القطاع الخاص وتحديات اتفاقيات الشراكة
ومناطق التجارة الحرة
الأستاذ محمد غسان القلاع(*)
مقدمة:
في عصر المتغيرات فيه أكثر من الثوابت، بدأت منذ مطلع تسعينات القرن العشرين صياغة نظام اقتصادي جديد للعالم، من أبرز مظاهره اتفاقات التجارة الحرة واتفاقات الشراكة بين الدول المتجاورة جغرافياً، أو تلك التي تربطها مصالح مشتركة وإن نأت بينها المسافات، والناس في ذلك بين مؤيد ومخالف، ولكلِّ وجهة نظره، ولكن الشيء الذي لا خلاف عليه أنه يجب أن نتعامل بجدية وعقلانية مع هذه المستجدات، وإن موروثنا الفكري الذي اكتسبناه في القرن العشرين أصبح موضع نقاش وحوار مع هذه الحالة الاقتصادية بكل عناصرها، وعلى ذلك فالمنطق السليم يدعو الجميع للتعامل والتكيف مع هذه المعطيات، وقد انتهت مرحلة التنظير والانتقاد، وأصبح الجميع في وسط المعركة، والقطاع الخاص جزء فاعل على الساحة الاقتصادية في سورية وهو أيضاً في وسط المعركة وعليه التعامل والتكيف وبسرعة مع كل اتفاقات الشراكة.
حيث تلعب قضايا تحرير التجارة دوراً أساسياً في إعادة رسم السياسة الاقتصادية بمجملها لأنها تمس بشكل مباشر جميع القطاعات الاقتصادية وحتى الاجتماعية وتنعكس نتائجها على جميع الموازين الاقتصادية (من تجارية ومدفوعات....)، وبقدر ما نستطيع الاستفادة من هذا الانفتاح في تسريع عمليات الإصلاح والتطوير بقدر ما يكون هذا الانفتاح إيجابياً ومفيداً.
وإذا كان القطاع الخاص السوري يسهم بـ 63% من الناتج المحلي الإجمالي و 50% من إنتاج الصناعات التحويلية و 95% من القطاع الزراعي فإنه من أشد المتأثرين بهذا الانفتاح سلباً أو إيجاباً.
وجميع اتفاقيات الشراكة ومناطق التجارة الحرة التي وقعتها سورية ستؤدي في النهاية لانفتاح السوق السورية على أغلب المنتجات والخدمات ومنافستها للسلع المحلية من خلال التخفيض الجمركي الذي سيطرأ عليها.
وفي أي اتفاق شراكة عادةً هناك شريك رابح وشريك آخر أقل ربحاً يجب عليه أن يعيد ترتيب أوضاعه لكي يبقى في مستوى الربح ولا يتعرض للخسارة.
وسورية عندما قررت الاندماج الكلي بالاقتصاد العالمي عبر هذه الشراكات أو من خلال طلب الانضمام لمنظمة التجارة العالمية WTO كانت مدركة لحجم هذه التحديات والمستحقات لأن خسائر البقاء خارجاً كانت أكبر بكثير من خسائر هذا الاندماج، وفي بعض الأحيان تكون المكاسب السياسية والاستراتيجية أكبر تأثيراً من المنافع الاقتصادية المرحلية.
ما يهمنا في هذا المجال أننا دخلنا اليوم في تحدي حقيقي لقدرتنا على إنجاز الإصلاح الاقتصادي في فترة زمنية قياسية تعوض ما خسرناه من عدم تقدم مستويات النمو والمعيشة.
لقد كنا بحاجة فعلاً لمثل هذه الاتفاقيات والشراكات لإعادة ترتيب أوضاعنا الاقتصادية ومعالجة الاختلالات التي تفاقمت نتيجة غياب عنصر المنافسة في أغلب القطاعات الاقتصادية.
فهل من المبرر أن يبقى معدل النمو الاقتصادي في حدود معدل النمو السكاني وأي تنمية ستتحقق في هذه الحالة؟ وهل من المنطقي أن تبقى القطاعات الإنتاجية تلجأ لمنطق الحماية والحصر والتقييد لإخفاء ضعف إنتاجيتها وعجزها عن المنافسة!! ألم يكن من الأجدى دراسة أي منظومة إصلاحية وتطبيقها في حال ثبتت نجاعتها قبل أن تضيع السنوات في مناقشة شكل وأيديولوجية الإصلاح الجديد!! .
إن (18) مليار دولار كدخل دولة تمتلك كل تلك الإمكانيات الزراعية والسكانية والفكرية وحتى الصناعية والسياحية يعكس ضعفاً واضحاً في القدرة على تعظيم مخرجات العمل الاقتصادي وتحقيق أكبر قيمة مضافة ممكنة .
وفي العودة للقطاع الخاص لابد من التنويه أن إنتاجيته مازالت أدنى من مستوياتها العالمية ولم تظهر بعد نتائج امتلاكه لعناصر الكفاءة والمنافسة والحركية بالشكل المطلوب لأسباب عديدة داخلية وخارجية سنأتي على ذكرها لاحقاً.
واقع القطاع الخاص ومراحل تطوره:
ولما كان حديثنا اليوم يدور حول القطاع الخاص واتفاقات الشراكة فإنه لابد أن نمر ولو بشكل سريع على لمحة تاريخية لتطور القطاع الخاص في القرن العشرين، فقد كان قبل الاستقلال بحجم رقعته الجغرافية، وتداخل عمله مع لبنان وفلسطين بخاصة وباقي الدول العربية بعامة، وبدأ يتطور بعد الاستقلال وينشط وساعدته الدولة في عدد من التشريعات وخاصة المرسوم /103/ الذي سمي أبو الصناعة السورية، وانتشرت الشركات المساهمة وتوسعت، وأُستُهدفت هذه الشركات مع نشاط القطاع الخاص مرتين الأولى في مراسيم التأميم بشهر تموز عام 1961، والثانية بمراسيم التأميم في كانون الثاني عام 1965، وقانون الإصلاح الزراعي الذي حدد مساحات الملكية، بالإضافة إلى حصر استيراد وتصدير عدد كبير من السلع بشركات ومؤسسات القطاع العام القائمة في حينها أو التي أحدثت لاحقاً.
