قراءة في القطاع الخاص في سورية

 

الدكتور مطانيوس حبيب(*)

 

جدول المحتويات

 

مقدمة: ظروف تطور الاقتصاد السوري.

- التنمية الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص.

- مؤشرات أداء القطاع الخاص في سورية.

- مؤشرات أداء الاقتصاد السوري.

- العلاقة قطاع/قطاع خاص في سورية.

- واقع القطاع الخاص الصناعي في سورية.

- اتجاه تطور الاستثمار الخاص في القطاع الصناعي.

- دور الاستثمار الصناعي الخاص في الصناعات التحويلية.

- كيفية الخروج من المأزق (وهذا عنوان فرعي جديد).

 

مقدمة: ظروف تطور الاقتصاد السوري:

نستطيع التأكيد اليوم أن الاقتصاد السوري مازال على مفترق طرق لم تتحدد هويته واضحة منذ نيف وستين عاماً من عمر الاستقلال. كما يمكن التأكيد أيضاً أن ظاهرة الانقلابات التي شهدتها سورية، بل عصفت بسورية، في سنوات استقلالها الأولى ومن ثم اندماجها مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة وما تلامذته من الانفصال عام 1961 ومن ثم ثورة البعث عام 1963 كلها أحداث لم تكن بعيدة عن الجانب الاقتصادي أو على الأقل كان لها بعد اقتصادي.

لقد دفع الشعب السوري بسخاء ضريبة الدم من أجل تأكيد هويته الوطنية والقومية أساساً، ولكن من أجل تحسين شروط معيشته واللحاق بالدول المتقدمة أيضاً. مرت السنون والعقود على الاستقلال واختلفت الأنظمة السياسية والاجتماعية الحاكمة في سورية بانقلابات عسكرية نتيجة خيبة الأمل التي رافقت مرحلة الاستقلال بسبب عجز الأنظمة، على اختلاف خطاباتها السياسية، وتوجهاتها الاجتماعية وشعاراتها القومية، عن تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتخفيض مستوى التبعية للعالم الخارجي. ودائماً كان هذا العجز يترافق باحتدام النقاش بين تيارين، بل معسكرين: المعارضة والحكم، كل منهما يكيل التهم للآخر ويحمّله مسؤولية العجز عن تحقيق النمو الاقتصادي وكأن الوطن من مسؤولية الفئة الحاكمة فقط وملكاً لها لوحدها.

واليوم أيضاً يدور نقاش حاد بين تيارين في سورية. تيارين يشارك فيهما سياسيون واقتصاديون وعلماء اجتماع ويتابعه المواطنون العاديون عبر الإعلام المرئي والمسموع والكل يتخذ موقفاً مع أو ضد. وغالباً ما يكون اتخاذ الموقف والمشاركة فيه بعيدين عن التحليل العلمي والمحاكمة الموضوعية. كلا التيارين يبتعدان، برأيي، عن العلمية والموضوعية. تختلط فيهما السياسة والاقتصاد والايديولوجيا.

التيار الأول - يحمل التخطيط المركزي والاتجاه الاشتراكي ممثلاً بغلبة القطاع العام مسؤولية تأخر الاقتصاد الوطني وتراجع ترتيب سورية على سلم التنمية البشرية دون العودة إلى التاريخ القريب والبعيد لواقع الاقتصاد السوري في عهود الاستقلال الأولى وحالة الفقر والبؤس التي كانت تعاني منها أغلبية الشعب السوري في الأرياف وبعض المدن: الأمية الواسعة، الحرمان من الخدمات التعليمية والصحية، انتفاء الكهرباء والطرقات والمياه الصالحة للشرب إلخ..

أما التيار الثاني الذي انبهر بالخدمات التي أتيحت له والإمكانات التي أخرجته من القمقم الاجتماعي، على حد تعبير الدكتور سامي الخيمي، فقد رأى سبب المشكلة في عجز الرأسمال الوطني عن تحقيق النمو عندما كان في السلطة، وعدم تعاونه في مرحلة تغيير النظام السياسي والاجتماعي ويضيف إلى ذلك الظروف الدولية ومواقف المعسكر الإمبريالي الموجهة ضد المواقف القومية والاجتماعية للنظام التقدمي في سورية وكذلك تعاون بعض العناصر المحلية مع هذه المواقف.

أنصار كل من التيارين يتبرأون من المسؤولية الذاتية ويحمّلونها بكاملها إلى الطرف الآخر. مواقف أنصار كل من التيارين تخلط الايديولوجيا بالسياسة والاقتصاد مع المصالح الشخصية مما يضيِّع المسؤولية.

أعتقد أني لا أجانب الحقيقة كثيراً إذا قلت أن أنصار كلا التيارين كانوا يغلِّبون مصالحهم الذاتية على المصلحة الوطنية بل إنهم كانوا لا يرون مستوى تقدم البلد أو تخلُّفه إلا من خلال تغير أوضاعهم الذاتية. كل من أنصار التيارين محق في تحميل المسؤولية للآخر ولكنه مخطئ في ذات الوقت في تبرئة نفسه من المسؤولية.

في دراسة متواضعة أجريتها في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين المنصرم حول عوامل النمو في الاقتصاد السوري على أساس المعطيات المتواضعة التي كانت متوافرة في الدراسات والإحصاءات باستخدام تابع الإنتاج من نموذج دوب - دوغلاس.

Y = F. K, L, T

حيث:

Y ترمز إلى الناتج.

f: علاقة التبعية.

k: مخزون رأس المال الداخل في الإنتاج.

L: كمية قوة العمل المشتغلة في الإنتاج.

T: متغير إجمالي يشمل التقدم التقني ومجموعة العوامل الأخرى غير الرقمية أو ما أطلقه عليها الاقتصادي الفرنسي ليونيل ستولرو بالعامل المتبقي والذي لا يمكن تحديد مصدره، مثل الحس الوطني، الحماسة الجماهيرية، التنظيم والإدارة. العوامل المناخية إلخ...

في هذه الدراسة قسمت تطور الاقتصاد السوري إلى مدتين متساويتين طول كل منهما 17 سنة.

الأولى بين عامي 1946 - 1963.

والثانية بين عامي 1963 - 1980.

وبإجراء الحسابات وفق النموذج الذي عدله ليونيل ستولرو على النحو التالي:

Y = A Ka Lb

حيث:

Y: ترمز إلى الناتج.

A: العامل المتبقي الذي يقابل T في النموذج السابق.

K, L: بنفس دلالاتهما في نموذج كوب دوغلاس.

a: تمثل معامل مرونة الناتج لقاء زيادة مخزون رأس المال بنسبة 1% أي تقيس نسبة النمو التي تفسرها الزيادة في رأس المال.

b: تمثل معامل مرونة الناتج الناجمة عن زيادة قوة العمل المشتغلة في الاقتصاد بنسبة 1% أي تقيس نسبة النمو التي تفسرها الزيادة في قوة العمل المشتغلة في الاقتصاد الوطني.

وبتطبيق قياس معدل النمو وفقاً لمعادلة هارود دومار:

وبحساب معدل النمو المتوسط بالأسعار الثابتة المتحقق خلال كل من المدتين السابقتين كان معدل النمو المتوسط 2.6% خلال المدة الأولى (1946 - 1963) و5.6% خلال المدة الثانية (1963 - 1980).

