاً، وأنا لا أريد هنا أن ألقي محاضرة نظرية جامعية حول تعريف  ومضمون هذا الأمر، فأنا أظن أن من بين الحاضرين زملاء وأشخاص كثر في هذه القاعة ممن يريدون بتلهف لإغناء هذا البحث بالتعليق عليه ولربما إعطائنا دوراً فيه أو حوله، ولهذا أترك تحديد شمولية ومضمون الموضوع لتعقيب زميلي الدكتور علي كنعان ومدخلاتكم حوله، مكتفياً بنظرة إجمالية على مختلف جوانب الموضوع كما تواجهه سورية.

ولنبتدئ بالتمويل، فالتمويل اقتصادياً يتم في كل دقيقة من عمر المجتمع، ولهذا جانبان: جانب العرض ويمثله الادخار بمصادره المختلفة وجانب الطلب ويمثله الاستثمار بأشكاله المختلفة.

أما على جانب العرض، وهو جانب الادخار فهناك مصادر ثلاثة:

·     الادخار المحلي

أولاً- الادخارات الأهلية أو الشخصية

وهي تتألف من قسمين:

أ‌-  ادخارات تتم لما يسمى باليوم الأسود كما يقال شعبياً، وهي غير مرنة تجاه تقلب معدل الفائدة بالأصل أياً كان معدل الأخيرة، وقد قدر إجمالي هذه الودائع في سورية 35.3 مليار ليرة سورية لدى صندوق توفير البريد خلا الفترة من عام 1963-31/12/1999 أي بمتوسط سنوي قدره مليار و16 مليون ليرة سورية، منها 9.6 مليار ليرة سورية خلال الأعوام 1963-1994، أي بمتوسط قدره 300 مليون ليرو سورية تقريباً سنوياً، و25.7 مليار دولار خلال 1994-1999م أي ما يعادل أربعة مليارات وربع بالسنة الواحدة تقريباً، إلا أن صافي الودائع في صندوق توفير البريد كان في نهاية عام 1999م حوالي 7.4 مليار ليرة سورية أو ما يعادل 148 مليون دولار فقط لا غير، وهذا يشير إلى سرعة التداول، واتجاه واضح نحو حسابات تحت الطلب أكثر من اتجاه نحو الادخار الطويل الأجل، ولا توجد حتى نهاية القرن الماضي خطة للتسليف لصندوق توفير البريد، وبالتالي لا حاجة به لتمويل أو تجهيز من المصرف المركزي، وتشكل أرباح الصندوق من الحسابات بدون فائدة قسماً جيداً من إجمالي الأرباح، حيث أن هذا النوع من الحسابات واتجاهها نحو الزيادة من حيث عدد الحسابات أمر له دلالته، ويجري استثمار موجوداته بفائدة 8.5  في صندوق الدين العام، وقد قام الصندوق ببعض المشاركات في تاريخه مثل مشاركته المؤقتة مع شركة الكرنك للنقل والسياحة بدمشق، وشركة الشرق للسياحة والسفر (قطاع مشترك) بنسبة 45%، وشركة باب الفرج للسياحة والفنادق بنسبة 10%، ويقوم الصندوق بتدريب موظفيه وعماله بنفسه، كما يملك مستوى متقدماً من التكنولوجيا بالنسبة لمصارف أخرى، ولا ينافس هذا الصندوق على زبائنه إلا مصرف التسليف الشعبي، ولو بدون أن يذكر، إذ لا يقوم أي من الطرفين بجهد تسويقي يستحق الذكر، فكلاهما ينتميان في نهاية الأمر للدولة والقطاع العام، ولا يوجد أي حافز أي منهما للسير على دروب امتياز، ويملك مصرف التسليف الشعبي في مطلع القرن الحادي والعشرين نحواً من 30 ملياراً من الليرات السورية من الودائع وحوالي 30 ملياراً من الليرات السورية أخرى مودعة على شكل شهادات الاستثمار يملكها كل من المودعين من القطاع الخاص والمصرف نفسه (أي ما يعادل 1200 مليون دولار)، وكلا المبلغين يشكلان أهم التزاماته، ويعود المودعون فيه إلى شتى طبقات المجتمع وفئاته دونما تحديد دقيق، وهم بمعظمهم من القطاع الخاص، الذين يقبلون مثل القدر الفائدة المعطاة من البيروقراطية تحديداً وهي 8-8.5%، وهو ينفذ خططه الاستثمارية والتسليفية بنسب عالية، وهو لا يحتاج إلى الاستعانة بالمصرف المركزي نظراً لفائض السيولة الهائل، كما يقوم بتدريب موظفيه، ولكنه كمثل المصارف الأخرى بحاجة إلى الانطلاق على درب الإدارة بالأهداف إن كانت البيروقراطية الاقتصادية تنوي تشميل المصارف التي تملكها بها.

ويتوفر لمصرف التجاري السوري قانوناً دور مهم في تمويل الخطة الإنمائية أو الاستثمارية للدولة، وهو مع ذلك يتعامل مع كل أنواع المودعين بغض النظر عن خلفيتهم الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي يفترض أن هذا المصرف لا يتعاون مع الفئات الشعبية التي تملك هذا النوع من الادخار بعد أن تمكن المصرفان الآخران وهما صندوق توفير البريد ومصرف التسليف الشعبي من تأكيد ذاتيتهما غريزياً في شتى أنحاء سورية، وبالتالي فإن دوره في اجتذاب هذا النوع من الادخار محدود جداً، وكذلك لا علاقة لكل من المصرف العقاري والصناعي بها من حيث المبدأ…

ب‌- ادخارات أصحاب الدخول الدنيا والثروات المتوسطة أو الدنيا، وهؤلاء بحاجة إلى دخول إضافية تدعم دخلهم، بحيث تبقيهم على سطح الماء وتسمح باستقرار بالاستماع بحباة لائقة بالثروة التي ورثوها عن أهاليهم أو جنوها بجهدهم الخاص، ولهذا فهؤلاء لا يرغبون بالاكتفاء بالفائدة المصرفية خاصة إذا كانت من النوع الجامد وغير الحقيقي الذي حددته البيروقراطية الاقتصادية التي تستمتع بابتخاس الناس أشياءهم، وهي في هذه الحالة مدخراتهم والواقع أن قلب البيروقراطية على قلب هذه الشريحة من السكان كما يقول المثل الدارج، ولهذا نرى واضحاً أن هذه الشريحة لا تثق بتصرفات البيروقراطية الاقتصادية أساساً ولا ترغب حتى بالتعامل مع مصارفها، ولا تؤمن إلى اليوم بصحة توجهاتها الاقتصادية رغم كل ما يقال، والأهم أنها لا ترغب بالتعامل بالفائدة المعتبرة بمثابة ربا، وبالتالي فهي لا تحب التعامل مع المصارف الحكومية أصلاً وقد كانت النتيجة أن أخطاء البيروقراطية أدت في نهاية الأمر إلى ضياع ثروة قدرها 15 مليار ليرة سورية أي ما يعادل 300 مليون دولار مقتلعة الأساس الاقتصادي لهذه الشريحة، وبالتالي دافعة إياها للانضمام إلى شرائح الفقر والحرمان التي طالما تغنت البيروقراطية الاقتصادية بأنها جاءت لخدمتهم. وتتحمل البيروقراطية الاقتصادية المسؤولية الأخلاقية الكاملة بنظر الكثيرين من الناس الذين تضرروا بما حدث نتيجة اعتمادها على التمويل بالعجز وبالتالي بالتضخم وسيلة لتمويل موازنتها لعشرات من السنين، وإبقائها معدل الفائدة ثابتاً منذ عام 1981 على الرغم من أن معدل التضخم لوحده كان ضعف هذا الرقم لسنوات وسنوات فما بالك بمعدل الحسم والمخاطر بأنواعها وما أكثرها في عالم الجنوب ونفقات المصارف والرسوم المالية؟ ومع ذلك هناك الدلائل القاطعة على أن قسماً لا بأس به من ادخارات هذه الشريحة والشريحة التي تليها تذهب إلى المصرف العقاري على شكل إيداعات، فهذه الشريحة تودع أموالها هناك بأمل الحصول على قرض لبناء أو إصلاح لعقار بشكل مباشر أو عبر التعاونيات السكنية كما يتضح من مراجعة تقارير ذلك المصرف السنوية.

ج- ادخارات أصحاب الدخول العليا من البرجوازية الريعية أو العاملة من نساء ورجال ممن يهتمون بالعيش السعيد في إطار حياة مخملية بعيداً عن أزمات المجتمع ومشاكله، يحصلون عليها من دخول ناجمة عن استثمارات تتم في بورصات العالم أو مشاركات في صناديق التقاعد والادخار والسكن والسياحة العالمية أو من مشاركات في مشاريع صناعية أو تجارية  دولية وافرة المردود متوفرة بدرجات مختلفة من المخاطر أو في حسابات سائلة تخضع للفوائد الدولية الطويلة الأجل أو القصيرة الأجل، وهذا النوع من الادخارات مرن وبالغ الحساسية بشكل كبير تجاه تغيرات الفائدة وأسعار العملات وتحركات أسهم البورصات، ولهذا أنشأت له البنوك الدولية في سويسرا ولوكسمبورغ ومالطة وقبرص وجبل طارق وغيرها دوائر وأقسام خاصة، ويقدر حجم هذا النوع من الادخارات في العالم عام 2000م بنحو 850 مليار دولار أمريكي ولكن باتجاه صاعد، ويعتبر الألمان في مقدمة المدخرين على هذا النحو في أوربا، ولا سيما في ليشتنشتاين وجبل طارق ولوكسمبورغ وجزر المانش البريطانية، كما أن الأمريكيين في مقدمة المدخرين من هذا النوع في كل من بيليس وجزر كيمان وبنما وكوستاريكا وباربادوس، ويوجد قليل من الادخارات اليابانية الخاصة في كل من سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ، ويليهم كبار المدخرين من النخب الاقتصادية وغيرها السائدة في عالم الجنوب، أما المواطنون المتنورون في دول الجنوب فيستطيع الواحد منهم الاستمتاع عن بعد بعيد بالقراءة حول وجود مثل هذا العالم دون التفاعل معه.

والنوع الأول والثاني غالب على الادخارات العائلية السورية، إذ أن النوع الثالث غير متوفر في سورية، ويتنافس على استقطاب النوع الأول والثاني كل من صندوق توفير البريد وصندوق التسليف الشعبي ولربما ولحد ما المصرف العقاري السوري من ناحية، والقطاع الخاص من ناحية أخرى سواء أكانوا من جامعي الأموال أو مستثمريها من مضاربين جادين ومتلاعبين ومتشاطرين وتجار كرام يعملون في التجارة العامة أم في تجارة العقارات، والله أعلم بالنوايا في كل الحالات  طبعاً، قبل أن تغلق البيروقراطية الاقتصادية هذه القناة الاستثمارية غير النظامية في عام 1994م التي ضاعت في متاهاتها نحو 300 مليون دولار، ما كنت لتضيع بالأصل لولا أن قرارات البيروقراطية الاقتصادية غير الاقتصادية طبعاً، ولربما كانت هناك مبالغ محدودة بالمقياس العالمية مهما بلغت في بنوك البحرين ودبي والكويت والسعودية ولبنان بملكها المواطنون السوريون المقيمون في المهاجر العربية على امتداد الوطن العربي، وهذه المبالغ لا تزيد عن مليار ونصف دولار، وهي مبالغ يتوقف موعد عودتها إلى سورية أو استقرارها في نهاية المطاف في المهاجر الأوربية والأنجلوساسكونية الكندية والأمريكية والأسترالية على حجم وعمق الإصلاح الاقتصادي السوري الذي بدأ منذ 15 عاماً ولما ينتهي بعد ومدى توجهه باتجاه الليبرالية الحرة غير الانتقائية واقتصاد السوق، أما بالنسبة لفئة (ج)  أعلاه، فإن احتمال عودتها كلاً أو جزء منها قبل قيام سوق مالية فعالة في سورية.

