ثانياً: القطاع الخاص
في ظل الحماية أكدت الحماية
قبل الحرب العالمية الثانية، تستهدف حماية الصناعة في الدول المتقدمة من بعضها. فيما
قامت الحماية في الدول النامية كرد من بعضها، وبالذات في أمريكة اللاتينية، على التطورات
التي حدقت في الاقتصاد الدولي: الأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات، تصاعد سياسة الحماية
في الدول الصناعية مثل قانون Smoot-howly
لعام 1930 في الولايات المتحدة، ومن ثم انخفاض الطلب على المواد الأولية من الدول
النامية وتناقص أسعارها- وهو ما يسمى بتدهور شروط التبادل-، إضافة إلى اضطرابات التبادل
التجاري نفسه التي ترتبت على قيام الحرب العالمية الثانية. وكان الرد متمثلاً منذ
بداية الأربعينيات بتنمية الصناعة لديها، موجهة إلى السوق الداخلية لتحل محل الاستيراد،
وضماناً لتطورها كان لا بد من الحماية. ثم جاء Prebisch
ليعطي الأساس النظري لهذه السياسات، مؤكداً أن السياسة الاقتصادية في دول أمريكة
اللاتينية يجب أن تصاغ، بحيث تواجه العقبات الخارجية التي تحول دون نموها والمترتبة
على علاقة التبعية وعدم التكافؤ بين دول المركز في الشمال المتقدم وبين دول التخوم
النامية في الجنوب المتخلف. والتصنيع المحمي هو السبيل إلى ذلك، وهذا هو الأساس لنظرية
الإحلال محل الواردات وما تستوجبه من حماية وهي السياسة التي انتهجتها سورية منذ
ستينيات القرن العشرين. ولا بد بداية
من التعرف على دور القطاع الخاص إجمالاً في الاقتصاد الكلي من خلال الإحصاءات الخاص
بتكوين رأس المال الثابت والاستثمار والتجارة الخارجية ودوره في قطاع الصناعة التحويلية
تحديداً.
2 - 1. في الاستثمار
- فقد حققت زيادة
استثمارات القطاع الخاص، بالنسبة لسنة 1991،
وبفضل قانون الاستثمار رقم /10/، طفرة كبيرة
خلال الفترة 1992-1995. إذ وصلت هذه الزيادة
ذروتها في عام 1994 بنسبة 62% وعام 1995 بنسبة 58.5%.
ومنذئذٍ بدأت هذه النسبة بالانخفاض، لتصل
عام 1996 إلى 12% وعام 1997 إلى 14%، وذلك بعد أن
تناقص حجم الاستثمار بالنسبة لعام 1994 بمعدل
10% عام 1996 وبحوالي 30% عامي 1997 و1998.
- واتجهت نسبة
مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمار
ذات الاتجاه. فبعد أن كانت هذه
الاستثمارات تشكل حوالي ثلثي الإجمالي –أي
ضعف استثمارات القطاع العام- عامي 1992 و1993.
عادت هذه النسبة إلى الانحدار عام 1996 حيث
بلغت 52%. واستمر هذا الانحدار ليصل إلى ما
يزيد قليلاً عن 40% عامي 1997 و1998.
- ولا شك أن
التناقص، في حجم استثمار القطاع الخاص،
ونسبة مساهمته، يعكس حالة عدم اليقين التي
اجتاحت المستثمرين من القطاع الخاص بسبب
سوء تطبيق قانون الاستثمار رقم /10/، خاصة
في تصاعد العقبات البيروقراطية التي
تتمثل في التعدد غير المبرر للجهات
الوصائية وتبعثرها المكاني والتماهل
المجهد للمستثمر. واختلاف الإدارات في
تفسير النصوص، مما يفرض عليه تكرار
المراجعات، بما يعنيه من مضاعفة الوقت
اللازم للإنجاز مرات ومرات وتفاقم قدرة
الإدارات على ابتزاز المستثمر، وما ينطوي
عليه ذلك كله، من تزايد التكلفة بنسبة
عالية للحصول على الخدمات الضرورية
لتشغيل منشآته من طرق وكهرباء ومياه
وهاتف، وبالتالي من تبديد قاهر للجهد
والمال.