إذاً في المدة الثانية وفي ظل منهج التخطيط المتّبّع، وبالرغم من كل عيوبه في تلك المرحلة تحقق معدل نمو متوسط يزيد على ضعفي معدل النمو المتوسط الذي تحقق في المدة الأولى في ظل الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق ولكن هل يمكن القول أن لدينا اقتصاد سوق!!؟.

لكن المفاجأة التي بينتها الدراسة بتطبيق النموذج المعدل من قبل ليونيل ستولرو كانت في أن قيمة A (العامل المتبقي) في المدة الثانية (1963 - 1980) سالبة بنسبة 50% أي أننا إذا حيدنا قيمة العالم المتبقي وأعدناه إلى الصفر يمكن للاقتصاد السوري أن يحقق معدل نمو قدره 11.2% سنوياً بسبب زيادة التراكم الرأسمالي الذي عبأته الحكومة ووجهته إلى الاستثمار وبسبب زيادة قوة العمل المشتغلة في الاقتصاد الوطني في المشروعات المقامة. والكل يعرف أنه في النصف الثاني من سبعينات القرن المنصرم كانت البطالة معدومة حتى أننا كنا نحتاج إلى استيراد قوة العمل من الدول العربية وخاصة بالنسبة للأيدي العاملة الماهرة.

والمفاجأة الثانية تأتي من مقارنة عوامل النمو في الاقتصاد السوري مع مثيلتها المتحققة في الاقتصاد الفرنسي والتي قام بحسابها ليونيل ستولرو لفترة بعد الحرب (1946 - 1954) حيث كان متوسط معدل النمو التراكمي في الاقتصاد الفرنسي حوالي 5.2%، 50% منها فقط يرجع إلى الزيادة في رأس المال الداخل في الإنتاج وإلى الزيادة في قوة العمل المشتغلة في حين يرجع 50% إلى العامل المتبقي.

والخلاصة فإن التدخل الحكومي بمنهج التخطيط وتعبئة المدخرات الوطنية والمساعدات والهبات الخارجية إضافة إلى استيعاب كامل قوة العمل في الاقتصاد الوطني والقضاء على ظاهرة البطالة إضافة إلى إشراك القطاع العام في النشاط الاقتصادي عوامل أدت إلى رفع مستوى معدل النمو السنوي من 2.6% في فترة (1946 - 1963) إلى 5.2 في فترة (1963 - 1980) وكان يمكن أن يتجاوز المتوسط السنوي لمعدل النمو 11.2% لو تم تحييد العامل المتبقي وبمعنى آخر لو أحسنت قيادة الاقتصاد الوطني ووجهت الاستثمارات نحو المجالات ذات المردود الأعلى وقضي على ظاهرة الهدر الذي عاني منه الاقتصاد السوري.

ومن المؤكد أنه لو أحسن استخدام تقنية التخطيط لاجتذاب القطاع الخاص السوري في عملية التنمية الاقتصادية بعيداً عن التشنج وعن المواقف الأيديولوجية لكان بالإمكان مضاعفة معدلات النمو في سورية فلا يجوز إنكار أثر خروج رأس المال من سورية إلى الخارج على حجم الاستثمار. في عام 1964 قدرت الأموال التي خرجت من سورية في الفترة قبل التأميم بما يزيد على 800 مليون ل.س أي ما يعادل 200 مليون دولار في ذلك التاريخ أي بمقدار أربعة أضعاف رأسمال الشركات الصناعية التي أممت آنذاك. وبالطبع تتالت عمليات خروج رأس المال من سورية وتتتابع حتى يومنا هذا. فقد قدر الدكتور غسان الرفاعي وزير الاقتصاد السابق في سورية حجم الأموال السورية في الخارج بمبلغ يراوح بين 80 و120 مليار دولار. وفي أعقاب اضطراب العلاقات مع لبنان الشقيقة قدرت بعض المصادر اللبنانية خطر سحب أكثر من 10 مليارات دولارات للسوريين من المصارف اللبنانية.

التنمية الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص:

إن التحليل الماركسي يقوم، كما هو معلوم، على استخدام قوانين الفلسفة في تفسير تطور المجتمعات. والفلسفة الماركسية انطلقت من كون الفلسفة تفسر التطورات في المجتمع لتصل إلى أن الفلسفة تعمل على تغيير المجتمعات ولكن وفقاً للضرورات وليس للرغبات. فقد أشار كارل ماركس إلى أن انتقال المجتمعات الإنسانية من تشكيلة اقتصادية اجتماعية إلى أخرى أعلى منها مرتبط أساساً بوجود تناقض بين مستوى تطور القوى المنتجة وبين علاقات الإنتاج السائدة في المجتمع بحيث تتحول هذه الأخيرة إلى كابح للنمو الاقتصادي مما يجعل الانتقال من أسلوب الإنتاج القائم إلى أسلوب إنتاج آخر متقدم عليه ضرورة اقتصادية للإفساح في المجال أمام تطور القوى المنتجة وزيادة مستوى النمو. وأعتقد أن الماركسيين الذين تولوا قيادة بعض البلدان لم يحسنوا قراءة ماركس اقتصادياً وأخذوا فقط بمقولة ديكتاتورية الطبقة العاملة سياسياً فقط غير منتبهين إلى مقولة ماركس إن ديكتاتورية الطبقة العاملة تقود إلى أن تأمين مصلحة الطبقة العاملة تعني بالضرورة تأمين مصالح الطبقات الأخرى في المجتمع. كما إن الماركسيين لم يحسنوا قراءة المنشور الذي أعده فريدريك إنجلس تحث عنوان: مبادئ الشيوعية بمثابة صيغة بديلة للبيان الشيوعي «المانيفست». في مبادئ الشيوعية ركز أنجلس على الجانب الاقتصادي وحدد شروط انتقال المجتمعات الضعيفة النمو إلى الاشتراكية بطريقة تشجيع نمو القطاع الخاص حتى يصل الطابع الاجتماعي للعمل في مشروعاته إلى مرحلة التناقض مع الطابع الفردي لتملك هذه المشروعات. لم يحدد أنجلس مدة محددة للتحوّل بل أشار إلى المعيار، ولكنه في ذات الوقت أكد على إسهام المشروعات الخاصة في تنمية المجتمع وتطوير القوى المنتجة سواء بإدخال تكنولوجيا متقدمة أو بدفع ضرائب تصاعدية لتمويل الخدمات العامة الضرورية لتطوير المجتمع.

والخلاصة إن أي نظام اقتصادي اجتماعي لا يقود إلى تحسين النمو الاقتصادي عما كان في النظام الذي حلَّ محله يفقد مبرر وجوده اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. إن مثل هذا النظام بمثل انتكاسة وليس ثورة مهما كانت التسمية التي يتخذها لنفسه.

لقد وقعت الأحزاب الاشتراكية في خطأ التسرّع وأقدمت على مثل ما أقدم عليه صاحب الدجاجة التي كانت تبيض له بيضة ذهبية كل يوم، فعمد إلى ذبحها على أمل الحصول على كل البيض دفعة واحدة.