ولقد حاولت البيروقراطية الاقتصادية مؤخراً –على قاعدة صح النوم- بهدف جمع القطع الأجنبي من بين أيدي القطاع الخاص غير المنظم وغير الرسمي وجذب القطع الأجنبي الموجود في القطر إلى مصارفها، ولو أدى ذلك إلى دولرة الاقتصاد من ناحية، وزيادة الطلب على القطع الأجنبي فاستصدرت قراراً تحت رقم /1535/ لعام 1998، استطاعت بموجبه حتى نهاية العام 1999م الحصول على ثقة عدد بسيط من المودعين المقيمين في سورية لا يتجاوز الـ 5500 شخصاً منحوا هذه البيروقراطية الاقتصادية بعض ثقتهم فأودعوا في مصارفها حتى كتابة هذه السطور نحو من 19 مليون دولار فقط، (لا حاجة هنا لتفاصيل المبلغ أو للعملات التي يتألف منها)، وهذا كله يمثل مدخرات بالقطع الأجنبي تضاف إلى ادخار القطاع العائلي أو الأهلي المحلي، وعلى كل فما قيمة هذا المبلغ الزهيد بالمقارنة مع ما يملكه السوريون في الخارج سواء المقيمون في سورية أو الخارج؟ وهذا يشكل تعبيراً عن الشك الدفين بتصرفات البيروقراطية الاقتصادية ومصادقيتها رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة أكثر منه إعلان ثقة بها.

وهكذا يمكن تقدير الادخارات العائلية في مطلع القرن الحادي والعشرين في سورية يشكل بالغ التقريب عام 2000م على ضوء التقارير المتوفرة من المصارف السورية هناك:

200 مليون دولار لفئات الدخل الدنيا

1200 مليون دولار لفئات الدخل المتوسطة التي تعيش في المراكز الحضرية في داخل سورية

170 مليون دولار للقطاع الزراعي والعاملون مباشرة فيه

400 مليون دولار خارج النظام المصرفي

2070 مليون دولار المجموع أي ما يعادل 2.1 (حوالي ملياري دولار فقط) بالحد الأقصى تقديرات أولية.

 

ثانياً- ادخارات القطاعات الإنتاجية أي ما يسمى بقطاع الأعمال Business Sector Savings

تتألف هذه الادخارات من الأقسام التالية:

1-   ادخارات القطاع العام

يعني بهذه الادخارات علمياً الربح غير الموزع من قبل المؤسسات المالية والاقتصادية عموماً في نهاية السنة بعد طرح الضرائب السنوية طبعاً، ولكنه في بلادنا يتألف من الاحتياطات والأرباح السنوية غير الموزعة بعد طرح الضرائب طبعاً، وقد اجتهد زملاء في عام1966 مع نشوء القطاع العام والأخذ بمفاهيم الاقتصاد الاشتراكي السائد آنئذٍ في التخطيط والمالية العامة –قبل أن يرحلوا ليعملوا في مهاجرهم المختارة- في ضرورة إضافة احتياطات السيولة أيضاً إلى بقية الاحتياطات والاستهلاكات واعتبارها مع الأرباح واجبة التحويل إلى ميزانية الدولة لتصبح أحد مصادر إيراداتها وبالتالي التمويل الإنمائي وغير الإنمائي لميزانية الدولة التي تم توحيدها في عام 1968م انسجاماً مع الرغبة بمركزية إدارة الاقتصاد الوطني بعد أن كانت ميزانيتين، واحدة للنفقات العادية وأخرى للنفقات الإنمائية استناداً للفكر الكينزي الذي ساد في خلال عهد الوحدة وما بعده، وكانت من قبل ذلك تسمى ميزانية استثنائية انسجاماً مع الفكر الليبرالي السائد آنئذٍ في الخمسينات من القرن الفائت والذي كان يعتبر تدخل الدولة بمثابة عملية مؤقتة وعارضة ومحصورة في مجالات البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وما يعجز القطاع العام عن إنجازه فقط، وها قد عاد ذلك الفكر من جديد ليصبح سائداً في العالم، ولكن الفكر الاقتصادي للبيروقراطية في سورية لم يكتشف ذلك بعد للأسف.

2-    ادخارات قطاع الأعمال المشترك

يمثل هذا القطاع مؤسسات وشركات متوسطة إلى كبيرة الحجم بالمعايير المحلية تجمع العام إلى الخاص، تأخذ من الأول أهدافه الاجتماعية لتضيفها إلى مزية الكفاءة والفعالية الاقتصادية التي يتميز بها القطاع الخاص، وهناك من يرى في القطاع المشترك أموالاً للقطاع العام تجري إدارتها من قبل إدارة خاصة يفترض أنها تتمتع بالكفاءة والفعالية التي تتمتع بها الإدارة الخاصة، وأياً كان المفهوم النظري الذي تعتمد عليه فكرة القطاع المشترك فهو يساعد في منح فرص العمل الاقتصادية للعاملين الأكفاء، كما يوفر غطاءً سياسياً لفكرة التعاون بين العاملين في الاقتصاد كبديل لفكرة التناقض والصراع التي يصر عليها المؤمنون بالتأريخ لها ومرجعاً وحكماً وبالجدلية أسلوباً لفهم كل شيء ومنهجاً لتبرير وشرح كل شيء، وينطبق على مؤسسات هذا القطاع نفس الإجراءات والقواعد المحاسبية المعروفة لدى القطاع الخاص من حيث أسلوب تحديد حجم الادخارات في هذا القطاع، وعلى كل ترفد هذه الادخارات –إن وجدت- زمرة ادخارات قطاع الأعمال الخاص، ولا تزيد ادخارات هذا القطاع عن 50مليون دولاراً سنوياً في أحسن الحالات.


3-ادخارات القطاع التعاوني

يمثل هذا القطاع الصغير نسبياً التعاونيات العاملة في كل المجالات السكن والاستهلاك والإنتاج، ويجري تقدير مدخراتها من خلال حجم السيولة التي تتمتع بها ليس إلا، ولا يشكل ادخار هذا القطاع أكثر من 50-70 مليون دولار سنوياً في حد أقصى، وهذا مبلغ زهيد نسبياً إلا أنه يذهب كله باتجاه التكوين الرأسمالي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية.

4-ادخار قطاع الأعمال الخاص

هنا لابد من التفريق بين القطاع المنظم وغير المنظم، فالأول يمسك دفاتر محاسبة ولو لنفسه، أما غير المنظم فهو يشمل مؤسسات فردية أو عائلية الملكية، صغيرة النشاط الاقتصادي ومحدودة دائرة العمليات جغرافياً، ولا تملك إلا حسابات تجارية غير نظامية تؤكد على الربح التجاري دون الربح الاقتصادي، وهو قطاع كبير فعلاً، ويدخل ضمن هذا القطاع، القطاع غير المنظم، ويوفر هذا القطاع في دولة كسورية نحو 34% من اليد العاملة، ولما كان هذا القطاع غير معروف الحجم والأبعاد إحصائياً، ولا يمكن أن تدخل إلى القطاع المصرفي سواء كودائع ادخارية أو للاستفادة من خدماته الأخرى فإن المدخرات فيه لابد أن تقدر على أساس العينة العشوائية أو بتقدير خبروي.

5- ادخار قطاع الأعمال غير الرسمي

كثير منا يرون يومياً العاملين في هذا القطاع على قارعة الطرق في المدن السورية يبيعون أدوات الخردوات والساعات الرخيصة وتوافه الأشياء، والملابس المستعملة والكاسدة، والفواكه والحلويات الشعبية للكبار والأطفال، وكل ما يمكن لهم الحصول عليه لتحصيل ما يسد رمقهم في حياة لا ترحم أحداً أو ينتظرون العمل المؤقت في أعمال مساعدة في قطاع البناء والإنشاءات أو يعملون في مجال الترفيه والمتعة للسياح والعابرين، وكلهم ممن لم تسنح لهم الظروف بالرحيل إلى لبنان أو دول الخليج أو إلى المهاجر الأوربية و الأنجلوساكسونية واللاتينية، فهم يمثلون فائض العمل وفائض السكان، ويبلغ العاملين في هذا القطاع نحو 33% من القوة العاملة، يعيشون حال من التهميش خارج دورة الإنتاج والاقتصاد، وادخارات هذا القطاع ضئيلة جداً فدخوله بالكاد تكفي لسد رمق العاملين وعائلاتهم.

وبذلك يمكن تقدير ادخارات القطاع الخاص المتراكمة ضمن الجهاز المصرفي بشكل أولي بـ 6700 مليون دولار متداخلة  ما يبن المصرف التجاري والصناعي والعقاري والزراعي والتسليف الشعبي وصندوق توفير البريد، يضم المصرف التجاري السوري القسم الأعظم منها وبالعملة السورية طبعاً تساهم كلها في عملية التنمية بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال خطط التسليف.

ثالثاً- ادخار الموازنة العامة

يعني هذا الادخار فائض موارد الموازنة بعد الإنفاق على حاجات الدولة في الموازنة، وإذا كانت موازنة الدولة جيوب رعاياها نظرياً، فإنه لا يحق لها أخلاقياً أن تغرف في جيوبهم إلا بالقدر الذي تحتاج إليه لإدارة وحماية وضمان حقوق ومصالح المجتمع الذي تعمل ممثلة له ولصالحه، ولهذا لا يحق لها فرض الضرائب التي تزيد من واردات الدولة على نفقاتها إلا في تلك الحدود، وهي مجالات الأمن والدفاع، والإدارة العامة، والقضاء، ولربما ممارسة بعض الأعمال الاجتماعية في مجال التعليم والتربية والصحة والثقافة والإعلام، ولكن البيروقراطية الاقتصادية تفعل ذلك بشكل مقصود أحياناً في ميزانيتها لا لأسباب فلسفية واقتصادية عملية وسياسية ولاسيما أثناء عملية مراحل النمو والتوسع الاقتصادي أو في مراحل الكساد والانكماش التي تتم في كل دول الأرض في إطار التعامل مع الدورات الاقتصادية التي تتالى على نظام المبادرة الحرة التي يحب زملائي من المدارس الاقتصادية التي تحبذ الشمولية الماركسية تسميته بالرأسمالية من حيث المبدأ، وهي تستخدمه كأداة من أدوات السياسة المالية بهدف الحد من التضخم والطلب الفعال في السوق، وتبريد الحرارة الناجمة عن الحركة الدؤوبة للاقتصاد.

