دور النفط الحالي والمستقبلي في الإنماء الاقتصادي

في الدول العربية

 

الدكتور منير الحمش(*)

 

ورقة مقدمة إلى «ورشة العمل» التي تنظمها

جمعية العلوم الاقتصادية السورية

9 - 10/1/2005 دمشق

 

عندما شُرفت بالتكليف بإعداد ورقة بهذا العنوان، من قبل جمعية العلوم الاقتصادية السورية، لتقديمها في (ورشة عمل) حول "الصناعات النفطية ومكان الدول العربية فيها في ظل العولمة: الواقع والآفاق". وعندما علمت بأسماء السادة المشتركين في الورشة وهم من خيرة الخبراء والمختصين باقتصادات النفط في الوطن العربي، تنازعتني هواجس كثيرة، وخطرت ببالي أسئلة كثيرة أيضاً.

أما الهواجس، فقد أطلقتها صرخة يوسف إبراهيم يزبك، عام 1934 في كتابه الهام (النفط مستعبد الشعوب) فكلما جاء ذكر النفط العربي، قفزت إلى ذهني تلك الصرخة المبكرة التي تنم عن شعور عالٍ وإحساس مرهف بأهمية هذه المادة السحرية والدور الذي تلعبه في حياة الشعوب والمنتجة والمستهلكة في آن واحد.

ماذا قال يزبك في صرخته الموجهة إلى العربي المسكين؟. قال: «إن النفط هو ملكك وشيطانك، حبيبك، وعدوك، محررك ومستعبدك، مُعزك ومذلك: هو حياتك وموتك، فاعرف (شيئاً) من سياسته تعرف ما أنت فيه، وما أنت واصل إليه!..».

قيل هذا، وأكثر، عام 1934، فإلى أين سنصل بعد الآن، بعد أن أصبح حالنا على ما نحن إليه؟.

أما الأسئلة التي خطرت في بالي، فهي وإن كانت كثيرة، إنما يأتي في مقدمتها:

هل ثمة ما يقال في هذا الموضوع، بعد الذي وصلنا إليه، وبعد ما قيل وكُتب حوله؟.

بعد هذه المقدمة، من المفيد أن نورد النقاط التالية:

أولاً: بعد الحرب العالمية الثانية، ونيل الدول العربية لاستقلالها السياسي بالتتابع، ومن منظور استمرار التجزئة والتقسيم للبلدان العربية ومنع وحدتها، ومن خلال الحكومات التي وصلت إلى الحكم على نحو أو آخر، طرح تكوين نظام عربي، شكلت جامعة الدول العربية شكله المؤسسي. وطرحت من خلال الاتفاقات المعلنة والبرامج الحكومية شعارات التكامل الاقتصادي العربي والوحدة الاقتصادية العربية والسوق العربية المشتركة، ثم تراجعت الطموحات إلى مستوى منطقة تجارة حرة، تحت وطأة المعوقات والتحديات الداخلية والخارجية، والمحصلة لهذه المسيرة هي إخفاق العرب في تحقيق مستوى مُعتبر من التكامل الاقتصادي، وفي الوقت الذي تراجعت فيه الخطوات التكاملية على المستوى العربي، نجد تصاعد الخطوات في أوروبا باتجاه إقامة الاتحاد الأوروبي، وتصاعد الإجراءات على مستوى الاتفاقات الإقليمية والدولية، وكذلك على مستوى العلاقات التجارية العالمية، بإقامة منظمة التجارة العالمية، إضافة إلى اندفاع الخارج (أمريكا وأوروبا) إلى طرح مشاريع بديلة على المنطقة العربية في إطار ما دُعي بمشروع الشرق الأوسط الكبير، والشراكة الأوروبية المتوسطية، وغير ذلك.

ثانياً: هذا الإخفاق على مستوى النظام الإقليمي العربي، وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية البينية، رافقه إخفاق آخر، وهو إخفاق كل قطر عربي لوحده من تحقيق التنمية، إذ دل أرقام ومؤشرات التنمية الإنسانية على واقع موجع يتجلى في انخفاض مستوى التنمية، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل وزيادة معدلات الأمية، فضلاً عن تحقيق معدلات نمو اقتصادي متواضعة، وتصاعد الفروق الداخلية بين الدول العربية، وداخل المجتمعات القطرية، مع اتساع متزايد لدائرة الفقر.

ثالثاً: الإخفاق على صعيد إقامة نظام عربي إقليمي، وتكامل اقتصادي عربي، والإخفاق في تحقيق التنمية القطرية والقومية، رافقهما المزيد من التبعية لإقتصادات الخارج وللإقتصاد العالمي، فضلاً عن الالتحاق بالمشروعات المصدرة إلينا من الخارج خاصة الشراكة الأوروبية، وبالاتفاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وغيرها.

وفي حين قبلت الأنظمة العربية (فرادى) التنازل عن جزء من سياتها في اتفاقات الشراكة الأوروبية، وفي الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وفي إطار الاتفاقات التجارية الثنائية، في حين فعلت ذلك مع الآخرين، فإنها تتخذ من السيادة الوطنية ذريعة في عدم المضي باتفاقات اقليمية عربية.

