ندوة الثلاثاء الاقتصادية

لعام 2008

 

 

 

 

 

محاضرة حول

حزمة الأمان الاجتماعي في سورية

 

مقارنة منهجية وكمية للملامح الرئيسية

محاورة في مشروع النهوض الوطني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. حسين مرهج العماش

رئيس جامعة الجزيرة الخاصة

 


حزمة الأمان الاجتماعي في سورية

الخطوط والملامح الرئيسية

 

 

الجزء الأول: الهدف والفضاء

 

في إطار جهود الدولة في تطبيق مضمون اقتصاد السوق الاجتماعي كثر الحديث عن الانجازات في إطار الإصلاح الاقتصادي. أما الإطار الاجتماعي، وهو الشق الثاني، والذي يمكن تصنيفه ضمن مصطلح "حزمة الأمان الاجتماعي" فقد آن وقت الاهتمام بهذا الأمر الذي سيجنب الشعور بان بنود العقد الاجتماعي قد اختلت وان التباين في الدخل والثروة بدا يميل لصالح شرائح وطبقات جديدة بصورة متزايدة.  

 

إن حزمة الأمان الاجتماعي في سورية التي نحن بصدد عرض ملامحها الرئيسية في هذه المحاورة هي المكمل الإنساني للنهج الجديد في " اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي انتهجته الحكومة السورية في السنوات الأخيرة. والحزمة بمضمونها الشامل (الذي يمس كل مواطن) وتوجهها تؤدي إلى تعزيز دور الدولة القائم من جهة وتطويره من جهة أخرى في توفير الحماية الاجتماعية للمحتاجين والمستحقين فعلا من المواطنين السوريين بدون تمييز، على أساس معايير التشغيل الكفؤ للاقتصاد الوطني.

 

لقد خطت الحكومة السورية خطوات كبيرة بقيادة وبتوجيه الرئيس بشار الأسد منذ عام 2000 لتطوير وتحديث الاقتصاد والمجتمع السوري في المجالات كافة. وقطعت شوطا مهما ونجاحات ملموسة في الجانب الاقتصادي، على وجه الخصوص. وقد ساهم العديد من السوريين المخلصين في تقديم وتنفيذ أفكار وبرامج وأنشطة للنهوض بالمجتمع السوري سواء من ناحية الحكومة، أو مجتمع الأعمال، أو المجتمع الأهلي. وهذه المحاضرة هي مساهمة أخرى مني في هذا المجال.

 

وتهدف هذه المحاضرة إلى تحديد المكونات الرئيسية لحزمة الأمان الاجتماعي فقط (ولن تتعرض إلى الجانب الاقتصادي) في ظل مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي المتوقع انجاز تطبيقه مع نهاية الخطة الخمسية العاشرة.

 

أما فضاء الحزمة فهو توازن التنمية على مستوى الوطن. فتطبيق هذه الحزمة سيحرر يد الدولة في تفعيل قوى اقتصاد السوق، ويسهل تطبيقه بصورة سريعة محققة للنمو المنشود، وتقليل التدخل الحكومي المباشر وبالتالي تخفيف الروتين والقضاء على الفساد. ويجب أن نتذكر دائما أن اقتصاد السوق لا يعني أبدا انفلات السوق وإنما حريته تحت إشراف قوى المجتمع وتحقيق أهدافه الوطنية.

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني: التحليل والتشخيص

 

هنالك حقوق للمواطن تفرضها الشرائع والقوانين وتحميها الدولة، ومن أهمها حق الحياة، وحق الحرية والمساواة، وحق العمل، وحق التعليم، وحق العيش الكريم. وهي التي كفلها الدستور وترسخت في مضمون العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن؟

 

وقد أعلن حزب البعث العربي الاشتراكي في مؤتمر العاشر، بصفته الدستورية، عن تبنيه نظام اقتصاد السوق الاجتماعي في مؤتمره القطري عام 2005 ضمن إطار سياسات التطوير التي أعلنها الرئيس بشار الأسد.  وهذا الإعلان لم يلغ أي من الحقوق المثبتة في الشرائع السورية أو في الضمير الاجتماعي الوطني. ومع ذلك لايزال بعض السياسيين والمثقفين في سورية يجادلون حول تعريف نظام اقتصاد السوق الاجتماعي، وتفسيره السوري وهل هو تنصل الدولة من التزاماتها الدستورية والوظيفية كما يبدو؟ مما أدى إلى تنازع في التوجه والتعريفات واثر على صياغة سياساته الإنمائية في الفترة الماضية.

 

اذ يجمع الاقتصاديون (حسب مدارسهم الفكرية) على اقتصاد السوق الاجتماعي بانه نظام اقتصاد السوق المتعارف عليه عالميا ليس إلا (والمتضمن حرية الأسواق وتفاعل قوى العرض والطلب وحرية التجارة وتشجيع المبادرة الفردية في الاستثمار) ولكنه يختلفون حول دور الدولة بصفتها حكما للجميع، وليس لاعبا في فريق. وان إضافة كلمة الاجتماعي إلى اقتصاد السوق هو في نهاية الأمر تحصيل حاصل ولن يغير من طبيعته شيئا، لان دور الدولة السيادي سيبقى كما هو وربما أقوى من ذي قبل. أما في المجال الاقتصادي فان دورها الإشرافي الجديد يحتم عليها حماية المجتمع وشرائحه بطريقة تحقق العدالة الاجتماعية وبصورة اقتصادية وكفؤة حتى لو كان نظام اقتصاد حر بالكامل.

 

فالتعريف المتداول في سورية لاقتصاد السوق الاجتماعي قد خضع لتطويع فكري شديد مما خلق إرباكا بسبب الفجوة بين القناعة والعلم الاقتصادي من جهة، وبين ما يشاهد من تسويق مشوه على انه اقتصاد السوق الاجتماعي. ولهذا شكلت الحكومة لجنة وزارية منذ فترة لإعادة التعريف إلا انه ليس لدينا معلومة عنه حتى الآن.

 

وينبع هذا الإرباك القائم في مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي من عدة مصادر أهمها:

·       أن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي يعتبر انتقالا مغايرا من الاقتصاد "الاشتراكي" .

·       أن ملامح برنامج الإصلاح الاقتصادي في سورية قد تبلورت تقريبا في الخطة الخمسية العاشرة.

·       أن مؤتمر الحزب العاشر هو الذي طرح وتبنى شعار اقتصاد السوق الاجتماعي. وهو في هذه الحالة توجه جديد لا لبس فيه بكل مضامينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنه لايزال مبدأ عاما يحتاج إلى مبادرة الحكومة لوضع سياساته وإجراءاته التنفيذية.