2 – 2. مؤشرات التجارة الخارجية
- يعاني الميزان
التجاري السوري عامة عجزاً كبيراً، وصل
بالرغم من صادرات النفط إلى 35% عام 1991، وظل
في حدود 25% في الأعوام 1993 و1996 و1998، ويظل عام
1997 استثناء إذ انخفض هذا العجز إلى 3% فقط
بحكم انخفاض الواردات بمعدل 25% بالنسبة
للسنة التي سبقتها. وإذا ما وضعنا الصادرات
النفطية جانباً تفاقم هذا العجز ليبلغ
بالمتوسط الثلثين، إذ بلغ أقصاه عام 1996
بنسبة 73% وأدناه في العام الذي يليه بنسبة
57%.
- وقد بدأت
استيرادات القطاع الخاص بالتزايد منذ عام
1992 (حيث ازدادت بمعدل الضعف عن عام 1991)،
وتصاعدت هذه الزيادة مقارنة بـ 1992، خاصة
عامي 1994 و1996، إذ بلغت 56% و51% على التوالي،
لتنخفض عام 1997 إلى 29%، أما نسبة مساهمة
استيراد القطاع الخاص في إجمالي
الاستيراد السوري فقد ظلت خلال الفترة
1992-1996 في حدود 63% لترتفع إلى 70% في العامين
1997 و1998.
- أما صادرات
القطاع الخاص فقد بدأت بالتزايد بعد عام
1992 –التي نتخذها سنة
الأساس-. إذ بلغت هذه النسبة ذروتها عام 1994
لتصل إلى 85% مقارنة بالسنة المذكورة و72%
عام 1995. إلا أن نسبة هذه الزيادة بدأت
بالانحدار منذ عام 1996 إذ انخفضت إلى 38%
وإلى 25% عام 1997. بل انحدرت عام 1998 إلى مستوى
سنة الأساس تقريباً. ومن جهة أخرى ازدادت
حصة القطاع الخاص من إجمالي الصادرات
السورية بدون النفط الخام من 53% عام 1992 إلى
حوالي 62% بالمتوسط خلال الفترة 1993-1996 علماً
بأنها ارتفعت إلى حوالي 70% عام 1994، لتنخفض
عامي 1997 و1998 إلى حوالي 48%.
- على أن تغطية
صادرات القطاع الخاص لوارداته اقتصرت على
معدل بحدود 30% خلال الأعوام 1992 و1993 و1997
ارتفع إلى 36.5% بالمتوسط أثناء الفترة 1994-1996
لينخفض عام 1998 إلى 25%. أي أن العجز في
الميزان التجاري للقطاع الخاص تراوح خلال
الفترة 1992-1998 بين 62.5% (1996) و75% (1998).
2 – 3. في الصناعة التحويلية
- على الرغم من
القفزة التي حققها الاستثمار الخاص في قطاع
الصناعة عام 1996 إذ تضاعف رأس المال
المستثمر حوالي مرتين ونصف عما كان عليه
الحال في عام 1995، إلا أنه بدأ بالتراجع
منذئذٍ فانخفض الاستثمار الصناعي عام 1997
بمعدل 9% وبمعدل 70% عام 1998 عما كان عليه الحال
عام 1996.
ومن جهة
أخرى لم تتجاوز المشاريع الصناعية التي نفذت
فعلاً في ظل قانون الاستثمار رقم /10/ حتى
نهاية عام 1998، 196 مشروعاً برأسمال يقارب 24.5
مليار ل.س. خلقت 8185 فرصة عمل. وهي أرقام لا
تمثل بالنسبة للمشاريع المشملة أكثر من 21% من
عدد المشاريع و6.5% من رأس المال و10.3% من عدد
العمالة.