انعكست هذه الإجراءات على وضع القطاع الخاص، الذي استعاد جزءاً من عافيته في الحركة التصحيحية، وبدأ الانتعاش يدب في أوصاله، ثم عاود الانكماش في مرحلة الثمانينات من القرن العشرين بسبب ندرة القطع الأجنبي، والأعباء التي حملتها الدولة على كاهلها، وسياسة الحزم الاقتصادي التي تبنتها الحكومة في حينه.
وعادت مرحلة الانتعاش في مطلع التسعينات ومازالت مستمرة حتى الآن.
وملاحظة لابد ذكرها وهي أن القطاع الخاص لم يتبلور بشكل واضح وتاريخي، كما هو في دول المجموعة الأوروبية أو شركات ومؤسسات القطاع الخاص في تركيا وإيران والهند والباكستان وبعض الدول العربية.
والسؤال الآن هل القطاع الخاص مهيأ للتعامل مع اتفاقات الشراكة القائمة والمتوقعة ؟
الجواب هو أنه إن لم يكن مهيئاً فإن أمامه فترة انتقالية هي المدد التي حددتها اتفاقات الشراكة الأوروبية والتركية وهي لا تقل عن /12/ سنة، وإن كانت هذه المدة قد انقضت مع الدول العربية.
بشكل عام يمكن القول أنه منذ تأميم منشآت أغلب القطاع الصناعي السوري وحتى إقرار الحكومة مؤخراً بنظام السوق كمنهج اقتصادي يلعب فيه القطاع الخاص الدور الأكبر والرئيسي، هناك أكثر من أربعين عامً مرَّ فيها هذا القطاع بمراحل متفاوتة من الحصر والتقييد إلى التحرير الجزئي المراقب ومن ثم انتقل إلى التشجيع الخجول انتهاءً بالتصريح الرسمي بأنه هو الذي سيقود عملية التنمية المستقبلية!! فهل يستطيع هذا القطاع بمستويات نموه وتطوره المتفاوته أن يتحمل هذا العبء الجديد الموكل إليه!! وهل سيستطيع بمفرده مواجهة تحديات الشراكة والإنفتاح!!.
يمكن القول هنا بصراحة أن القطاع الخاص قد تعرض للإجحاف مرتين: الأولى: عندما تم تقليص دوره في الحياة الاقتصادية بصورة مخططة في فترات سابقة فرضت على رؤوس الأموال المحلية المتراكمة توطين استثماراتها في بعض الدول العربية والأجنبية وجعل الاستثمارات المتبقية صغيرة ومتناثرة.
أما الإجحاف الثاني فهو الذي يحدث اليوم عندما تقرر تحميل القطاع الخاص الغير مكتمل النمو عبء التنمية الأكبر دون أن ترتسم بعد صورة اقتصاد السوق بجميع تشريعاته ووسائله وضوابطه.
ومع ذلك فإن احتياجات التنمية في سورية كبيرة وعديدة ويتركز الجزء الأكبر منها على رفع قيم الدخل القومي الذي لا يزيد حتى الآن عن دخل أحد دولتين عربيتين لا يملكان أية موارد نفطية هما لبنان وتونس!! ورفع معدلات النمو التي مازالت دون أو تقارب معدلات النمو السكاني مما يجعلها عديمة التأثير على مستويات المعيشة.
وإن القطاع الخاص الذي يساهم حالياً بما يقارب 63% من الناتج المحلي الإجمالي يستطيع فيما لو اتيحت له الظروف الملائمة والفترة الزمنية الكافية أن يرفع من القدرة التنافسية لقطاعات الاقتصاد الوطني، إلا أن هذه المسألة ليست بالسهولة التي يتصورها البعض فهو مازال يعاني من أمراض ومشاكل وصعوبات قد تكون مختلفة عن مشاكل القطاع العام إلا أنها مازالت تعيق عمله وتجعل مردوديته أقل من المستويات المطلوبة.
ومع ذلك لا يمكن تجاهل تطور وتنامي القطاع الخاص السوري خلال الأربعين سنة الماضية وبلغة الأرقام حسب المجموعة الإحصائية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- ارتفعت نسبة مشاركة القطاع الخاص في إجمالي الصادرات من 8.1% عام 1980 إلى 22.5% عام 2003 .
- ارتفعت مساهمة هذا القطاع في إجمالي المستوردات من 25.8% عام 1980 إلى 76% عام 2003 .
- ارتفعت مشاركته في إجمالي الإنتاج الصناعي من 21.9% عام 1984 إلى 28.7% عام 2003 .
- ارتفعت نسبة مساهمته في إجمالي إنتاج الصناعات التحويلية من 26.6% عام 1984 على 49.8% عام 2003 .
- ارتفعت نسبة مساهمته في إجمالي التكوين الرأسمالي من 31% عام 1985 إلى 34% عام 2003 .
- ارتفعت نسبة الاستثمارات المحلية الخاصة من 30.8% من إجمالي الاستثمارات عام 1985 إلى 38% عام 2003 .
- تأرجحت نسبة الاستثمارات الخاصة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 8.9% عام 1985 إلى 7.6% عام 2003.
كما يساهم حالياً هذا القطاع بحوالي 54% من إجمالي الصادرات بدون النفط .