بقي أن يقال أن معظم ميزانيات سورية التقديرية منذ الاستقلال وحتى الآن كانت عاجزة على وجه العموم، وكان يتم تسديد عجزها بالاقتراض المحلي الذي يديره صندوق الدين العام، أو بالمساعدات الأجنبية الطارئة، أو بالاقتراض، على كل فإن هذا المصدر المالي حقيقة نابعة من الحركة الطبيعية للاقتصاد التي لا يختلف عليها اثنان، ولا أعتقد أن البيانات الرقمية تفيد المستمع كثيراً، لأنها لا تستحق منا إعطاءها الكثير من الثقة، ما دامت النتيجة معروفة، وهو أن موازنة الدولة العادية كانت طوال 55 سنة بحاجة إلى الاقتراض من الدخل أو المساعدة من الخارج، وبالتالي لا تملك الموازنة أية مدخرات جديرة بالاهتمام، فجل ما كانت البيروقراطيات تفعله هو أنها كانت تصادر وفر القطاع العام وتمول به نشاطاتها الاستثمارية في إطار ما يسمى بالقسم الاستثماري من الميزانية، أي أن القطاع العام هو الذي يدخر للدولة وليست الدولة ذاتها.

وتتبع البيروقراطية الاقتصادية وبشكل متفاوت الصرامة والشدة منذ أواخر عام 1996م، سياسات انكماشية واضحة تتراوح ما بين الحد من الإقراض للقطاع الزراعي تحديداً ما يبن 1992 وعام 1995م وما بين الثبات عليه بين عامي 1995-1999م أو بتأخير دفع القروض بالتدوير، وبتخفيض نسبة التوظفيات إلى الودائع باستمرار منذ عام 1996 حتى الآن لتصل الآن إلى أقل من مستواها في عام 1990م بينما تعلو نسبة السيولة العامة في كل المصارف السورية تقريباً، ويلاحظ من مراجعة تسليف المصارف المتخصصة إلى القطاعات الاقتصادية أن المصارف قلصت على وجه العموم من اقتراضها من المصرف المركزي وإقراضها للقطاع العام ابتداءً من عام 1997م بنسبة حوالي 3% سنوياً، كما حددت ولكن باتجاه التقليص من كل قروضها للقطاعات الأخرى خارج القطاع العام ابتداءً من عام 1997م ولكن ما تفعله البيروقراطية الاقتصادية هذا لا يتم بهدف مكافحة نشاط اقتصادي ناجم عن رواج دورة اقتصادية، وإنما بهدف جباية الأموال غاية في حد ذاته، ولو جاء ذلك على حساب التنمية أو تبريد الاقتصاد البارد أصلاً والتضحية بالنشاط الاقتصادي من أجل تحقيق شكل من أشكال الاستقرار المالي والنقدي لم تصل إليه حتى الآن ولن تصل إليه أبداً وهذا مجرد رأي خبير طبعاً- رغم كل البيانات المعاكسة لذلك إلا إذا كانت تجازف في نهاية الأمر بقتل الدجاجة التي تبيض ذهباً وهي الاستثمار الحقيقي بخنق كل الفرص الاستثمارية في الاقتصاد، وهذا ما بدأ يحدث فعلاً لسوء الحظ، وفي ذلك كل اللاعقلانية.

·     الادخار الخارجي (الاستثمار الأجنبي)

يعتبر هذا المصدر متمماً لكل ما تقدم، فالاستثمار الأجنبي الذي يعتبر جزءاً من أي اقتصاد يتبع الليبرالية الاقتصادية ومنهج اقتصاد السوق ليس أكثر من ادخار تم في دول أجنبية يأتي كرافد للادخار المحلي ليدعم عملية الاستثمار والتنمية ولو من خلال رغبته بمعدل الربح الأعلى في بلاد كبلادنا- فيزيد من معدل النمو ويسرع خطى التنمية وهو يمثل مدخرات قام بها أفراد أو منظمات يعيشون خارج اقتصاد الوطن بمعنى أنهم غير مقيمين، ويشمل ذلك الأجانب والسوريين غير المقيمين في سورية أو العاملين فيها، وقد قدر هذا المصدر من جهة دولية على رأي الصحافة وتقديرات بعض الصناديق العربية الادخارات الخارجية التي  رفدت الادخارات المحلية بـ 100 مليون دولار عام 1998م، وهو ما يعادل أقل من الواحد بالمائة من الاستثمارات الخاصة التي استثمرت ذلك العام في بلاد العرب وأقل من واحد بالألف من الاستثمارات الموجودة في الخارج للعرب بكثير.

إجمالي التمويل الإنمائي المتوفر محلياً في سورية

لا تزيد المبالغ المتاحة للتنمية العامة في سورية عن 6700 مليون دولار، فيما عدا القروض من الخارج العربي والدولي يفترض أنها تزيد بمعدل 10% وهي كافية لخلق نمو حدي قدره 134 مليون دولار بالحد الأدنى أو 235 مليون دولار بالحد الأقصى سنوياً وسطياً أي باحتساب معامل رأسمال قدره 1-3 أو 1-5 أي تحقيق زيادة حدية سنوياً في الناتج الإجمالي الفردي ما يعادل حوالي 2000ل.س. 11650ل.س. في السنة الواحدة بافتراض أن الزيادة في السكان لا تزيد عن 600 ألف نسمة سنوياً، هو غير كاف للاحتفاظ بسوية متوسط الدخل الفردي الحالي في سنة حسابية قادمة التي ستميل إلى الهبوط فعلاً مع مرور الوقت يتوقف ذلك على أخذنا تطور الأسعار نحو الأعلى أو الأدنى وتطورات أسعار النفط ومخزوناته والانكشاف تجاه الطبيعة، الأمر سيجعل على سورية واجب محاولة الاحتفاظ بمستوى الدخل الفردي ثابتاً مع مرور الوقت لا بالأسعار الثابتة وفقط ولكن بالأسعار الجارية أي أن على الاقتصاد أن ينمو بـ 3% على الأقل أيضاً، إذا بقيت الأمور على ما هي عليه Ceteris Paribus، وهذا لن يتم إلا إذا رفدت ادخارات سورية بادخار من الخارج على شكل استثمارات حقيقية سواء من مواطنيها في المهاجر أو من جهات مانحة في الإقليم أو في هذا العالم وإلا فسورية ستدخل حكماً في دائرة المديونية المفرغة بالاضطرار للجوء إلى المؤسسات الدولية للاقتراض في وقت ما قد لا يكون بعيداً جداً، وهذا ما يعيدنا إلى الاهتمام بالقروض المصرفية من جديد، ولكن الخارجية هذه المرة وليس الداخلية فقط، وهو المصدر الثالث للتمويل الإنمائي على جانب العرض.

·     القروض والاعتمادات المصرفية

يشكل هذا المصدر رافداً أساسياً لعملية التمويل الإنمائي، فهو يخلق نقداً وبالتالي يخلق الفرصة التمويلية لكي يرفع من حجم ومعدل الاستثمار، وهذا يقسم إلى بندين رئيسين:

القروض والمساعدات المصرفية الخارجية

ويقسم هذا البند إلى أقسام أربعة:

الأول- قروض السيادة:

وهي القروض التي كانت تستهوي البيروقراطية الاقتصادية في سورية حتى رحيل ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية عن خريطة  هذا العالم، وهي قروض ذات  شروط ميسرة في الظاهر يقابلها انخفاض نوعية المستوردات في كثير من الأحيان، فمعدل الفائدة منخفض تراوح ما بين 2,5% وما بين 4%، والمدة طويلة الأجل أو غير محددة حسب التسيير، وخدمة الدين تتم من خلال ما كان يسمى باتفاقيات القطع واستعادة القرض غير مؤكدة، وإن كانت أساساً مقدمة من أجل شراء بضائع وسلع من الجهة المانحة مهما كانت نوعيتها وجودتها بالمقارنة مع مثيلاتها محدودة تحتاج إليها سورية سواء في الدفاع عن نفسها أو في تنمية البنية التحتية والفوقية فيها، وهناك المنح الكريمة والسخية والودائع الطويلة الأجل بدون فوائد التي كانت ولا تزال دول الخليج العربية ولربما إيران أيضاً تضعها من خلال أنظمة التعاون الإقليمية المكتوبة وغير المكتوبة تحت تصرف سورية أيام الضيق والعسر والأزمات لتوفير القطع الأجنبي اللازم لتمويل نفقات سورية العادية والإنمائية، وقد تلاشت القروض من هذا النوع أو ضؤلت مع شيوع الاستقرار في المنطقة والتوجيه نحو السلام وسقوط الاتحاد السوفييتي.

الثاني- المساعدات الحكومية الأجنبية والعربية:

بغض النظر عن درجة توفر "عامل المنحة فيها"، وقد كان هذا المصدر على مدى 55 سنة من الاستقلال السوري حتى الآن أهم المصادر الخارجية التي ساهمت في التمويل الإنمائي في سورية لأن كل البيروقراطيات بل والحكومات أيضاً التي تعاقبت على سورية كانت مهتمة بهذا المصدر لأنه كان ولا يزال يلقى هوى في نفس معظم الأجيال المتعاقبة من السوريين ناجم عن أن هذا المصدر يوفر مالاً بتسهيلات كبيرة، فالفائدة منخفضة وشروط إعادة الدفع ميسرة، وهو كالمصدر الأول بالنتيجة سياسي الطابع ناجم عن استهواء الوظيفة الدبلوماسية أو الجور الإقليمي أو النظام الاقتصادي لسورية، وهو بذلك ولقاء ذلك يسمح للبيروقراطيات المتعاقبة بالتصرف بالقروض والاعتمادات والتسهيلات التي تتوفر من هذا المصدر بحرية أكبر ولمدة أكبر وبالاستمتاع بتغطية سياسية وإعلامية من الجهات المانحة تحجب الممارسات الاقتصادية الخاطئة وتحيد الاقتصاديين الجامعيين الفضوليين من باحثين من أساتذة وطلاب دراسات عليا وغيرهم والجهات الرقابية والمدققة، فماذا يستطيع أن يقول كل هؤلاء للبيروقراطية الاقتصادية؟ والمال لم يأتِ من دافعي الضرائب مباشرة، ولا حتى من بنوك تجارية إقليمية النشاط خاصة تهتم بالربح والخسارة وموعد إعادة الدين والقدرة عليه، ولا يوجد هنا من رقابة إلا رقابة الضمير الحي للبيروقراطية الاقتصادية في دول الجنوب حيث رقابة وسائل الإعلام مغيبة أو فعالة ولكن بشكل انتقائي، ولهذا فهي لا تحرج إلا بشكل عابر البيروقراطية الاقتصادية بتعليقاتها أو ملاحظاتها على أدائها في هذا المجال وبحدود محسوبة بدقة متناهية، ولم يعد هنا الكثير الذي يمكن ذكره في هذا المجال بالنسبة لسورية تحديداً فيما عدا المساعدات الفنية اليابانية (جايكا)، ومساعدات الاتحاد الأوربي في إطار ميدا والبالغة 107 مليون يورو لم تستطع البيروقراطية الاستفادة منها كلها بسبب تماطلها وترددها في التصديق.

