3 – 2. هذه التحديات تستدعي عدداً من الحلول
نجملها بالتالي:
- لا شك أن أول الحلول
يكمن في الآثار الإيجابية التي ستترتب على
إرساء جو المنافسة ذاته، واحتدامها في
مواجهة السلع الأجنبية بعد تحصين الإنتاج
السوري، ولفترة طويلة، في خندق الحماية
ومنطقها، أو خلف سياج الاحتكار وريعه.
وستحدث هذه الآثار في المدى القصير
والمتوسط/البعيد. فعلى المدى القصير تمثل
المنافسة حافزاً جوهرياً للمنتج المحلي،
كي يعبئ، عندما يستشعر الخطر، إمكاناته
وكافة موارده المتاحة لتحسين الإنتاج جودة
وسعراً من خلال تعظيم الإنتاجية، وخفض
الفاقد وترشيد الإنفاق، وتنمية المهارات
الفنية والتسويقية، ووضع أنظمة فعالة
للصيانة وإدارة المستودعات ومحاسبة
التكاليف وتدفق المعلومات داخل المنشأة أو
المؤسسة وتحفيز العاملين عبر إشراكهم في
تطوير المنشأة، وتشجيعهم على تقديم
اقتراحاتهم بالتحسين مما يعظم حرصهم على
مصير منشأتهم. كما قد تؤدي إلى دفع المنشآت،
وغالبيتها العظمى عائلية، لتجاوز التفتت،
بالتعاون فيما بينها عبر صيغ شتى، بما فيها
الاندماج، مما يساهم أيضاً في تطوير الهيكل
الإنتاجي وزيادة عائدة وخلق قدرة الإنتاج
من عمالة ورأس مال، وتوجيهها نحو القطاعات
التي تمتع فيها سورية بمزايا نسبية، والتي
يتحقق معها أكبر قدر من القيمة المضافة
محلياً.
- إعادة تأهيل
المنشآت الصناعية المعرضة –للتهديد-
وخاصة في نطاق الفئة التي تستخدم أكثر من 10عمال،
بحيث تعاد هيكلتها لتصبح قادرة على الصمود
والمنافسة، وهذا يقتضي أن نحتذي
بالبرتغال، عندما انتسب للمجموعة
الأوربية بإنشاء صندوق خاص تديره وزارة
الصناعة، ويشتمل على شقين أولهما لتمويل
الاستشارات، وثانيهما لتمويل تنفيذ عملية
إعادة التأهيل والهيكلة. وهذا ما تفعله
الآن بمعونة الاتحاد الأوربي تونس
والمغرب ومصر، حيث رصد له مبلغ 420 مليون
دولار. أما المنشآت المهددة بالزوال فلا
بد من أن تتحد في إطار تجمعات صناعية، ترشد
من خلالها نشاطها الإنتاجي، بتقسيم العمل
فيما بينها، وتأمين مستلزمات الإنتاج
وتطوير مهارات أفرادها بصورة جماعية.
وفيما يتعلق بالمنشآت التي تستخدم أقل من
10 عمال فيتوجب اتخاذ عدد من الإجراءات
الداعمة منها: (أ) إيجاد الأطر المناسبة
وتوفير الحوافز الملائمة لضمها في
اتحادات وجمعيات تعاونية، من شأنها تعظيم
كفاءاتها الإنتاجية والاقتصادية. (ب)
توفير البنية المادية المناسبة لتسهيل
انتظام هذه المنشآت في اتحادات وجمعيات
والمتمثلة بالمناطق الصناعية الخاصة بها،
وتأجيرها أو تمليكها ما تحتاجه من أمكنة
لممارسة نشاطها الإنتاجي، كما فعل العديد
من الدول الأخرى. وتلعب الدولة دوراً
رئيسياً في هذا الإطار.