 

وعليه، فان عدد كبير من لاقتصاديين أصبحوا في شبه حيرة من معرفة ماهية ونوعية اقتصاد السوق الاجتماعي في سورية. ويعزز هذه الحيرة التنوع في  المدارس الفكرية التي تتنازع  بين مدى وعمق الليبرالية المطلوبة التي تطبقها الحكومة، وبين كيفية الانعتاق من سيطرة فكر التخطيط المركزي السائدة بين شريحة واسعة من المخططين.

 

وحزمة الأمان الاجتماعية المطروحة هنا هي تعبير آخر عن الجانب الاجتماعي في الاقتصاد الجديد، وتجسيد لدور الدولة في واجبها في الوفاء بحقوق المواطن الاقتصادية في العمل، والتعليم،  والعيش الكريم في بلد آمن.

 

 

الجزء الثالث: محور النمو الاقتصادي

 

تفترض نظرية النمو الاقتصادي وجود عناصر إنتاج قوية وبنية اجتماعية متماسكة لتستطيع تحقيق الناتج المأمول في عالم تنافسي. وهذا يعني انه مالم تكن البنية الاجتماعية للمجتمع وللفرد محمية فان الإنتاجية الاقتصادية ستكون في حدها الأدنى، وان مستوى الدخل لن يتحسن للمستوى الذي يحظى به المنافسون. ولهذا فان التفكير بحزمة الأمان الاجتماعية ليس مجرد جانب إنساني وحقوقي فقط وإنما أيضا اقتصادي بحت.

 

واقتصاد السوق، هو البديل الطبيعي للاقتصاد الاشتراكي الحالي، الذي تتفاعل فيه الفعاليات الاقتصادية وتتنافس ضمن آليات العرض والطلب. ومن هنا فان كيفية الانتقال من الحالة القانونية للاقتصاد هي التي ستحدد الشكل النهائي الوظيفي للاقتصاد الجديد، ضمن صياغة العقد الاجتماعي الجديد للمجتمع السوري.

 

ففي المجتمع الحديث أيا تكون عقيدته الاقتصادية هنالك نوعين من الأنشطة يمكن تصنيفها تحت "النشاط الثابت والنشاط المتحول". فالثابت هو نسبي وقد يمثله الدور الإشرافي بصورة شاملة للحكومة على المجتمع، وربما حيازة الصناعة الاستخراجية وتخديم مرافق البنية الأساسية. أما الأنشطة المتحولة فهي كل الأنشطة التي يمكن للقطاع الخاص القيام بها ضمن قواعد الطلب والعرض والمنافسة.

 

وكما يبدو فان النمو الاقتصادي المرتفع (نحو 6.5% وفق بيانات الحكومة المعلنة هو محور الجمهورية الجديدة في سورية إذا جاز التعبير. وفي حالة تمكنت الحكومة من تطبيق الجانب الاجتماعي من إعلان مؤتمر الحزب فان من أهم ركائز هذا المحور مايلي:

 

1)    إقامة اقتصاد حر يعتمد على آليات السوق المتعارف عليه عالميا،

2)    وضع برنامج نمو اقتصادي سريع وشامل لزيادة النمو الاقتصادي، ومضاعفة مستوى الدخل، وتحسين التنافسية بما فيها الدولية كما اقترحته الخطة الخمسية العاشرة،

3)    تعزيز العدالة الاجتماعية وبصورة مرنة وعادلة.

 

الجزء الرابع: الحزمة والحكومة

 

ليس من الممكن الحديث عن الحزمة المقترحة بدون الإشارة إلى نوعية التركيبة القيادية الوزارية  في الحكومة المعنية بتطبيق هذه الحزمة. فتركيبة الحكومة السورية تضم بين 28 إلى 30 حقيبة وزارية يمكن توزيعها ضمن المجموعات التالية:

1)    مجموعة السيادة وفيها 4 وزارات.

2)     مجموعة الاقتصادية وفيها 6 وزارات.

3)    مجموعة الاجتماعية وفيها 4 وزارات (الشؤون، والتربية، والصحة، والتعليم العالي).

4)    مجموعة الخدمات والمرافق وعددها 9 وزارات.

5)    مجموعة حقائب الدولة وفيها 5 وزارات

 

وهذا التقسيم الوظيفي مهم لمعرفة الوزارات التي تتحمل مسؤولية إدارة حزمة الأمان الاجتماعي. وهي هنا أربع وزارات دائمة، وفيها عدد من المديريات الهامة شبه المستقلة والتابعة لها. ولكنه يبقى تعريفا ناقصا لان المجموعة الاجتماعية لاتمثل كل جوانب حزمة الأمان الاجتماعي خاصة من ناحية بنود الحماية غير المباشرة المتعلقة بالدعم السلعي والخدمي.

 

والعبرة من هذا التوصيف هو لفت الانتباه لأهمية تسمية مجموعة وزارية دائمة معنية بتنفيذ أهداف الحزمة. وقد يكون من الضروري لهذا الغرض استحداث منصب نائب لرئيس مجلس الوزراء معني بشؤون حزمة الأمان الاجتماعي لضمان التنسيق والتنفيذ بأقل التكاليف والأعباء على الدولة.

 

الجزء الخامس: المكونات العامة للحزمة

 

تتكون حزمة الأمان الاجتماعية من نوعين من الحماية:

الأول: الحماية المباشرة: للفئات الضعيفة اقتصاديا والمتأثرة سلبا بالتحول الاقتصادي من خلال سياسيات مؤقتة أحيانا، أو ترتيبات مؤسسية وإدارية دائمة لإفادة الأفراد المستحقين فعلا فقط.

والثاني: الحماية غير مباشرة:  من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية وربما حتى سياسية عامة دائمة، تنفذها وتشرف عليها وزارات ومؤسسات حكومية منظمة.

 

والفرضية تستند على أن حزمة الأمان تنظم وتنفذ إما: 1) لاستكمال نقص أساسي وقائم في الحزمة الحالية، أو 2) لحماية فئات جديدة تضررت نتيجة التحول الاقتصادي.

 

5-1- مكونات الحماية المباشرة

الحماية المباشرة هي التي تقدم إلى المستحقين من الشرائح المحددة مسبقا التي لم تستفد حتى الآن من ثمار النمو بما يتوازى مع جهدها أو حاجتها.

 

واهم مجالات الحماية المباشرة في سورية هي: تخفيض الفقر، تخفيف البطالة والتامين ضدها، تفعيل أنظمة التأمينات الاجتماعية، ونظام التامين الصحي.

 

أولا- مجال تخفيض الفقر:

تقوم سياسيات تخفيض الفقر على تدخل مباشر وغير مباشر من الدولة في سبيل إعادة توزيع الثروة. ولهذا فان نجاح سياسيات تخفيض الفقر تعتمد أساسا على مدى تحقيق معدلات نمو عالية.