الثالث- القروض من المصارف والصناديق التنموية الخارجية الخاصة وشبه الحكومية:

وهذا يشمل المصارف اللبنانية والعربية ومصارف فورة أسعار النفط التي أسست في أوربا وأمريكا في السبعينيات المشتركة بين العرب والأجانب أو ما تبقى منها، وصناديق التنمية العربية بأشكالها وألوانها المختلفة كصندوق أبو ظبي، والصندوق الكويتي للإنماء، والصندوق السعودي، وصندوق العربي للتنمية العربية، وبنك التنمية الإسلامي وصندوق النقد العربي في أبو ظبي، ثم صناديق التنمية الإقليمية مثل بنك التنمية الأوربي، ثم الصناديق والبنوك الدولية كبنك الإنشاء والتعمير المسمى بالبنك الدولي محلياً أو العالمي بالفرنسية، وهذه يفترض بها أن تقدم بدون هدف تجاري أو سياسي، ولكن الحقيقة هو أن الجهات المسيطرة على سياسات هذه الجهات المالية الكبرى تجعل من قروضها أداة من أدوات سياستها الخارجية وبالتالي فهي تعطي إن أعطت- قروضاً سياسية، الهدف منها استهواء الوظيفة الاقتصادية أو الدور السياسي لسورية في المنطقة أو التأثير على توازن النمو والقوى في المنطقة وبين دولها.

الرابع- القروض من البنوك ذات النشاطات الدولية الكبرى:

كبنك ج.ب. مورجان وتشيس وستي بنك الأمريكية وينيون سويس وكردي سويس السويسرية وما إلى ذلك من بنوك كالدويتشه جنرال بنك ودرسدنر بنك والكومرس بنك الألمانية وكردي ليونيه والمجموعة المصرفية الفرنسية سوسيتيه جنرال، وهذه تستعمل أحياناً في تعزيز الاعتمادات وتوفير الكفالات المصرفية وتمويل العمليات التجارية ذات طبيعة  تجارية محضة، أي أنها قصيرة الأجل وعابرة، وغير تنموية الطابع مباشرة، وغالباً ليس فيها جانب سياسي مباشر إلا فيما ندر، فوائدها السوق الدولية لمثل هذا النوع من الإقراض التجاري، ويدير المصرف التجاري السوري معظم العمليات المصرفية التجارية الطابع، ولا تساهم هذه العمليات في التنمية السورية إلا بشكل غير مباشر نتيجة ما توفره من أرباح للمصرف التجاري السوري وتسهيل لأعماله ومن ثم للمصالح التجارية السورية الهامة والخاصة ثم من حيث توفير مقومات الاقتصاد والحياة في سورية.

القروض والمساعدات الداخلية

كما شرحنا في محاضرة سابقة يوم 13/5/1999م، تؤثر البيروقراطيات الاقتصادية في عالم الجنوب الاستدانة من مصرف البيروقراطية الاقتصادية الرئيسي وهو مصرف الدولة المركزي، فالاستدانة بهذا الشكل تضمن السرية وتغني عن الإحراج السياسي أمام المنافسين وعن شماتة الخصوم والأعداء، وتبعد التصرفات اللاعقلانية البيروقراطية عن أنظار الفضوليين، كما تسمح للبيروقراطية الاقتصادية في دول الجنوب بمراوغة الهيئات الدولية، فأجنحة البيروقراطية الاقتصادية في دول عالم التخلف تتصارع فيما بينها على طريقة إدارة الاقتصاد ونشر المعلومات عن أدائه، فالبعض يحاول أن يلعب بالمعلومات جيئة وذهاباً وصعوداً وهبوطاً كنوع من (الشطارة والفلهوة) بهدف تحقيق المكاسب من الدول والوكالات المانحة للمساعدات، وقسم آخر يتلاعب بالمعلومات بالإخفاء أو بالنشر خوفاً من الإحراج أو الإداري أو الاجتماعي، وطمعاً بالظهور وحفظ ماء الوجه أمام جماهير الناس والصحافة العالمية التي تنتظر من النخب سلوكاً رفيعاً يتلاءم مع المثالية وحب الوطن والتفاني فيه أو طمعاً بمكافأة السلطة الإدارية المحلية على هذا العمل الذي يعتبرونه وطنياً، وقسم ثالث ولكنه يهتم بقيام دولة حضارية ذات مؤسسات تفتخر بديمقراطية ومستوى من الحرية والنجاح الاقتصادي تأخذ مكانها بين دول المنطقة  العالم، ولهذا يسمح بنشر معظم المعلومات المتوفرة بسبب تعامله من موقع الاقتدار والتفاهم مع الجهات المانحة، ولا يشعر بالإحراج من واقع فرضه التخلف المزمن، فما فائدة إنسان من لبس سموكنج إذا كان لا يملك في جيبه أكثر من عشرة دولارات على الأغلب، وبالنتيجة ما زال الرأي الأول والثاني سائدين، فمعظم الناس في هذه الدول تحبذ انعدام الشفافية بحجة ضرورة السرية للبيروقراطية لأنها تسمح بالمكابرة وتشويه حقيقة الوضع المالي والتلاعب بالألفاظ والمناورة والقفز فوق الحقائق الموضوعية والعيش في الأوهام الذاتية أمام الهيئات الرقابية الداخلية والخارجية، وهؤلاء يتناسون العيون الإلكترونية التي ترى عن بعد وترصد كل شيء يلبسه الإنسان أو يفعله أو حتى يقوله مع نفسه في هذه الدنيا، فالمسألة قضية وقت في هذا العالم، وما تلبث الحقيقة أن تظهر، وفي النهاية يعرف كل شيء، إذ لا توجد أسرار في هذا العالم على المدى الطويل.

·     جانب الطلب في عملية التمويل الإنمائي

لا فائدة من الادخار إذا لم يستثمر في أصل رأسمالي حقيقي أو مالي، ولا يحسب في الحالة الثانية ضمن تكوين رأسمال الثابت المولد للتنمية إلا إذا كان مرتبطاً بالإنتاج الحقيقي، ولكن الدخل الناجم عن المضاربة أو الأسهم يبقى دخلاً حقيقياً وتجارياً معترف به أخلاقياً ويكنه غير تنموي، ويتم التمويل الإنمائي على الشكل التالي:

1- في الاقتصادات البدئية جداً، يقوم كل مدخر باستثمار مدخراته بنفسه، ومدخراته في تلك المرحلة ليست بالضرورة فائضاً مالياً، فقي بداية التاريخ كان كل شيء حقيقياً، ولهذا كان الرأسمال المدخر عبارة عن عمل مجسد مدخر.

2- ولكن مع تقدم الحضارة وتطور الاقتصاد وتوسع السوق، لم يعد ممكناً لكثير من المدخرين الأفراد بل وحتى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة رؤية المجالات التي تصلح لاستثمارات مدخراتهم، مما أدى إلى ظهور أنواع خمسة من طرق التمويل:

أ‌-  ظهور أفراد يعملون بالتجارة أو الصناعة يقومون باقتراض هذه المدخرات من المدخرين مباشرة لتشغيلها عندهم، ويجب على المقترض إعادة الدين مع فوائده بغض النظر عن النتائج، وهو ما يعرف محلياً (بالفايز)، وهذه هي الطريقة الربوية الصراح.

ب‌- ظهور أفراد يعملون في الاقتصاد يقومون باقتراض  هذه المدخرات من المدخرين مباشرة، وذلك في إطار شركة توصية بسيطة، وفي هذه الحالة يتقاضى المقترض جزء من المتحصل خاضع للتحرك صعوداً وهبوطاً، ولا يتقاضى فائدة، كما أن من المحتمل أن يخسر المدخر ادخاراته نتيجة المخاطر التي يتحملها المشروع، ويحق للمدخر إقامة الدعوى على شريكه للبرهنة على أن الخسارة كانت بسبب سوء الائتمان.

ت‌- تحول العاملين بالصرافة والتمويل إلى مؤسسات مالية تخضع لأحكام قوانين التجارة المحلية، وهذه تشمل شركات لتمويل التجارة المحلية أو الدولية، أو شركات تحمل صفة المصارف بمفاهيمها الحديثة، وهذه تعمل في مجالات معينة كثيرة مثل الإقراض بفائدة وبدونه، كما أصبحت لها مواصفات واختصاصات عديدة مثل البنوك التجارية والصناعية ومصارف وصناديق الاستثمار التي تهتم بطويل ومتوسط الأجل من الودائع والمشاريع الإنمائية، والبعض الذي يهتم بعمليات المفرق والبعض الآخر يهتم بعمليات الجملة، وثالثة تهتم بصيانة وتثمير أموال نخب عوالم المتقدمين والمتخلفين على حد سواء في سويسرا، وبعضها المختص جغرافياً كبنك تنمية أفريقيا أو جنوب شرق آسيا أو منطقة المتوسط أو منطقة الشرق الأوسط أو دولة معينة، وأخرى مهتمة بتنمية الأموال على الطريقة الإسلامية غير الربوية، أو لتنمية أموال مجتمعات  تنتمي لدين معين سائد مثل بنك التنمية الإسلامي أو طوائف دينية معينة كالمرمون في الولايات المتحدة والزرداشتين في الهند أو لعنصر معين كالترك والكرد والعرب على سبيل المثال.

ث‌- وتسود الآن مصارف تعمل في جذب المدخرات كصناديق توفير البريد وبنوك الإسكان وأخرى متخصصة بشؤون الاستثمار الحقيقي أي في تمويل المشاريع العقارية والسياحية أو المالي أي في مجال المضاربة على العملات وتجارة الأسهم والسندات والتجارة الإلكترونية، ومصارف تتعامل بالاثنين معاً، ومصارف تتعامل بالتجارة تمويلاً وتطويراً.

ج‌-  وفي هذا المجال تقوم صناديق التقاعد الضمان الصحي في الدول المتقدمة بمهام شركات الاستثمار ومصارفه نظراً لحجم سيولتها الهائل وتتفاوت ما بين الاستثمار في المشاريع الإنمائية وما بين الاستثمار في مجالات ذات مردود متواضع وقليلة المخاطرة، كما تقوم شركات التأمين نفسها بنفس المهمة ولكن لتمويل عمليات استثمار مالية كشراء السهم والمضاربة بالبورصات والبرامج سريعة المردود وعالية المخاطرة أكثر منها تنموية طويلة الأجل، وتتخصص شركات عالمية مثل شركة ميري لينش وسامويلسون أند سامويلسون في نيويورك والعالم بهذا النوع من الاستثمارات.

ح‌-  شركات الاستشارة الفنية والمالية والاقتصادية الدولية، وهي شركات بعضها يقرض وأخرى تتوسط مقابل أجور أو جزء من القرض، بعضها الحقيقي وأكثرها غير ذلك، وهي موجودة في هولندا وإنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية، ومنطقة بيليس وبنما وجزر سيشل وباباربادوس وهونغ كونغ واليابان، وكثير منها تقوم بغسيل الأموال وتوفير الاستثمارات لمشاريع الطيف والظلال.