- بلغت نسبة مساهمة
القطاع الخاص في قيمة إنتاج قطاع الصناعة
التحويلية حوالي النصف في عامي 1994 و1995،
ارتفعت إلى 55% عام 1996 و57% عام 1997. وفي الوقت
الذي تزايدت فيه القيمة المضافة التي
ينتجها القطاع الخاص الصناعي بنسبة 45% عام
1996 و69% عام 1997 عما كانت عليه عام 1995 فإن
نسبة مساهمة القطاع الخاص في إجمالي
القيمة المضافة لقطاع الصناعة التحويلية
قد ارتفعت من 52.5% عام 1995 إلى حوالي 62%
وحوالي 73% عام 1997.
- يشكو الميزان
التجاري لقطاع الصناعة التحويلية (أي نسبة
تغطية صادراته إلى وارداته) من عجز يبلغ
بالمتوسط خلال الفترة 1995-1998 حوالي 77.7%. إذ
بينما انخفضت مستورداته خلال الفترة
ذاتها بنسبة 20% فقد هبطت صادراته بمعدل 33%.
وعلى الرغم من انخفاض استيرادات القطاع
الخاص، بالمقارنة مع عام 1995، بنسبة 12% عام
1997 و7% عام 1998، فإن حصته من إجمالي استيراد
قطاع الصناعة التحويلية قد ارتفعت من 63%
عام 1994 إلى 74% عام 1998.
- أما صادرات القطاع
الخاص الصناعي فقد أخذت مسار الانخفاض بعد
عام 1995، إذ انخفضت عام 1996 بمعدل 32% عن العام
المذكور ثم بمعدل 43% تقريباً في العامين 1997
و1998. كما تضاءلت حصته خلال الفترة ذاتها من
إجمالي الصادرات الصناعية من 71$% إلى 60%.
ومن جهة أخرى فقد انحدر أيضاً معدل تغطية
صادراته لوارداته من 30% عام 1995 إلى حوالي 19%
في الأعوام الثلاثة اللاحقة 1996-1998. أي أن
عجز الميزان التجاري للقطاع الخاص
الصناعي بلغ 81% خلال الفترة الأخيرة
المذكورة.
2 – 4. وهنا يطرح السؤال نفسه عما أعطت الحماية من
إيجابيات و ما ترتب عليها من سلبيات
- لا مراء بأن
الحماية أنتجت بعضاً من الآثار الإيجابية،
إذ كلفت حداً أدنى –على
الأقل- من الأمان وتقليل احتمالات المخاطر
للمستثمر الخاص، كي يأخذ المبادرة وما يلزم
لتنفيذها، بعد أن ضمن عدم المنافسة
الخارجية والداخلية أحياناً إذا ما كان حجم
المشروع كبيراً. ومن ثم كان ذلك حافزاً
للاستثمار، سواء في صناعات قائمة أو في
صناعات جديدة خاصة بعد أن انحسر احتكار
القطاع العام لكثير من الصناعات التي كانت
وقفاً عليه، وبالذات في السنوات الخمس
الأولى التي تلت عام 1991 التي صدر خلالها
قانون الاستثمار رقم /10/ وذلك على الرغم من
الضآلة الفعلية لحجم الاستثمار الصناعي،
الذي كان دون التوقعات بكثير وهكذا قام
العديد من المنشآت في الصناعات الغذائية
والنسيجية والهندسية وخاصة الأدوات
الكهربائية المنزلية. وترتب على ذلك أن حصة
القطاع الخاص في قيمة الإنتاج لقطاع
الصناعات التحويلية ارتفعت إلى 57% من
الإجمالي، كما ازدادت مساهمته في الناتج
المحلي الصافي لهذا القطاع لتقارب الـ 70%.
كما ترتب عليه إيجاد نوع من المنافسة في
الداخل وإن ظل أثرها محدوداً.