 

 

 

 

 

1- خط الفقر Poverty Line

تستند حزمة الأمان إلى سياسات وإجراءات ميدانية وتطبيقية حتى تحمي الفقراء بصورة مباشرة وواقعية. وقد يكون تحديد مستوى خط الفقر في سورية بشكل نقدي مباشر، ومن ثم تحديد مقدار الدعم المالي الممكن بناء عليه، للفرد وللأسرة، ويعد من أهم أشكال الحماية الاجتماعية المرغوبة اقتصاديا وسياسيا.

 

أ- الواقع: نشرت هيئة تخطيط الدولة عام 2005 تقريرا خاصا عن الفقر في سورية تضمن أن معدل الفقر العام تصل إلى نحو 12% من عدد السكان، أي نحو 2.25 مليون شخص يعتبرون تحت خط الفقر المحدد، بدخل مقداره دولار واحد يوميا للشخص وفق معيار البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. وسيكون معدل الفقر أعلى إذا تم تعديل المبلغ إلى دولارين وهو الأكثر منطقية. وينتشر الفقر بشدة  في المنطقة الشرقية والشمالية إذ يتركز نحو 58% من الفقراء في تلك المناطق. وتعاني الأسر في الريف في تلك المناطق من معدلات الفقر أكثر من الأسر في مراكز المدن.

 

ب- المقترح: صندوق الرعاية الاجتماعية: Poverty Alleviation Fund

من احد أهم الخطوات التي تساعد على تخفيض الفقر هو إحداث صندوق للرعاية (للرفاه) الاجتماعية مرتبطا مباشرة بخط الفقر وفق المعطيات السورية. وقد نشرت الصحف مؤخرا بعض الأخبار عن مسودة قانون/ أو قرار لإنشاء هذا الصندوق. أما الخطوة التالية في هذا المجال فهي إعلان التزام الدولة بتقديم المساعدة المالية لدخل الأسرة نقدا أو عينا بما يحفظ للأسرة الحد الأدنى من ضرورات المعيشة للأسر التي تقع على خط الفقر أو تحته. ومع دعوتنا لإقرار مثل هذا البرنامج إلا أننا نرى ضرورة التريث بتطبيقه وربطه بمجمل مكونات حزمة الأمان الاجتماعي وتوافر شروط تطبيق هذا الصندوق بأدائه المتوازن ليس بالأمر السهل لأنه معرض للتأويل والابتزاز والاستغلال.

 

وهذا النوع من الدعم المباشر لمن يستحقون فقط سوف يغني بنسبة كبيرة عن كافة أنواع الدعم الأخرى للسلع والخدمات القائمة حاليا التي تتحملها الميزانية العامة. وباعتقادنا ان تكلفة الصندوق ستكون اقل تكلفة من الدعم العام المفتوح لكل الأفراد. وهنالك تجارب عالمية عديدة في معالجة مستوى انخفاض الدخل تحت خط الفقر للأسرة من خلال الدفعات النقدية الشهرية، واستحداث نظام كوبونات الغذاء، ومخصصات دعم السكن، ومخصصات حماية الأسرة والطفولة.

 

ثانيا- مجال تخفيف البطالة:

البطالة في الاقتصاد هي تعبير عن وجود خلل أو عدم قدرة الاقتصاد على تشغيل كافة الموارد البشرية القادرة والمستعدة للمشاركة في الإنتاج. والبطالة اجتماعيا هي أسوا أنواع المعاناة الإنسانية عندما لا يجد المرء عملا يسد رمقه ويحفظ كرامته. وبهذا فان البطالة بمعناها الاقتصادي ليست اختيارا فرديا وإنما استبعاد اقتصادي قاس للأفراد القادرين والراغبين من المشاركة في عملية الإنتاج والإبداع.

 

ومعالجة البطالة تستند إلى مسارين مهمين:

المسار الأول: خلق فرص عمل جديدة تكفي لتشغيل كل الداخلين الجدد إلى سوق العمل وهي عملية استثمارية تعتمد على كفاءة استخدام الموارد. والمسار الأول هنا يشمل كافة العمليات الاستثمارية في القطاعين العام والخاص التي تؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة.

 

والمسار الثاني: موائمة فرص العمل القائمة والتعريف بها في الطلب والعرض بسوق العمل. وهي عملية توزيعية للمعلومات والربط بين طلب العمل وبين أصحاب العمل، أو بالتدخل الاستثماري المباشر لحزمة الأمان لخلق فرص العمل الجديدة.

 

1- بنوك المشروعات الصغيرة وحاضنات الأعمال:

لا يمكن مكافحة البطالة بقصد الاستئصال لان ذلك غير ممكن لنقص في المعلومات، وغير ممكن أو مجد اقتصاديا. وإنما الهدف في سورية هو تخفيض معدل البطالة إلى مستويات مقبولة متفق عليها اقتصاديا واجتماعيا.

 

أ- الواقع: تعتبر البيئة المصرفية عامة وفي سورية خاصة بيئة غير صديقة للمشاريع الصغيرة أو متناهية الصغر. وبالتالي هنالك نسبة كبيرة من الفرص الاستثمارية المؤهلة لخلق فرص عمل صغيرة او تحسين مستوى الدخل للأسرة سيتم استبعادها من النظام المصرفي التقليدي. وهذا سيجعل البطالة مترسخة وسيزيد من تباين مستوى الدخل وزيادة الفقراء في الشرائح التي كانت مستفيدة من الحماية الاقتصادية. أما حاضنات الأعمال فلا تزال الفكرة مشوشة  والتطبيق الفعلي في سورية غير محفز للانخراط فيه، مما يتطلب تحليلا أوسع لمدى إمكانية الاستفادة من هذا الأسلوب في مكافحة البطالة في سورية.

 

ب- المقترح: تعزيز مجال البنوك الصغيرة:Small Enterprises Banks

أصدرت الدولة القانون رقم 15 لعام 2007 المتضمن الموافقة على إحداث بنوك صغيرة ذات توجه اجتماعي لمساعدة الفقراء والعاطلين عن العمل على الانخراط بسهولة في سوق العمل وتحسين مستوى الدخل. وتهدف هذه البنوك على توفير التمويل الصغير بشروط ائتمانية ميسرة للمشروعات الصغيرة في كافة المجالات. ولكن حتى الآن لم يصدر سوى ترخيص لمصرف واحد هو بنك مؤسسة الأغا خان للمشروعات الصغيرة.

 

وسوف تزداد فرص نجاح برامج تخفيض البطالة عن طريق هذه المؤسسات اذا تمت الاستفادة من نتائج دراستي 1) خارطة البطالة، و 2) خارطة الاستثمار في المشروعات الصغيرة، التي نفذتهما هيئة مكافحة البطالة عامي 2003 و2004 بالتعاون مع عدة جهات سورية ودولية. وستكون هاتين الخارطتين فعالة في توزيع الاستثمار والتمويل لتخفيض البطالة عندما تربط وتنسق مع سياسة التنمية الإقليمية لتخفيف الفقر.