- تعظيم التصدير من
خلال تنفيذ استراتيجية متكاملة، تشكل
عنصراً أساسياً في استراتيجية التنمية
الاقتصادية الشاملة، تصوغها الدولة مع
القطاع الخاص، وتستهدف زيادة الصادرات
السورية بصورة مضطردة، باعتبارها قارب
النجاة الوحيد أمام شبح نضوب النفط وتصاعد
عجز الميزان التجاري السوري عامة وذاك
المتعلق بالقطاع الخاص. ويجب أن تنطوي هذه
الاستراتيجية على:
تشخيص
دقيق للسياسات واجبة الاتباع حاضراً
ومستقبلاً وللأسواق المستهدفة بالإضافة إلى
سبل تخفيض تكاليف الإنتاج المباشرة، من حيث
المدخلات، وغير المباشرة من حيث الضرائب
والرسوم، وتوفير التمويل المناسب والسماح
للقطاع الخاص بالاستثمار في أي مجال تثبت
فيه جدواه الاقتصادي والاجتماعية، بما في
ذلك تصنيع الغزول القطنية واستغلال الثروة
الرخامية.
- اتخاذ
الدولة للإجراءات المرتبطة بتنفيذ هذه
السياسات:
- تخفيض تكلفة
المدخلات بإلغاء عمولة مؤسسات التجارة
الخارجية على استيراد مستلزمات الإنتاج
للتصدير، وتخفيض الرسوم الجمركية إلى
الحد الأدنى على هذه المستلزمات بالذات،
وتوفير المواد الأولية الوسيطة التي
ينتجها القطاع العام بالأسعار العالمية.
- منح مزايا ضريبية،
من تخفيض ضريبة الدخل على الصادرات
والسماح للمصدرين بالاحتفاظ بعوائد
التصدير لتغطية مستورداتهم الخاصة
بإنتاجهم، وشراء مكتب للمتبقي من عوائد
التصدير بالسعر الفعلي بما يعنيه ذلك من
قطع دابر التصدير الوهمي.
- إعطاء حوافز خاصة
للشركات التجارية المتخصصة بالتصدير،
وللشركات المصنعة للمنتجات ذات
التكنولوجية العالية مثل المكونات.
- توفير التمويل
اللازم لتنفيذ عقود الصادرات بأسعار
تشجيعية، مع الأخذ بمعيار حجم التصدير
كأساس لتحديد سقف القروض والتسهيلات
الائتمانية.
- تسهيل عمليات
الإدخال المؤقت وتطبيق نظام المستودع
الصناعي.
- توفير قاعدة
معلومات مناسبة تشتمل على المعنيين
بالتصدير منتجاً كان أم تاجراً، الأسواق
المستهدفة ومواصفات السلع المطلوبة
والمستوردين المحتملين في هذه الأسواق.
- تنشيط المشاركة
السورية في المعارض الخارجية إذ لا يتجاوز
عدد المعارض التي تشارك فيها الآن ثلاثة
معارض بعد أن كانت تشارك في سبعة عشر
معرضاً في منتصف الثمانينيات.
- إحكام الرقابة
الصارمة على الصادرات لاحترام المواصفات
المتفق عليها مصحوبة بالمؤيدات الزاجرة.
- وضع خطط ديناميكية
للتصدير تشتمل على تحديد أهداف كمية معينة
في زيادة الصادرات، بالاتفاق مع الجهات
المنتجة أو المصدرة، مقرونة بمنح جوائز
تقديرية منوية لأبرز المصدرين.
3 – 2 – 1. تعبئة الاستثمار
إن أهمية
هذا الموضوع الحيوي تتطلب إيضاح النقاط
التالية:
- يرتدي هذا
الموضوع أهمية خاصة، إذا ما عرفنا أن
اتفاقية الشراكة السورية الأوربية لا
تنطوي على أي نص يقتضي بتعويض عجز ميزاننا
التجاري، الذي سيتصاعد مع الاتحاد
الأوربي بعد تطبيق الاتفاقية، بتدفق
مناظر للاستثمار نحو سورية، كما تفعل
الولايات المتحدة مع المكسيك، باعتبار
التوازن بين تدفق السلع وتدفق
الاستثمارات يشكل هدفاً نصت عليه اتفاقية
"النافتا" NAFTA.
وهذا ا فعلته اليابان أيضاً مع جاراتها في
شرق آسية.