ثم لماذا نحتاج إلى تحليل النظرية الماركسية والأخطاء التي ارتكبت في تطبيقها ولا نستقرئ تاريخ الدول الصناعية المتقدمة ونتعرّف كيف صنعت تقدمها الاقتصادي والاجتماعي. فمازال للقطاع الحكومي في فرنسة دور غير صغير نظراً لأن القطاع الخاص على سعته وتوسعه مازال لم يشغل كل مساحات الاستثمار والنشاط الاقتصادي. في الولايات المتحدة الأمريكية وفي المملكة المتحدة كان للقطاع العام دور غير قليل في تنشيط الاقتصاد حتى أنه يمكن التأكيد أن في كل الدول الصناعية لعبت الحكومات والقطاع العام دوراً كبيراً في توضع آلية السوق ومن ثم وبعد أن أصبحت آلية السوق فعالة فعلاً توسعت أعمال القطاع الخاص أو نمت خصخصة مؤسسات القطاع العام. وحتى في الدول الليبرالية جداً مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لم تجرِ موجات خصخصة مؤسسات القطاع العام إلا في الثمانينات من القرن العشرين المنصرم في عهد رئاسة رونالد ريغان ورئاسة وزارة مرغريت تاتشر.

ثم يجب عدم إهمال ضرورة التفريق بين القطاع العام والتوجه الاشتراكي فالكثير من الدول الرأسمالية بنت قطاعاً عاماً نشيطاً جداً من أجل دعم النمو الاقتصادي. كان القطاع الخاص في بداية التراكم الرأسمالي الدولي وحتى في مرحلة متقدمة يحجم عن دخول بعض الأنشطة بسبب الكثافة العالية لرأس المال وعدم قدرة، وأحياناً رغبة، القطاع الخاص على ولوج هذه الأنشطة. لولا تصدي الحكومات لإقامة مثل هذه الأنشطة لما تمكنت هذه الدول في بناء اقتصاد سوق متقدم يمكنه توجيه الموارد المتاحة بناء على آلية السوق. لقد تحمل الكثير من الحكومات خسائر كبيرة في تمويل مشروعات وقطاعات أساسية للاقتصاد الوطني ومن ثم نقلت ملكيتها للقطاع الخاص عندما قوي عوده وتوضعت آلية اقتصادية سليمة لتفعيل قوانين السوق.

إذاً لا يجوز الخلط بين القطاع العام الاقتصادي والاشتراكية لأن المهم يكون في الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعطى للقطاع العام. ففي دول الحرية الاقتصادية يكون القطاع العام لتسهيل النمو الاقتصادي وتهيئة المناخ لتطور القطاع الخاص ويبقى مع هذا قطاعاً عاماً وملكية حكومية.

والغريب أن الدول الصناعية المتقدمة التي بنت تقدمها على أساس من التدخلية والحماية وتقوية مؤسسات القطاع العام عندما كان اقتصادها يستدعي ذلك نراها اليوم تتنكر لهذا التاريخ الطويل وتحاول فرض طريق تنموي مختلف تماماً على الدول النامية التي لا تتمكن من تحقيق مزية نسبية بسيطة تمكنها من المنافسة في السوقين الداخلية والعالمية. ولكن الأكثر غرابة أن بعضاً من اقتصاديي العالم الثالث يتسابقون في تبني الليبرالية الجديدة المتوحشة دون قراءة تاريخ العالم الاقتصادي وحتى من دون قراءة آراء دعاة الليبرالية الذين تراجعوا عنها بالنسبة للدول النامية. فقد ذكرت الاقتصادية الفرنسية السا اسيدون في كتابها «النظريات الاقتصادية في التنمية» أن أثر صدمة سياسة التحرر الليبرالية كان موضع تعليقات عديدة في السنوات الأخيرة.

إذ «إنه مع صعوبة إيجاد قطاع خاص قادر أن ينوب عن الدول احتدم الجدل بين أنصار العودة عن التأميمات وبين أنصار تحسين إدارة المؤسسات العامة». ويرى بعض الاقتصاديين أن سبب فشل الإصلاحات الاقتصادية يرجع إلى عدم وجود آلية السوق نفسها في الاقتصادات النامية.

يكاد معظم الاقتصاديين المعاصرين يجمع على أن العجائب الاقتصادية التي ظهرت في جنوب وشرق آسية كانت من صنع الدولة وقطاعاتها الاقتصادية الحركية التي لولا تدخل الدولة ما كانت لتقوم. في كتاب حالة العالم عام 1998 الصادر عن الدار الفرنسية La Decouverte في باريس عام 1998 كتب فرانسيسكو فيرغارا ما يلي: تستحيل دراسة النجاح الاقتصادي لهذه «النمور الجديدة» الآسيوية دون أن يفاجأ الباحث بالتناقض القائم بين السياسة الاقتصادية التي تطبقها هذه البلدان وبين الوصفات التحررية الجديدة «النيوليبرالية» التي يحاول صندوق النقد والبنك الدوليان فرضها على كل الدول النامية». وفي نشرته الدورية التي أصدرها صندوق النقد الدولي في 30 حزيران 1997 بعد نهاية أعمال حلقة دراسة حول استراتيجيات النمو، نظمها الصندوق بالتعاون مع معهد سياسات الموازنة والسياسة النقدية في طوكيو، ورد في المقال الافتتاحي للنشرة ما يلي:

كان المتداخلون اليابانيون في هذه الحلقة مجمعين على أن «استراتيجيات التنمية القائمة على اقتصاد السوق ليست الحل الأمثل للعديد من الاقتصادات النامية» وفي تطور مماثل يلاحظ في تقرير البنك الدولي الصادر تحت عنوان «دور الدولة في عالم متغير»، أن معدي التقرير يرفضون نظرية «الحد الأدنى من الدولة» ليقرروا أن هذه النظرية المتطرفة تتناقض «مع ما تعلمنا إياه التجرية الناجحة في مجال التنمية سواء تمثل ذلك في تجربة الاقتصادات المتقدمة خلال القرن الأخير أو في تجارب النمو العجائبي لفترة ما بعد الحرب في شرق آسية».

والخلاصة إن تحقيق النمو الاقتصادي يتطلب، بعيداً عن الإيديولوجيات المتشددة، تعاون القطاعين العام والخاص لكسب معركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فلا التحليل الاقتصادي الماركسي العلمي ينفي دور القطاع الخاص بدلالة ما كتبه انجلس في مبادئ الشيوعية وكذلك بالحفاظ على الرأسمال الوطني في سياسة لينين الاقتصادية الجديدة (NEP) أو في تجربة دول أوربة الشرقية الاشتراكية السابقة. ويلاحظ أن أكثر الدول الاشتراكية السابقة فشلاً في رفع مستوى معيشة سكانها هي تلك التي قضت بسرعة كبيرة على عمل القطاع الخاص في الزراعة والصناعة. كما إن التحليل الاقتصادي الليبرالي العلمي لا ينفي دور القطاع الحكومي وتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لجهة تسهيل توضع آلية السوق من جهة وإقامة قطاعات الاقتصاد الرئيسية التي يعجز عن بنائها القطاع الخاص من جهة أخرى.

إن دور الدولة المباشر (القطاع العام) أو غير المباشر (السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية إلخ..) يجب أن يتوجه لإعداد القاعدة الاقتصادية الأساسية سواء على حساب الموازنة العامة أو بتوفير المحفزات للقطاع الخاص لبنائها. وفي حال أحجم القطاع الخاص عن بناء هذه القاعدة المادية كان من واجب الدولة بناؤها لسد الثغرات في عملية التنمية.

وإجمالاً فإن التعاون بين القطاعين العام والخاص مطلوب مهما يكن الخيار السياسي الاجتماعي في البلد. على أن السياسات الاقتصادية لا تبنى على أساس ايديولوجي وإنما على أساس من التحليل العلمي الموضوعي وتفعيل القوانين الاقتصادية الموضوعية.