 

2- التامين ضد البطالة:

يعتبر هذا المجال من أقوى مظاهر الحماية الاجتماعية، وأكثر المكونات إثارة في حزمة الأمان الاجتماعية المباشرة. فنظام التامين هذا موجود في اغلب دول العالم ولكن مشروط بتنظيم سوق العمل ودقة المعلومات. وهو برنامج موجه إلى المستفيدين العاطلين عن العمل ومحصورا بهم في القطاع المنظم. وهذا النظام يخلق مرونة هائلة في سوق العمل بالنسبة لمنشات القطاع الخاص ويحرر الحكومة تجاه العمالة من الحرج الاقتصادي والإنساني والسياسي الناجم عن عملية الإصلاح الاقتصادي.

 

أ- الواقع: لا توجد في سورية قنوات مؤسسية لحماية الأفراد العاطلين عن العمل بالحد الأدنى من العوز والفاقة حتى ولو لفترات قصيرة. إذ يعاني كل الأفراد العاطلين عن العمل بشكل دائم أو الذين فقدوا وظائفهم مؤقتا (أو البطالة الاحتكاكية ونسبتهم تتراوح بين 2 إلى 5%من القوة العاملة سنويا) من غياب أية آلية للمساعدة المالية نتيجة فقدان الدخل مهما كان شكلها خارج الأسرة الموسعة، أو بعض الجمعيات الخيرية المحلية ذات القدرة. ولهذا فان هذا الغياب المريع للمؤسسات العامة والخاصة والأهلية عن المساعدة المؤقتة لهذه الشريحة الضعيفة يمثل ثغرة هائلة في حزمة الأمان الاجتماعي التي ستظهر مع تطبيق اقتصاد السوق.

 

ب- المقترح: برنامج/ صندوق التامين ضد البطالة:

 Unemployment Compensation Fund/ Program

إن وجود برنامج/ صندوق للتعويض ضد البطالة سوف يساعد على تحرير سوق العمل بشكل جذري إذ يصبح هنالك ضمانات مؤسسية للعامل ورب العمل وتحررهم من الالتزام بقيود مجحفة لطرف أو آخر. فإذا لم تتوفر فرصة العمل المناسبة للفرد فان نظام التامين ضد البطالة سيوفر الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة للمواطن حتى يتسنى له الانخراط في سوق العمل من جديد.

 

وتطبيق هذا النوع من التعويض يتطلب توفر ثلاثة مقومات أساسية هي:

·       وجود تشريع ونظام فعال للتأمينات الاجتماعية يشمل كل من يعمل فعلا.

·       وجود نظم معلومات كافية ومرصد وطني عن سوق العمل والتشغيل.

·       وجود تشريع مالي وقانوني لإدارة نظام التامين وفق معايير الدخل والبطالة.

 

3- بيانات العاطلين عن العمل:

تحتاج سوق العمل المنظمة الى مكاتب التشغيل (التوظيف) أو مكاتب للبطالة لتكون قنوات مؤسسية تساعد طالبي العمل والمشغلين على تبادل المصالح من جهة وتعزيز منظومة التامين ضد البطالة والتأمينات الاجتماعية من جهة أخرى.

 

أ- الواقع: تعاني مكاتب التشغيل القائمة من محدودية  الدور والوظيفة لعدة أسباب أهمها غياب التشريعات والإجراءات اللازمة لبناء حزمة الأمان الاجتماعي. ولذا فان دورها لا يزال محصورا في ترشيح العاطلين عن العمل إلى الجهات الحكومية فقط لشرائح الفئات الدنيا من الوظيفة العمومية. أما الترشيح إلى القطاع الخاص فهو محدود ويظهر فقط في حالة وجود عقود للمنشآت الخاصة مع الدولة.

 

ب- المقترح: تعزيز مكاتب التشغيل: Unemployment Offices

تعتبر هذه المكاتب من أهم الوجهات التي تتعامل بصورة مباشرة مع العاطلين عن العمل. ولهذا فان تفعيلها وإعادة توجيه دوره التكون حلقة وسيطة فاعلة في تنظيم حزمة الأمان. وربما من أهم الإجراءات المقترحة ما يلي:

·       تفعيل وتحديد دورها الوظيفي والاجتماعي لتخدم كلا القطاعين العام والخاص،

·       تقوية جهازها الفني والإداري لتكون مركز معلومات متجدد

·   ربطها مع المكونات الأخرى للحزمة مثل نظام التعويض ضد البطالة، والتأمينات الاجتماعية، والتامين الصحي، ومرصد سوق العمل.

 

ثالثا- مجال التأمينات الاجتماعية:  

قد تكون تشريعات التأمينات ابرز مظاهر الحماية الاجتماعية المتفق عليها تاريخيا. ولكن نظرا لوجودها في اغلب الدول (في سورية منذ عام 1959) وترسخها في بعضها، فان المهم هنا مناقشة مدى شموليتها في التغطية (سواء في القطاع العام او الخاص)، وعمق هذه التغطية، مقارنة بالحاجات الإنسانية للمستفيد أو المتقاعد والظروف الاقتصادية السائدة.

 

أ- الواقع: يحظى اغلب العاملين في الدولة والقطاع العام في سورية بتغطية نسبية كما جاء في نظام المعاشات والتقاعد. أما بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص وبالرغم من صدور قانون للتأمينات الاجتماعية منذ نحو نصف قرن، إلا أن تطبيقه القانوني لايزال ناقصا، وشموليته في تغطية العاملين في القطاع الخاص لم تتجاوز 40% من العاملين فعلا. كما أن الدخل التأميني أو التقاعدي سواء بنهاية فترة الخدمة أو في التقاعد لا يزال متدنيا، ولا يغطي أكثر من 50% من الحد الأدنى للاحتياجات المعيشية للأسرة.

 

ب- المقترح: تعزيز وتوسعة أنظمة التأمينات: Social Security Schemes

 أن قوة حزمة الأمان الاجتماعي تزداد كلما كانت أنظمة التأمينات والتقاعد كفؤة وعادلة. وهذا يعني ضرورة إصلاح نظام التأمينات الاجتماعية من ناحية الشمولية والعمق في القطاع الخاص وتبسيط إجراءاته وتخفيف شروطه من جهة، ودمج نظام التأمينات مع أنظمة التقاعد للعاملين في القطاع العام وتوحيد معايير ورفع سقف الاستفادة من جهة أخرى. وهذا يشكل سدا لثغرة كبيرة في حزمة الحماية وإنصافا للقائمين على رأس عملهم، وإنصافهم بحيث يقدم المجتمع الحماية المطلوبة.

 

ومن أهم إجراءات تعزيز هذه الأنظمة مايلي:

·   بناء النظام على أسس اكتوارية صحيحة وبعيدة عن التدخل السياسي، ومنحها المرونة الاستثمارية الكافية لتحسين مردود موارد التأمينات للمشتركين الحاليين والمستقبليين.