وتشير هذه الأرقام إلى النتائج التالية: -
- إن المساهمة المرتفعة في الناتج المحلي ناجمة بالدرجة الأولى عن مساهمة القطاع الزراعي الذي يشكل القطاع الخاص (98%) منه والذي بدوره يساهم بحوالي (25%) من الناتج المحلي، بالإضافة لقطاع الخدمات (تجارة داخلية – خارجية- مواصلات...) .
- مازالت مساهمته في التكوين الرأسمالي دون المستويات التي تتناسب مع إمكانياته وهي تسجل حالياً (34%) فقط.
- يتصف النسيج الصناعي الخاص بطابعه العائلي وتشتت مناطق توضعه، حيث لا يزيد عدد المنشآت التي تستخدم (10) عمال فأكثر عن (2444) منشأة أي حوالي (3%) من إجمالي عدد المنشآت، كما لا يزيد عدد المنشآت التي تستخدم من (6-9) عمال عن (5054) منشأة، أي حوالي (6%)، أما (91%) الباقية فإنها تضم من (1-5) عمال فقط أي أنها مازالت مؤسسات صغرى.
- ما تزال صادراته الصناعية ضئيلة ولا تزيد عن 52% من الإجمالي.
- لم يحظَ القطاع الخاص بالتمويل المصرفي المطلوب لإقامة وتوسيع مشاريعه ومازال المستثمر السوري المحلي على الأقل يعتمد بصورة شبه كلية على التمويل عبر الملكية رغم أن المزيج الأمثل لرأس المال ينبغي أن لا يزيد التمويل الذاتي فيه عن 50-60% من مجموع التكاليف الاستثمارية.
- اغلب صناعات القطاع الخاص التحويلية تركزت على بدائل المستوردات التي استفادت من فترة الحماية التي عاشتها تلك الصناعة، وإلى منع القطاع الخاص من القيام بالصناعات التحويلية الأساسية لحصرها بالقطاع العام في الفترات السابقة ولم تدخل ميدان الصناعات التصديرية إلا مؤخراً ونتيجة ضيق السوق المحلية.
- مازال القطاع الخاص غير مؤهل بدرجات متفاوته لمواجهة متطلبات تحرير التجارة واتفاقات الشراكة للأسباب التالية: -
o ضعف الإدارة العلمية بمفهومها المعاصر نتيجة سيطرة الفكر الفردي وانعكاس ذلك على الأداء الاقتصادي لهذه المنشآت.
o ضعف استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة نتيجة ضعف الطاقة الاستيعابية للسوق المحلية مما يحرم أغلب المنتجات من وفورات الحجم الكبير.
o صعوبة الحصول على التقانات الحديثة المتطورة والشروط التي تفرضها الشركات العالمية الموردة والتي تنعكس على مواصفات السلع المنتجة وصعوبة عمليات الصيانة والتدريب.
o هامشية التقيد بالمواصفات والمعايير الدولية وبخاصة شهادة المطابقة الأيزو.
o صغر حجم المشاريع مما يحملها عادةً أعباء مالية وإدارية تزيد من تكلفة المنتج.
o الافتقار لنظم التدريب والتأهيل المستمرة للقوى العاملة الفنية والإدارية وانعكاس ذلك على الكفاءة الإنتاجية ومجالات التحديث والتطوير.
o ويبقى القول أنه إذا كان القطاع الخاص يعاني من كل هذه المشكلات بالإضافة للصعوبات التشريعية والإدارية فهل سيستطيع التأقلم مع تحديات تحرير التجارة والشراكات الجديدة، إن الجواب يبقى معلقاً بما يملكه من مرونة لإعادة هيكلة عمله في ضوء هذه المستجدات والخطوات التي ستنفذها الحكومة لتطبيق اقتصاد السوق بجميع وسائله وتشريعاته ومؤسساته.
الشراكات الجديدة وما خلفته من تحديات:
ارتبطت سورية بعدد من الاتفاقات أولاها اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وأصبحت هذه الاتفاقية كاملة التنفيذ في 1/1/2005، وكذلك اتفاقية الشراكة الأوروبية، مع التوقع كما ذكر زملائنا في محاضراتهم بأن يتم التوقيع النهائي في ربيع عام /2005/، وأيضاً اتفاقية منطقة التجارة مع تركيا والتي تربطنا بها حدود طويلة ومصالح مشتركة، وهناك اتفاقات أخرى قيد الدراسة والمباحثات، وعلى الأغلب ستكون إيران، وروسيا من الدول المرشحة لتوقيع اتفاقات تجارة معها.
وتتسم هذه الاتفاقات بقاسم مشترك وهو حرية التجارة وإزالة الرسوم الجمركية ولو تدريجياً، وفي ظني أن هذه الاتفاقات لتكون كاملة ومستوفية كامل عناصرها أتوقع أن يتبعها اتفاقات في مراحل لاحقة وبعد أن تكون أصبحت موضع التنفيذ بعد 12 أو 15 سنة، أقول أتوقع أن يتبعها اتفاقات انسياب وانتقال رؤوس الأموال وحرية انتقال الأشخاص، فليس كالتجارة شيء، يفتح الآفاق وينقل الثقافات وتتحاور من خلالها الحضارات، وكذلك أتوقع أن تنعكس هذه الاتفاقات على كثير من المفاهيم السائدة اليوم، وتتطور نحو الأفضل نتيجة هذا التعامل والحوار، فالحضارة التي نقلت من خلال التجارة أوسع وأهم من تلك التي حصلت بالحروب والاستعمار.
يتمثل الانفتاح التجاري الذي يشهده الاقتصاد السوري حالياً بثلاثة اتفاقيات أو شراكات كبيرة وهي: -
1 - اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى: التي حررت أغلب السلع العربية المنشأ من قيود المنع والحصر والتقيد وأعفتها من الرسوم الجمركية بدءاً من 1/1/2005 .