رابعاً: إذا كانت عملية النهوض والقضاء على التخلف في أي مجتمع مسألة تغلب عليها العناصر الذاتية وتتعلق بمدى حيوية المجتمع وقدرته على إزالة أسباب التخلف، والارتقاء في مستوياته الثقافية والتعليمية والاقتصادية والمجتمعية، إذا كان الأمر كذلك في مختلف مجتمعات العالم، فإن ثمة خصوصية تتعلق بالواقع العربي، تتمثل في تعرض هذا الواقع لتأثير القوى الخارجية، وقد لعبت هذه القوى عملياً أو تاريخياً دوراً أساسياً في إعاقة تقدم العرب.

ومنذ مطلع القرن العشرين، وقفت القوى الاستعمارية ضد توحد العرب وعملت على تمزيقهم وتجزئتهم وتقاسم النفوذ على أرضهم، ثم عملت الحرب العالمية الثانية على إعاقة قيام مجتمعات نامية، ديمقراطية متقدمة، أو إقامة أشكال حقيقية للوحدة والتكامل بين الدول العربية، وكان ولا يزال بحكم تصرفات القوى الكبرى تجاه الدول العربية أمران أساسيان:

الأمر الأول: المشروع الصهيوني حيث أسهمت الدول الاستعمارية على الوقوف إلى جانبه، وتسهيل إقامة دولة إسرائبل، ومن ثم التكفل بحماية إسرائيل ومساعدتها على أن تكون الدولة الأقوى في المنطقة العربية.

الأمر الثاني: وجود احتياطيات النفط في الأرض العربية، وقد أرادت الدول الاستعمارية والعربية، أن تحصل على النفط على نحو مستمر بسعر رخيص وكميات وفيرة، وقد أسهم النفط العربي بالفعل في تحقيق ازدهار ورفاه الدول الصناعية الغنية، فأسرع في نموها الاقتصادي وأسهم في تمويل بحوثها العلمية وتقدمها التكنولوجي، وفي بناء صرح اقتصاداتها الهائلة.

وإذا كان الأمر الأول، أي اسرائيل وأمن إسرائيل، محوراً لالتقاء الدول الرأسمالية الصناعية، فقد كان الأمر الثاني أي النفط محوراً لصراعات هائلة فيما بينها.

كانت الأراضي العربية في النهاية هي الوقود لهذه الصراعات، والتي انتهت بتواجد عسكري أجنبي يقيم في قواعد عسكرية ثابتة كما هو الحال في القواعد العسكرية الإمبريالية في الخليج، وفي الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق.

وكلا الأمرين يشكلان دافعاً قوياً للغرب والولايات المتحدة لإبقاء الدول العربية مفككة، منعزلة، مهمشة، مجزئة ومتخلفة، ساعدها في ذلك أنظمة عربية هشة ومتخاذلة تجاه الخارج، وعنيفة ومتجبرة تجاه الداخل، مع إنحسار واضح لحركة الجماهير الشعبية في ظل غياب الديمقراطية والحياة السياسية.

بعد هذه المقدمة التي لابد منها، نأتي الآن لمعالجة الموضوع المطروح، وهو دور النفط الحالي والمستقبلي في الإنماء الاقتصادي في الدول العربية، وسنوزع البحث إلى قسمين: الأول يبحث في دور النفط الحالي، والثاني فيما نتصوره من دور مستقبلي للنفط في الإنماء الاقتصادي في الدول العربية.

آ - دور النفط الحالي في الإنماء الاقتصادي في الدول العربية:

لا نستطيع أن نتحدث عن هذا الموضوع، وكأن الدول العربية تشكل كياناً اقتصادياً واحداً، وذلك بسبب اختلاف مستويات النمو الاقتصادي فضلاً عن اختلاف مؤشرات التنمية البشرية، ومصادر الدخل والثروة، وتعداد السكان، مما ينعكس على متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي بين هذه الدول. فهناك دول قليلة السكان مرتفعة الدخل، ودول أخرى كثيفة السكان منخفضة الدخل.

لهذا فقد اعتادت الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية إلى تقسيم الدول العربية إلى مجموعتين رئيسيتين:

الأولى: دول عربية قليلة السكان منتجة للنفط، أو/و الغاز، وهو المصدر الرئيسي لحصيلة الصادرات وهي دول الخليج الست والعراق وليبيا والجزائر، وهي أيضاً دولة مستقبلة للعمالة.

أما المجموعة الثانية: فهي دول عربية تغلب عليها كثافة السكان، وهيكلها الاقتصادي على درجة من التنوع في الإنتاج والقطاعات المولد للدخل ومنها سورية ومصر والسودان وتونس ولبنان والمغرب والأردن، ويمكن إدراج موريتانيا وفلسطين ضمن هذه المجموعة، التي تعتبر أيضاً مصدرة للعمالة إلى دول المجموعة الأولى.

والأمر الذي يجمع المجموعتين، فضلاً عن الانتماء العربي، هو أنها معرضة للصدمات الخارجية، وتتأثر بدرجة كبيرة بما يحدث في الأسواق الدولية، كما أن أغلب دول المجموعتين تمارسان سياسة اقتصادية متقاربة تحت عنوان التكيف الهيكلي والاصلاح تحت إشراف صندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية الأخرى، كما أنها تسعى للاندماج في السوق العالمية من خلال تحرير تدفقات التجارة والاستثمار ورؤوس الأموال. لكنها بوجه عام لم تستكمل بعد شروط الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي، ولا تتجاوز نسبة اندماجها في السوق العالمية 60%(1).