- حققت هذه الحماية
أرباحاً كبيرة للمستفيدين منها. وكان
هامشها في أغلب الأحيان مرتفعاً جداً،
بحيث أصبحت دخلاً ريعياً. إذ لم تتأتى هذه
الأرباح من التوظيف الأمثل لمختلف عوامل
الإنتاج، وإنما لسبب خارجي لا علاقة له
بكفاءة الإنتاج. ولدينا في سورية نماذج
عدة من هذا الربح الريعي، أسوق أحدهما على
سبيل المثال، فهناك منتج غذائي تعرض
لمنافسة لبنانية، فقام صانعه بتخفيض
الأسعار بنسب تتراوح بين 30 و40%، بل
وأحياناً 50% ولئن أفاد المستثمر من
الحماية مالياً، فقد كان ذلك على حساب
المستهلك والمجتمع.
- غير أنه إذا كان
صحيحاً أن توفر حد مناسب من حماية الصناعة
الوطنية الناشئة أمر ضروري في البدايةـ
لكن ذلك مشروط، بألا تصبح الحماية أسلوب
حياة للصناعة، تتحصن في خندقها ضد التطور
حتى تصاب بالركود، وإنما باعتبارها مجرد
سياسة، ضمن حزمة مترابطة من السياسات
الضرورية للنهوض بالقدرات التكنولوجية
والاقتصادية والإدارية للصناعة الوطنية،
تعينها على تثبيت أقدامها وتطوير قدراتها
التنافسية. فالحماية لا تشكل علاجاً،
وليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما تمثل مناخاً
مناسباً لجهود التطوير خلال فترة الحماية.
وهذا يعني الأخذ بمجموعة من المبادئ
الأساسية لتطبيقها: أولها بأجل زمني محدد
لا يترتب عليها ريعي ومقتصرة على الحماية
الجمركية، وثانيهما اتخاذ الصناعة، خلال
فترة الحماية، كافة الإجراءات اللازمة
للنهوض بكفاءة الإنتاج وبناء القدرة
التنافسية. وثالثهما اتخاذ الدولة
لإجراءات وقائية تحول دون ارتخاء الصناعة
المحمية، مثل اشتراط تصدير نسبة معينة من
إنتاجها في مرحلة مبكرة، وخاصة رقابتها
ومتابعتها للتأكد من أن عملية التطور
لديها مستمرة لا يعتريها الخمول والسكون.
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث لدينا فحصدنا
نتاجها السلبي.
ويمكن إجمال هذه السلبيات
بالتالي:
- سيطرت الصناعات
الاستهلاكية على هيكل الصناعة السورية،
والتي في أكثر الأحيان على الحلقات الأخيرة
من السلسلة التكنولوجية (باستثناء صناعة
النسيج القائمة على الغزول القطنية وبعض
الصناعات الغذائية القائمة على تصنيع
مدخلات زراعية محلية). بمعنى أن مستلزمات
النتاج المستوردة تشكل القسم الأكبر من
التكلفة، ومن ثم فالقيمة المضافة المتحققة
داخل الاقتصاد السوري محدودة جداً. ولنا في
صناعة المياه الغازية والأدوات الكهربائية
المنزلية خير دليل على ذلك. فكل مستلزمات
الإنتاج في الأولى (العلب، المركزات)
مستوردة باستثناء الماء الذي يتم الحصول
عليه مجاناً في الأغلب. وينطبق الأمر ذاته
على الثانية حيث لا تزيد في آخر المطاف عن
عملية تجميعية للمكونات المستوردة. وعلى
هذا ظل التشابك الصناعي الداخلي هزيلاً
جداً، إذ لم تستطع هذه الصناعات خلق طلب كاف
على المنتجات أو المكونات الوسيطة كي يتم
تصنيعها محلياً، خاصة وأن الحماية تنصب على
المنتج النهائي دون مستلزمات الإنتاج
الوسطية. وبالتالي فليس غريباً أن يتزايد
استيراد القطاع الخاص من الخارج بمعدلات
مرتفعة كما سلف ذكره، مع ما يعنيه ذلك من
عبء على الاقتصاد الوطني، مع أن الهدف
المعلن كان تخفيف العبء عليه من خلال تقليص
الاستيراد: ومن ثم فقد خابت التوقعات
المرتقبة وراء هذه السياسة من انتشار
للتكنولوجية وقطر لإقامة الصناعات الوسطية
التي تمد الصناعات الاستهلاكية ببعض من
مستلزمات الإنتاج.