أي أن السوق السورية حالياً مفتوحة أمام الغالبية العظمى من السلع العربية وبدون أي رسم جمركي أي أنها أصبحت تنافس السلع المحلية داخل السوق السورية وهي ستمنح نفس المعاملة التفضيلية للسلع السورية عند تصديرها لأسواق (18) دولة عربية داخلة في هذه المنطقة .
إن تأثير هذه المنطقة على القطاع الخاص تبدو كبيرة لسببين أساسيين هما:-
أ - لأن أنظمة التجارة الخارجية السورية كانت مليئة بالقيود الجمركية والإدارية على انسياب السلع العربية وغير العربية (منع – حصر- تقييد - ...) في حين أن باقي الدول العربية سبق أن حررت أغلب سلعها أمام المنتجات الأجنبية.
ب - إن فترة الحماية التي عاشتها الصناعات المحلية جعلها ضعيفة القدرة التنافسية لارتفاع أعباء تكلفتها واعتمادها على متطلبات السوق المحلية.
والواضح أن تأثير تطبيق هذه المنطقة يزداد عاماً بعد آخر رغم تشابه الهياكل الصناعية العربية التي تؤدي عادةً إلى ضعف حركة التجارة العربية البينية، ومع ذلك فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين سورية والدول العربية من 49.6 مليار ليرة سورية عام 1997 إلى 87.1 مليار ليرة سورية عام 2003 أي بارتفاع قدره 75.6% .
وبالمقابل بدأت السلع السورية بالاستفادة من هذه المنطقة من خلال دخول سلعها وبخاصة النسيجية والغذائية إلى دول مثل مصر وتونس والأردن والمغرب كانت تفرض قيوداً جمركية وإدارية على مثل هذه السلع وهي تلقى رواجاً في تلك الأسواق وهذه نقطة إيجابية كبيرة ترفع من الميزة التفضيلية للسلع السورية مقارنة بسلع جنوب شرقي أسيا.
أما ما يمكن التأكيد عليه هنا للاستفادة من هذه الاتفاقية فهو: -
- التقيد بتطبيق قواعد المنشأ العربية كي لا تدخل أي سلع من غير المنشأ العربي مستفيدة من الإعفاء الجمركي وذلك من خلال التحقق من شهادات المنشأ ومستندات المصدر والتشدد في المنافذ الجمركية.
- اعتماد سياسة عربية موحدة بخصوص الإجراءات المتعلقة بحماية التجارة ولاسيما الإغراق والدعم والوقاية.
2 - اتفاقية منطقة التجارة السورية - التركية: هذه الاتفاقية ستمنح السلع السورية تحريراً وإعفاءاً من الرسوم الجمركية عند دخولها السوق التركية مقابل تحرير وإعفاء متدرج للسلع التركية، وهي بعكس الاتفاقية العربية التي تبدو متعادلة ستكون الاتفاقية مع تركيا في مصلحة تركيا نظراً لقدرتها الصناعية والزراعية المنافسة ولتركزها على الآلات والتجهيزات والمواد الأولية التي تحتاجها السوق السورية.
ويمكننا تلخيص التأثيرات الإيجابية والسلبية لهذه الاتفاقية بالنقاط التالية: -
1 - تعزيز فرص خلق التجارة بين البلدين اعتماداً على الميزات النسبية التي تمتلكها قطاعات الزراعة والصناعة في كلا البلدين، وهذا ما يتطلب التركيز على إنتاج وتصنيع المنتجات السورية التي تتمتع بميزة نسبية في السوق التركية أو على الأقل تستوردها تركيا عادةً من الأسواق الخارجية.
2 - باعتبار أن تركيا إحدى الدول المرتبطة باتفاقية اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي وهي ملزمة بتطبيق القوانين الجمركية الأوروبية نفسها على جميع السلع المستوردة من دول العالم، فإن الصادرات السورية إلى تركيا سوف تعامل نفس معاملة السلع السورية المصدرة إلى أوروبا من ناحية الرسوم الجمركية ومع توقيع اتفاقية منطقة تجارة حرة بين البلدين فإن الصادرات السورية قد تلقى معاملة تفضيلية أكبر من التي ستتلقاها لدى دخول سلعها للاتحاد الأوروبي.
3 - يمكن لسورية أن تستفيد من تخفيض الرسوم الجمركية على السلع التركية المصدرة إلى سورية من خلال تخفيض أسعار تلك السلع في السوق المحلية وبخاصة أن أغلب السلع التركية الموردة لسورية تعتبر سلعاً مطلوبة في السوق المحلية، ولا يوجد إنتاج محلي كافي منها.
4 - رغم أن الميزان التجاري الحالي بين البلدين هو في حالة فائض لمصلحة سورية إلا أن تركز الجزء الأكبر من هذه الصادرات على المواد الخام من نفط وقطن خام وبنسبة 80% يجعل من هذا الميزان غير متعادل نتيجة فقدان تلك السلع للمعاملة التفضيلية التي يمكن أن تحظى بها السلع المصنعة.
5 - إن منافسة السلع التركية للسلع السورية يتركز على انخفاض تكلفتها مقارنةً بالسلع السورية بالإضافة للدعم غير المباشر الذي تتلقاه قطاعات صناعية معينة لدعم قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية وبخاصة في مجال الألبسة والمواد الغذائية وهذا ما يتطلب اتخاذ إجراءات جادة لتخفيض أعباء الإنتاج المحلي، وبخاصة فيما يتعلق بالرسوم الجمركية على المواد الخام والوسيطة الداخلة في الإنتاج التصديري وتخفيض الضرائب والرسوم المتعلقة بالإنتاج الصناعي والزراعي ودون هذه الخطوات فإن الميزان التجاري سينقلب فائضاً لمصلحة تركيا في السنة الأولى فقط من توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة نتيجة قدرة الإنتاج التركي على المنافسة في الأسواق السورية نتيجة القرب الجغرافي وانخفاض التكلفة.