·   تنظيم المعلومات بدقة عن المستفيدين من نظام التأمينات واستحداث رقم وطني واحد تسجل فيه الوقوعات كلها وترتبط آليا ببقية أجزاء حزمة الأمان.

·       السماح للمؤسسات الخاصة ببناء أنظمة تأمينات مستقلة ولكنها مسجلة رسميا ومشمولة بحوافز الضرائب.

 

5-2- مكونات الحماية غير المباشرة

وهي حماية متاحة حاليا في سورية لكل فئات الشعب تقريبا ولكن بمستويات متدنية. والثغرات فيها كبيرة لأنها تعطي دعما متساويا لكل الأفراد بغض النظر عن مستوى الدخل.

 

1- التنمية المتوازنة:

يقصد بالتنمية المتوازنة هو استحداث برامج وأنشطة موجهة لتنمية منطقة جغرافية محددة او قطاع اقتصادي محدد من سورية تغطي عدة أنواع من الأنشطة وحسب خصوصية ذلك الإقليم الجغرافي.

 

أ- الواقع: حسب تقرير الفقر المشار إليه أعلاه، فان أعلى النسب من الفقراء تتركز في المناطق الشرقية وريف حلب. وهي مناطق يغلب عليها النشاط الزراعي ذو الأساليب البدائية. فهذا يعني أن الزراعة كقطاع أو نشاط تعتبر أهم مصادر الفقر. يضاف إلى ذلك أن التقرير يشير إلى أن 38% من موظفي ومستخدمي القطاع العام يعتبرون فقرا بهذا المعيار.

 

لايمكن معالجة الفقر وتخفيفه من خلال إجراء واحد وإنما هنالك عدة سياسيات وإجراءات متكاملة قد تساعد على ردم الفجوة بين الفقراء والأغنياء والارتقاء بمستوى الدخل. ولعل أهم هذه الإجراءات هو تحقيق معدل نمو مرتفع على مستوى سورية يستطيع أن يمول جهود تخفيف الفقر. أما التنمية القطاعية فيجب أن تركز وتوجه إلى قطاع الزراعة لانه مصدر النسبة الأعلى من الفقراء بغرض تحسين دخل هؤلاء المشتغلين بالزراعة وتضمن لهم الحد الأدنى من الدخل بزيادة الإنتاجية وتخفيض تكاليف المدخلات، بالإضافة إلى إدخال أنشطة اقتصادية جديدة إلى المنطقة تسهم في تحقيق تنمية متنوعة ذات مردود أعلى.

 

ب- المقترح: برامج التنمية الإقليمية: Targeted Regional Development

تعتبر برامج التنمية الإقليمية (الجغرافية) احد أهم القنوات غير المباشرة لخلق تنمية متوازنة. وأكثر أهمية أحيانا وذلك بتوجيه جهود التنمية الاستثمارية إلى المناطق الأقل حظا مثل المنطقة الشرقية. فهذه المناطق لم تحظى باستثمارات كافية وانخفض معدل النمو وانتشرت فيها البطالة والأمية وهي مسببات الفقر الأكثر شيوعا. أما الفقر بين موظفي القطاع العام فيبدو أن الوصية الوحيدة هي بزيادة مبلغ الأجور حتى تصل مستو تكلفة المعيشة وربطها بالإنتاجية.

 

2- المجتمع الأهلي:

أ- الواقع: كان ولا يزال المجتمع الأهلي في سورية من أهم القنوات المؤسسية التي بقيت على تواصل مع الفئات الفقيرة والمحتاجة والفئات ذات الاحتياجات الخاصة ولفترة طويلة. ولكن نظرا لغياب علاقة مؤسسية واضحة بين الدولة وتلك الجمعيات الخيرية وبالتالي ركود التشاركية الاجتماعية فقد بقيت إمكانيات تلك الجمعيات محدودة في مساهماتها المالية والإدارية في تقديم المساعدة المنشودة. ومهاما كان دورها فهي ليست بديلا عن بقية بنود الحزمة.

 

ب- المقترح: تشريعات مرنة للمجتمع الأهلي:

لقد بدأت الحكومة في السنوات الأخيرة إعطاء مزيد من الاهتمام لهذه الجمعيات لزيادة دورها الإنمائي في تخفيف الفقر. أما الأوقاف الإسلامية فقد كانت فعالة في عدة مجتمعات محلية عندما أحسنت إدارتها، مما يتطلب تطوير أصولها واداواتها. وقد يكون مناسبا وضع نظام ضريبي لهذه الجمعيات يحفز المتبرعون على المساهمة ماليا، وعلى إشراك هذه الجمعيات في برامج تخفيض البطالة وتمويل المشاريع الصغيرة والأسرية في الأحياء موضع نشاطها.

 

3- تشريعات العمل:

أ- الواقع: يعاني سوق العمل من اختلال رئيسي في عدم تناغم العرض من القوة العاملة مع متطلبات السوق مما أدى إلى عدم قدرته على خلق التوازن في ظل تدني الأجور وثباتها. كما أن تشريعات حماية العمالة أدت إلى التجزئة القسرية للسوق جغرافيا وقطاعيا وخاصة تلك التشريعات الاجتماعية والنقابية التي شرعت منذ زمن طويل. فهي حمت العامل في لحظة ولم تستطع مواكبة تغير الظروف السياسية والاقتصادية فأصبح العامل الضحية ولا يزال.

 

ب- المقترح:  قانون جديد للعمل New Labor Law

لتعزيز حركية سوق العمل وخلق مرونة كافية للاستجابة لشروط الانفتاح الاقتصادي وتحسين ظروف وشروط العمل فانه من الضروري دراسة وتشريع عدد من الإجراءات أهمها مايلي:

·   تعديل قوانين العمل بما يحفظ حق الطرفين رب العمل والعامل وفق قواعد مرنة في ظل وجود قنوات مؤسسية عامة تحمي كلا الطرفين من أي تعسف.

·   إعادة توجيه اتحاد العمال ليكون منظمة نقابية بالدرجة الأولى ويحمي العمالة عن طريق التفاوض الجماعي والحقوق الأخرى.

 

4- التعليم:

يعتبر التعليم، بمراحله من الابتدائية حتى الجامعة هو من ضمن الحقوق التي ضمنها الدستور والشرائع الإنسانية والدولية. وقد بذلت الدولة ولا تزال جهودا كبيرة في مجال نشر التعليم وتعميمه وتحسينه. وان تكن النتائج الكمية مقبولة، إلا أن المشكلة اليوم في نوعية مخرجات التعليم المتدنية في كافة المراحل، والتسرب الكبير من النظام التعليمي، وانخفاض النسبة الجامعية مقارنة بالسكان.