مؤشرات أداء القطاع الخاص في سورية:

يتصف عمل القطاع الخاص في سورية منذ الاستقلال حتى وقتنا الحالي بعدد من السمات التي يمكن أن تعطينا مؤشرات حول السياسة الواجب اتباعها من أجل جذب القطاع الخاص للإسهام بفعالية أكبر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القطر.

وفي هذا المجال سوف نحجم عن حشر الأرقام والبيانات نظراً لضيق الحيز المتاح بالنسبة إلى بحث مقدم إلى ندوة سريعة. ولكني أود الإشارة إلى الجهود القيمة التي قام بها المكتب المركزي للإحصاء في بحث الاستقصاء الصناعي في القطاع الخاص والصادر في تموز من 2003 بعنوان نتائج بحث الاستقصاء الصناعي في القطاع الخاص لعام 2001 وكذلك التقرير السنوي الذي تعده مديرية القطاع الصناعي الخاص والحرف في وزارة الصناعة حول تطور وأداء عمل القطاع الخاص الصناعي إضافة إلى مجموعة التقارير التي أعدت بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في إطار البرنامج المتكامل لسورية DP/SYR/02/006 والتي نوقشت في ندوة علمية في دمشق مؤخراً. هذه الأبحاث والتقارير شخصت أمراض الصناعة في سورية وتضمنت أرقاماً ومعلومات غنية ولكن على ما يبدو فإن هذه التقارير والأبحاث لا تجد طريقها إلى القراءة والتحليل. حتى يمكن التأكيد دون الوقوع في خطأ كبير أن سياساتنا الاقتصادية توضع انطلاقاً من ردود فعل على أحداث محددة دون العودة إلى دراسات أو إلى تحليل علمي. وأغلب الظن أنها توضع على قاعدة ايديولوجية ومن قناعات شخصية للمسؤولين عن القطاعات دون العودة إلى نتائج الدراسات أو الاحتكام إلى التحليل العلمي الموضوعي.

أما ما يتعلق بسمات عمل القطاع الخاص فيمكن التأكيد على ما يلي:

1 - إن عمل القطاع الخاص مرتبط بضعف قدرته الاقتصادية... بعد الاستقلال كما في عهد الانتداب الفرنسي كان اهتمام القطاع الخاص يتركز في مجالات الوساطة التجارية بين الداخل والخارج. وما بني من منشآت صناعية كانت نتيجة الحصار الذي فرضته قوات المحور على سورية لقطع مواد التموين عن جيوش الحلفاء المرابطة في سورية. لذلك كانت المنشآت الصناعية في مجال الصناعة الخفيفة في قطاع النسيج والمنتجات الغذائية.

2 - اتصف عمل القطاع الخاص بالحذر الشديد بعد موجات التأميم في سورية، في زمن الوحدة أولاً. ومن ثم بعد ثورة الثامن من آذار 1963 تالياً. بالإضافة إلى ضعف الطاقة الادخارية للقطاع الخاص في تلك المرحلة أدى تأميم المصارف العاملة في سورية إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص على الاقتراض من المصارف المؤممة وبالتالي على الاستثمار. ثم بعد التأميم سيطر الخوف على عمل القطاع الخاص وأصبح يعمل على قاعدة «اضرب واهرب» أي اقتناص فرصة عقد صفقات والحصول على العمولات وضخ معظم ما يفيض من مصروفاته إلى الخارج، أو أنه اتجه إلى الاستثمار في القطاع الحرفي من أجل أن يأمن خطر التأميم. وهكذا اتجه القطاع الخاص بعيداً عن رأس المال المخاطر باتجاه المضاربات واقتناص الفرص.

3 - وبعد زيادة الاستثمارات في القطاع العام وحصر أنشطة عديدة به اتجه رجال الأعمال إلى أعمال الوساطة بين مؤسسات القطاع العام والخارج سعياً وراء العمولات وفي أحيان معينة نقلوا أنشطتهم إلى القطاع الخدمي للاشتراك في إعادة توزيع الدخل أكثر من الاتجاه نحو توليده.

4 - يضاف إلى كل ذلك تضييق الحكومة على نشاط القطاع الخاص ليس فقط بطريق حصر بعض المجالات في القطاع العام وإنما بتعقيد إجراءات الترخيص إضافة إلى تعسف الموظفين الإداريين في تعاملهم مع القطاع الخاص ورجال الأعمال، انطلاقاً من ثقافة إعلامية «اشتراكية» طفولية تكيل التهم إلى رجال الأعمال بالاستغلال من ناحية ومحاولة بعض الموظفين تصيُّد المكاسب، والرشوة عن هذا الطريق من ناحية أخرى.

5 - ابتعاد القطاع الخاص عن المشروعات الكبيرة والاتجاه نحو المنشآت الصغيرة العائلية بدافع عدم إخضاع مشروعاتهم لضريبة الأرباح الحقيقية تسهيلاً لتهربهم من الضريبة من ناحية ولضعف الثقة بين الشركاء من ناحية ثانية. لقد كان لتخاذل الحكومات في معالجة ظاهرة جمع الأموال دور رئيس في إضعاف الثقة بين الأفراد. يضاف إلى ذلك عدم استجابة الحكومات إلى دعوات تعديل التشريع الضريبي باتجاه تخفيض معدلات الضريبة من جهة وتطبيق معدلات ضريبية تمايزية حسب أهمية فرع النشاط الاقتصادي ودوره في التنمية من جهة ثانية. وحسناً فعلت الحكومة في التعديل الأخير للتشريع الضريبي أنها خفضت معدلات الضريبة على الشركات المساهمة بنسبة أكبر من التخفيض المطبق على المشروعات الأخرى عسى يدفع ذلك إلى تأسيس المشروعات الكبرى وزيادة الاستثمار في رأس المال المخاطر. لقد بدأت ثمار هذا التمييز لصالح تحول بعض الشركات إلى شركات مساهمة بطرح أسهم للاكتتاب العام على الجمهور بهدف توسيع مشروعاتها. وأعتقد أن التشويش الذي أحاط بعملية الاكتتاب بصرف النظر عن صحة ما كتب من عدمها لم يكن في مصلحة تطوير نشاط القطاع الخاص في سورية.

مؤشرات أداء الاقتصاد السوري:

وبصرف النظر عمن هو المسؤول عما آلت إليه أوضاع القطاع الخاص في سورية ودون الخوض في مسؤولية أي من الأطراف لابد من التأكيد بأن تتبع أداء الاقتصاد السوري يبين بوضوح أن النمو الاقتصادي في سورية يرتبط وبنسبة كبيرة جداً بمتغيرين اثنين:

- زيادة حجم الاستثمارات في الاقتصاد لا فرق بين أن تكون هذه الزيادة في القطاع العام أم في القطاع الخاص.

- وضع الميزان التجاري بحيث عندما يتحقق فائض في الميزان التجاري تتحرك عملية الاستثمار ومعها معدل النمو الاقتصادي.

وفي الواقع ما لم تتحقق في الاقتصاد السوري دفعة قوية في الاستثمار (Big Push) تصعب المراهنة على معدلات كبيرة في النمو لأن تحسين إنتاجية العمل مرتبط على نحو وثيق بارتفاع معامل رأس المال وزيادة الكثافة الرأسمالية، بالطبع بالإضافة إلى امتصاص البطالة التي يعاني منها اقتصادنا الوطني، كما يتبين من معطيات الجدول رقم /1/ بمعدلات نمو بعض المتغيرات الإجمالية في الاقتصاد السوري.