6 - يمكن لمشروع الاتفاق المقترح أن يترافق باتفاقية مماثلة لتشجيع انسياب رؤوس الأموال وتشجيعها لإقامة استثمارات تركية في سورية للاستفادة من فرصة دخول الأسواق العربية بكاملها في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وهناك مجالات كبيرة للتعاون الصناعي في مجال (التريكو- الدباغة - المصنوعات الجلدية - الألبسة).
7 - يمكن لسورية بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية أن تكافح الإغراق المتوقع للسلع التركية في السوق السورية (أي بيع المنتجات التركية في سورية بأقل من أسعارها في تركيا) من خلال فرض رسوم تعويض لدعم الصناعات المتضررة.
باختصار شديد يمكن القول أن الاتفاقية في الوقت الحالي ستكون في مصلحة تركيا، إلا أنه وعلى المدى البعيد يمكن اعتبارها مجالاً لرفع كفاءة السلع السورية المنتجة وتحسين جودتها من خلال تلك المنافسة مع الاستفادة من رخص المواد الأولية المستوردة من تركيا وقربها الجغرافي مما يتيح للصناعة السورية فرصة لتخفيض أعبائها.
3 - اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي: بدايةً يمكن القول أن هذه الاتفاقية تعتبر منعطفاً هاماً للاقتصاد السوري هو الأخطر والأهم سواءً من النواحي السلبية أو الإيجابية وهي قد نقلت هذا الاقتصاد دفعة واحدة نحو المنافسة مع أكبر تكتل اقتصادي شهده العالم المعاصر.
ورغم أن سورية حاولت في مفاوضاتها الطويلة مع الجانب الأوروبي الحفاظ ما أمكن على المصالح المحلية إلا أن واقع الاندماج في الشراكة المتوسطية – الأوروبية جعل سورية تدخل في سباق محموم نحو إعادة الهيكلة والتطوير.
اعتقد وبدون أي تحفظ أن أولى النتائج الإيجابية لهذه الاتفاقية ستكون إسراعنا بتصحيح الاختلالات الاقتصادية وتسريع حركة التطوير من خلال دخول عنصر المنافسة الذي تم تغييبه في الفترات السابقة، أما الخسائر والأضرار التي ستتعرض لها بعض قطاعات الاقتصاد الوطني فهي لن تكون نتيجة فورية لهذه الاتفاقية بقدر ما هي إعلان رسمي لفشل قطاعات وصناعات وزراعات كنا نتغافل عن مبررات وجودها وأسباب ضعفها وانعكاسات فشلها.
قد لا يسمح الوقت في إجراء تحليل معمق لنتائج هذه الاتفاقية على جميع قطاعات القطاع الخاص، إلا أن ما سبق أن تناوله الأخوة الزملاء في المحاضرات السابقة يشمل القطاعين الخاص والعام، وبحكم الدور المستقبلي المرتقب للقطاع الخاص ويحكم حجم مشاركته الحالية على الأقل في الناتج المحلي الإجمالي فإنه سيكون من أشد المتأثرين بهذه الاتفاقية.
عموماً تنطوي اتفاقية الشراكة على الملامح الرئيسية التالية: -
- إنشاء منطقة تجارة حرة خلال فترة أقصاها (12) عاماً يتم بموجبها الانتقال الحر للسلع والإلغاء التدريجي لكل التعريفات الجمركية على السلع الصناعية.
- إلغاء القيود الكمية والإجراءات ذات الأثر المماثل المطبقة حالياً على الاستيراد.
- التحرير التدريجي المحدود للسلع الزراعية.
- التحرير التدريجي للتجارة في الخدمات.
- إجراء تعديلات تدريجية في احتكارات الدولة ذات الصبغة التجارية.
- إعفاء السلع الصناعية السورية من جميع الرسوم الجمركية.
- تقسيم المنتجات الصناعية الأوروبية إلى ثلاث فئات حسب الرسوم الجمركية المطبقة عليها وتخفيض الرسوم الجمركية خلال مدد أقصاها (12) سنة مع إمكانية إعادة النظر في تلك التخفيضات من قبل لجنة الشراكة.
- تستطيع سورية خلال الفترة الانتقالية اتخاذ إجراءات استثنائية بما يتعلق بالرسوم الجمركية عند تعرض قطاعات صناعية معينة لصعوبات أو مشكلات اجتماعية خطيرة.
- ستخضع منتجات الصناعات الغذائية والزراعية المستوردة من الاتحاد إلى ضريبة أو رسم العنصر الزراعي بنسبة معينة من القيمة.
كما تشمل الاتفاقية على مجموعة من الأحكام التي تجيز اتخاذ إجراءات وقائية لمواجهة ظروف ومصاعب معينة وذلك ضمن ثلاث فئات: -
الفئة الأولى: وتتعلق هذه الفئة بحماية الصناعات الناشئة أو قطاعات معينة تجري إعادة هيكلتها أو تواجه صعوبات جدية خاصة إذا كانت تؤدي إلى مشكلات اجتماعية، بحيث يمكن لسورية اتخاذ تدابير تقضي بزيادة الرسوم الجمركية وإعادة فرضها وذلك بصورة استثنائية على منتجات واردة من دول الاتحاد الأوروبي، على ألا تتجاوز الرسوم الجمركية (25%) من القيمة، وألا تتعدى القيمة الإجمالية لهذه المنتجات المشمولة بالإجراءات المذكورة (15%) من إجمالي المنتجات الصناعية المستوردة من الاتحاد خلال السنة الأخيرة التي تتوافر عنها إحصائيات، كما لا يجوز تطبيق مثل هذه الإجراءات على منتجات مضى أكثر من 3 سنوات على إلغاء الرسوم الجمركية أو الضرائب التي كانت مفروضة عليها. تجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات يجب مناقشتها قبل تطبيقها بناء على طلب الاتحاد الأوروبي، وبالتالي على سورية تقديم جدول زمني بالإلغاء التدريجي لهذه الإجراءات، وفقاً لشرائح سنوية ابتداءً من نهاية السنة الثانية لوضع هذه الإجراءات.