- ومن جهة أخرى، أدت
الحماية إلى حالة من التراخي لدى رجل
الأعمال الصناعي في إدارته للمشروع في
تطويره والاتقاء بإنتاجه:
- فالبحث والتطوير
أمر نسمع به، إن سمعنا دون أي أثر في
الواقع الذي نعيشه، في الوقت الذي يشكل
فيه هذا النشاط عنصراً أساسياً في الصناعة
وتقدمها كما فعلت النمو الآسيوية. ويصدق
هذا حتى في الصناعات التي تتوفر فيها
المنافسة الداخلية مثل صناعة الأدوات
الكهربائية المنزلية. فلم نعرف أحداً من
المعنيين بهذه الصناعة بذل جهداً يذكر في
التطوير لحل أو للتخفيف، من مشكلة
التقلبات الكبيرة في التيار الكهربائي،
أو الاقتصاد في استهلاك الطاقة أو حتى في
توزيع الرفوف داخل البراد مثلاً من أجل
استخدام أكفأ للمكان.
- إهمال وضع نظام
محدد من لصيانة اليومية أو الدورية
المنتظمة باعتبارها عنصراً أساسياً في
التشغيل، لما يترتب على غياب مثل هذا
النظام من تضاؤل مردود الآلة وارتفاع
الطاقة الإنتاجية المعطلة وتعرضها الدائم
للتوقف عن العمل لفترات تطول أو تقصر، مع
كل ما يعنيه ذلك من هدر للوقت والمال وضعف
في الإنتاجية، وهذا داء يحيق بالجميع.
- افتقاد أنظمة
محاسبة التكاليف بحيث يعجز رب العمل عن
معرفة التكلفة الحقيقية للوحدة المنتجة،
وفي أي من مراكز التكلفة يكمن الهدر
وارتفاع التكلفة أو توجد نقطة الاختناق،
وما هو وضع المنشأة المالي من حيث توفر
السيولة والديون المترتبة له أو عليه
ومواعيد استحقاقها أو دفعها. وينطبق الأمر
نفسه على نظام إدارة المستودعات، بحيث لا
يجمد مال دون طائل ولا يهمل توفير مادة أو
سلعة في الوقت اللازم، كما ينطبق على
إدارة الأفراد ونظام الحوافز لربط العامل
بمنشأته وتعزيز ولائه لها.
- إهمال تدريب
الفنيين العاملين ليس في مرحلتي التصميم
والتنفيذ والتركيب فحسب، بل وفي مرحلة
التشغيل أيضاً. مما ينعكس على نمو وتعظيم
المرتبتين على تطوير مهارة العامل
وكفاءته، وليس بالضرورة على توظيف جديد
لرأس المال متمثلاً بآلات أحدث وأكفأ، أي
الارتفاع ضمن الشروط القائمة لأعلى حد
ممكن.
- ويترتب على ذلك
كله هبوط بمستوى الجودة خاصة في غياب
الرقابة الصارمة عليها داخل المنشأة،
يرافق ذلك زيادة في التكلفة التي –وإن
لم يعرها الاهتمام المناسب بسبب الحماية-،
إلا أنها تضر بمصلحة رب العمل بداية
وتنعكس سلباً على الاقتصاد الوطني لما
تعنيه من هدر للموارد، وجورٍ على المستهلك
الذي يواجه خيارات محدودة لإشباع حاجاته ،
وعسفٍ على الصناعي الذي يستخدم السلعة
المعنية كواحدة من مستلزمات إنتاجه.