الظروف الموضوعية المحددة للتمويل الإنمائي في سورية

تتأثر عملية التمويل الإنمائي بظروف متعددة ناجمة عن الأوضاع المتعلقة بطبيعة الاقتصاد السوري، وتأثير المتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة بالاقتصاد السوري، وهي ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية مؤسساتية ولربما ثقافية أيضاً، ونتيجة لهذه الظروف أيضاً تتغير حجم القروض المصرفية وشروطها من حيث مساهمتها في الجهد التنموي الإنمائي، وأهم هذه الشروط هي:

I-   الظروف السياسية الداخلية والخارجية

منطقة الشرق الأوسط معروفة دولياً طوال سنوات القرن العشرين، باسم منطقة الفرص الضائعة، وهي منطقة غير مستقرة تهب عليها رياح المتغيرات الدولية العاصفة نتيجة الاختلالات المستمرة في توازنات هذا العالم والتغيير المستمر في توجهاته الاقتصادية والسياسية وانعكاساتها على التوازنات المحلية، ولهذا فهي تعيش هاجس (الأمن) بشتى مفاهيمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية على الشكل الذي نراه واضحاً جداً في لبنان، والسبب هو عدم شعور دول المنطقة وأنظمتها ومكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالاستقرار والأمان ضمن حدودها، ولهذا نرى ذلك ينعكس على سلوك البيروقراطيات الاقتصادية فالنفقات العسكرية والأمنية تتمتع بالكثير م الأفضلية على حساب المشاريع الاقتصادية التي تهبط في سلم أوليات هذه النخب إلى الدرجة الثانية ولربما الثالثة، كما يتم التضحية من حين لآخر بكل المعايير الاقتصادية من أجل تعزيز البقاء، ولعل هذا ما دفع أحد المعلقين في جريدة فرانكفوتر ألجيمانية الألمانية في أواخر عام 1999م إلى القول (إن المسألة لا تتعلق بالطريق الاقتصادي الثالث، ولكنها تتعلق بالبقاء والصدارة)، فالبقاء كما حدده هيجل هو المحرك الأول للتصرفات البشرية، والعيش في ظروف استثنائية يتطلب حلولاً استثنائية، ولهذا نرى دوماً تحولات مفاجئة في اتجاهات التمويل الحكومي والإقراض المصرفي من الإنماء الاقتصادي إلى تمويل النفقات الحكومية الجارية، أو إلى تمويل الحروب وجهود  التعبئة العسكرية واستيعاب نتائجها التمويلية، وهذا ما يجعل كلفة البيروقراطية الاقتصادية والإدارة الحكومية عبئاً كبيراً على الاقتصاد يتجاوز في بعض السنوات أحياناً الـ 30-40% من إجمالي الموازنة لها، بينما المشاريع تزيد كلفتها بسبب الأوضاع الاحتكارية على جانبي العرض أو الطلب، كما يكون سبباً في ميزانيات إضافية تتطلبها ظروف الحروب الأهلية والإقليمية والتهيؤ لهما، ولا يمكن لاقتصادي عادي تفهم ذلك إلا إذا أدخل الاعتبارات السياسية إلى ذهنه، أو عمل في مجالات الإدارة العليا للدولة، وبالتالي فإن هذا الوضع يلزم الحد بين الجد واللعب، كما يجعل من أولوية أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول كهذه شيئاً يحتمل الجدال الطويل، لأن أولويات  رجل الاقتصاد تختلف عن أولويات ومعايير رجل السياسية ومنطقه، فالمشكلة في عالم المتقدمين مشكلة مال وبناء ثروات كفى، أما في عالم الجنوب حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، والتضخم بالانكماش، والاجتماع بالاقتصاد، والحقيقة بالخيال، والحلم بالوهم، يجد منطق السياسة نفسه يواجه منطق الاقتصاد في وضع شبه مباشر، ففي اقتصاد السوق لا مكان للمزايدات الكلامية وإنما فقط للحسابات الاقتصادية أولاً والاعتبارات السياسية ثانياً فالاقتصاد لا يحتاج للكلمات والطرق الدبلوماسية وأساليبها وإنما الإيمان بالعلم والتكنولوجيا فقط، ففي الدبلوماسية قد يبدو من الممكن لكل الناس أن يعلنوا أو على الأقل أن يدعوا الربح، أما في الاقتصاد فلا يوجد دوماً إلا طرف رابح وطرف خاسر.

II-  الاعتبارات الاقتصادية

تتعرض دول عالم الجنوب التي تنتقل من أزمة لأزمة، لظروف اقتصادية قاهرة، منها شح الموارد الطبيعية وقلة الموارد المالية، بالمطرح الضريبي محدود وبطيء الاتساع وكذلك إمكانية النمو السريع في مستوى الدخل الفردي، بينما حجم ومعدلات زيادة السكان والبطالة في تزايد هندسي، والقطاع العام عاجز وضعيف وغير اقتصادي، بينما القطاع الخاص متروك بحالة تنافسية كتلك السائدة عادة بين أصحاب الدكاكين المتجاورة.

ولهذا كان لزاماً أن تتعرض هذه الدول ومنها لجرعات متعاقبة من التضخم المستمر، قد يعلو فيصل أرقاماً فلكية مثل 1600% أو ما ماثل ذلك ، وقد ينخفض ليصل 2-5% سنوياً، فالموارد قليلة لأن الأقوياء سياسياً واقتصادياً لا يريدون أن يتنازلوا عن امتيازاتهم، وأولها عدم التنازل عن مستوى وطريقة معيشتهم في الماضي ولا في الحاضر فحسب ولا في المستقبل وثانيهما ما يعتقدونه أنه أولوية حقهم وحصتهم في الثروة الوطنية، وثالثهما عدم دفع أكثر من ضرائب شكلية من باب ذر الرماد في العيون، بينما الضعفاء اقتصادياً وسياسياً غير قادرين على توفير المطرح الضريبي الكافي حتى ولو  حسنت نواياهم- لأن من الضروري الافتراض أنهم يقولون هامسين في أعماق نفوسهم ولماذا ندفع ما دام الأغنياء لا يدفعون؟ (فلا يوجد حدا أحسن من حدا). والدولة في هذه الحالة مضطرة في نهاية الأمر إلى المال لتسيير شؤونها، ولا يبقى إلا اللجوء إلى مصرف الإصدار وطباعة النقد الذي تمول به مشترياتها ومقومات وجودها وتخلق مسوغات البيروقراطية التي تديرها، ضاربة عرض الحائط بآراء الاقتصاديين الفنيين سواء أكانوا من الموضوعيين أم من العقائديين، أو اللجوء إلى مصارفها المتخصصة لمنح القروض لمن ينطبق عليهم مفهوم المؤتلفة قلوبهم، وطرق غض الطرف عن ممارسات، يسميها الكثير من السادة والسيدات في هذه القاعة بالفساد أو الإفساد المبرمج أو باللجوء إلى الاقتراض الخارجي. وقد كان كل شيء ليبقى كما هو لولا أن ماء كثيراً مر تحت جسور الراين والسين والثيمس والبوتمال والنيل والنيفا ويانجستي طوال هذه السنوات الطوال، مما جعل الآن واضحاً أنه لا بد من التكيف مع المعطيات من جديد.

وهكذا كان على البيروقراطية الاقتصادية في كثير من دول عالم الجنوب ابتداع الحلول وإخراج طيور كثيرة من القبعة السحرية التي تلبسها، الأمر الذي اضطر البيروقراطية الاقتصادية في كل الدول للجوء أخيراً إلى السعي للجم التضخم بتخفيض الإنفاق والمديونية التي كانت السبب فيه عن طريق سياسة انكماشية صارمة، يقوم الناس العاديون في كل بلاد العالم بدفع ثمنها، وهو كلفة برامج الإصلاح وإعادة الهيكلية مثل تراجع الطلب الإجمالي، وتقلص الإنتاج وتفقر معظم السكان، وتراجع الاستثمار الحقيقي وانتشار البطالة ومعها الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وفقدان السيولة تباين الدخول، واضمحلال الحرية والعدالة معاً، والسقوط في دوامات التطرف والعنف الأعمى نتيجة الصراع الاجتماعي بين مكونات المجتمع العمرية والدينية والعنصرية والثقافية، في ظل ما يسمى اليوم بالركود التضخمي.

وبانقلاب اقتصاد سورية مؤخراً من اقتصد طلب إلى اقتصاد عرض، هبط دور ارتفاع الكلفة وعدم مرونة العرض في إحداث التضخم نتيجة زيادة الأجور النقدية عن الأجور الحقيقية، وزالت فرص التضخم الساحب، وأصبحت ميزانية الدولة والتضخم الخارجي المستورد أهم مصادر التضخم النقدي اعتباراً من عام 1996م الذي هبط معدله مع انخفاض الاستيراد وتراجع الطلب الإجمالي، بينما استمر عجز الموازنة لأسباب يمكن تلخيصها بما يلي:

1-   ضآلة المطارح الضريبية، فالرأسمال يردي ليستثمر، والعمل يريد أن تزاد رواتبه وتعويضاته وأجوره ليعمل، وكلاهما لا يودان دفع المزيد من الضرائب أساساً

2- التوسع في الخدمات الاجتماعية شبه المجانية والتي تتركز في قطاع الصحة والتعليم والرياضة والثقافة والخدمات الإدارية والقضاء وحماية البيئة وغيرها أي حوالي 23% من إجمالي النفقات العامة، وتشكل هذه الخدمات المجانية عنصر ضغط على الموازنة العامة.

3- التوسع في تشغيل الأيدي العاملة حيث اعتبرت سورية مؤشر التشغيل هاماً وأساسياً للقيام بالمشروعات العامة وأو الخدمات الاجتماعية، الأمر الذي أدى لزيادة عدد العاملين في الدولة إلى الحجم الحقيقي للأعمال بحوالي أربعة أضعاف فقد بلغ عدد العاملين في الأنشطة الإدارية والمراكز والهيئات الإدارية حوالي 760 ألف موظف عدا العاملين في الشركات العامة والمؤسسات الإنتاجية حيث يشكل هؤلاء حوالي 12% من السكان القادرين على العمل، وحوالي 30% من عدد العاملين في الدولة والقطاع الخاص. وتبلغ رواتب وتعويضات العاملين في القطاع الإداري حوالي 13% من حجم النفقات العامة في سورية.

4- التطور في خدمات الأمن والدفاع: تشكل نفقات الأمن والدفاع إلى النفقات العامة حوالي 21% وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع الدول الأخرى التي لا تخصص أكثر من 10% من نفقاتها للجيش والدفاع.

5- الإعانات الزراعية: إن سياسية الدولة الداعمة للقطا العام ولإنتاج الغذاء في البلاد دفع الدولة لتقديم إعانات للمزارعين بهدف زيادة الإنتاج، حيث تقوم الدولة بشراء الحبوب من الفالحين بأسعار مرتفعة تفوق الأسعار العالمية%، ناهيك عن الإعانات للقطاع الصناعي (السكر) والإعانات لقطاع التصدير. وبالتالي تشكل هذه الإعانات حوالي /25/ مليار ل.س. سنوياً وهي تشكل إلى الإنفاق العام حوالي 12%.

إن مجموع هذه الخدمات والإنفاقات التي تقوم بها الدولة تشكل عنصر ضغط على الموازنة وتساهم في زيادة العجز السنوي في الموازنة العامة مما يضطر الدولة لزيادة الإصدار النقدي لتغطية هذا العجز وقد ظهر ذلك واضحاً في ميزانية مصرف سورية المركزي حيث تشكل الديون السنوية للدولة مبالغ طائلة لإطفاء العجز إضافة إلى حصول الدولة على قروض داخلية بسيطة من شهادات الاستثمار لتمويل العجز.