الفئة الثانية: وتتعلق بإجراءات مكافحة ظاهرة الإغراق، وذلك بالحماية من زيادة الواردات من منتجات معينة بكميات تؤدي إلى الإضرار بإنتاج وطني مماثل أو منافس أو إلى أضرار جدية في قطاع معين من النشاط الاقتصادي، ويمكن للطرفين اتخاذ الإجراءات المناسبة شريطة إعطاء الأولوية للإجراءات التي تؤدي إلى أقل خلل ممكن في مضمون الاتفاقية، وضرورة إعلام الطرف الآخر وتزويد لجنة الشراكة بالمعلومات المفيدة، وإبلاغها بالإجراءات المتخذة إلى جانب وجوب إجراء مشاورات ودية بين الطرفين بقصد إلغائها عندما تسمح الظروف بذلك.
الفئة الثالثة: وتتعلق بمواجهة المصاعب الجسيمة التي تظهر في ميزان المدفوعات حيث:-
- تنص الاتفاقية على أن يتم تحويل المدفوعات الخاصة بالعمليات الجارية المنصبة على السلع والخدمات القابلة للتحويل، أما المعاملات المالية فيجب على سورية أن تضمن منذ بدء سريان الاتفاقية حرية تدفق رأس المال الخاص بالاستثمارات المباشرة وحرية تصفية وترحيل ناتجها وأرباحها.
- تشتمل الاتفاقية على أحكام تتعلق بالدعم الحكومي للمنشآت والاقتصاد السوري حيث يسمح لسورية بتقديم هذا الدعم خلال فترة سماح مدتها (5) سنوات ابتداءً من سريان الاتفاقية.
كما تضمنت الاتفاقية مواداً تتعلق بـ : -
- الإجراءات التشريعية والجمارك والتقييم الجمركي.
- العلاقات مع مجتمع الأعمال.
- التعاون في مجال مكافحة الاحتيال.
- حقوق إنشاء الأعمال وتقديم الخدمات.
- المدفوعات وحركة رؤوس الأموال.
- موضوع المشتريات الحكومية.
- التعاون الاقتصادي والتعاون العلمي والفني والتكنولوجي.
- التعليم والتأهيل والتعاون الصناعي.
- الأنظمة التقنية وتقييم المعايرة وتقييم مدى التطابق .
- الزراعة والثروة السمكية.
- مجتمع المعلوماتية والاتصالات الإلكترونية.
- التعاون السياحي.
- التعاون في مجال الإحصاء.
- التعاون الاجتماعي والثقافي.
- تعزيز المؤسسات ودور القانون والتعاون في مجال الهجرة.
- التعاون في مجال غسيل الأموال والمخدرات والإرهاب والجريمة والتعاون المالي.
إذاً الاتفاقية كانت شاملة تقريباً لجميع أوجه التعاون الممكنة وهي قد أدخلت مفاهيم ومؤسسات جديدة ثبت نجاحها في البلدان الأوروبية وبخاصة في المجال التقني والسياحي والخدمي وهو عنصر مهم للاقتصاد السوري.
وقبل الانتقال لاستعراض منعكسات هذه الاتفاقية يمكن الإشارة إلى أن أهمية وخطورة هذه الشراكة تنبع من النقطتين التاليتين: -
- إن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لسورية استيراداً وتصديراً بنسبة 39% من حجم التجارة الخارجية السورية حيث تبلغ نسبة مساهمته في الصادرات السورية 57% وبالمستوردات 18.9% إلا أن الفائض الذي سجل ما قيمته (106) مليار ليرة سورية عام 2003 وهو لصالح القطر يعكس خللاً بنيوياً في هيكل الصادرات التي تتشكل من 91% على النفط والمواد الخام.
- إن دخول القطاعات الاقتصادية السورية لاحتكاك مباشر مع التطور الأوروبي الهائل يجعلها في مواجهة حقيقية للتخلف والتباطؤ والتردد.
ويمكن إيجاز المنعكسات بالنقاط التالية: -
في المجال التجاري:
- تقلص الفائض في الميزان التجاري بين سورية والاتحاد الأوروبي نظراً للخلل الذي سيحدث في ميزان التجارة الخارجية الخاص بالمنتجات الصناعية مع الاتحاد الأوروبي نتيجة التحول لاستهلاك منتجات أوروبية مرتفعة القيمة.
- ارتفاع مستوردات القطر من الاتحاد الأوروبي وبخاصة الاستهلاكية منها.
- عدم استفادة السلع السورية المصنعة من الميزات التفضيلية الجديدة بالشكل المؤمل نتيجة المنافسة الكبيرة التي تتعرض لها داخل الأسواق الأوروبية شديدة الانفتاح والتعقيد
في المجال الصناعي والاستثماري:
- حدوث صعوبات لبعض الصناعات السورية التي تنتج قيماً مضافة منخفضة وبخاصة الصناعات الهندسية .
- تراجع حركة الاستثمارات المحلية في قطاعات تلقى منافسة من السلع الأوروبية إلا في حال حدوث شراكات أوروبية في تلك الصناعات وإعادة تصدير منتجاتها لدول عربية أو مجاورة للاستفادة من اتفاقيات مناطق التجارة الحرة.
- تحفيز المنشآت الخاصة على رفع كفاءة أدائها لتستطيع المنافسة أمام السلع الأوروبية ويمكن الاستفادة هنا من الإعفاء الجمركي لمدخلات تلك المنشآت الواردة من الاتحاد الأوروبي.