- إن تعبئة
الاستثمارات الوطنية من الادخار المحلي
هي الأساس ويجب أن تكون الأصل. والنجاح في -اجتذابها
واجتذاب استثمارات المغتربين السوريين–
هو الشرط المسبق لاجتذاب الاستثمارات
الأجنبية، على أن نتنبه إلى ضرورة قصرها
على الاستثمارات المباشرة FDI
وتوجيهها نحو القطاعات ذات الأولوية
والتي من شأنها تدعيم القدرة التكنولوجية
الوطنية، وأن لا نسمح بتوظيفها في
الاستثمار المالي (في الحفاظ أو للمضاربة
الوطنية). ولنا في الأزمة التي عصفت بدول
شرق وجنوب شرق آسية عام 1997، وتلك التي
أحاقت ببورصة القاهرة قبل عامين، شاهد
قاطع على خطورة الاستثمار المالي على
الاقتصاد الوطني.
- صحيح أن القطاع
الخاص يتحمل مسؤولية هامة في تعبئة
الاستثمار وضخمة جداً في توظيفه، ولكن
صحيح أيضاً أن التجربة التاريخية في شرق
آسية أفادت بأن الدولة كانت المحرك الأول
والعنصر الأساسي في تمويل السياسة
الصناعية، خاصة بما يسمى (Fiscal Investment and
Loans) FIL . وقد تم ذلك، ليس
من موارد الميزانية العادية، ولكن
باستخدام موارد من خارج الميزانية (مثل
القروض الخارجية بضمان الدولة والودائع
الخاصة لدى بنوك القطاع العام وصناديق
التوفير وصناديق التقاعد). وجدير بالذكر
أن هذه القروض لا تظهر في الإحصاءات التي
ينشرها صندوق النقد الدولي ( IMF)
كجزء من الإنفاق العام. غير أنها بلغت
حجماً يماثل الإنفاق العام المدرج في
الميزانية تقريباً. ووفقاً لتقديرات
صندوق النقد الدولي فقد بلغت نسبة إنفاق
السلطات العامة في اليابان (الميزانية
العادية) 15-20%. من الناتج المحلي الإجمالي
خلال السبعينيات والثمانينيات. إلا أن هذه
النسبة تصل، إذا ما أضفنا تلك القروض إلى
35-45%. ويصدق الأمر نفسه على كورية إذ يتضاعف
حجم الإنفاق العام إذا ما أضيفت له القروض.
وترفع، وبصورة ملحوظة جداً، نسبة عجز
الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي (من
1-11%).
- أولويات
الاستثمار: لا بد من تحديد واضح لهذه
الأولويات تجنباً لنمو عشوائي غير متوازن.
- فعلى مستوى
الصناعة يمكن أن تسير على التوازي في:
- خط الصناعة
التقليدية والتكنولوجية الوسيطة، أي
صناعة النسيج والألبسة،إذ يجب تصنيع
القطن السوري بكامله وتصديره نسيجاً
وألبسة، والصناعات الغذائية الخاصة
بتصنيع المنتجات الزراعية المحلية بدءاً
من القمح مروراً بالزيتون وانتهاءً
بالخضار والفواكه.
- خط
التكنولوجية العالية مثل صناعة المكونات
أو قطع الغيار الميكانيكية والكهربائية،
التي تنتج عادة من خلال العقود الفرعية Subcontracting،
وهي تنطوي على تشكيلة واسعة جداً وتحقق
حداً عالياً من القيمة المضافة، كما
يتعاظم التوجه لدى الدول المتقدمة لتعميم
هذا النوع من العقود مع الدول النامية،
التي تتوفر لديها شروط التصنيع المناسب
لهذه السلع جودة وتكلفة.
- خط التكنولوجية
الرفيعة والمتطورة القائمة على ثورة
المعلوماتية التي تجسد المستقبل: صناعة
المكونات الإلكترونية وصناعة البرمجة
وتطبيقاتها، والتي يمكن أن تصبح سورية
معها مركزاً لتصدير خدماتها إذا ما تابعنا
وطورنا مسيرة الرعاية التي تحظى بها
المعلوماتية من جهة أخرى.
- وعلى مستوى
التجارة يمكن التركيز على هدفين: أولهما
إقامة شركات متخصصة بتصدير الإنتاج
الزراعي والصناعي والحرفي السوري، بحيث
تشكل صلة الوصل بين المنتج المحلي
والمستورد الخارجي، كما هو الحال في الدول
الآسيوية، وهذا عمل يتطلب مهارات خاصة
ونفقات هامة لتعميق المعرفة بالأسواق
الخارجية وتكوين شبكة العملاء فيها، وهو
أمر تعجز منشآتنا الإنتاجية عن القيام
منفردة به. وثانيهما هو تشكيل الشركات
القابضة (Holding co.)