6- تمويل المصارف المتخصصة: نظراً لانخفاض حجم الودائع المصرفية إجمالاً تقوم المصارف المتخصصة بالاقتراض من المصرف المركزي لكي تمول خطة التسليف لديها، فقد بلغت الودائع في عام 1996 حوالي 41% من حجم الكتلة النقدية الموسعة وبالتالي تضطر المصارف للاقتراض من المصرف المركزي. وتقوم هذه المبالغ المقترضة من المصرف المركزي عبر خطة التسليف للأفراد والمؤسسات بضغط تضخمي جديد حيث تؤدي هذه الأموال لرفع معدلات التضخم عبر زيادة الطلب الكلي، كذلك فإن المصارف المتخصصة التي لا تعتمد على الودائع في الإقراض وتلجأ إلى المصرف المركزي تساهم بشكل مباشر في زيادة حجم الطلب الاستهلاكي أو الطلب الاستثماري وتعتبر مسؤولة مع المصرف المركزي عن هذه الزيادة في حجم الطلب التي تشكل ضغطاً تضخمياً جديداً في الاقتصاد الوطني، إلا أن الموقف اختلف مع حلول 1997 فأصبحت معظم المصارف السورية تملك سيولة كبيرة مع تراجع الطلب على الإقراض بحيث أنها في عام 1999 لم تحتج إلا بحدود ضيقة جداً للتجهيز لدى المصرف المركزي.

7- سرعة التداول النقدي: تعتمد سرعة التداول النقدي على الأوضاع الاقتصادية من رواج وكساد وعلى حركة الدفع والقبض والبيع والشراء وأشكال دفع الرواتب الأجور والمستحقات وعلى فترة الإنتاج والتصريف للمنتجات، وتعتمد سورية في دفع الرواتب والأجور على نظام الشهر الواحد بينما يعتمد القطاع الخاص على نظام الأسبوع وأحياناً الشهر، وقد نشطت حركة التسليف لتأخذ مفهوم الخميس أي يتم تسديد المدفوعات كل يوم خميس نظراً لانخفاض حجم سيولة ولتباطئ حركة نمو الإنتاج خلا السنين المنصرمة.

8-   زيادة حجم الفجوة بين الطلب الكلي المحلي وما بين الدخل المتاح.

إن زيادة حجم الاعتماد على القروض الخارجية لتمويل الفجوة بين الدخل المتاح والطلب الكلي في سورية ساهمت في رفع معدلات التضخم خلال الأعوام 1993-1994-1995 لكن زيادة التحويلات للعالم الخارجي بالطرق المشروعة وغير المشروعة أدت إلى انخفاض حجم الفجوة بين الطلب الكلي والدخل المتاح وأدت إلى انخفاض في معدل التضخم.

9- ساهم خضوع حسابات المصارف لضريبة التركات حتى صدور القانون رقم /4/ في 25/7/1998 القاضي بإعفاء الحسابات المصرفية من ضريبة التركات الرغبة بعدم التعامل مع المصارف، وتضطر الدولة لزيادة إصدار النقد لمواجهة عوامل نقص السيولة وبالتالي تساهم في زيادة معدلات التضخم النقدي، وهذا ما جعل الاعتماد على عادات الدفع النقدي في التعامل (البيع والشراء) شائعاً ما أدى إلى انخفاض حجم النقود الخطية والإلكترونية في الاقتصاد السوري.


ج- الأسباب الاجتماعية:

كان المستهلك السوري على الدوام بفضل السلع الأجنبية على السلع الوطنية بسبب الرغبة بالنوعية العالية والسعر الأرخص أو للرغبة بالمباهاة الاجتماعية مؤدياً بالتالي إلى زيادة الاستيراد على التصدير وارتفاع معدلات التضخم، وقد أدت السياسة الانكماشية وظروف الركود التضخمي الحالية إلى انخفاض حجم الاستيراد وبالتالي إلى اضطرار المواطن لاستهلاك السلع الوطنية، مما أدى إلى تخفيض الضغوط التضخمية بعض الشيء ولكن التضخم ما زال مستورداً، وهكذا قفزت البيروقراطية الاقتصادية من المقلاة إلى النار بسقوطها في سبات الركود.

ولا يزال الوعي المصرفي ضعيفاً في وعي الجماهير السورية فلا تزيد حسابات ‎الأطفال في السنة لدى صندوق التسليف الشعبي عن جزء يكاد لا يذكر من عدد الأطفال المولودين، وإذا ما قورن عدد الحسابات  بعدد الأطفال الذين لا يتجاوزون السابعة، وهو سن التمييز لم يزد عدد الحسابات عن نسبة 0.0015 من عدد الأطفال.

د- الأسباب الثقافية المحددة للسلوك والتعامل مع التمويل المصرفي:

ما يزال الكثير من السوريين لا يحبون التعامل مع المصارف إلا مكرهين، فهم بحكم الثقافة والظروف التاريخية يرمقون المصارف بأنواعها بشكوك عميقة وبحساسية شديدة تفرضها عليهم قناعاتهم الدينية، ولا زال البعض وإن بدأ العدد بالتراجع في نهاية القرن ممن يحبون أن يحتفظوا بمدخراتهم في بيوتهم على أن يضعونها في المصارف حيث من الممكن أن تتلوث برأيهم بالمال الربوي الحرام، أو أن تتعرض للمصادرة أو المساءلة أو الحجز أو الاقتطاع من قبل بيروقراطية اقتصادية متوالية لم تكن في عيون مواطنيها تقليدياً عبر القرون الطويلة إلا جائزة ظالمة، وعلى هذا مازال الأفراد في سورية يفضلون التعامل النقدي المباشر فيما بينهم (الدفع نقداً) بدلاً من الحسابات المصرفية وذلك لتخلف آلية العمل المصرفي وللاعتقاد الديني بحرمة الربا حيث تدل دراسة لعمليات صندوق توفير البريد على أن عدد الحسابات التي لا تحمل فائدة تبلغ 10% عام 1993 ارتفعت إلى 27% من إجمالي عدد الحسابات في ذلك العام 1988، وقد زاد  البلة طيناً تخلف العمل المصرفي وطول فترة الانتظار عند تحريك الحسابات الصرفية، وعدم وجود سوق مالية لتجميع المدخرات الوطنية وتوظيفها في الصناعة والاستثمار مما يدفع المستثمرين للاعتماد على أموالهم الخاصة عند إقامة مشاريعهم الخاصة EQUITY وانخفاض سعر الفائدة في سورية إلى أقل من معدل التضخم لسنوات طويلة الأمر الذي ما زال يؤدي إلى عدم التعامل مع المصارف أو قلة الاعتماد عليها حيث سعر الفائدة 8% - 8.5% بينما كان معدل التضخم والفجوة التضخمية تجاوز الـ20-28% في سنوات كثيرة تلت الاستقلال ولاسيما الستينات والسبعينات والثمانينات.

أنماط التمويل الإنمائي في سورية

الاقتصاد السوري اقتصاد بسيط التركيب ومتذبذب معدل النمو واتجاهاته، وسريع الهشاشة على المستوى الإجمالي، يسير مع الزمن نم أزمة لأزمة من حين لآخر على جانبي العرض والطلب كمعظم الدول في عالم الجنوب، فمن أزمة الإسمنت إلى أزمة الدواء إلى أزمة المخازين إلى أزمة الموز إلى أزمات القطع والتهريب وما رافقها من اضطرار المواطن إلى استيراد كل شيء إلى أزمة الغازـ وهكذا دواليك، وعلى الرغم من اعتماد الاقتصاد السوري على التصدير كبلجيكا، ولكنه لم يستطع أن يطور ثقافة تصدير كبلجيكا، لأسباب نفسانية واجتماعية وتاريخية وثقافية يصعب شرحها هنا، أهمها الميل إلى الارتجال وأنصاف الحلول على حساب الإتقان، ولهذا فهو بالمقارنة مع اقتصاديات دولة متقدمة صغيرة كبلجيكا أو هولندا أشبه باقتصاد قرية لم يمر عليها الزمن إلا من وقت قريب، ولقد شاءت الأقدار له أن يحكم عليه بالبقاء هكذا لأسباب موضوعية بحتة لا تتعلق به ولكن بظروف وخصائص المجتمع المرتبط به والبيروقراطيات الاقتصادية المنبثقة عنه، ولما كان شرح ذلك يقودنا إلى استغراق وقت كبير في جدال فلسفي منهجي لا طائل تحته مع كل الذين يؤمنون بالمفاهيم الماركسية أو الدينية أو يهتمون بالاجتماع والثقافة دون الاقتصاد، فأنا لهذا أكتفي هنا بالإشارة دون الشرح.

آ- التمويل الإنمائي الذاتي Self-Financing

ما يزال هذا النوع من التمويل يشكل قسماً هاماً من إجمالي التمويل، ولا يمكن معرفة حقيقة حجم هذا القسم من الادخار إلا بطريقة الصوافي أو بطريقة التقدير بالعينة العشوائية، كما لا تتوفر معلومات تفصيلية يمكن الركون إليها.

ب- التمويل الإنمائي الذاتي بالاستعانة بالمصارف

على الرغم من المعارضة المبدئية للتعامل مع المصارف للأسباب التي أوردناها آنفاً، تدفقت أجيال ولدت مع استقلال سورية، قبلت مبدأ التعامل بالورق السوري كما كانت العملة تسمى آنئذٍ، كما قبلت التعامل مع المصارف التجارية الخاصة والعامة المتخصصة بحكم الأمر الواقع وفقدان البديل، واستحالة الطرائق القديمة في الادخار والاستثمار وفقدان البديل الإسلامي، وهذا ما جعل المصارف منذ الأربعينات من القرن الماضي هدفاً لودائع وشرائح كثيرة من الشعب تزداد اتساعاً، يجري إيداعها بفائدة ودون فائدة، الأمر الذي يوفر لهذه المصارف دخولاً إضافية مجانية نتيجة عدم منح الفائدة للمودع وتآكل ماله بالتضخم أحياناً وبالضرائب والرسوم أحياناً (فيما عدا صندوق توفير البريد) أو نتيجة عمل كلاهما، وتتم عملية التمويل الإنمائي هنا عن طريق سحب الودائع الشخصية والتجارية بالتدريج أو عن طريق الاقتراض عن طريق الشيكات وأذونات الدفع من أجل الاستثمار التجاري في مشاريع تجارية أو صناعية صغيرة تتفاوت من شراء دكان تجاري إلى إقامة مغسل آلي أو من أجل إقامة وتطوير مزرعة صغيرة أو شراء جرار زراعي أو إقامة بناء للإيجار أو للسكن أو لتمويل شراء مواد أولية أو أسمدة للأعمال الزراعية أو بهدف إقامة مصنع كبير أو سيارات للنقل والأجرة أو ما ماثل ذلك.