- وكان طبيعياً،
والحالة هذه أن يفتقد رب العمل الحافز
للتصدير، وأن توفر له الحافز فهو عامة
عاجز عن المنافسة في الخارج بحكم قصور
جودة إنتاجه وارتفاع تكلفته. وهذا الوضع
الصعب هو الذي يفسر، لماذا لم يستطع
السوريون الاستفادة من اتفاق التعاون
الموقع بين سورية والمفوضية الأوربية عام
1977، والذي يقتضي بتصدير السلع الصناعية
ذات المنشأ السوري إلى دول الاتحاد
الأوربي معفاة من الجمارك، دون المعاملة
بالمثل، حتى بعد تفكك الكتلة الاشتراكية
في بداية العقد المنصرم، وانتهاء العمل
باتفاقات المدفوعات . كما يفسر أيضاً
تناقص صادرات القطاع الخاص الصناعي بين
عامي 1995 و1998 بمعدل 43.5% كما رأينا.
وجدير
بالذكر أنه نتج عن الحماية أثر سلبي، على
درجة من الخطورة لا تقل عما سبق ذكره إن لم
يزد ، يتمثل بالمفارقة التالية: لئن أفادت
الحماية شريحة من القطاع الخاص، من خلال
تعظيم هامش أرباحه، إلا أنها أدت في النهاية
إلى كبح القطاع الخاص ككل. فقد حالت، من خلال
الاستثمار السهل (انخفاض حجمه وضمان السوق)
دون تطور الريادة Enterepreneuruspib
الحقيقية وما يعنيه ذلك من ندرة المنظمين (أو
الرواد) الذين يستطيعون اتخاذ المبادرة، بعد
دراستها، وتحمل بعض المخاطر وهي الفئة التي
تعطي للقطاع الخاص سمته الديناميكية، خاصة
وإن اكتساب صفة المنظم لا تأتي دفعة واحدة
وإنما تحتاج إلى وفت يمكن معه، من خلال
الممارسة في جو من المنافسة، أن يظهر على سطح
المجتمع عدد من المنظمين في كافة النشاطات
الاقتصادية. على أن حالة التراخي سالفة
الذكر لم تقتصر على الصناعيين فحسب وإنما
شملت التجار وبيوت الخبرة. فالأول لم يفعلوا
شيئاً من الناحية المؤسسية، كتكوين شركات
تجارية متخصصة بالتصدير، كما هو الحال في
الدول الآسيوية المعروفة، حيث تتعرف على
أسواق التصدير ومتطلباتها، وتقوم بإرشاد
المنتج، ومطالبته باحترام كامل المواصفات
اللازمة وبالتسويق في الخارج. أما بيوت
الخبرة والشركات الاستثمارية الوطنية فلا
تزال شبه معدومة على الرغم من أهميتها
وضرورتها كمركز لتراكم الخبرة واكتساب
التكنولوجية.
غير أنه توخياً للموضوعية في
تحليل وضع القطاع الخاص في ظل الحماية
واستكمالاً له نود إبراز النقطتين
التاليتين:
- فالحكومة لم تتخذ من
التدابير ما يدفع بالقطاع الخاص لتجاوز
نقاط الضعف سالفة الذكر، بل على العكس
ساهمت من حيث تدري أو لا تدري، بتعقيد
الموضوع وليس بحله.
- فلم يكن لدى
الحكومة استراتيجية واضحة معروفة للتنمية
الاقتصادية والصناعية، واقتصرت على أسلوب
إدارة الأزمة لتجد حلاً منفرداً لكل أزمة
قد يختلف في جوهره وسياسته عن الحل الذي
تقرره لأزمة أخرى. كما كانت هناك بعض
التوجهات المعلنة والتي سرعان ما يساء
تطبيقها. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع رجل
الأعمال أن يتبين طريقه للمستقبل بسبب
حالة عدم اليقين السائدة وانعدام القدرة
على التنبؤ.