- تشجيع رؤوس الأموال الأوروبية على إقامة مشاريع في سورية وهذا يتوقف على الوضع السياسي والاستراتيجي في المنطقة.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن الصعوبات أو حتى حالات الإغلاق التي يتوقع البعض أن تتم في القطاع الخاص لن تكون بذلك السوء لأن تجربة تونس أثبتت فعالية الشراكات الأوروبية في تصنيع سلع تصديرية ومكونات تنافسية يتم تسويقها مباشرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي إلا أن هذه السلع سوف تتركز على الميزات التنافسية التي تتمتع بها وبالتالي ستنهار مقولة الاكتفاء الذاتي والتصنيع الشامل باتجاه الجانب الانتقائي الذي تتوفر مقومات نجاحه في السوق السورية في ظل الانفتاح والمنافسة.
في المجال الخدمي:
سوف يخلق انفتاح قطاع الخدمات الخاص السوري ولو بشكل غير كامل على قطاع الخدمات الأوروبي إلى منافسة غير عادلة مطلقاً نتيجة التخلف الشديد لهذا القطاع في سورية إلا أن الخدمات السورية مثل (السياحة - الاتصالات - المواصلات – التأمين –المصارف- التخزين والتجارة) سوف تتاح لها فرصة هامة لتطوير أدائها لمحاولة المنافسة أو الاستفادة من الخبرات الأوروبية في هذا المجال.
أما في المجال الزراعي:
فسوف لن تحصد المنتجات الزراعية السورية فوائد هذه الشراكة إلا بشكل محدود نتيجة نظام الحصص والقيود الأخرى إلا أنها ستكون عاملاً للتفكير في إعادة تصنيع هذه المنتجات وعدم تصديرها كمواد أولية خام والاستفادة بالتالي من القيم المضافة التي ستنتجها والميزات التفضيلية التي ستمنح لها عند دخولها أسواق الاتحاد.
أما على صعيد الميزان التجاري وميزان المدفوعات والميزانية فإن الآثار ستكون واضحة لصالح الجانب الأوروبي نتيجة زيادة الطلب على المستوردات والقطع الأجنبي وتراجع حصيلة الرسوم الجمركية.
ما هو المطلوب لتحسين فرص استفادة القطاع الخاص من هذه الشراكات:
إن الشراكة ستكون فرصة لخلق ميزة تنافسية لجميع أنشطة القطاع الخاص وهذا ما كان ينقصه دوماً فهو عندما استطاع بناء مشروعات ناجحة تعتمد على الميزة النسبية اصطدم بصعوبات تحويلها لميزات تنافسية قادرة على ولوج الأسواق الخارجية أو منافسة السلع الأجنبية ضمن السوق المحلية.
والوصول إلى هذه الميزة لا يكون بجهد فردي أو حتى جماعي بل بجهد تشاركي بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية ومنها غرف التجارة والصناعة والزراعية والسياحة، وإذا كان المطلوب مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر القادمة ليصل إلى حوالي (40) مليار دولار فإن القطاع الخاص يجب أن يحقق منه (30) مليار دولار بنسبة مشاركة 75% مع افتراض تراجع عوائد النفط على حساب تنامي القيمة المضافة للقطاعات الأخرى.
وهذا ما يستلزم البدء فوراً بجملة من الإجراءات أذكر منها: -
- برنامج إصلاح اقتصادي معلن وواضح، يحدد ما هو المطلوب من الحكومة تجاه العملية الاقتصادية وتطويرها، وما هو مطلوب من كافة القطاعات المنتجة في سورية، ويجب أن يكون واضحاً في كل الاتجاهات حتى لا تكون الحلول آنية كردة فعل أو تكون مجتزأة أو ترقيعية، وبذلك لا تؤتي أكلها.
- العمل وبشكل ملموس وبتعاون حكومي مع القطاع الخاص على جعل المواصفات القياسية المطلوبة ثقافة إنتاجية لدى كافة المنتجين لا يحيدون عنها سواءً كان المنتج سيطرح للاستهلاك المحلي أو للتصدير.
- العمل وبتعاون حكومي على تخفيض تكاليف الإنتاج وبشكل دائم ودؤوب لإنتاج سلع منافسة، والدور الحكومي هنا دور ترشيدي وليس تدخلي.
- تأسيس شركات وطنية وقد تكون مساهمة وبتشجيع حكومي مهمتها تولي تسويق الإنتاج السوري المهيأ للتصدير، ودراسة الأسواق المستهدفة وحاجات وأذواق المستهلكين، مستفيدين من المواطنين السوريين المنتشرين في كافة أنحاء المعمورة، ولنا في النموذج الياباني والكوري مثلاً حياً وواضحاً.
- قانون عمل متوازن يحفظ حقوق الطرفين المتعاقدين، العامل وصاحب العمل وبشكل متوازن، ويوضح واجبات كل منهما تجاه الآخر.
- منظومة ضريبية متوازنة وعادلة تؤمن إيراداً للخزينة ولا تكون عبئاً مرهقاً على المكلفين.
- عمل مصرفي قادر على تأمين متطلبات العمل الصناعي والتجاري المحلي والتصديري، وتمويل عملية الإنتاج وبفوائد معقولة.
- زج كافة المدخرات الوطنية في العملية الإنتاجية والاستثمارية عن طريق الشركات المساهمة التي ينظمها قانون الشركات حديث ومطور يفي بحاجات المساهمين والمنتجين.
- أسطول نقل بري وبحري قادر على الوصول إلى كافة النقاط المستهدفة للتصدير أو الاستيراد.