ج- تمويل قطاعات الأعمال المنظمة وغير المنظمة

يتناول هذا القطاع مجالات كثيرة، وينبع التمويل الإنمائي لهذه القطاعات من ادخارات عائلية للمالكين ومن أرباح الشركات الفردية ومن الربح غير الموزع أي بعد تنزيل المبالغ المقررة للمساهمين وبعد طرح الضرائب في قطاعات الأعمال المنظمة بغض النظر عن ملكيتها، وهذه المدخرات تذهب واقعياً إلى الاستثمار الحقيقي على شكل توسعتا في الأعمال التي تعمل فيها لشركات المعنية، كما تذهب بعض الاحتياطات إلى تلبية حاجات الاستهلاك.

وتساهم قطاعات الأعمال من خلال الملاءة المالية الكبيرة التي تتوفر لها في التمويل الإنمائي لمجمل المجتمع عن طريق جذب ادخارات القطاع الأهلي مباشرة أو عن طريق الاستقراض من القطاع المصرفي أو عن طريق أرباح عمليات المصارف فيما يتعلق بهذه الأخيرة، وبذلك يكون هذا القطاع عادة أكبر المساهمين بعملية التكوين الرأسمالي في الدول التي لا تعتمد التخطيط المركزي وأنظمة الحكم التدخلية الواسعة المدى، وللأسف لم تستطع هذه القطاعات في سورية تحقيق الشيء الكثير في هذا المجال ولاسيما في مجال السوق العالمية للرأسمال.

د- تمويل نشاطات الدولة الإنمائية

يتم هذا التمويل من خلال فائض إيرادات الدولة ونفقاتها، ثم من فوائض القطاعات الاقتصادية المحولة إلى البيروقراطية الاقتصادية عبر صندوق الدين العام، ثم من المساعدات العربية والأجنبية، ثم من القروض من الصناديق العربية والأجنبية للتنمية مثل الصندوق الكويتي للإنماء العربي صندوق الدنقد الدولي والبنك الدولي.

جانب الطلب في عملية التمويل الإنمائي

·     المناخ الاستثماري في سورية

يعتبر المناخ الاستثماري في سورية من أهم محددات عملية التمويل الإنمائي على جانب الطلب من التمويل الإنمائي، والحقيقة أنني كنت قد أعددت بحثاً مطولاً عن هذا الأمر يقع في 36 صفحة ولكن قصر الزمن المتوفر لهذه المحاضرة، ونزولاً عند رغبة جمعية العلوم الاقتصادية في بقاء المحاضرة محصورة بالوقت المخصص وبحجم معينـ فقد تم اختصار هذه المحاضرة وفق هذه الرغبة، ولهذا فإني أكتفي في تعداد ملامح هذا الوضع دون شرحها، وتعتبر الأمور التالية من أهم ملامح الاقتصاد السوري عام 2000م: وهي على التسلسل في الأهمية، عدم وجود سعر صرف موحد وعدم ثبتا سعر العملة، عدم توفر الإحصاءات الموثوقة، الأوضاع المضطربة للقطاع العام، عدم وضوح السياسات الاقتصادية للبيروقراطية، ضرورة تشخيص القطاع الخاص هل هو امتداد للقطاع العام أم أنه قطاع مستقل، وتحديد العلاقة ما بين البيروقراطية وهذا القطاع، انتشار الفساد الإداري وغير الإداري، تخبط السياسات الاقتصادية وغموضها، عدم كفاية البنية التحتية، انخفاض الإنتاجية المتوسطة والحدية للعامل، شيوع اليأس والقنوط من أي أمل بإصلاح حتى ولو كان يتضمن إعادة الهيكلة، وانخفاض مستوى التأهيل والتدريب، وانتشار الثقافة المعادية للرأسمال.

الخلاصة والنتائج

كثير من الناس متواضعوا الأهداف في هذه  الحياة، فكل تحسين في أضاعهم يعتبرونه تقدماً وإنجازاً، ولكنني أنتمي إلى ذلك الصنف من الرجال الذين يريدون وطنهم أن يكون نموذجياً، ولهذا أنا لا أحب المقارنة بالجوار لأشعر بالرضا ولكني أقارن بما يجب فعله لأصبح في مصاف دول كالسويد والولايات المتحدة، فكل إنسان يقيس إنجازاته بمثله العليا وتصوراته للحياة ومتطلباتها وأهدافها، ففي يوم ما كنت في الكويت مستشاراً للأمم المتحدة، فكتبت لوزير التجارة والصناعة هناك تقريراً عن مستقبل الكويت بدأته بعبارة "الكويت دولة تملك صناعة متقدمة بالنسبة للبلاد العربية المحيطة بها" فما كان إلا أن رد علي بلهجة حادة وقال إذا كنت تقارننا باليمن فبئس المقارنة، قارنا يا سيدي بإيطاليا وإسبانيا مثلاً، وهكذا كلما ارتفع مستوى المقارنة كانت النتيجة أكثر تحفظاً وأقل راحة للنفس، وأنا أكرر هذا المثل لأني أريد أن أفهم محدثي أن التفاؤل والتشاؤم مسألة نسبية، فكل يعيش في هذه الدنيا بطريقته، وكل على قدر الزيت فيه يضاء ولهذا أريد أن تفهم النتائج أدناه وفقاً لهذه الخلفية:

أولاً: ملاحظات فكرية اقتصادية عامة

1-  سورية بلد محدود الإمكانات والثروات الاقتصادية بالمقارنة مع دول نامية ولكنها كبيرة المساحة غنية بالثروات كأندونيسيا والبرازيل حباها الله بثروات طبيعية كبيرة.

2- النفط والفوسفات والقطن والحبوب والفواكه والصناعات المرتبطة بها وخدمات النقل والسياحة والتعليم والصحة يمكن أن توفر لسورية مستوى حياة أفضل بكثير من الوضع الحالي، ويمكن لسورية تأمين معدلات نمو مبدئية لا تقل عن 10% سنوياً في حال تصميم سياسة اقتصادية تهدف لتنمية الاقتصاد قبل كل شيء، وأنا أكرر هنا كلمة اقتصاد، وليس تحقيق أهداف أخرى.

3-   ثمة قضايا أساسية خلافية الطابع لا يمكن تجاهلها مستقبلاً وأهمها ما يلي:

·     زيادة السكان بالمعدلات الهائلة وهي التي تتراوح ما بين 2و3% و3% حالياً.

·     تحديد موقع الاقتصاد على سلم الأولويات.

·     نوعية مكونات البيروقراطية الاقتصادية وطريقة عملها.

·  الكلفة الباهظة لهذه البيروقراطية الاقتصادية التي جعلت المجتمع في وضع أبعد ما يكون عن التوازن، بسبب تفشي مظاهر وسلبيات الفساد من ناحية ومن حيث إشاعة تباينات الدخل التي ستكون سبباً مستقبلياً في الحد من إمكانات وفرص الاستثمار والتنمية في سورية خلال العقود القادمة من القرن الجديد.

·     حل مشكلة البطالة في الريف والمدينة.

·     وضع حد للموقف الغامض من الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية.

·     تباين المواقف الفكرية من المتغيرات الدولية مثل العولمة، والفكر الليبرالي، والموقف من الخصخصة.

·  البت في قضية الكفاءة ومعها الحرية والسير على دروب الامتياز أولاً أما لعدالة الاجتماعية والمساواة؟ إذ لا يمكن اقتصاد تصديري يقتحم الأسواق الدولية دون حسم هذا السؤال بجواب يتوقف عليه مستقبل اقتصاد سورية.

4- تشكل فكرة قيام الدولة بالدور الواسع شيئاً بديهياً في التفكير السوري العام والاقتصادي خاصة لأسباب دينية وثقافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية وسياسية، فمعظم الناس فقراء يبحثون عن فرص عمل لا يجدونها إلا عند رب العمل الأول في سورية وهي الدولة، ولا عجب في ذلك فمعظم الاقتصاديين موظفون وعاملون في الدولة يعيشون على رواتبها وهباتها ومنافعها المنظورة وغير المنظورة، وبالتالي فهم مع توجه الدولة سلباً وإيجاباً ولو من حيث الظاهر وخلاف القناعة الذاتية، رغبة منهم بالاحتفاظ بمقومات حياتهم على بساطتها حتى ولو تركت الدولة لهم حق الكلام وحرية التعبير، ففي الصمت السلامة ومعها البقاء والاستمتاع بما يعطي نم امتيازات وحوافز تقديرية مهما كانت في حقيقتها النهائية محدودة.

5- الأداء التنموي السوري أداء محافظ جداً، ويفتقر إلى الديناميكية، والرؤيا، وهو عنصر غائب في البيروقراطية الاقتصادية، فالصلة ما بين المجتمع الجامعي بعالم المال والاقتصاد والتجارة الدولية شبه معدومة، والارتباط بالإنترنت ما زال حديث جداً وغير عملي بالنسبة للكلفة والأداء، وكثير من المصطلحات ما زالت غير معروفة أو مفهومة بالنسبة للكثيرين من العاملين في المصارف والقطاعات المالية، والجدير بالذكر أن سورية ما زالت مدرجة بين الدول الخمسة والأربعين المعتبرة عدوة للإنترنت لعدم السماح بها أولاً وبشكل مطلق الحرية وثانياً بسبب الاعتماد على مخدّم واحد Single server (راجع صوت أمريكا، 14آب1999).

6- إن أي إصلاح جذري لمظاهر الفساد وسوء الائتمان وانعدام الحس المسلكي والشعور بالمسؤولية يصطدم بانخفاض الرواتب والتعويضات، وقد أصبح من الممكن زيادة الرواتب مع تخفيف الجانب الاجتماعي لعمل الدولة، وبالتالي أصبح من الممكن الآن توفير درجة أعلى درجة من الحوافز الأفضل مع تخفيض مستمر في عدد الموظفين عن طريق جعل العمل أكثر آلية.

ثانياً: ملاحظات اقتصادية تطبيقية

7- المطارح الضريبية في سورية بحكم المستنفذة أو هي كذلك لحد كبير، ولا يكفي ما تبقى منها لسد فجوة الاستثمار أو فجوة ميزان المدفوعات على المدى الطويل، فالعمل غير قادر على الدفع بمستوى الأجور السائد، والرأسمال يردي ألا يدفع مساهماته في نفقات الدولة بشتى الحجج، مثل الاستفادة المباشرة من خدمات مقابلة، وعدم عقلانية البيروقراطية، وعدن كفاية البنية التحتية وسوء نوعية الخدمات التي تقدمها، وعدم كفاية التدريب والتأهيل في معاهد الدولة، واعتباطية التكليف وعشوائية الجباية الضريبية، وعدم وجود الحماية القانونية، والثقافة المعادية للرأسمال التي تدعمها البيروقراطية الاقتصادية، بينما يؤيده الفكر المعاصر الذي ينساب عبر الحدود ويحيط بسورية من كل جانب.

8- معظم السوريين ما زالوا لا يتعاملون مع الجهاز المصرفي بسبب عدم الرغبة أو بسبب عدم الحاجة ولحد ما يسبب عدم المقدرة، حيث أن مجموع المودعين في كل المصارف بما فيه صندوق توفير البريد لا يزيد عن أربعمائة ألف مودع خاص بالحد الأدنى، أي ما يعادل 22/1 من السكان، أو 26/1 من الداخلين في حسابات القوة البشرية السورية عام 2000 ، وهذا الرقم بحد ذاته إعلان بعدم الثقة بالنظام المصرفي بقدر ما يعكس انخفاض مستوى الوعي المصرفي وأهمية المصارف بالنسبة لشرائح عريضة من المواطنين السوريين.