 

 

4-1- التعليم حتى الثانوية (التربية)

لقد تبنت الدولة مجانية التعليم للجميع والزاميته إلى نهاية المرحلة الأساسية (الإعدادية). وهي سياسة اجتماعية رشيدة هدفت إلى نشر العدالة في المعرفة. ومن فضائل هذه السياسية نشر التعليم والمدارس في كل حي وقرية مهما كان صغرها وبعدها في سورية وفي كافة المراحل التعليمية تقريبا. وهذا الجانب غير المباشر من الحماية هو التزام دستوري واضح من الدولة أمام المجتمع.

 

 إلا أن هذه الايجابيات الكمية أغفلت إلى حد ما الجوانب النوعية، وبالتالي كان من نتيجتها انهيار المنظومة التعليمية وتفاقم الأمية والتخلف الفعلي. والأمية العالية المتفشية في سورية وخاصة المنطقة الشرقية هي احد نتائج التركيز على الجوانب الكمية بالدرجة الأولى.

 

أ- الواقع: ضاعفت الدولة الإنفاق الاستثماري على التعليم حتى الثانوية ثلاث خلال السنوات 2001 إلى 2006. ألا أن هذا لم يغير من الصورة القاتمة لنشاط وزارة التربية. يشير التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005 إلى عدة مؤشرات خطيرة حول تدني كفاءة التعليم ماقبل الجامعي من كل الزوايا، وازدياد التسرب من الدراسة بكافة المراحل، وبقاء الأمية مرتفعة في عدة مناطق من سورية.

 

ب- المقترح: زيادة الاستثمار في التعليم:

إن تصميم وتنفيذ نظام تعليمي تربوي حديث يحمل المتطلبات العصرية ويحافظ على تراث وهوية الأمة يتطلب زيادة في الاستثمارات بصورة جذرية. وهذا هو أهم أهداف تطوير التعليم في المرحلة ماقبل الجامعة، الذي يعني:

1.   استمرار التعليم العام مجانا أو برسوم رمزية متدرجة بالتصاعد،

2.   تحسين مستويات الدخل للعاملين في التعليم بصورة جذرية بكافة مراحله،

3.   الإقلال من النمطية في التعليم ماقبل الجامعي وتعزيز ارتباطه بسوق العمل،

4.   تحرير التوازن بين التعليم العام والمهني وإلغاء التوزيع القسري بينهما،

 

4-2- التعليم العالي

وهو يضم التعليم مابعد الثانوية بكافة مراحله في الجامعات والمعاهد الحكومية والخاصة. وارتباطه بحزمة الأمان الاجتماعي وثيق لأنه يشكل استمرارا لالتزام المجتمع بتوفير التعليم المناسب لأبنائه بكافة مراحله.

 

أ- الواقع: ضاعفت الحكومة الإنفاق الاستثماري على التعليم العالي الجامعي ثلاث مرات خلال السنوات 2001 إلى 2005. وقد أدى ذلك إلى مضاعفة طاقة الاستيعاب الجامعي عدة مرات ووصل عدد الطلبة في مرحلة التعليم العالي نحو 350 ألف طالبا وطالبة. إلا أن هذا لم يغير من السلبيات التي تفاقمت بصورة عامة عن التعليم العالي  خاصة بعد إغفال الجانب النوعي في الجودة والبحث العلمي.

 

 يشير التقرير الوطني للتنمية البشرية إلى تدني كفاءة التعليم الجامعي وازدياد التسرب بمرحلة المعاهد كافة، وعدم قدرة سياسية الاستيعاب الجامعي على الوفاء بالرغبات الجامحة بالتعليم المجاني للجامعات الحكومية القائمة، واستمرار تدني نسبة الانتساب الجامعي، وتدني مخرجات البحث العلمي في كل الجامعات تقريبا.

 

ب- المقترح: تعزيز التعليم العالي:

إن تفعيل حزمة الأمان في مجال التعليم العالي تعني:

1.   التوسع بزيادة الطاقة الاستيعابية بزيادة طاقة وعدد الجامعات القائمة والجديدة.

2.   السماح بجعل الجامعات والمعاهد مراكز تكلفة بدلا من المجانية الكاملة،

3.   تطوير نظام تمويل التعليم العالي للطلبة حسب مستوى الدخل.

4.   تحرير الجامعات الحكومية من المركزية في الإدارة والتمويل وسياسيات القبول،

5.   ربط التعليم الجامعي بسوق العمل،

 

5- الصحة:

إن حق العيش الكريم يتطلب وجود رعاية صحية مناسبة كأحد أدوات الحماية غير المباشرة للأفراد والمجتمع من الأمراض والأوبئة. قد أنفقت الدولة ولا تزال استثمارات هائلة على المجال الصحي ومحاربة الأوبئة والأمراض. فقد انتشرت الخدمات الصحية في معظم أنحاء سورية. وتقف سورية في منطقة متقدمة في تصنيف التنمية البشرية في هذا المجال.

  

5-1- التامين الصحي:

الواقع: وربما يشكل الضمان الصحي احد أهم القنوات المباشرة للتعرف على الأفراد والشرائح الأكثر احتياجا للحماية بدلا من توفير الرعاية الصحية بمستواها المتدني لكل الفئات. ولان هذا النوع جديد على سورية فقد يواجه صعوبات في التطبيق، إلا انه الأسلوب المتبع في اغلب دول العالم التي نظمت هذه الخدمة بكفاءة أكثر. وقد تناقلت الصحف مؤخرا حوارات بين الجهات الوزارية المعنية بكيفية تطبيق نظام التامين الصحي. وهو أمر يبشر بالخير ونأمل أن تبدأ الحكومة بتطبيقه بعد توفير أسباب نجاحه وخاصة تحسين خدمات الرعاية الصحية ووضع الأسس والشروط الاقتصادية والفنية الملازمة له.

 

المقترح: إحداث برامج التامين الصحي: Health Insurance Schemes

قد تكون عوامل الاصطفاء الطبيعي هي التي جعلت الرعاية الصحية المتدنية من نصيب الفقراء لوحدهم لعزوف المقتدرين عنها. إن إحداث وتطبيق نظام للتامين الصحي بتكلفة متدرجة حسب الحاجة ومستوى الدخل سيؤدي إلى تحسين الخدمة الصحية من جهة والى توفير الرعاية الصحية المباشرة لكل المحتاجين حسب مستوى الدخل من جهة أخرى. ويتطلب تضمين هذا التامين نوع من الدعم للفقراء بصورة واضحة وصريحة، الأمر الذي سوف يساعد على تحسين الخدمة وبنفس الوقت يضمن عدم استبعاد أي شريحة من الخدمة.

 

الجزء السادس: الدعم (السلعي والخدمي)

 

إن اقتراح تطبيق حزمة الأمان الاجتماعي (التي تعتبر كفؤة وعادلة) هو للاستغناء عن أسلوب الحماية المطلقة القائم حاليا المتمثلة بالدعم السلعي والخدمي (الذي يعتبر غير كفؤ ولا عادل بإجماع كافة المدارس الاقتصادية) في ظل اقتصاد السوق. وقد خدم الدعم مرحلة الاقتصاد الاشتراكي التي انتهت نظريا بتبني مؤتمر الحزب نظام اقتصاد السوق الاجتماعي عام 2005، ولكنه سيكون عبئا ماليا وهدرا اقتصاديا وسببا للتباين الاجتماعي على المجتمع والحكومة إذا استمر تطبيقه المطلق الحالي في ظل التحول الاقتصادي.