 

 

 

 


ومن قراءة الجدول رقم /1/ يتضح بسهولة كيف كان معدل نمو الناتج الإجمالي وكذلك نصيب الفرد من الناتج مرتبطين بعلاقة طردية مع معدل نمو الاستثمار الإجمالي في السنة السابقة أو السنوات التي سبقتها.

وبسبب ظهور بعض الاختلافات بين معدلات النمو المحسوبة على أساس الأسعار الثابتة لعام 1995، و2000 والتي لا يمكن تفسيرها فقد أوردنا الجدول رقم /2/ بمقارنة معدلات النمو حسب الأساسين لكل من الناتج المحلي الإجمالي والاستثمار الإجمالي ونصيب الفرد في الناتج.

الجدول رقم /2/ بمقارنة معدلات نمو بعض المتغيرات

الإجمالية بالأسعار الثابتة لعام 1995 ولعام 2000

بالنسبة المئوية%

السنوات

 

المتغيرات

1995

1996

1997

1998

1999

بأسعار 95

بأسعار

2000

بأسعار 95

بأسعار

2000

بأسعار 95

بأسعار

2000

بأسعار 95

بأسعار

2000

بأسعار 95

بأسعار

2000

الاستثمار الإجمالي

-(0.005)

غ.م

0.004

-(0.003)

-(5)

-(5)

3.2

3.5

-(2.2)

-(2.6)

الناتج المحلي الإجمالي

5.7

غ.م

7.3

9.8

2.48

5

7.6

6.7

-(1.8)

-(3.5)

نصيب الفرد من الناتج

2

غ.م

6.9

2.2

-(0.02)

2.2

4.7

4

-(4.3)

-(6.1)

من قراءة الجدول رقم /2/ تتضح فروق في معدلات نمو المتغيرات الإجمالية الثلاث نتيجة الحسابات باعتماد الأسعار الثابتة لعام 1995 وتلك لعام 2000 وهي فروقات غير قليلة مما يجعل استخراج علاقة صحيحة أمراً متعذراً. ولكن من معطيات الجدولين رقم /1/ ورقم /2/ وبمقارنة فترة 91 - 95 بفترة 96 - 2003 يتضح أن تراجع الاستثمارات في الاقتصاد الوطني أدى إلى تراجع مقابل في معدلات النمو الاقتصادي وكذلك في نصيب الفرد من الناتج. ومن أجل بيان دور استثمارات القطاعين العام والخاص في الاستثمار الإجمالي وخاصة بعد إصدار قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1991 وتراخي الحكومة في الاستثمار في القطاع العام بأمل أن يتولى القطاع الخاص سد النقص في الاستثمار نبين في الجدول رقم /3/ تطور حركة الاستثمار في القطاعين العام والخاص.

 


الجدول رقم /3/ بتطور حركة الاستثمار في سورية

لأعوام 1991 - 2003 بأسعار عام 2000 الثابتة

السنوات

الاستثمار الإجمالي

الاستثمار الحكومي

الاستثمار الخاص

المبلع

%

المبلغ

%

1963

27582

14117

51.2

13465

48.8

1970

32979

22260

67.5

10719

32.5

1975

88847

62361

70.2

26486

29.8

1980

145380

91367

62.8

54013

37.2

1985

171136

113566

66.35

57570

33.65

1990

99770

42515

42.6

57255

57.4

1993

139083

49244

35.4

89839

64.6

1994

167874

71162

42.4

96712

57.6

1995

167846

73488

43.8

94358

56.2

1996

167352

79781

47.65

87571

52.35

1997

158944

92192

58.00

66752

42.00

1998

164065

96316

58.7

67749

41.3

1999

159793

95126

59.5

64667

40.5

2000

156092

99331

63.65

56761

36.35

2001

196560

115859

58.9

80701

41.1

2002

196501

121083

61.6

75418

38.4

2003

223499

147087

65.7

76412

34.3

المصدر المجموعة الإحصائية لعام 2004 الجدول رقم 12/6، ص536 - 37 بالنسبة للمبالغ والنسب المئوية حسبت من قبلنا.

يتضح من الجدول رقم /3/ أنه بين عامي 1970، بعد أخذ سورية بمبدأ التعددية، بدأت الحكومة بتقليص الاستثمارات العامة لصالح إفساح المجال للقطاع الخاص لزيادة استثماراته. فقد انخفضت نسبة الاستثمار الحكومي في مجمل الاستثمار من 70.2% عام 1975 إلى 42.6% عام 1990 واستمر انخفاض حصة الدولة في الاستثمار بعد عام 1991 (العام الذي صدر فيه قانون الاستثمار رقم 10) فوصلت حصة القطاع العام في الاستثمارات عام 1993 ما يربو قليلاً على الثل فقط 35.4%. وعندما لاحظت الحكومة عدم استجابة القطاع الخاص لزيادة الاستثمار وعدم تدفق كمية كافية من الاستثمارات العربية والأجنبية عادت الدولة منذ عام 1994 إلى استئناف دورها في الاستثمار انطلاقاً من مسؤوليتها في النهوض بالنمو الاقتصادي من جهة وتأمين فرص عمل للعاطلين عن العمل الذين بلغت نسبتهم ما يزيد عن 8% من قوة العمل.

واللافت أن المتتبع لتطور الاقتصاد السوري وكما أوضحنا في الجدولين رقم /1/ و/2/ أعلاه يكتشف بسهولة أن معدل النمو كان يتجه نحو الانخفاض ومعه أيضاً نصيب الفرد من الناتج كلما انخفضت استثمارات القطاع الخاص وأحجمت الدولة عن زيادة استثماراتها.

وباعتقادنا فإن التجاذبات بين القطاعين العام والخاص أو بالأحرى بين الحكومة وبين رجال الأعمال أوصلت الاقتصاد السوري إلى حالة من الركود بين عامي 1983 و1989 ولولا زيادة إنتاج النفط والاعتماد عليه في تمويل المشروعات الحكومية منذ ذلك التاريخ لكانت حالة الركود استمرت حتى يومنا هذا. ذلك أن القانون رقم /10/ لم يستطع جذب الاستثمارات السورية المهاجرة كما أنه لم يشكل حافزاً كافياً لتأمين تدفق رأسمال خارجي بدرجة كافية. وفقط حدث اختراق بسيط لم يدم طويلاً بعد عام 1991 في فورة الاستثمار الخاص وعادت بعدها الحالة إلى سابق عهدها بدءاً من عام 1994، ولولا تدخل الدولة وزيادة استثماراتها على حساب الموارد النفطية لكان الوضع الاقتصادي في حالة أسوأ مما هو عليه الآن.

ويلاحظ في اقتصادنا ما يلي:

1 - تزايد معدلات البطالة من سنة إلى أخرى. فمع الانطلاق من تعريف المشتغل بأنه الفرد الذي زاول عملاً ذا قيمة اقتصادية لمدة لا تقل عن ساعة خلال فترة الاسناد الزمني بلغ معدل البطالة بحسب نتائج بحث القوى العاملة لعام 2002 (11.7%) ويقدر بعض الاقتصاديين أن معدل البطالة الظاهرة يراوح بين 20 و22% من قوة العمل. أما إذا أخذنا بالحسبان كل أنواع البطالة: المقنعة والبنيانية والموسمية وبطالة القطاع غير النظامي فقد بلغ معدل البطالة الفعلي (أي بأخذ ساعات العمل الفعلية) 54% من قوة العمل (راجع بحثنا بعنوان مداخلة في مسألة البطالة في سورية). وهذا برأينا هو السبب الرئيس في تدني إنتاجية العامل في سورية قياساً بنظرائه في الدول العربية متوسطة الدخل.