9- تساهم القروض المصرفية الداخلية بما في ذلك صندوق الدين العام في تمويل التنمية السورية، عن طريق خطة التسليف السنوية، وهي خطة لا  تتعلق بالمصارف بقدر ما تتعلق بتقديرات البيروقراطية الاقتصادية غير الاقتصادية، وهذا ما يؤدي من حين لآخر إلى ارتفاع مديونية الدولة لدى المصارف، ويساهم في إحداث التضخم.

10- لا تساهم المصارف السورية حتى الآن مباشرة بمشاريع التنمية أو بمشاريع القطاع الخاص، فيما عدا بضعة مشاركات غير موفقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد المحددة.

11- ادخارات القطاع الأهلي كلها من نوع ادخارات اليوم الأسود، وهي قليلة الحجم بالمطلق وغير مرنة ولا حساسة تجاه الفائدة، ولا يمكن الاعتماد عليها في أية عملية تنمية واسعة المدى.

12- ادخارات قطاع الأعمال التعاوني والمشترك ضئيلة جداً ولا يعتمد عليها أيضاً لتمويل تنمية واسعة المدى على الشكل المأمول.

13- ادخارات القطاع الحكومي محدودة بالقسم الإنمائي من الميزانية العامة للدولة، وهي في حقيقتها ممولة بادخارات القطاع العام، ويتم تنفيذ الاستثمار الحكومي على حساب هذا القطاع المسكين.

14- ادخارات القطاع الخاص تذبذبت نسبتها إلى إجمالي الاستثمار في سورية حسب الظروف والسياسات الحكومية، ويذهب أكثرها إلى الاستثمار مباشرة داخل وخارج سورية، ولا يستخدم القطاع الخاص والقطاع المصرفي الحكومي إلا من أجل تسيير أعماله وبشكل عابر وغير مقصود من حيث التمويل الإنمائي، فالثقة الفعلية بالبيروقراطية شبه معدومة في علاقة يشوبها مشاعر الحذر المتبادل تاريخياً.

15- القطاع المصرفي يتمتع بسيولة عالية الآن بسبب السياسة الانكماشية التي تتبعها البيروقراطية الاقتصادية من أجل تثبيت سعر القطع.

16- لا توجد أي نوع من أنواع المنافسة بين المصارف من أجل جذب الادخارات، فالمصارف السورية صورة أمينة للبيروقراطية السورية وتشارك في التنمية من خلال خطط تعرف بخطط التسليف، فهي محكومة بدور سلبي يسلبها حق المبادرة والإبداع الخلاق واستخدام الطرق الاقتصادية في جذب المستثمرين.

17- البيروقراطية الاقتصادية ما زالت تستخدم أدوات بيروقراطية في إدارة الاقتصاد وليس أدوات اقتصادية كسعر الفائدة أو معدل الحسم أو عمليات مصرفية مفتوحة، وهذا يعني أن الإدارة الاقتصادية ما زالت تدير الاقتصاد بالأوامر والقرارات والتعاميم، وهي إدارة لم تعد تنسجم مع الواقع في العالم المعاصر طبعاً.

ثالثاً: ملاحظات مستقبلية

18- الادخار في سورية من حيث الحجم المطلق لا يكفي لتمويل متطلباتها من الاستثمار الحقيقي، ولن يكفي في المستقبل القريب، ولكن البيروقراطية الاقتصادية لم تستنفذ إمكانات هذا الشعب بتشجيعه على الادخار.

19- الاستثمار في سورية، هو المحرك الرئيس بالنسبة لعمليات التنمية، وهو الجانب الأهم في عميلة التمويل الإنمائي يجب أن يصبح الشعار الأعلى والحافز الأول لكل نشاطات إدارة اقتصادية كفؤة وفعالة، فالتمويل الداخلي السوري وصل ضمن الظروف المحبطة للأمل وغير المحفزة لا للاستثمار ولا حتى للادخار في حقيقته إلى الذروة على مستوى فئات الدخل الدنيا، وأنا لا أعتقد أن القوى الاقتصادية في سورية حتى تلك التي جعلت منها البيروقراطية الاقتصادية امتداداً ظلي لها طوال كل هذه العقود الراحلة من الزمن تزيد في الحقيقة أن تستثمر المزيد في سورية في إطار الظروف الموضوعية السائدة، فالمردود محدود، والثقة غير متوفرة، يدل عليها الخلاف الخفيف مع البيروقراطيات الاقتصادية والمالية الذي يتم التعبير عنه والخوض فيه تلميحاً على صفحات الجرائد اليومية منذ أشهر أواخر العام الماضي ومطلع العام 2000م.

20- لن تستطيع البيروقراطية الاستمرار طويلاً في سياساتها الانكماشية الحالية إلى مالا نهاية، دون أن تعرض للخطر الكثير مما تود حمايته أصلاً، وأنا أعتقد أنها وصلت بها إلى الطريق المسدود، فسياساتها هذه نتيجتها قتل الدجاجة التي تبيض ذهباً وهي الفرص الاستثمارية بإلغاء مردودها الاقتصادي من ناحية ، وبقاء سعر القطع غير الموحد إلى أجل بعيد جداً، وبالتالي فإن هامش المناورة سيصبح مع مرور الزمن أكثر فأكثر ضيقاً.

21- الاقتراض من سوق الرأسمال العالمي وبمعدلات شروط شبه تجارية سيصبح قريباً البديل والمنفذ، بعد أن كانت بالأمس المساعدات الدولية بالفوائد المخفضة، فالمسألة وفقاً للطريقة التي تتبعها هذه البيروقراطية الاقتصادية مسألة وقت فقط.

22- كل شيء يتعلق بمستقبل الاقتصاد السوري يعمد على كفاءة وخبرة ودراية إدارة اقتصادية تملك قوة المبادرة ورؤى ذاتية تستطيع من خلالها إيجاد حلول تجمع ما بين الواقعية والمثالية، فإذا لم يتحقق ذلك لن تكون محاولة إجراء إصلاح حقيقي مأمول في هذا الوطن أكثر من سحابة صيف ممطرة أو زهرة ربيع وحيدة في صحراء قاحلة معادية، يعاد من خلالها وبعدها تأكيد لحكمة مأثورة عن الآباء والأجداد رحمهم الله (ما فيش فايدة يا ابني) وكلمات التراث المقدس (ولا حول ولا قوة إلا بالله).

23- لقد مضى حوالي العام على محاضرتي حول الإصلاح النقدي والمصرفي في سورية في 13/5/1999 في هذه القاعة، ولم تتخذ البيروقراطية الاقتصادية منذ ذلك اليوم أية خطوة مهما كانت صغيرة باتجاه الإصلاح ناهيك عن التغيير في طرق عمل ذاك القطاع، أو أي شيء باتجاه توحيد سعر للصرف قابل  للصرف دون قيود، ولا أظنها قادرة عليه رغم كل كلماتها المعسولة حول الموضوع لأسباب موضوعية بحتة أهمها عدم توازن ميزان المدفوعات، وعدم استعدادها للنزول باحتياطاتها إلى السوق للدفاع عن السعر، وهكذا فإن أوضاع الاقتصاد السوري ستبقى تراوح بالتأكيد في مكانها على المستقبل المنظور.

إذا كان ينبغي على الإنسان أن يكون كل ما يقوله صادقاً، فليس عليه أن يقول الحقائق كلها

الفيلسوف إيمانويل كانت


المراجع

-         أسعد عبود "البؤس الحقيقي" الثورة الاقتصادي، شباط 2000م.

-         علي حمزة "تشرين" رجال الأعمال والعام 2000م.

-         عبد الفتاح عوض "تشرين" رجال أعمال كبار امتنعوا عن تسديد ديون لمصارف لبنانية 5/1/2000.

-         أنيس حربا "الهدر" تشرين 5/1/2000.

-         فيصل أحمد "الشركات التجمعية إلى أين" تشرين 11/1/2000.

-         عبد الكريم أبي زيد "دبابيس" جريدة نضال الشعب" أعداد متعدد عام 1999 و2000.

-         مداخلات متنوعة لبعض نواب مجلس الشعب تتعلق بميزانية عام 1999م وأحاديث مسجلة في مجلس الشعب.

-          رياض سيف "هموم في الصناعة والسياسة 23/9/1999م، وأحاديث صحيفة عديدة بتواريخ عديدة.

-         بسام جعارة "السوريالية التجارية" الحوار "والإصلاح الاقتصادي" 17 كانون الثاني وشباط 2000م.

-         علي كنعان "الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتضخم في سورية حتى عام 1998م" غير منشورة.

-         ديرك شومر "في الشوق إلى قهر الساعة: إنسان العولمة في دوامة الوقت "فكر وفن عدد 7- 1999م ألمانيا صادرة بالعربية.

-   التقارير السنوية للمصرف التجاري السوري 1987-1998م والمصرف العقاري، ومعلومات مستقاة من الإدارات العامة لكل المصارف المتخصصة وصندوق توفير البريد في سورية.

-   لن يبقى في هذه الدنيا أيها السادة استقرار اجتماعي سكوني، لأن العولمة ستتكفل به بطريقة "الهدم الخلاق" فكرة الاقتصادي النمساوي الأشهر جوزيف شومبيتر، وكلنمات ديرك شومر،

-         مجلة فكر وفن الألمانية عدد رقم 70 السنة 36 العام 1999.

-         Dr M. Riad Abrash, Born in Damascus, Syria. Graduate of Damascus Law faculty. Ph. D. (Eco) the University of Muenster (Westf) Germany. Acted as Director of the various departments of planning ministry of Syria UNDTC chief technical adviser for planning and industrial studies in Pakistan, Deputy minister of State for planning in Syria, UNIDO Industrial Economist in Kuwait, Chief technical adviser of UNDTCD, New York, in Sudan Visiting Scholar in Michigan University in Ann arbor, USA. Lecturer professor at university of Damascus for Post-graduate on public management and bank analysis, International Adviser on industrial planning and project financing, member of international societies. In the realms of world future, human right, international development and financing.

Tel/Fax 00963 11 2779989. E-mail Orincasd. Ymi.com.lb

في النهاية، لا يصح إلا الصحيح، يقول المثل السوري، وتنتصر الحقيقة ولو بعد فوات الأوان (مثل ايرلندي)   

 

 



* أستاذ محاضر للدراسات العليا في جامعة دمشق، ولد في دمشق/سورية، دكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة مونستر في ألمانيا الغربية، مدير لعدد من مديريات وزارة التخطيط السورية، خبير أمم متحدة للتخطيط والدراسات الصناعية لدى جمهورية الباكستان الإسلامية، ومعاون وزير التخطيط في سورية، منسق مشروع التنمية الصناعية لدى وزراء التجارة والصناعة في الكويت، كبير خبراء التخطيط الاقتصادي لدى جمهورية السودان الديمقراطية، أستاذ زائر لدى جامعة مشيغان الأمريكية، مستشار خبير في شؤون التمويل والدراسات المصرفية والعلوم المصرفية والعلوم المستقبلية والاقتصاد الدولي المعاصر، دراسات شؤون المستقبل. له أبحاث عديدة في قضايا اقتصادية محلية وإقليمية ودولية.