 

إن الدعم السلعي في الأساس هو فكرة اجتماعية واقتصادية نبيلة لتوفير السلع والخدمات الأساسية بأسعار مخفضة لكافة أبناء الوطن. وهذا الدعم الشامل يكلف الميزانية العامة أعباء كبيرة. ويعاني أسلوب الدعم السلعي القائم حاليا في سورية من ثغرات واسعة، إذ انه لا يميز بين الأغنياء والفقراء المستحقين مما أدى إلى ظهور عدم العدالة في المنافع والعبء. وقد قامت الحكومة باتخاذ بعض إجراءات ترشيد الدعم الجزئية في السنوات القليلة الماضية. إن استمرار الدعم لكل الأفراد بدون تمييز يعني أن هنالك عدم كفاءة في نظام تقديم الدعم، وان هنالك هدر في الموارد وعبء على الميزانية العامة.

 

تدعو معظم برامج الإصلاح الاقتصادي إلى ترشيد أو إلغاء الدعم السلعي، للاستهلاك على الأقل،  وترشيده في القطاعات الإنتاجية وفق قواعد منظمة التجارة العالمية. وقد طبقت معظم الدول حزمة من الدعم المالي المباشر للأشخاص المستحقين بدلا عن الدعم السلعي المتاح لكل الأفراد تقريبا. ويصبح معيار الدخل هو المعيار الأول لتحديد الشرائح المستحقة ممن هم تحت خط الفقر الذي يرسمه المجتمع وفق ظروفه الاقتصادية.

 

الجزء السابع: توزيع الدخل والثرة

 

هنالك عدة موضوعات هامة مرتبطة بالحماية غير المباشرة، أو ربما مفهوم العدالة الاجتماعية، مثل الانحراف الشديد في توزيع الدخل والثروة والرعاية السكنية والنظام الضريبي. وتكتسب أهميتها في ظل مظاهر الانحراف الشديد في توزيع الدخل والثروة بين المركز والأطراف من جهة وبين القطاعات الأساسية المنتجة والقطاعات الخدمية أو الطفيلية من جهة أخرى. وهذه موضوعات حساسة وشائكة لم تتح لنا الفرصة للتعرض إليها بعمق في هذه الورقة لأنها تعبير عن مفهوم العدالة أكثر من مفهوم الحزمة والحماية.

 

الجزء الثامن: أولويات تنفيذ الحزمة

 

يصعب القول أن هذه الحزمة ومكوناتها يمكن تنفيذها في وقت واحد معا ضمن فترة الخطة الخمسية العاشرة مثلا المنتهية عام 2011او عام 2012. ولهذا فانه من الضروري وضع سلم أولويات لتنفيذ هذه الحزمة مبني على الاحتياجات المعيشية  والمعلومات التنظيمية أولا، ثم الافضليات السياسية التي تخدم برنامج الإصلاح الاقتصادي. وإذا جاز لنا أن نرتب هذه البنود حسب الترتيب الزمني، وأحيانا بالتزامن، فانه يمكن اقتراح الترتيب التالي:

انجاز قاعدة المعلومات التنظيمية (سوق العمل، وخط الفقر، والبطالة، والتأمينات الاجتماعية، والصحة، والتعليم).

·       استحداث نظام خط الفقر: صندوق الرعاية الاجتماعية.

·       تعزيز برامج مكافحة البطالة.

·       تعزيز مكاتب التشغيل

·       استحداث برنامج التامين ضد البطالة.

·       الإلغاء التدريجي للدعم السلعي.

·       استحداث نظام التامين الصحي.

·       تطوير نظام التعليم الحكومي.

·       الاستمرار بتطبيق سياسة التنمية الإقليمية.

 

أما المدى الزمني لاستكمال تنفيذ حزمة الأمان الاجتماعي فقد يمتد إلى نحو 10 سنوات. وهذا يمكن تقسيمه إلى فترتين زمنيتين، الأولى لمدة خمس سنوات تشمل تطبيق البنود الأربعة الأولى، والخمس سنوات الثانية هي لاستكمال تطبيق البنود الأخرى وإعادة توجيه مسارات الحزمة.

 

الجزء التاسع: التكلفة والتمويل للحزمة

 

إن مبلغ تكلفة الحزمة لن يزيد عن مبلغ تكلفة الدعم السلعي والخدمي التي تتحملها الدولة حاليا. ولذا فان تمويل الحزمة لن يضيف أي عبء مالي جديد على الميزانية العامة إذا أعيد ترتيب التكلفة والتمويل بطريقة كفؤة.

 

تكلفة الحزمة السنوية:

يقدر أن تبلغ تكلفة الحزمة بحدود 170 مليار ليرة سورية سنويا وذلك عند اكتمال تنفيذ كامل بنود الحزمة، ربما بعد 10 سنوات من بدء التطبيق المبرمج (الجدول رقم 2).

 

التمويل:

تشير تقديراتنا المبنية على المعلومات الإحصائية المتوافرة على أن تكلفة الدعم الفعلي (المباشر وغير المباشر السلعي والخدمي) الحالي (وليس تكلفة الحزمة) الذي تتحمله الدولة قدر بنحو 138 مليار ليرة سورية عام 2006 وذلك حسب البنود الواردة في الجدول رقم 1. وهذه التقديرات هي للمبالغ المالية الملموسة التي تظهر في ميزانية الدولة أو في حساباتها المالية الأخرى. وهي مبالغ متاحة فعليا في الميزانية الحكومية السنوية.

 

أما تكلفة الدعم الناجمة عن التشوه في الأسواق، أو في الهدر في الموارد، أو في سوء الاستعمال الوظائف فهي كبيرة، عدا التشوه في الأسعار. ولكنها مبالغ ليست متاحة في بنود الموازنة، ولهذا سوف يستعاض عنها بالتمويل القادم من مشاركة الأطراف المستفيدة.

 

ولهذا فان التمويل لهذه الحزمة لن يكون فقط من الميزانية العامة، وإنما سيشارك بنسبة مهمة كل من المستفيدين أنفسهم، ومجتمع الأعمال، والمجتمع الأهلي، وربما التمويل الخارجي أيضا. فهو في النهاية مسؤولية مشتركة. وهي مساهمات لن تقل عن 50 مليار ليرة سورية سنويا مما سيغطي التكلفة البالغة 170 مليار ليرة ويفيض.

 

وهذه التكلفة للدعم هي مصدر التمويل للحزمة إذا أعيد ترتيبه وترشيده بحيث يوجه الى المستحقين فعلا حسب بنود الحزمة كما شرحت أعلاه.