ويلعب النفط دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية العربية، وقد لعب دور المحرك للاقتصاد العربي والرافد لأنشطته المختلفة لاسيما في البلدان المنتجة والمصدرة للنفط، وكذلك في البلدان العربية الأخرى سواء عن طريق تلقي المساعدات من الدول النفطية، أو عن طريق تحويلات العاملين فيها إلى بلدانهم الأصلية.

وتُسهم العائدات النفطية بدور رئيسي في تكوين الناتج المحلي الإجمالي وتشكيل الموارد الأساسية لموازنات البلدان المنتجة، التي استطاعت تكوين الهياكل والبنية الأساسية التحتية لاقتصاداتها ومرافقها العامة، كما شرعت بإقامة بعض الصناعات البيتروكيمائية والغذائية.

وتكمن أهمية النفط العربي الاستراتيجية في:

1 - ضخامة احتياطياته، ففي نهاية عام 2002 بلغ إجمالي احتياطي الدول العربي من النفط الخام 653.26 مليار برميل أي ما يعادل 61.1% من إجمالي احتياطي العالم(2).

2 - غزارة إنتاج البئر الواحد، قياساً على مستوى إنتاج الآبار في مناطق أخرى من العالم.

3 - انخفاض تكاليف استثماره وإنتاجه النسبي.

ومن هنا يمكن أن نفهم سعي الغرب والولايات المتحدة إلى السيطرة على منابع النفط العربية. وإضافة إلى دور النفط كطاقة محركة، فإن عملية استثماره وإنتاجه وتسويقه، تتضمن العديد من الأنشطة الاقتصادية المتعلقة بالتكرير وإنتاج المشتقات النفطية، والنقل والتسويق والتأمين وغير ذلك من خدمات تشغل آلاف بل ملايين العمال في شركات عالمية عملاقة.

وقد استنزف النفط العربي، وضخ إلى الغرب الصناعي بأسعار بخسة، فأسهم في تنمية مجتمعاته وازدهار اقتصادها، في حين ظلت المجتمعات العربية رهينة للتخلف والتجزئة.

وحتى عام 1973، بقيت أسعار النفط تتراوح ما بين 2.1 دولار للبرميل الواحد و3.14 دولار. وبقيت الأسعار ضمن هذه الحدود حوالي خمسين عاماً، حتى جاءت حرب عام 1973، واستخدام النفط كسلاح لإرغام الغرب والولايات المتحدة من أجل تحقيق بعض المطالب العربية، فارتفعت أسعار النفط نتيجة التصحيح الحاصل في الأسعار وفي العلاقات بين المنتجين والمستهلكين، فوصلت في عام 1974 إلى 10.41 دولار للبرميل الواحد ثم واصلت ارتفاعها حتى وصلت أقصى ارتفاع عام 1980 (36 دولار للبرميل) وبعد ذلك أخذت بالتذبذب حتى حتى وصلت في بعض الأحيان إلى أقل من 10 دولار، ثم عادت للارتفاع عام 1990 (22.26 دولار للبرميل الواحد) لكنها عادت إلى الانخفاض في منتصف التسعينات حتى وصلت أقل من عشر دولارات، وبدأ الحديث عن انخفاض إلى ما دون ذلك، لكن الأسعار عادت إلى الارتفاع في الآونة الأخيرة، حتى وصلت إلى ما يزيد على 50 دولار للبرميل الواحد بالأسعار الجارية طبعاً.

وأدى التذبذب في أسعار النفط الخام، إلى تذبذب عائدات التصدير في الدول المنتجة - المصدرة وانعكس ذلك على الموازنات المالية، وبالتالي على القدرة المالية لبلدان اعتادت على الانفاق إلى درجة اضطرت معها إلى اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.

هنا لابد لنا من التوقف عند جملة من الملاحظات:

أولاً: تذبذب عوائد صادرات النفط لإجمالي الدول العربية في السنوات الأخيرة ما بين 82.131 مليار دولار عام 1998، و188.189 مليار عام 2000، ثم إلى 143.833 مليار دولار عام 2002(3).

ومع تراجع أسعار الدولار، وحساب معامل التضخم، فإن هذه المبالغ هي أقل بكثير من قيمتها الحقيقية.

ثانياً: من الطبيعي أن ترتفع عوائد التصدير مع الارتفاع الحاصل في أسعار النفط الخام مؤخراً إلا أنه كما ذكرنا سابقاً فإن تراجع الدولار، أدى إلى تراجع القيمة الحقيقية لعوائد التصدير، وفي حالة الدول المصدرة للنفط التي تربط عملاتها بالدولار فتراجع قيمة عوائد الصادرات النفطية يضعف نسبة تراجع الدولار.

وعلى الرغم من زيادة عائدات التصدير بالدولار، إلا أنها تظل - محسوبة بمعامل التضخم - بحساب نصيب الفرد في تلك الدول، أقل بكثير من نصف ما وصلت إليه في فترة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات.