2 - عدم إمكان الاعتماد على القطاع الخاص لوحده لتأمين الاستثمارات الضرورية للنهوض بالاقتصاد الوطني. لقد ورد في تقرير بحث الاستقصاء الصناعي في القطاع الخاص لعام 2001 الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء: «مما يدل على أن القطاع الصناعي في سورية يعتمد على القطاع العائلي فهو قطاع غير قادر على (توسيع الاستثمارات واستيعاب يد عاملة مؤهلة ومدربة وتجديد أصوله.. إلخ)» (الصفحة ج من التقرير).

3 - خطر تعميق عدم التوازن التنموي بين المحافظات والمناطق في سورية حيث يتجمع في محافظات حلب، دمشق، وريف دمشق حوالي 77% من إجمالي منشآت النشاط الرئيسي و55.9% من منشآت الإنتاج الثانوي.

4 - تردي معدل نمو الإنتاج في القطاع الخاص الصناعي حيث أن هذا الإنتاج لم ينمُ سوى بنسبة 15% بين عامي 1995 و2001، وكذلك لم ينمُ الرأسمال المستثمر بأكثر من 22% خلال المدة ذاتها.

5 - اعتماد القطاع الخاص الصناعي على المنشآت الصغيرة التي تتميز بضعف التجديد في الأصول الثابتة. في عام 2001 لم يجدد القطاع الخاص أكثر من 0.55% من أصوله الثابتة أي أقل من 1% إضافة إلى أن عدد المنشآت الصناعية التي يعمل بها أقل من 5 عمال تشكل 84.5% من مجمل المنشآت في القطاع الخاص الصناعي وإن نسبة تلك التي يعمل بها بين 51 و100 عامل تشكل أقل من 02% (اثنين بالألف) أما تلك التي يشتغل فيها أكثر من 100 عامل فلا تزيد نسبتها على (1.4) بالألف.

5 - ضعف كثافة رأس المال في منشآت القطاع الخاص الصناعي إذ تتراوح قيمة معامل رأس المال بين (0.1) و(1.4) ويبلغ متوسط هذا المعامل (0.7) فإذا علمنا أن إنتاجية العامل تتناسب عكساً مع قيمة معامل رأس المال عرفنا سبب تدني إنتاجية العامل الصناعي في سورية قياساً بمثيلاتها في الدول العربية متوسطة الدخل المماثلة لسورية وكذلك ضعف عائدية رأس المال التي تبلغ بالمتوسط (1.4) بمعنى أن الليرة السورية المستثمرة في القطاع الخاص الصناعي لا تعطي سوى ما يعادل 1.4ل.س من الإنتاج. أما إذا أخذنا العائد على أساس القيمة المضافة فيبلغ هذا المؤشر (0.27) ل.س فقط وهي نسبة متدنية جداً.

6 - والأمر اللافت أكثر أن نسبة كتلة الرواتب والأجور إلى إجمالي الإنتاج في القطاع الخاص الصناعي تراجعت من 19.3% عام 1995 إلى 17.5% في عام 2001، ما يعني أن التحسن في الإنتاجية المتحقق لا يذهب أي جزء منه إلى العاملين في القطاع وإنما يصب كله في زيادة أرباح أصحاب المنشآت. والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه أين تذهب هذه الفوائض ولماذا لا يعاد استثمارها في توسيع الإنتاج وتحسين تقاناته!!.

إن مواجهة مسألة النمو في الاقتصاد الوطني والارتقاء باقتصادنا إلى مستوى الشريك في الاقتصاد العالمي يقتضيان التبصر في استراتيجية قادرة على زج كل الطاقات المتاحة في معركة التنمية بعيداً عن الارتجال وبعيداً عن السير وراء الأهواء الخاصة.

العلاقة قطاع عام/قطاع خاص في سورية

كثيراً ما كنا نسمع أن القطاع الخاص لم يُعطَ دوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية، بسبب الاتجاه الاشتراكي السائد لدى القيادة السياسية ومحاولتها تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد مخطط مركزياً، يقوم على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج (الملكية الحكومية). وكان هذا صحيحاً إلى حدٍ ما فمنذ وصول حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم بعد ثورة الثامن من آذار، وحتى قبل ذلك في عهد الوحدة بين مصر وسورية، توجهت الدولة في سورية إلى دعم القطاع العام، في مسعى منها لتعبئة الموارد المتاحة وتوجيهها للقضاء على التخلف والتبعية (تأميم المصارف وشركات التأمين... إلخ). ولكن سلطة دولة الوحدة وسلطة الحزب ما كانتا تهدفان إلى القضاء على المبادرة الفردية ودور القطاع الخاص، بل على العكس من ذلك تضمنت كل الخطط الخمسية منذ عام 1961 وحتى يومنا هذا حيزاً استثمارياً غير قليل للقطاع الخاص، ولكن هذا الأخير كان يحجم عن لعب دوره المقرر له بقيادة القطاع العام. ثم جاءت الحركات المناهضة لسلطة الحزب والمدعومة من بعض البورجوازية وفئات أخرى لتدفع بسلطة الحزب إلى الدخول في موجة تأميم كثيفة وسريعة، بهدف نزع القوة الاقتصادية من أيدي أولئك الذين كانوا يستخدمونها لغرض سياسي، تمثل في العمل على إسقاط سلطة الحزب. لم يكن في نية قيادة الحزب ولا في برنامجه الاقتصادي ولا حتى في دستوره التوجه للمساس بالملكية الخاصة سوى ما يتعلق بتلك القطاعات الأساسية الضرورية من أجل تأمين حسن سير الاقتصاد الوطني وخلق الشروط الموضوعية لنمو وازدهار القطاع الخاص وتحويله من نشاط المضاربة والوساطة إلى نشاط الإنتاج الزراعي والصناعي بما يحقق القاعدة الأساسية لتقليص التبعية الاقتصادية للخارج ويوفر شروط التنمية الذاتية والأمن الاقتصادي للبلد.

غير أن الأمور جرت خلافاً لما رغبته سلطة الحزب. واشتدت القطيعة مع القطاع الخاص بسبب فقدان الثقة بين سلطة الحزب ورجال الأعمال، لاعتقاد السلطة أن رجال الأعمال يسخرون قدراتهم الاقتصادية وعلاقاتهم الخارجية للاستيلاء على الحكم ولاعتقاد رجال الأعمال أن السلطة تستخدمهم لبناء الاقتصاد الوطني ومعاملتهم كخراف تسمين للذبح في الوقت المناسب. وكان من نتيجة ذلك أن أحجم القطاع الخاص عن الاستثمار وأن اضطرت الدولة لدخول مجالات لم يكن في حسبانها دخولها. كما شددت من القيود على القطاع الخاص بعد شعورها بتوجه الكثير إلى إخراج أموالهم من القطر واستثمارها في الخارج. وهكذا دخل الاقتصاد السوري حلقة الثقة المفرغة. القطاع الخاص يخشى الحكومة وقراراتها المتشددة فيحجم عن تطوير الاقتصاد والحكومة تخشى سعي القطاع الخاص لتهريب الأموال إلى الخارج فتزيد من إجراءات الرقابة والتشدد وتقليص مساحة عمل القطاع الخاص. ودخل بذلك اقتصادنا الوطني مرحلة التراجع والتردي حتى وصل مرحلة العجز عن الوفاء بالحاجات الأساسية للسكان وفقد قدرته على النمو، بالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة.