 

وإذا تم إجراء مسح عيني وميداني وتنظيم معلوماتي دقيق للفئات المستفيدة فان الأرقام الواردة قد تكون اقل مما ورد في الجدولين 1 و2. وهي تكلفة بحسب التقديرات الحالية لكل فرد ليست مرتفعة أبدا، ولكنها تخلق نظاما اجتماعيا عادلا وكفؤا يضمن لاقتصاد السوق الاجتماعي أن يطبق بدون حرج سياسي أو أخلاقي.

 

 

 

 

الخلاصة

 

إن هذه الورقة هدفت إلى التأكيد بأن تبني "اقتصاد السوق الاجتماعي"، كمنهجية للتنمية، هو أفضل قرار اقتصادي اتخذته الدولة منذ عدة عقود من اجل تنفيذ سياسية التطوير والتحديث لسورية. وقد حاولت الورقة الفصل ولو مؤقتا بين المضمون الاقتصادي والمضمون الاجتماعي لهذه المنهجية، وركزت على الجانب الاجتماعي فقط، محللة أهم مكوناته كما هي منظورة.

 

إن الفرضية التي قامت عليها هذه الورقة هي أن التنمية والنمو الاقتصادي سيكون أعلى وأفضل في حالة تمكن المجتمع تقوية الأمان لدى أفراده وإطلاق العنان لهم للإبداع والتطوير. وعندئذ يمكن أن ينجز الإصلاح الاقتصادي بسهولة ويسر عندما تشعر الفئات الضعيفة أنها لم تستبعد من ثمار النمو.

 

وبالطبع فان هذه الحزمة ليست مجرد إجراءات عابرة وإنما تنظيم مؤسسي دائم للوصول بالمجتمع إلى حالة توازن دائم بين حقوق المواطن وواجباته والمجتمع، حتى وان تضمنت عناصر ضغط طارئة بسبب نتائج عملية الإصلاح. ولكن من المفترض أن يستقر مسار التنمية بعد فترة من المرحلة الانتقالية.

 

وحزمة الحماية المعروضة أعلاه قد تبدو وكأنها تصور مثالي للمجتمع مقارنة بالواقع السوري الذي ينمو اقتصاده ويتفاعل وفق قوى السوق. ولكن هذا التصور قائم فعلا في العديد من دول العالم التي سبقتنا في هذا المجال.

 

ومع أن الحزمة واحدة تظلل كافة الأفراد والقطاعات والتكلفة يتحملها كل المجتمع، إلا أننا فضلنا تقسيمها إلى حماية مباشرة وحماية غير مباشرة لسهولة التحليل.

 

الحماية المباشرة تقدم عادة في حزمة واسعة من الخدمات الاجتماعية التي تشرف عليها عدة وزارات مثل الصحة والشؤون الاجتماعية من خلال ميزانية وزاراتها أو من خلال الإجراءات الرقابية والتنظيمية التي تفرضها.

 

أما الحماية غير المباشرة فهي متنوعة واغلبها يجري ضمن قنوات إشرافية ورقابية مثل تنظيم سوق العمل والسياسيات الاقتصادية وفي قنوات مالية واستثمارية مباشرة.

 

أما المدى الزمني للتطبيق الكامل لكافة بنود الحزمة فقد يمتد إلى نحو 10 سنوات. وتتحدد الأولويات التنفيذية قد تبنى على أساس الاحتياجات والمشاكل الملحة ثم الأولويات على أسس سياسية.

 

وتقدر التكلفة الأولية للحزمة بحوالي 170 مليار ليرة سورية بالنتيجة هي الإطار المؤسسي والتشريعي الذي يحمي الوطن والمواطن، ويضع أخيرا مقومات اقتصاد السوق والنمو وفق معايير قوى العرض والطلب. وهذه التكلفة ستمول من قيمة الدعم في الموازنة (البالغ نحو 138 مليار ليرة) الذي سيلغى ويحول لصالح الحزمة، ومن مساهمة المستفيدين من الحزمة.

 

 

المراجع:

1-   حسين العماش، نظام الحماية الاجتماعية في سورية، ندوة الثلاثاء عام 1998.

2-   هيئة مكافحة البطالة، التقرير السنوي 2002- 2003- 2004.

3-   البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية في سورية 2005.

4-   هيئة تخطيط الدولة، موجز الخطة الخمسية العاشرة 2006-2010.

5-   المكتب المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية عام 2007.

6-   البنك الدولي، التقرير السنوي لعام 2005.

7-   الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، التقرير الاقتصادي العربي 2006.

8-   المفوضية الأوربية، اتجاهات الاقتصاد السوري 2007

 

 

 

 

 

 

 

 


 

جدول رقم 1

حزمة الأمان الاجتماعي

التقديرات الأولية لتكلفة عنصر الدعم الحكومي للسلع والخدمات القائمة في سورية

 

بنود الحزمة

عدد أو نسبة الأفراد المشمولين بالحماية

التغطية للفئات المستحقة

نسبة التكلفة الاقتصادية لعنصر الدعم من الناتج المحلي

تقدير مبلغ التكلفة

حجم الثغرات في الحزمة

اتجاه تأثير الإصلاح الاقتصادي

(مليار ل.س.)

1

دعم المواد الغذائية

80%  من السكان

لكل الشرائح

1.0%

13.8

كبيرة

إلغاؤه على بعض السلع

2

دعم استهلاك الكهرباء

100% من السكان

تراجعي

1.5%

20.7

جزئية

جعل التعرفة مرتبطة بالتكلفة

3

 دعم المياه

100% من السكان

لكل الشرائح

1.0%

13.8

كبيرة

جعل الاستهلاك مرتبطاً بالشرائح

4

دعم المحروقات

100% من السكان

لكل الشرائح

3.0%

41.4

كبيرة

تحسين مؤشر التكلفة للسلع

 

فرعي: مجموع السلع

 

 

6.5%

89.6

 

 

5

دعم الصحة

100% من السكان

للفقراء بالدرجة الأولى

1.5%

20.7

كبيرة

تحسين الخدمات الأساسية

6

 دعم التعليم

100% من السكان

الفئات الفقيرة لا تستفيد بنسبة حجمها

1.5%

20.7

كبيرة

تحسين التعليم العام

7

خدمات اجتماعية أخرى

100% من السكان

 

0.5%

6.9

غير محددة

تحسين الأداء الاجتماعي

 

فرعي: مجموع الخدمات

 

 

3.5%

48.3

 

 

مجموع الدعم الوارد اغلبه  ماليا في الموازنة العامة

 

137.9

 

 

 

دعم غير مصنف (قيد التدقيق) 

 

47.1

 

 

 

الإجمالي العام

 

 

10.0%

185.0

 

 

التكاليف محسوبة على أساس الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق لعام 2005 (مليار ل.س.) والبالغ:

1,379.0