وطبقاً لأحدث إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية(4)، فإن "بحساب القيمة الحقيقية، ارتفعت عائدات أوبك عام 1980 لتصل إلى 598 مليار دولار، وكانت أسوأ أعوام العائدات للمنظمة منذ بداية السبعينات (عندما بلغت 103 مليار دولار عام 1972) هو عام 1998 حين تراجعت إلى 113 مليار دولار فقط. أي أقل من أسوأ عام سابق في 1986 عندما وصلت إلى 117 مليار دولار، وقدرت عائدات دول أوبك من تصدير النفط عام 2003 بنحو 225 مليار دولار (بأسعار عام 2000) أي بأكثر قليلاً من ثلث قيمة العائدات عام 1980.

وبالنسبة إلى عقد التسعينات كله (من 1991 إلى 2000) بلغت عائدات دول أوبك النفطية (بأسعار الدولار عام 2000) 1.6 تريليون دولار، مقارنة مع 2.4 تريليون دولار في الثمانينات و3.3 تريليون دولار في السبعينات، وهكذا كانت عائدات التسعينات بالأسعار الحقيقية، أقل من نصف العائدات في السبعينات.

ويقول تقرير هيئة معلومات الطاقة الأمريكي "ببساطة إذا سار اتجاه أسعار النفط مثل أسعار أي سلعة أخرى لكانت الأسعار وصلت إلى أكثر من 120 دولار للبرميل بشكل طبيعي وحسب الزيادة المضطردة نتيجة معامل التضخم وتراجع سعر الدولار".

ثالثاً: عملت الدول الصناعية الغنية على إلغاء أثر التصحيح النسبي لأسعار النفط الخام، عن طريق مجموعة من الإجراءات المضادة، لعل أهم هذه الإجراءات:

- زيادة أسعار السلع والخدمات المصدرة إلى الأسواق العربية.

- زيادة مخزونها الاحتياطي لمواجهة النقص في الامدادات.

- العمل على إيجاد بدائل للطاقة.

كما أسهمت سياسة التضخم المتزايد في تآكل القيم الحقيقية للمدخرات وتفاقمت آثارها بمفعول الفوضى النقدية العالمية.

لكن أهم عناصر ضياع الفرصة الحقيقية للاستفادة من عوائد تصدير النفط، هو الوقوع في فخ الاستهلاك والبذخ الاستهلاكي والعادات الاستهلاكية الضارة.

أما أخطر وسائل استنزاف الموارد النفطية، فقد كان "تأجيج نار الحرب وتسويق صفقات السلاح التي بلغت مستويات عالمية تجاوزت خمس الناتج المحلي والإجمالي لدول المنطقة، فضلاً عن سداد فواتير الحرب، وافتعال الأزمات لمزيد من الابتزاز"(5).

رابعاً: لجأ العديد من الحكومات والأفراد والشركات إلى إيداع فائض ما توفر لديهم من أموال النفط، في المصارف الأوروبية والأمريكية، ويتم التداول الآن بأرقام خيالية من الأموال العربية في الخارج، على شكل إيداعات أو استثمارات أو سندات خزانة أو أسهم، وتحاط الأرقام الحقيقية بسرية تامة، خاصة الحسابات في المصارف، إلا أن الأرقام تشير إلى وجود (283 ألف حساب مصرفي) لعرب غير مقيمين في الولايات المتحدة وحدها. وتقول بعض الأرقام "أن مجمل التوظيفات والودائع السعودية التابعة للحكومة ومؤسسات خاصة وأفراد، يقارب في الولايات المتحدة وحدها 500 مليار دولار يقابلها 250 مليار دولار لدول التعاون الخليجي"(6).

والروايات عديدة عن الخسائر التي لحقت بالودائع والاستثمارات العربية في الخارج، سبب الأزمات المالية والنقدية العالمية وبسبب تأرجح سعر صرف الدولار والمضاربات والتلاعب بالأسواق المالية. "ويكفي الإشارة إلى أن خسائر العرب في يوم الاثنين الأسود في تشرين أول/أكتوبر 1987 قد بلغت الـ 30 مليار دولار"(7). هذا عدا الخسائر في سوق الذهب والمعادن الثمينة خاصة عام 1980.

ويمكن تلخيص عمليات استنزاف الثروة العربية "بأنها الخلل في شروط التبادل مع الغير والتضخم العالمي، ويصبح سلاح الغذاء ومضاربات أسعار الذهب والحروب والانقسامات ودور النفط في تشجيعها" ويضيف د. نادر فرجاني إلى ذلك "بأن الخطر الأساسي في الواقع العربي الراهن هو خطر إهدار إمكانية تاريخية قائمة لازدهار حضارة عربية معاصرة"(8).

خامساً: هكذا فقد أُعيقت عملية التنمية بالاستناد إلى العائدات النفطية، بسبب ابتلاع جانب هام من هذه العائدات في سعر حاجات الاستهلاك الجاري المتنامي، وفي خدمة الدين العام، وفي مشتريات الأسلحة، وفي ضياع قسم هام منها بسبب التضخم وانخفاض سعر صرف الدولار، وما يمكن استخلاصه هو أنه إذا كانت عائدات النفط قد أسهمت في تكوين النمو الاقتصادي وزيادته (رغم تذبذبها بين سنة وأخرى) فإن هذه العائدات لم تنجح في تحقيق تنمية وطنية من خلال خلق مصادر متنوعة ذات مصدر إنتاجي داخل أو خارج البلد النفطي المعنى، من شأنها أن تقلل الاعتماد على موارد النفط، وتزيد من درجة الاعتماد على الذات في مواجهة حاجات الاقتصاد الوطني.