مهمتها تنشيط الاستثمار من خلال اكتشاف
فرصه، والترويج لها لدى المستثمرين
والمواطنين. وتساهم هي بنسبة لا تتجاوز 5-10%
في كل مشروع. بحيث تضفي على المشروع
المصداقية التي تجتذب المستثمر.
- وعلى
مستوى السياحة فمن الضروري توظيف ثراء سورية
الاستثنائي بالمواقع السياحية بصورة أكثر
فعالية من خلال إيجاد البيئة التحتية
المادية، وخاصة فنادق الثلاث نجوم والبنية
الفوقية بتأهيل الأفراد العاملين في
السياحة وتطوير النمط السياحي ليشمل
السياحة الجماعية لكافة الشرائح متوسطة
الدخل وتوفير التمويل اللازم للتسليف
السياحي، ومنح التسهيلات للمجموعات
السياحية إلى سياحة التسوق والسياحة
العائلية والفردية. لأن السائح من هاتين
المجموعتين ينفق في البلد أضعاف ما ينفقه
سائح المجموعات السياحية.
- أما
على مستوى الخدمات فإن سورية تفتقد حلقة
هامة من سلسلتها، وهي بيوت الخبرة
الاستثمارية المتكاملة التي تدرس اقتصادية
المشروع وتضع تصميماته وتشرف على تنفيذه،
سواء في مشاريع البنية التحتية من طرق وجسور
وسدود وأبنية، أو في المشاريع الصناعية حيث
تقوم هذه المكاتب بدراسة الجدوى الأولية ثم
التفصيلية بما فيها اختيار المنتج المناسب
وتحديد البدائل التكنولوجية وتصميم الخط
الإنتاجي ووضع خطة لتأهيل وتدريب المدراء
والمهندسين والفنيين منذ بداية التنفيذ.
صحيح أن عامل الطلب على هذه الخدمات كان
مفقوداً، إذ لم تعره الدولة أي اهتمام يذكر
في كل الاستثمارات التي نفذتها خلال العقود
الفائتة، مفضلة التعاقد بطريقة المفتاح
باليد ( Turn Key Job). كما أن
القطاع الخاص لم يلجأ لمثل هذه الخدمات، مع
أنه ينفق مئات الملايين على شراء المعدات
والآلات والأعمال الإنشائية، ويبخل بالجزء
اليسير منها للإنفاق على مثل هذا العمل الذي
يحكم مستقبل المشروع. وهذا يفسر إلى حد كبير
كثيراً من الظواهر السلبية. كانخفاض معدلات
التشغيل وارتفاع التكلفة، ناهيك عن
المفاجآت الكثيرة التي يواجهها المستثمر
بعد البدء بالتشغيل. ولكن صحيح أيضاً أن جانب
العرض كان ولا يزال –بصورة عامة- غائباً.
علماً بأن البيوت الاستشارية تلعب دوراً
حيوياً في الدول المتقدمة أو لدى النمور
الآسيوية، وتمثل مراكز هامة لتراكم الخبرة.
ويجب بهذا الصدد، التذكير بضرورة ربط أي
ترخيص لأي مشروع يتجاوز حجم الاستثمار فيه
حداً معيناً، بتقديم دراسة جدوى بالمعنى
المهني للكلمة، وليس بمجرد ملء استمارة كتلك
التي تقدم إلى مكتب الاستثمار للتشميل
بالقانون رقم /10/. ففي ذلك مصلحة للمستثمر قبل
اية جهة أخرى.
3 – 2 – 2.