- وضع سياسات محفزة للاستثمار المحلي المعتمد على خلق قيم مضافة أكبر وتوجهات تصديرية وبخاصة المعتمد على شراكات أجنبية وعقود تصنيع مباشرة.
- إنشاء مؤسسات جديدة تحتاجها عملية التطوير الاقتصادي للقطاع الخاص ومنها:-
o مؤسسة لضمان ائتمان الصادرات والاستثمارات، وهيئة لترويج الصادرات.
o مؤسسة لإدارة بنوك المعلومات وللتدريب والتأهيل .
o مؤسسة لإدارة مراكز الإبداع الصناعي والتجاري واختبار جودة المنتج.
ولكن إذا كانت كل هذه مطالب فما هو الذي يقع على عاتق القطاع الخاص؟ يتسم القطاع الخاص لأسباب تشريعية قانونية، وأخرى نفسية، وثالثة تعكس طبيعة تكوين المواطن بالعمل الفردي، وعلى ذلك فإن للتعليم دور أساسي في ثقافة التعاون والمشاركة، فكثير من المشاريع هي أعمال فردية أو عائلية، وقد آن الأوان لانتقالها إلى صيغة المؤسسة التي تؤمن الاستمرارية، وتخفيض تكاليف الإنتاج، والإدارة بعقلية المؤسسة ضمن أسس إدارية ومحاسبية دقيقة.
وهذا لا يعني أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا دور لها فلكل عمله واختصاصه، وإن تجميع المنتجات من قبل شركة تصدير كما ذكرت آنفاً مع تمويل العملية الإنتاجية سيحقق أفضل النتائج في الصناعة.
يتوجب على القطاع الخاص والعاملين فيه التأسيس على إنتاج البضائع ذات المواد الأولية المحلية كالصناعات النسيجية على اختلاف أشكالها وأنواعها، والصناعات الغذائية، مع التوجه وعلى قدم المساواة إلى صناعات ذات قيم عالية وتخصص فني دقيق كصناعة البرمجيات وموادها, وهو واجب ملزم للقطاع الخاص.
وفي التجارة لابد من تطوير العمل الإداري والفني، والأخذ بالمفاهيم والمعايير الإدارية، وإيجاد مكاتب تمول من غرف التجارة والصناعة والزراعة في سوريا بالإضافة إلى مساهمات المصدرين وكل ذي مصلحة، مهمة هذه المكاتب إجراء بحوث ميدانية محلية وخارجية على الأسواق المستهدفة، وتقديم المعلومات للمنتجين من مزارعين وصناعيين ومصدرين ليكونوا على أتم الاستعداد دائماً لمتطلبات السوق.
في الزراعة لا أحد يمكنه أن يتجاهل النهضة الزراعية في سورية ولكنها تحتاج إلى لمسات اختصاصيه وفنية، فالمحاصيل الحقلية بحاجة لمن يرشدها إلى البذور المطلوبة منتجاتها في بلدان الاستهلاك، وكذلك الأشجار المثمرة وزيت الزيتون والزيوت النباتية وغيرها، وإن تحويل حبوبنا إلى منتجات جاهزة للاستهلاك هي ثروة كبيرة في حد ذاتها.
في الخدمات: مثل التجارة والشحن والنقل والتخزين والاتصالات والدعاية جميعها بحاجة إلى تطوير وتحديث لتتماشى مع أحدث التطورات العالمية في هذا المجال.
في السياحة - توجيه اهتمام القطاع الخاص إلى الصناعة الفندقية والمطاعم والمنتجات السياحية ولا مانع أن تكون على شكل شركات مساهمة.
وأنا على ثقة مطلقة على أن القطاع الخاص، بشعوره العالي بالمسؤولية وحبه لوطنه والعيش على ترابه، بالإضافة إلى رغبته في العيش بكرامة وكفاية، مؤهل للوفاء بالتزامات الشراكة واتفاقات مناطق التجارة، القائمة والتي هي قيد الإنجاز، والمتوقعة أيضاً.
ولم يكن القطاع الخاص يوماً متقاعساً، ولكن يلزمه المناخ المناسب والتشريعات الضرورية والتمويل المربح.
فمن فترة قريبة فقط كان عدد كبير من الصناعات محصور في القطاع العام وكان بعض المسؤولين يفضلون تصدير القطن والحبوب للحصول على القطع الأجنبي، وكان الأجدى إطلاق الصناعة السورية لتصدير المنتج الجاهز.
ولكن بقليل من الإجراءات الحكومية يمكن تجاوز كل العقبات وإن هذه الإجراءات يجب ألا تأخذ وقتاً طويلاً، فعلى سبيل المثال قانون التجارة وقانون الشركات والمتجر، وكذلك سوق الأوراق المالية والإصلاح الضريبي الكامل والقضاء نهائياً على الروتين الذي يؤدي أحياناً إلى الرشوة التي إن كانت تحت ضغط الحاجة عند البعض إلا أنها أصبحت مهنة واحترافاً عند آخرين.
ويجب أن يكون واضحاً أن كل المواطنين شركاء في هذا الوطن وليس لأحد حصة أكبر من الآخر فيه، وكما يحق لكل مواطن أن يحافظ على ممتلكاته، فمن واجبه أن يحافظ على ممتلكات الآخرين وأن يحافظ على موجودات الدولة والقطاع العام فهي ملك لكل المواطنين.
إن الهدف النهائي يتمثل في خلق مناخ استثماري وتجاري منافس ومشجع يكون فيه القطاع الخاص قادراً بشكل فعلي على استثمار طاقاته وإمكانياته في حدودها القصوى وعندها فقط نكون قد اجتزنا استحقاق الشراكة بكل ما تحمله من تحديات وأثار ومنعكسات ونكون على مستوى المسؤولية الوطنية فكرياً وثقافياً وعلمياً واستهلاكياً.
أ. محمد
غسان القلاع