وفي عام 1980، أقرت قمة عمان الاقتصادية، عقد التنمية العربية لتحقيق تنمية متسارعة للدول الأقل نمواً، وذلك بمبادرة خمس دول عربية هي السعودية، الكويت، العراف، والإمارات، وقطر، وقد نص هذا المشروع على تخصيص مبلغ 500 مليون دولار لمدة عشر سنوات لهذا الغرض، إلا أن انحسار الحقبة النفطية وانخفاض عائدات التصدير، وتصاعد حرب الخليج الأولى، وعودة الهيمنة الأجنبية بقوة أكبر على المنطقة واستنزاف مواردها، جميع هذه العوامل أدت إلى طي مشروع عقد التنمية العربية.

سادساً: جرت محاولات عربية على المستوى الرسمي لربط سياسات الطاقة بقضايا التنمية وقد تبلورت هذه المحاولات في مؤتمر الطاقة العربية الذي تنظمه (أوبك) منذ عام 1979 ولعل أهم محاور التعاون العربي في هذا المجال برزت في:

1 - التعاون عن طريق الشركات المنبثقة عن منظمة الأوبك، وهي أربع شركات:

الشركة العربية للاستثمارات البترولية، الشركة العربية لبناء وإصلاح السفن، الشركة العربية البحرية لنقل البترول، الشركة العربية للخدمات البترولية.

2 - التعاون في إطار المجالس الإقليمية. وخاصة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي أقام أجهزة متخصصة لمتابعة التعاون والتنسيق في مجالات النفط والطاقة، كما أن الاتحاد المغاربي أكد على أولوية التعاون في هذا المجال.

3 - التعاون في إنشاء شبكة تصدير النفط والغاز، وكانت خطوط الأنابيب إحدى الركائز الأساسية للتعاون العربي، وهناك نوعان من المشاريع المشتركة في مجال الأنابيب أولهما خطوط أنابيب النفط الخام ويشار في هذا الإطار إلى خط السويس - المتوسط. أما النوع الثاني فهو مشروعات تصدير الغاز الجزائري الذي يمر عبر تونس والمغرب إلى أوروبا. وهناك مشروع نقل الغاز بين مصر والأردن وسوريا... إلى جانب مشروعات أخرى قيد الدراسة.

سابعاً: ساعدت الحقبة النفطية على قيام عدد من صناديق ومؤسسات التنمية العربية القطرية والقومية، كما تم تأسيس عدد من الشركات المشتركة التي تقدر رؤوس أموالها بثلاثين مليار دولار، ويكتسب العون الإنمائي العربي ملامح هامة تميزه عن مصادر العون الإنمائي الأخرى ومرد ذلك إلى أن الدول العربية المانحة للعون هي نفسها دول نامية تواجه تحديات تنموية عديدة بما في ذلك تنويع قاعدتها الانتاجية، وتطوير صيانة البنى الأساسية بها.

وتشكل العوائد النفطية المصدر الرئيسي لإيرادات الدول المانحة وبالتالي فإنها تشكل الأساس المالي لتدفقات أموال العون المقدم منها.

وإذ تحدد الأمم المتحدة نسبة 0.7% كهدف للمساعدات الإنمائية الدولية. فقد أسهمت الدول العربية الرئيسية المانحة نسبة تزيد عن ذلك.

وارتبطت المساعدات الانمائية العربية الميسرة، بالتغيرات الحاصلة في أسعار تصدير النفط. ففي مرحلة أولى تمتد من 1970 إلى 1984 ارتفعت المساعدات الانمائية في الفترة (1970 إلى 1974) من 7.7 مليار دولار، إلى حوالي 32 مليار دولار، في الفترة (1975 إلى 1979) ثم إلى حوالي 32.7 مليار دولار في الفترة (1980 إلى 1984) حوالي 72.4 مليار دولار. أما في الفترة من عام 1985 حتى عام 1999 فقد كان هناك انخفاضاً في حجم المساعدات إذ انخفضت من 15.5 مليار دولار للفترة (1985 - 1989) إلى حوالي 13.4 مليار دولار للفترة (1990 - 1994) ثم إلى حوالي 6.8 مليار دولار للفترة (1995 - 1999). إلا أن المساعدات الإنمائية العربية شهدت ارتفاعاً خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة لتصل إلى حوالي 9.5 مليار دولار للفترة (2000 - 2002) وعليه فقد ارتفع المتوسط السنوي للعون الإنمائي العربي لهذه الفترة حوالي 3.2 مليار دولار مقابل حوالي 2.7 مليار دولار للفترة (1990 - 1994)(9).

ويكتسب العون الإنمائي العربية أهمية خاصة بالنظر لكونه أكثر يسراً وأقل تكلفة من مصادر التمويل الأخرى التجارية والإنمائية، وهو يتميز بنوعيه المباشر وغير المباشر، بشروطه الميسرة، التي تتمثل في انخفاض سعر الفائدة وطول فترتي السماح والسداد، إضافة إلى أنه يتضمن المنح والهبات إضافة إلى عدم شموله لشروط سياسية واقتصادية مما يسمح للدولة المتلقية للعون إدارة واستغلال العون المالي بما ينسجم مع سياساتها الاقتصادية والمالية بمرونة.