- زيادة تكلفة
الإنتاج سواء بسبب ارتفاع أسعار المواد
الأولية والوسطية التي ينتجها أو يوزعها
القطاع العام (حيث يباع القطن المحلوج
للصناعي المحلي يزيد 90% عن السعر المباع
للخارج والغزول القطنية تباع بزيادة 30%
على الأقل إلى الصناعي السوري من سعر
الغزول نفسها المباعة للخارج علماً بأن
كليهما يدفع بالدولار) أو بسبب ارتفاع
التعرفة الجمركية لعدد من المواد الأولية
و الوسطية، بحيث تزيد عن تعرفة المنتج
النهائي التي تدخل في تركيبه.
- إن غياب التمويل
الصناعي الذي لم يتجاوز نصيبه من إجمالي
التسليف في سورية 2.5% وكذلك غياب تمويل
الصادرات من خلال مصرف مختص أو أي مصرف
آخر، وتخلف النظام المصرفي السوري تشكل
جميعاً عنصراً هاماً في كبح إمكانيات
الفعلية القائمة لتنمية الصادرات السورية.
- إبقاء الصناعي في
حالة من القلق وعدم الاستقرار بسبب
استمراره سجين ما يسمى بالترخيص المؤقت
بدلاً من منحه ترخيصاً دائماً يزيح عن
كاهله مرارة التخوف الدائم من إرغامه في
المستقبل على الانتقال إلى موقع آخر.
- وبالمقابل قام في
السنين الأخيرة عدد من الصناعات التي لا
تتوفر لها أية حماية. وعلى الرغم مما اعترض
طريق بعضها من عقبات وما واجهته من مشاكل،
فإنها استطاعت أن تصمد أمام المنافسة
الخارجية التي لم تكن متكافئة في أكثر
الأحيان، لأسباب عدة، بما فيها ضآلة
الرسوم الجمركية التي يدفعها المستوردون
للمنتجات المماثلة بسبب نجاحهم في
التلاعب بقيمة الفواتير المبرزة، أو
إدخالها تحت مظلة "نخب ثاني" أو "بضاعة
ستوك". وبهذا الصدد يجب أن نذكر أن
الصناعيين السوريين، وهم المعنيون الأول
بجو المنافسة، وبالذات غرفتي صناعة دمشق
وحلب، قد عبرتا رسمياً أكثر من مرة عن
ترحيبهم بالمنافسة، شريطة توفير حد أدنى
من التكافؤ في شروط العمل مع منافسيهم في
الخارج، كما سنرى فيما بعد؟
ثالثاً: القطاع الخاص في ظل
المنافسة:
ليست
المنافسة، في واقع الأمر، إلا البنت الشرعية
للانفتاح التجاري. ولم يعد هذا الانفتاح
مطروحاً مع بدائل أخرى لنحدد اختيارنا.
وإنما أصبح واقعاً على الصعيدين الخارجي
والداخلي، فقد ساد على الصعيد الأول بحكم
العولمة واتفاقية "الجات 2" اللذين
يتجاوزون بكثير مجرد حرية التجارة، وبدأ
اعتماده منهجاً على الصعيد الداخلي من خلال
منطقة التجارة الحرة العربية، أو الاتفاقات
الثنائية مع عدد من الدول العربية الشقيقة (لبنان،
الأردن، السعودية…الخ)، أو عبر اتفاقية
الشراكة الأوربية المرتقبة، أو من خلال
الانتساب المحتمل لعضوية منظمة التجارة
العالمية، ولا شك أن هذا الوضع الجديد يطرح
بالضرورة عدداً من التحديات المباشرة وغير
المباشرة أمام القطاع الخاص تستدعي بدورها
إيجاد الحلول المناسبة:
3 – 1. يمكن إجمال هذه التحديات بالتالي:
- سيترتب على هذا
الانفتاح هزة عنيفة تصيب النسيج الصناعي
السوري. إذ سيؤدي إلى اختناق عدد كبير من
الصناعات التي استرخت على مقعد الحماية.