تكوين وتدريب الموارد البشرية
لئن كان
لإجماع منعقداً على أن الدولة هي الجهة التي
تعني بقطاع التربية والتكوين المهني من خلال
الجامعات والمعاهد الفنية ومراكز التدريب،
فإن المستثمر أو رب العمل هو المسؤول عن
تكوين وتدريب الأفراد الذين يعملون في
منشأته لتشغيلها على الوجه الأمثل. أي في
حالة الصناعة مثلاً، يجب أن يبدأ التدريب
منذ الاتفاق مع الجهة الموردة للآلات والخط
الإنتاجي، وذلك بإيفاد العدد اللازم من
المهندسين والفنيين، وحتى الإداريين في بعض
الحالات، إلى مكاتب الشركة الأجنبية
المذكورة، ليعملوا يداً بيد، ومن البداية مع
المختصين لديها أثناء فترة تصميم المبنى
والخط الإنتاجي وتصنيع الآلات وتركيبها
وتشغيلها. وهذا ما تفعله الدول الآسيوية
كالصين وكورية. لأن السبيل الأوحد لاكتساب
واستيعاب التكنولوجية يتم عبر هذا النوع من
الممارسة. على أن عملية التدريب يجب أن تكون
سياسة مستمرة وشاملة للعاملين في المنشأة
طيلة حياة المشروع. م أجل تحديث معارفهم
وتدعيم قدراتهم، مما يشكل الضمان الأفضل
للتعظيم العائد والإنتاجية ومن ثم تدعيم
القدرة على المنافسة. وهذا منهج واجب
التطبيق في أي مشروع إنتاجياً كان أم خدمياً.
3 – 2 – 3.
الإدارة الكفوءة والجودة
إن
العائد الاستثماري الجيد لا يتأتى في ظل
المنافسة، إلا إذا أحسن استخدام الموارد،
بما ي ذلك البشرية منها، أي وهذا ما يسمى
بالإدارة القديرة التي تستهدف بلوغ أعلى
مستوى من جودة السلعة وبأقل ما يمكن من
التكلفة. أي العمل على تطبيق ISO 9000
فعلياً، وليس مجرد الحصول على شهادة الآيزو،
التي تراءى للبعض أنها المفتاح السحري لدخول
الأسواق. إن تحقيق ذلك يتطلب بطبيعة الحال
إدارة ذكية متبصرة، على قدر رفيع م الكفاءة
في إدارة كل مرحلة من مراحل إنتاج السلعة أو
الخدمة. وذلك بدءاً من توفير مستلزمات
الإنتاج إلى إدارة المستودعات،إلى الخط
الإنتاجي، بما في ذلك الصيانة المنظمة
والرقابة الصارمة على الجودة، إلى التعبئة
والتغليف والتسويق وخدمة ما بعد البيع، مع
كل ما يستدعيه ذلك كله من حسن إدارة الأفراد
واستنهاض قدراتهم وإدارة الشؤون المالية
ومحاسبة التكاليف وأنظمة تدفق المعلومات MIS.
3 – 2 – 4.
التكافؤ في شروط العمل بين سورية والدول
العربية الأخرى
من الضروري
إيجاد حد أدنى من التكافؤ في شروط العمل
الاقتصادي بين الفاعلين الاقتصاديين
السوريين وزملاؤهم العرب حتى تكتمل أركان
المنافسة الحقيقية. وإلا فإنها تنتفي إذا ما
وضعنا في السباق عداء مكبلاً بعديد من
القيود والمحددات مع آخر طليق الحركة. وأبرز
المجالات التي تتطلب إعادة نظر من أجل تحقيق
التكافؤ المنشود، بالإضافة إلى ما سبق ذكره
في معرض تعظيم التصدير، هي التي تخص:
- النظام الضريبي
الذي ينبغي تطويره باتجاه التخفيض
والتبسيط، مع الارتفاع بالأداء الضريبي
عبر وضع ضوابط فعالة، تطبق بشفافية وعدل
وتقترن بمؤيدات حازمة.
- تطوير النظام
الجمركي سواء من حيث التعرفة الجمركية
لتكون أكثر كفاءة وعدلاً أو من تبسيط
الإجراءات والمعاملات، أو من حيث القضاء
على التلاعب بفواتير المستوردات.
- النظام المصرفي
الذي يستلزم تطويراً جذرياً كما سنرى فيما
بعد.
رابعاً: تطوير مناخ الاستثمار
لم ينجح
قانون الاستثمار رقم /10/ في اجتذاب الاستثمار
الوطني إلا في حدود ضيقة جداً ناهيك عن ضآلة
حصة المشاريع الإنتاجية أو الخدمية التي
تساهم فعلاً في زيادة القيمة المضافة. كما أن
الاستثمارات الأجنبية ظلت شبه معدومة.