وفي العادة فإن العون العربي الحكومي المقدم يستخدم في:

- تمويل عجوزات الموازنات العامة.

- المساعدة في سداد مستحقات خدمة الديون الخارجية.

- المساهمة في تمويل بعض المشاريع الهامة في الدولة المستفيدة.

أما العون المؤسسي المقدم من صناديق ومؤسسات التنمية العربية والوطنية ومتعددة الأطر، فإنه يوجه لتمويل مشاريع محددة في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وتمويل موازين المدفوعات، ويوجه العون الأهلي على نحو رئيسي لدعم العمل الخيري ومواجهة الكوارث.

ثامناً: نأتي الآن إلى تأثير الطفرة النفطية في الدول النفطية ذاتها، وفي الحقيقة فقد اتجهت الدول النفطية بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط وبالتالي في العوائد النفطية، نحو الداخل وتميز هذا التوجه في البلدان النفطية الخليجية من خلال مرحلتين:

الأولى: منذ منتصف السبعينات وحتى أوائل الثمانينات من القرن العشرين، حيث تم التركيز الداخلي نحو إقامة مشروعات البنية الأساسية التي تعد المقدمة الضرورية لعملية التصنيع والإنماء الاقتصادي على نحو عام.

أما المرحلة الثانية: فقد بدأت منذ أوائل الثمانينات ولا تزال مستمرة حيث تم الإعداد لإقامة المجمعات الصناعية الضخمة، وارتفع وزن الصناعة التحويلية في الاقتصادات الوطنية.

واستندت البرامج الصناعية في بلدان مجلس التعاون الخليجي إلى استهداف تنويع هيكل الناتج المحلي الإجمالي كمحاولة لفك الارتباط الوثيق بمورد وحيد للدخل هو النفط، مع استمرار المضي في طريق استغلال الثروة الطبيعية المتمثل في النفط والغاز. بوضع خطط تصنيع هذه المنتجات.

وقد جاء في الخطة السعودية الثالثة (1980 - 1985) أن إنشاء قاعدة من الصناعة الثقيلة يعتبر (حجر الأساس في استراتيجية التنمية الصناعية والاقتصادية للمملكة، والهدف هو استغلال ثروات الغاز الطبيعي غير المستغلة التي تتدفق مع إنتاج الزيت الخام، وسيستغل الغاز إما كمواد أولية، أو وقود للصناعات البرتوكيميائية وفي الصناعات التي تحتاج إلى تركيز واستهلاك الطاقة وستؤدي هذه العمليات إلى زيادة القيمة المضافة لموارد المملكة الطبيعية وتزيد من العملات الأجنبية واستخدام أساليب تكنولوجية جديدة وإنشاء صناعات لا تحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة، وفضلاً عن ذلك ستتاح فرصة مناسبة لإقامة صناعات أخرى مكملة أو مساندة). وتكاد تتشابه المنطلقات الأساسية لسياسة التصنيع في البلدان الخليجية الست، ولذلك نجد أن العديد من الصناعات المتنافسة قد أقيمت كلها في فترة واحدة تقريباً بحيث أضحى الهيكل الصناعي يتسم في هذه البلدان بالسمات الآتية(10):

1 - عن نسبة هائلة من القيمة المضافة في الصناعة التحويلية (فيما عدا عُمان) تتولد عن المجمعات الصناعية الضخمة في مجالات تكرير البترول والبتروكيماويات والأسمدة والاسمنت والألومونيوم، والتي قد لا يوفر بعض خاماتها محلياً، ولكنها تتميز بكونها كثيفة الاستخدام للطاقة، وقد استندت هذه الصناعات إلى القدرات المالية الهائلة لدول الخليج، فهي كلها صناعات إما مملوكة للدولة ملكية كاملة، أو أقيمت بمشاركة مع رأس المال الأجنبي، أغلب هذه الصناعات أقيمت وفقاً لاستراتيجية التصنيع للتصدير.

2 - أما النسبة الباقية من القيمة المضافة فتتولد في فروع الصناعات الغذائية الخفيفة والاستهلاكية كبعض صناعات تجميع المنتجات الاستهلاكية، وكذا الصناعات الغذائية والمنسوجات والمنتجات الخشبية، وتعتمد هذه الصناعات على نشاط القطاع الخاص في هذه البلدان، وإن كان هذا القطاع يتلقى دعماً هائلاً من قبل الدولة، وتوفير بعض الحماية لهذه الصناعات التي تحل محل الواردات.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن أغلب المشروعات الصناعية الكبرى في دول الخليج العربي أقيمت على أسلوب (مفتاح باليد)، وهو الأسلوب المفضل لدى الشركات الكبرى متعددة الجنسية، التي انهالت عروضها على المنطقة العربية، برمتها مع بدء الطفرة النفطية.

ويعتبر أسلوب (مفتاح باليد) أكثر ربحية لهذه الشركات، ولا يتضمن من جانبها أية مخاطرة، نظراً لتوليها مهام إعداد الجدوى الاقتصادية وتقدير التكاليف إضافة إلى قيامها بجميع المراحل حتى قيام المشروع مباشرته الإنتاج، لذا يقدر البعض أن تكلفة إنشاء هذه المشروعات تزيد بنسبة تتراوح ما بين 30 و60% مقارنة بتكاليف تنفيذ مشروعات مشابهة في أوروبا.