وإذا كانت الدراسات التي أعدت في تونس بصدد
آثار اتفاقية الشراكة التونسية الأوربية،
قد توقعن انهيار ثلث نسيجها وتهديد الثلث
الثاني ما لم يؤهل على الوجه المطلوب، وإذا
ما أخذنا بعين الاعتبار أن تونس بدأت
بسياسات التكيف الهيكلي والانفتاح
التدريجي منذ عام 1987، وإن صادراتها
الصناعية فاقت الـ 5مليار دولار عام 1998
أدركنا أن وضعنا في سورية لن يكون أسوأ
بكثير.فالصناعات المهددة بالزوال هي تلك
التي تعتمد كلياً على المكونات المستوردة
من الخارج كصناعة الأدوات الكهربائية
المنزلية أو على مستلزمات الإنتاج التي لا
تتوفر محلياً كصناعة المناديل الورقية
والمشروبات الغازية.
- سيؤدي الانفتاح
التجاري في البداية كذلك،إلى مزيد من
تدهور ميزان سورية التجاري. إذ سيدفع
المستهلك على شراء السلع المستوردة بدلاً
من السلع المحلية. كما أن عملية تحسين
وتطوير الإنتاج الصناعي التي سيقوم بها
القطاع الخاص لمواجهة المناخ التنافسي
الجديد، والتي ستتطلب استيراد آلات
ومعدات جديدة، ستؤدي بدورها إلى تصعيد
أكبر في تدهور الميزان التجاري للقطاع
الخاص، أضف إلى ذلك أن القيام بتطوير
البنية التحتية والخدمات. لتحسين المناخ
الاستثماري واجتذاب تدفقات أكبر من
الاستثمار الأجنبي المباشر، مع ما يتطلبه
ذلك من استيرادات سيقوم بها القطاع العام
والخاص، ستخلق هي أيضاً مزيداً من مصاعب
الميزان التجاري وارتفاع عجز الحساب
الجاري الخارجي.
- ومن جهة أخرى فإن
الدور المتعاظم الذي سيلعبه القطاع الخاص
في تنفيذ خطة التنمية، والذي سيقع عليه
بالتالي العبء الأكبر في الاستثمار،
سيقتضي منه جهوداً جبارة لتوفير الحد
الأدنى من حجم الاستثمار اللازم. وإذا ما
تذكرنا أن الاستثمارات المطلوبة لإيجاد
فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمالة
كل عام تبلغ، كما أسلفنا، 187.5 مليار ل.س.
بالإضافة إلى ما يستلزمه تطوير نشاطاته
الحالية من استثمارات للتواؤم مع الجو
التنافسي الجديد، أدركنا جسامة المشكلة
التي يواجهها.
- وأخيراً فإن تأجيج
المنافسة عبر الانفتاح، يستلزم كيما تعطي
المنافسة ثمارها الإيجابية، إيجاد مقومات
نجاحها وتتمثل هذه بتوفير التكافؤ بين
المتنافسين في ظروف وشروط العمل
الاقتصادي الذي يعيشه كل هؤلاء في بلده.
وإلا كان النجاح في النهاية حليف من يعمل
في مناخ إنتاجي واستثماري أفضل. وكان افشل
من نصيب الذي لا يتوفر له ذلك. وعلى هذا فلا
بد من مواجهة تحدي عدم التكافؤ في شروط
العمل بين الفاعلين الاقتصاديين السوريين
وزملاؤهم العرب الآن، والأوربيين لاحقاً،
من حيث معدلات الرسوم الجمركية والفروض
الضريبية وسهولة التمويل والعمليات
المصرفية وحجم البيروقراطية..الخ.
الصفحة التالية - الصفحة السابقة - الفهرس