وباختصار فقد خابت الآمال التي كانت معقودة
عليه بالرغم من الامتيازات الضريبية
الممنوحة. وتبين بجلاء أن هذه المقومات لا
تشكل أكثر من عنصر من كل لا يتجزأ، وقد لا
يكون أكثر العناصر أهمية، ولا بد من ثم، من
توفر عدد من المقومات الأخرى لا يستهان بأي
منها، والتي إذا ما وجدت معاً، أمكن القول
بتوفر مناخ مناسب للاستثمار يسمح للقطاع
الخاص السوري أن يوظف الاستثمارات بوتائر
تتحسن تدريجياً مع تصاعد الطمأنينة والثقة
بالمستقبل وانحسار حالة عدم اليقين. ويمكن
تكثيف هذه المقومات بخمسة:
4 –
1. البنى التحتية
تفتقر
سورية إلى المناطق الصناعية المتكاملة التي
تشتمل على جميع المرافق وتتكامل فيها كافة
الخدمات، بما فيها توفر منطقة جمركية حرة
يتم فيها تخليص السلع المستوردة أو المصدرة،
وترتبط بشبكة الطرق البرية والسكك الحديدية.
إذ لم تعد المناطق الصناعية مجرد مكان تتجمع
فيه الصناعات بعيداً عن المناطق الحضرية أو
الزراعية، وإنما مراكز جذب للاستثمار
الوطني والأجنبي. ويجب توجيه موارد التعاون
الفني الثنائي مع الدول الأجنبية،
والأوربية بالذات، إلى تنفيذ هذه المناطق
وخاصة مع فرنسة وإسبانية المشهود لهما
بالنجاح في هذا المجال, ومن جهة أخرى لا بد من
توفير خدمات البنية التحتية الضرورية
للاستثمار من كهرباء وماء وهاتف وصرف صحي،
بالإضافة إلى البريد الإلكتروني والإنترنت,
بأقصى سرعة ممكنة وبأيسر السبل، ووجود موانئ
بحرية وجوية تعمل بكفاءة عالية.
4 – 2. تكوين الموارد البشرية
في دراسة
قام بها البنك الدولي شاملة 122 دولة استهدفت
معرفة مدى إسهام العوامل المختلفة في
الإنتاجية، تبين أن 64% تعزى لرأس المال
البشري. وعلى هذا فقد أصبح توفر الكفاءات
المزودة بالمعارف والمهارات الفنية
والإدارية على كافة المستويات وفي مختلف
الفعاليات الفنية والمالية والإدارية بما
فيها السكرتارية، ركناً أساسياً وجوهرياً
في المناخ الاستثماري المطلوب، ومن ثم فإن
من الأولويات المطلقة إصلاح النظام التربوي
والتعليمي وربط المناهج الدراسية في
الجامعات والمعاهد بالحياة اليومية وبحاجات
المجتمع الاقتصادية واستيعاب الخبرات
والتجارب الفنية والإدارية التي مرت بها
البلد. وإذا كان الإصلاح يستلزم وقتاً
طويلاً، فما علينا إلا أن نزاوج في وقت واحد
بين إصلاح القديم وإحداث الجدي، مثل:
- الإسراع باستكمال
تهيئة المعهد العالي للإدارة ليبدأ عمله،
مع التذكير بضرورة إدخال تعديلات أساسية
على مرسوم إحداثه باتجاه الاستقلالية، كي
يتمكن من تحقيق الآمال المعقودة عليه
بتخريج كوادر الإدارة العليا التي نحن
بأشد الحاجة لها.
- إنشاء معهد عالٍ
للغزل والنسيج كما فعلت المغرب وتونس.
- ومن جهة أخرى
تطوير إحدى مدارس أو كليات الهندسة بصورة
جذرية لتكون معهداً عالياً كالبوليتيكنيك
وبمستوى متميز. معيار الانتساب إليه هو
الكفاءة من خلال النجاح في مسابقة الدخول،
ولا يخالطه أي معيار ذاتي آخر. وكذلك تطوير
المعاهد التجارية المتوسطة، أو بعضها على
الأقل، لتخريج كوادر السكرتارية المتقنة
لمبادئ تنظيم المكاتب والأرشيف وإحدى
اللغات الأجنبية. إذ نفتقر بشدة لمثل هذه
الكوادر.