إن التخطيط المنفرد وعدم التنسيق فيما بين دول الخليج العربية، أدى إلى تماثل الهياكل الإنتاجية وتماثل هياكل الطلب، نتيجة لإنشاء نفس الصناعات في ذات الوقت، وهكذا نجد مجمعات البتروكيماويات في كل من السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت، وقد واجهت هذه الصناعة مأزقاً حقيقياً حينما فرقت السوق الأوروبية المشتركة عام 1985 الحماية تدعيماً لصناعتها المحلية، مما اضطر دول الخليج إلى الدخول بمفاوضات صعبة وشاقة مع دول السوق للتوصل إلى حل لهذه المشكلة.

وقد تكرر هذه الظاهرة في صناعة الإسمنت التي بلغ عدد مصانعها عام 1990 في دول الخليج الستة 23 مصنعاً دون أن يتم فيما بينها أي تنسيق حتى على المستوى القطري، وقد واجهت هذه الصناعة صعوبات هائلة بعد انخفاض أسعار النفط، وتراجع فورة البناء والتشييد.

ويعود تباطؤ النشاط الاقتصادي في دول مجلس التعاون في منتصف الثمانينات إلى أن أغلب الصناعات أصبحت تعمل بطاقة إنتاجية منخفضة.

هكذا يمكن القول بأن التوجه الصناعي لدول الخليج النفطية، كان على حساب بقية القطاعات الاقتصادية، إضافة إلى أن هذا التوجه لم يرافقه توجه آخر في مجال إعداد وتدريب القوى العاملة الوطنية، واعتمد على "استيراد" العمالة خاصة العمالة الآسيوية، مما أسهم في خلق مشكلة جديدة في دول الخليج تتعلق بالبنية الديمغرافية للسكان، وانخفاض مستوى مشاركة القوى العاملة الوطنية في النشاط الاقتصادي، فضلاً عن أن دولة الرفاه النفطية أدت إلى بروز ظاهرة (البطالة المرفهة) إذ أن هناك فئة من فئات القوى العاملة المواطنة المحتملة مازالت خارج نطاق العمل رغم توافره لعدم حاجتها إليه(11).  لكن الوضع يتغير سريعاً في هذه البلدان مع زيادة الفئة العمرية الوسطى في هيكل التركيب السكاني بحيث يزداد الضغط على سوق العمل، وتعاني هذه البلدان حالياً من تفشي واضح لظاهرة البطالة بين شبابها من الوافدين الجدد لسوق العمل(12).

ب - الدور المستقبلي للنفط في الإنماء الاقتصادي في الدول العربية:

إن أي تفكير برسم دور مستقبلي للنفط في الإنماء الاقتصادي في الدول العربية، لابد من له من الانطلاق من:

أولاً: تجربة السنوات السابقة، بإيجابياتها وسلبياتها.

ثانياً: واقع النظام العربي الإقليمي، والتراجع الحاصل في العلاقات العربية.

ثالثاً: التطورات الحاصلة على صعيد الاقتصاد العالمي بما في ذلك التطور التكنولوجي، وثورة المعلومات والاتصالات.

رابعاً: توفر إرادة سياسية لدى الأنظمة العربية المختلفة، تنطلق من الطموح في تحقيق التنمية العربية التكاملية المنشودة من أن النفط كمادة استراتيجية، ستظل تحتل المرتبة الأولى في توليد الطاقة، رغم المحاولات العديدة التي تبذل من أجل إيجاد بدائل لها، وأن النفط العربي باحتياطياته الهائلة سيظل مطلوباً في الأسواق العالمية، وسيظل يحتل مرتبة متميزة في أسواق النفط، وكونه ثروة آيلة للنفاذ، فإن هذا يفرض على العرب استغلال هذه الفرصة، واستخدام النفط وعوائده من أجل تحقيق تنمية حقيقية، وبما يُسهم في تحقيق النهضة العربية الموعودة.

وفي هذا الإطار لابد من إعادة نظر جدة فيما وصلت إليه حال الاقتصادات العربية وفيما تطمح أن تصل إليه وإعادة النظر في أسلوب معاملة النفط كأصل غير متجدد للطاقة، وبالتالي فإن عائد بيع النفط ليس دخلاً لرأس مال مملوك، وإنما هو تصرف في هذا الأصل والتكيف الصحيح لهذا الوضع، هو أن الدول النفطية تملك أصولاً غنية في باطن الأرض، وهي آبار النفط وهي عندما تبيعها فإنه تستبدل أصولاً نقدية أو مالية، بهذه الأصول العينية، كما يحدث عندما يبيع شخص أراضيه الزراعية، فإن ما يحصل عليه لا يعتبر دخلاً جديداً، وإنما هو صورة جديدة لرأي ماله، كان في صورة أرض زراعية، وأصبح من صورة أوراق نقدية.

ومن هنا، فقد يكون من الأجور، من الناحية النظرية على الأقل، أن لا تُدخل الدول النفطية عائد بيع النفط وإيرادات ضمن حسابات الدخل القومي والموازنة العامة للدولة، فهذه الإيرادات ليست دخلاً وإنما هي جزء من رأس المال الذي لا يجوز انفاقه في مجالات الانفاق الجاري والاستهلاكي، وإنما يمكن استخدامها في تكوين تراكم رأس المادي والبشري، وبالتالي تستخدم في إطار مشروعات التنمية الإنسانية (تحقيق نمو اقتصادي وبناء القدرات البشرية).