ثم جاءت الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد وفتحت الأبواب مشرعة أمام التعددية الاقتصادية وأزالت الكثير من العوائق أمام نشاط القطاع الخاص واستثماراته في الزراعة والصناعة والخدمات، فصدر القرار 186 لعام 1985 لتشجيع الاستثمار السياحي والمرسوم رقم 10 لعام 1986 لتشجيع الاستثمار في القطاع الزراعي. ثم تكللت خطوات التشجيع بإصدار قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 وتعديله بالمرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2000. وكل هذه التشريعات نصت على منح المستثمرين حوافز وإعفاءات ضريبية سخية. إضافة إلى ذلك سعت الحكومة إلى إصدار قرارات عديدة لتسهيل النشاط الاقتصادي كما وقعت العديد من اتفاقيات التجارة الحرة بما في ذلك الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، بهدف توسيع السوق أمام الصناعات السورية للاستفادة من المزايا النسبية المتوافرة في سورية. وكذلك أصدرت الحكومة الكثير من القرارات التنظيمية لتحسين المناخ الاستثماري وتخفيف الأعباء التي ترهق كاهل المستثمرين. وكان من نتيجة ذلك أن انطلق القطاع الخاص في عملية الاستثمار بخفر وحذر وعلى الخصوص في القطاع الصناعي. ومع أن نصيب القطاع الخاص في الصناعة التحويلية قد بلغ 50%؛ فإن بنية الصناعات السورية التحويلية لم تتغير وما زال دور الصادرات الصناعية ضئيلاً من إجمالي الصادرات السورية، مما يقتضي تعرُّف السبب وراء ذلك والعمل على إزالة الخوف من ذاكرة رجال الأعمال المختزنة من تجارب الماضي من ناحية، وإيجاد الصيغ المحفزِّة لجذب الاستثمارات وتوجيهها إلى القطاعات الرائدة من جهة ثانية.

يُلاحَظ من تتبع نصيب القطاع الخاص في مجمل التكوين الرأسمالي الثابت في سورية، أن مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار تتبع لتوقعات رجال الأعمال حول مدى الانفتاح الاقتصادي الذي تسلكه الحكومة من ناحية وكذلك للمزايا والتسهيلات التي تقررها لاستثمارات القطاع الخاص من ناحية ثانية. إذ إن نصيب القطاع الخاص في إجمالي التكوين الرأسمالي الثابت كان في عام 1963 حوالي 46% انخفض بعد ثورة الثامن من آذار إلى 29% عام 1970 وعاود الارتفاع بعد الحركة التصحيحية ليصل إلى 34% عام 1985 وليزيد على 55% عامي 1994، 1995 بعد صدور قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1991.

بدأ نصيب القطاع الخاص في مجمل التكوين الرأسمالي الثابت بالانخفاض بدءاً من عام 1997 ليبلغ أدنى مستوى له في عام 2000، إذ لم يتجاوز في هذا العام 36%. وبعد تعديل القانون رقم 10 بالمرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2000 زاد نصيب القطاع الخاص إلى 60% في عام 2001 و 53% عام 2002. مع ملاحظة أن هذه النسبة مرتفعة مقارنة بالسابق لأن المجموعة الإحصائية بدءاً من عام 2001 اقتصرت في حساب نصيب الحكومة في مجمل التكوين الرأسمالي الثابت على استثمارات القطاع العام الاقتصادي. ومع هذا فإن دور القطاع الخاص بعد عام 2000 بدأ بالتزايد.

واقع القطاع الخاص الصناعي في سورية

في تقرير مديرية القطاع الصناعي الخاص والحرف لعام 2003 يشير معدو التقرير إلى أن صادرات القطاع الخاص من منتجات الصناعة التحويلية تصل إلى حوالي 35.8 مليار ل.س؛ أي ما يقارب 88% من مجمل الصادرات السورية من الصناعات التحويلية، باستثناء مشتقات النفط، مع هذا فإن رقم الصادرات من الصناعة التحويلية للقطاع الخاص لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من مجمل الصادرات السورية التي تربو على 320 مليار ل.س؛ أي ما يعادل أقل من 12% من قيمة الصادرات.

كما يشير التقرير إلى أن القطاع الخاص الصناعي يستوعب حوالي 77.6% من العاملين في قطاع الصناعات التحويلية؛ أي يعمل في هذا القطاع ما ينوف على 380 ألف عامل من اصل 490 ألف عامل يعملون في الصناعات التحويلية. كما أنه ينتج ما نسبته 49% من قيمة إنتاج الصناعات التحويلية ويحصل على ما يقارب 67.6% فقط من مجمل قيمة صافي ناتج الصناعات التحويلية.

لا يشير التقرير إلى نصيب القطاع الخاص الصناعي من إجمالي رأس المال المستثمر في الصناعات التحويلية غير أن المؤشرات الواردة (نصيبه من عدد العاملين 77.6%) في حين أن حصته في الإنتاج 49% فقط. وحصوله على 67.6% من صافي ناتج الصناعات؛ أي القيمة المضافة في الصناعات التحويلية تقدم دليلاً واضحاً على أن القطاع الخاص الصناعي يعتمد في نشاطه على تكنولوجيا غير متطورة وعلى يد عاملة كثيفة ليستفيد من رخص أجور اليد العاملة. ولكن السؤال المهم حول عمل هذا القطاع هو قدرته على المنافسة في حال إنهاء الحماية الجمركية وتحرير التجارة الخارجية والانفتاح على العالم الخارجي. فهل سيستطيع القطاع الخاص الصناعي الصمود بوجه المنتجات الصناعية القادمة من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ناهيك عن تلك التي ستأتي من الاتحاد الأوربي بعد توقيع اتفاقية الشراكة ودخولها حيز التنفيذ.

إن اللافت في التقرير أن عدد منشآت القطاع الخاص يبلغ حوالي 116 ألف منشأة صناعية وحرفية، يقدر رأسمالها بحوالي 154.7 مليار ليرة سورية يعمل فيها ما يزيد على 380 ألف عامل. بمعنى آخر فإن متوسط عدد عمال المنشأة الواحدة يبلغ 3.27 عامل ومتوسط رأسمالها 1.327 مليون ليرة سورية وهذا يؤكد صغر حجم منشآت هذا القطاع من جهة، وضعف مستوى التجهيز الرأسمالي فيها من جهة ثانية. ولكن هذه المتوسطات تخفي وراءها اختلافاً واضحاً بين المنشآت الصناعية المنفذة وفق أحكام قانون الاستثمار رقم 10 وتعديلاته وتلك التي أقيمت بحسب القانون رقم 21(*) لعام 1958 من ناحية وبين المنشآت الحرفية من جهة ثانية. وكلها تعمل في مجال الصناعات التحويلية.