4 – 3. تطوير الجهاز المصرفي
لا يمكن
لأحد أن يتصور اقتصاداً يتحرك بشيء من
الديناميكية بدون جهاز مصرفي فعال، الذي
يعتبر عصب الحركة الاقتصادية. ونظراً لحالة
التدهور القائمة التي تعصف بنظامنا
المصرفي الحالي، تصبح قضية تطويره أولوية
عاجلة. إذ يستحيل اجتذاب الاستثمارات
الخارجية، وهي استثمارات المغتربين، في
غيبة نظام مصرفي كفء. ومن ثم يكون ضرورياً
القيام بالتالي:
- إعادة هيكلية
المصرف التجاري السوري بهدف رفع كفاءته
وتسريع إنجاز المعاملات المصرفية اليومية
باستخدام الأتمتة تسهيلاً وتبسيطاً
للمعاملات الورقية.
- إعادة السماح
للمصرف التجاري السوري اللبناني بفتح
فروع في سورية كما كان معمولاً في السابق
حتى عام 1986.
- الإسراع بإقامة
مصرف أعمال مشترك يساهم فيه القطاع الخاص
ويديره وفق الأساليب في إدارة المصارف
ليكون مؤسسة مالية كفوءة قادرة على
استقطاب مدخرات السوريين في الداخل
والخارج، وتنشيط العمل الاقتصادي
والاستجابة لمتطلباته. وقد سبق لغرفة
تجارة دمشق أن رفعت إلى رئاسة مجلس
الوزراء مشروعاً بذلك.
- حقن هذه المصارف
بودائع من صندوق المعاشات حتى يمكن توسيع
التسهيلات المصرفية متوسطة وطويلة الأجل
التي تمنح وفق الأسس المعمول بها عالمياً.
4 – 4. البنية التنظيمية والإدارة الكفوءة
لا يستطيع
القطاع الخاص أن يلعب دوره كفاعل أساسي في
تنفيذ خطط التنمية وتحقيق النمو، إلا إذا
مارست الدولة بفعالية المهام المطروحة
أمامها في وضع قواعد المنافسة لممارستها
بكفاءة وحمايتها من سوء التطبيق، وفي
التصدي بحزم للممارسات الاحتكارية
والسلوكيات الساعية للكسب الريعي والربح
غير المشروع، وفي تعبئة الموارد المالية
لتوظيفها في استثمارات مجدية وتقوم بدعم
وإرشاد وتنظيم أمور القطاع الخاص الناشئ (بمفهوم
رجل الأعمال وليس السمسار) لمواجهة متطلبات
المنافسة في السوق العالمية ورفع مؤهلاته
لارتياد هذه السوق. وبمعنى آخر لا بد من
توفر حكومية فعالية قادرة على:
- العمل في إطار
استراتيجية اقتصادية واضحة توفر رؤية
جلية للمستثمر ليستشف ما سيكون عليه
المستقبل مما يسهم في ضمان صحة القرار
ويزيد من الإقبال على استثمارات طويلة
الأجل.
- تطبيق الأطر
والتشريعات القانونية والتنظيمية بذكاء
ونزاهة مع الأخذ بالاعتبار ضرورة تبسيط
تلك التشريعات (بما فيها الضريبية وأحكام
التجارة الخارجية والاستثمار وتدفق رأس
المال).
- إيجاد المؤيدات
التشريعية لتدعيم المناخ الاستثماري
وإشاعة الثقة لدى الجميع من خلال جهاز
قضائي فعال يطمئن له المواطنون
والمستثمرون لحل المنازعات فيما بينهم،
وبينهم وبين الأجهزة الحكومية عبر
إجراءات قضائية سريعة وعادلة وتنفيذ فوري
للأحكام الصادرة. وبحيث يسود جو من
الانضباط يركن له المستثمر، ويثق بأنه لن
يتعرض للابتزاز، ولن يضيع مالاً ووقتاً
للحصول على حق يكفله له القانون.