نخلص من ذلك، أنه ينبغي مراعاة الحرص في الإنفاق من عوائد النفط، فهذه العوائد ليست دخولاً بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي تسييل لأصول أو رأس مال وطني، وبالتالي لا يجوز المبالغة في الانفاق من هذه العوائد على جوانب الاستهلاك غير الضروري.

وبصرف النظر عن أسلوب المعالجة الحسابية للعوائد النفطية (كدخل) للحكومات أو (كرأس مال نقدي) بديل عن رأي المال العيني للنفط، فإن الأمر الأكثر أهمية هو كيفية استثمار هذه العوائد على نحو يحفظ قيمتها المالية في المستقبل. وفي هذا المجال علينا أن نفرق ما بين الاستثمارات الحقيقية والتوظيف المالي. فالاستثمارات الحقيقية هي التي تحمي القيمة الحقيقية لرأس المال، لذلك فإن الاستثمار المباشرة في إطار التكامل الاقتصادي العربي، يعتبر أحد أفضل وسائل حماية القيمة الحقيقية للاستثمارات المالية النفطية.

ويتوقف مستقبل دور النفط في التنمية العربية، على إحكام السيطرة على قرار النفط العربي استكشافاً واستثماراً وإنتاجاً وتسويقاً، ويتطلب هذا تنسيق الجهود والتعاون في إطار منظمة الأوبك، ومنث م الانتقال إلى التنسيق والتعاون داخل منظمة الأوبك، بما يضمن التوصل إلى السعر المناسب والمعقول والعادل لمصلحة كل من المنتج والمستهلك على حد سواء. بما يقتضي كذلك إقامة حوار مع الدول المستهلكة، للبحث في تحديد مستوى للأسعار المناسب، بما يضمن مصالح الدول المنتجة، خاصة وأن دول الاتحاد الأوروبي تفرض ضريبة الكربون التي وصلت إلى 63% من القيمة الإجمالية لبرميل النفط الذي يصل إلى المستهلك.

كما يتوقف دور النفط في التنمية على مدى جدية الالتزام من قبل الدول العربية بهذا الدور، ومدى تمتعها بالإرادة السياسية لاحترام المعاهدات والمواثيق والاتفاقات، ورغبتها بتفعيل المؤسسات والمنظمات العربية على طريق التكامل الاقتصادي العربي.

وبذات الوقت فإنه لابد أن تكون هناك خطط للتنمية وإقامة المشروعات المشتركة من خلال أساليب المحاسبة الاقتصادية وترشيد الانفاق ووضع حد لتبديد الموارد، وتوجيه الجهود نحو سد الفجوة الغذائية، وتأمين إقامة مشروعات البنية التحتية، ومشروعات الري والزراعة.

ولابد من التنويه إلى أن خطط التنمية يجب أن تتضمن أسلوباً لتوطين الأرصدة الخارجية في البلدان العربية، وتوفير جميع الضمانات القانونية والإجراءات الكفيلة بسلامة الاستثمار وتوفير مناخه المناسب.

ويظل من الضروري أن تتوفر القناعة بأن القوة المالية العربية ستبقى محدودة المفعول ما لم تتحول إلى قوة اقتصادية ولن يتم ذلك إلا ببناء القدرة الذاتية العربية التي تعزز القدرة التفاوضية في علاقات البلدان العربية مع العالم الخارجي لتحويل هذه العلاقات من علاقات التبعية إلى علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والندية والمساواة.

 
د. منير الحمش

 


الهوامش

 

(1) د. عبد الرحمن صبري - مستشار بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية - (اقتصاديات المنطقة العربية بعد الحرب على العراق) شؤون عربية - صيف 2004، العدد 118، ص119.

(2) ملحق 5/11 من التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2003 (ص307).

(3) ملحق 55 من التقرير الاقتصادي العربية الموحد لعام 2003 (ص301).

(4) ملحق جريدة الحياة - الوسط - 6/12/2004.

(5) د. سليمان المنذري - السوق العربية المشتركة في عصر العولمة - مكتبة مدبولي - القاهرة 1999، (ص235).

(6) أورد ذلك هشام جابر في مقالته المنشورة بعنوان (هل يستقطب لبنان أموال العرب المهددة في أميركا وأوروبا؟)، النهار العدد الصادر في 1/7/2004.

(7) المرجع الوارد في الهامش (5)، ص240.

(8) د. نادر مرجاني: هدر الإمكانية - بحث في مدى تقدم الشعب العربي - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 1980، ص21 - 22.

(9) التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2003 (ص190).

(10) مجدي صبحي - السياسات الاقتصادية العربية والتغيرات المحلية والدولية - شؤون عربية - عدد صيف 2004. (ص42).

(11) د. علي خليفة الكواري: حقيقة التنمية النفطية - حالة أقطار الجزيرة العربية - بيروت - المستقبل العربي العدد 19 آذار/مارس 1980. (54).

(12) المرجع الوارد في الهامش (10) ص45.

 



(*) باحث اقتصادي، مدير عام المركز العربي للدراسات الاستراتيجية - دمشق