4 – 5. الهيئة العامة للاستثمار
لقد أثبتت
التجربة السورية بعد صدور قانون الاستثمار
وتطبيقه على الوجه الذي نعرفه، أن الحاجة
ماسة لإيجاد هيئة أو مؤسسة لترويج
الاستثمار، ولا يقتصر عملها على مجرد
التشميل، التي لا تعدو أن تكون مرحلة
روتينية، ولكن تمتد إلى كافة مراحل
الاستثمار من الترويج إلى التنفيذ مروراً
بتوفير المعلومات. وهذا يقتضي أن تقوم
بالتالي:
- توفير قاعدة
المعلومات الاقتصادية الشاملة لمؤشرات
الاقتصاد الكلي والمعطيات الخاصة
بالاقتصاد الجزئي والقطاعي وهذه الأخيرة
تقتضي إجراء المسوح الشاملة، التي يمكن في
ضوئها معرفة الواقع الحقيقي وإمكانات
الاستثمار المتاحة لكل من القطاعات وخاصة
الصناعة والسياحة والزراعة هذا بالإضافة
إلى المعلومات الخاصة بالتشريعات القائمة
وأولويات الاستثمار وإجراءات تنفيذه.
- استشعار فرص
الاستثمار وإعداد الجدوى الأولية أو حتى
النهائية أحياناً عن هذه الفرص، بحيث
تختصر جهداً على المستثمر وتنير له الطريق
وقد تشكل بحد ذاتها حافزاً على الاستثمار.
- تجنب العقبات
البيروقراطية وإعادة تنظيم إجراءات
الترخيص والتعديل والحصول على كافة
الخدمات المرتبطة بتنفيذ الاستثمار في
اتجاه التبسيط والوضوح، بحيث ينتفي
التبعثر المكاني ويؤخذ بمبدأ "النافذة
الواحدة"، بمعنى اكتمال كافة الإجراءات
في قاعة واحدة، تضم مكاتب لجميع الجهات
الرسمية المعنية من وزارات ومصرف مركزي
ومؤسسات الخدمات العامة (كالطاقة
والاتصالات)، ويكون كل منها مخولاً بالبت
فيما يعرض عليه، كما فعلت تونس وتبعتها
ساحل العاج وأخيراً لبنان والأردن.
الخلاصة
- إن الشراكة
الحقيقية بين الدولة والقطاع الخاص أمر
حيوي وبالغ الأهمية. كما أن مفهوم "الأمة
المؤتلفة"، حيث يعمل كل من الحكومة
والقطاع الخاص والنقابات والمنظمات غير
الحكومية –كفريق عمل واحد يردف ويرفد بعضه
بعضاً- يمثل أداة ذات شأن حاسم للنمو
وللتنمية. غير أنه يجب أن نحذر جداً من تردي
هذه العلاقة إلى تحالف موبوء بين الحكومة
وجماعات المصالح Interest Groups
من القطاع الخاص. إذ يفترض بالحكومة أن تظل
حيادية لا تتحيز لقطاع أو لشركة ما في
الخفاء أو العلن.
- إن جودة أداء
الدولة على مستوى الاقتصاد الكلي، وحسن
أداء القطاع الخاص على مستوى الاقتصاد
الجزئي هما عاملان متكاملان، يشكلان معاً
طرفي المعادلة، ولا تقل أهمية أحدهما عن
الآخر. فهما وجهان لعملة واحدة ووحدة
المصير تشمل كليهما.
- إن الاستثمارات
الأجنبية المباشرة على أهميتها ليست
بديلاً للاستثمار الوطني وإنما تتممه.
- لا يستطيع بلد أن
ينهض باقتصاده ويستقطب الاستثمار الوطني
أو الخارجي إلا إذا كانت لديه سياسات تتسم
بالتماسك والاتساق والشفافية والقابلية
للتنبؤ.
- يجب أن تندرج هذه
السياسات في استراتيجية اقتصادية اجتماعية
متكاملة، من خلال شمولية، تتميز بوضوح
الأهداف، وجلاء السياسات والإجراءات
والسبل المحققة لهذه الأهداف، وتبرز مراحل
التنفيذ، وتحدد وتجدد المؤسسات القادرة
على تنفيذها بحزم ونزاهة. إن إنجاز هذا
العمل هو حتماً بالنسبة لسورية، أكثر
الأمور إلحاحاً واستعجالاً.
د. خالد عبد النور
الصفحة السابقة - الفهرس