حتى نهاية عام 2003 تم، بناءً على القانون رقم 10، تنفيذ 445 منشأة صناعية يعمل فيها 19 ألف عامل ويبلغ رأسمالها حوالي 65.6 مليار ل.س، بحيث يبلغ متوسط رأس مال هذه المنشآت 147.4 مليون ل.س ويعمل في المنشأة الواحدة منها بالمتوسط 42.7 عامل. ويلاحظ أن الاتجاه في هذه المنشآت العاملة على القانون رقم 10 يميل إلى زيادة التجهيز الرأسمالي على حساب زيادة قوة العمل، مما يحسن من قدرتها التنافسية ويمكنها من دخول أسواق التصدير بسهولة أكبر (لا تتوافر إحصاءات عن حجم صادرات المنشآت الصناعية العاملة على القانون 10 كما لا تتوافر دراسات مقارنة حول القدرة التنافسية للمنشآت الصناعية ذات الكثافة الرأسمالية العالية - ارتفاع مستوى التجهيز الرأسمالي - وتلك المعتمدة على كثافة العمل العالية. ومثل هذه المعلومات ودراستها وتحليلها ضرورية جداً لاعتماد سياسة تحفيز الصناعات التحويلية بالتوجه إلى تكثيف رأس المال أم إلى تكثيف العمل). ففي عام 2003 تمت إقامة 47 منشأة استثمارية على القانون رقم 10 برأسمال بلغ 7222 مليون ل.س ويعمل فيها 1591 عامل بمتوسط رأسمال قدره 153.65 مليون ل.س ومتوسط عدد عمال 33.8 عامل للمنشأة. مما يعطي مؤشراً واضحاً على توجه هذه المؤسسات إلى زيادة الكثافة الرأسمالية وتخفيض كثافة العمل. ويبقى من الضروري إجراء دراسات لتحليل أداء هذه المؤسسات ومقارنة أدائها مع تلك التي يكون فيها مستوى تكثيف العمل أعلى من أجل اتخاذ إجراءات التحفيز الملائمة:

أما المنشآت الصناعية المنفذة وفق القانون رقم 21 لعام 1958 فتتصف بضعف رأس المال وانخفاض متوسط عدد العاملين فيها. فقد بلغ عدد المنشآت الصناعية العاملة بموجب القانون رقم 21 في نهاية عام 2003 حوالي 26 ألف منشأة يعمل فيها 142.8 ألف عامل ويقدر إجمالي رؤوس أموالها بمبلغ 76.9 مليار ل.س سورية، بحيث يكون متوسط رأسمال المنشأة منها 2.95 مليون ل.س ووسطي عدد العاملين فيها 5.49 عامل. ويلاحظ نفس الاتجاه في هذه المنشآت الصناعية نحو زيادة متوسط رأس المال وزيادة متوسط عدد العمال في المنشأة الواحدة مع زيادة مستوى التجهيز الرأسمالي للعامل الواحد. ففي عام 2003 تم تنفيذ 695 منشأة صناعية جديدة على القانون رقم 21 برأسمال إجمالي بلغ 4.43 مليار ل.س ويعمل فيها 4173 عامل. إذاً يكون متوسط رأسمال المنشأة 6.37 مليون ل.س ومتوسط عدد العاملين فيها 6 عمال. بمعنى آخر يتجه مستوى التجهيز الرأسمالي للعامل الواحد إلى الارتفاع ما يعني اعتماد تكنولوجيا أكثر حداثة من تلك التي كانت تعتمدها المنشآت المقامة سابقاً.

والمنشآت الحرفية العاملة في مجال الصناعة التحويلية، هي الغالبة عدداً وعدد عمال في القطاع الخاص الصناعي. يقدر عدد المنشآت الحرفية في نهاية عام 2003 بحوالي 90 ألف منشأة يعمل فيها أكثر من 218 ألف عامل ويقارب مجمل رأسمالها مبلغ 12.2 مليار ل.س. وبذلك يكون متوسط رأسمال المنشأة الحرفية حوالي 1.357 مليون ل.س ووسطي عدد العاملين في المنشأة 2.4 عامل. وبذلك تكون تكلفة أحداث فرصة عمل حوالي 559 ألف ل.س ويلاحظ اتجاه واضح لزيادة معدل النمو في إقامة المنشآت الحرفية. ففي عام 2003 زاد عدد المنشآت الحرفية المحدثة عام 2003 بنسبة 36.7% عما أقيم منها في عام 2002. مع اتجاه نحو انخفاض متوسط عدد العمال من 2.4 عامل إلى 2.24 عامل للمنشأة الواحدة وكذلك نحو انخفاض في متوسط رأسمال المنشأة من 1.357 مليون ل.س إلى حوالي 493 ألف ل.س وانخفاض في تكلفة فرصة العمل إلى أقل من 220 ألف ل.س. يبدو أن السبب وراء تزايد عدد المنشآت الحرفية وتخفيض مستوى تجهيزاتها الرأسمالية يرجع أساساً إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل وتوفر عرض كبير من العاملين يقبلون بالعمل بشروط صعبة وأجور متدنية. ولكن الأمر المهم هو قدرة هذه المنشآت الحرفية ضعيفة التجهيز الرأسمالي على الحياة في حال تم فتح السوق السورية أمام الواردات الخارجية. إن تجربة تهديم القطاع الحرفي في سورية في مرحلة الانتداب الفرنسي عند فتح السوق السورية أمام المنتجات الصناعية الفرنسية ما تزال ماثلة في الأذهان.

اتجاه تطور الاستثمار الخاص في القطاع الصناعي

يمكن اعتماداً على الأرقام الإحصائية الواردة في التقرير السنوي لمديرية القطاع الصناعي الخاص والحرف لعام 2003 بيان خصائص تطور الاستثمار في القطاع الصناعي الخاص والحرف بين عامي 1999 و 2003. بمعنى آخر يمكننا الوقوف على تطور حجوم وبنية الاستثمار الصناعي الخاص في الاقتصاد السوري.

- يلاحظ تزايد حجم الاستثمار الصناعي على القانون رقم (10) لعام 1991 بين عامي 1999 و 2003 مقاساً بالأسعار الجارية بنسب متفاوتة من سنة إلى أخرى، إذ نما الاستثمار الصناعي الخاص في عام 2000 بنسبة 51% عما كان عليه عام 1999، أما في عام 2001 لم يكن النمو سوى بنسبة 5% فقط. وفي عام 2002 بلغ النمو 38% ليعود في عام 2003 إلى أقل من 1%. إن هذا التذبذب في نمو الاستثمار الصناعي الخاص بين سنة وأخرى يعطي مؤشراً على عدم الاستقرار في توقعات المستثمرين وخاصة أن الاقتصاد الوطني سجل معدلات نمو تراوحت بين 2% و 4% خلال هذه السنوات مما كان يجب أن ينعكس إيجاباً على التوجه نحو زيادة الاستثمارات. والأمر الذي يجب التوقف عنده هو دورية زيادة الاستثمارات بين الارتفاع في عامي 2000 و 2002 والركود في عامي 2001 و 2003.

- يلاحظ أيضاً أن متوسط رأسمال المؤسسات الصناعية المنفذة على قانون الاستثمار رقم 10 يميل نحو التناقص من سنة إلى أخرى: فقد كان متوسط رأسمال المنشأة بملايين الليرات السورية خلال أعوام 1999 - 2003 على التوالي كما يلي: 172، 170، 101، 112 ثم 154 مليون ل.س ومع أن هذا الاتجاه تغير نحو التصاعد في عامي 2002 و 2003، إلا أن متوسط رأس مال المنشأة ما زال أدنى مما كان عليه في عام 1999 بداية الفترة.

ومما يبيِّن سلبية هذه الظاهرة أن تكلفة الاستثمار مقاسة بالأسعار الثابتة تتجه نحو الارتفاع مما يعني أن الحجوم الفعلية لطاقات الإنتاج في هذه المؤسسات تميل نحو الانخفاض.

يوضح الجدول رقم/4 /التالي تطور متوسط رأسمال المنشأة الصناعية

على القانون رقم (10) ومتوسط عدد العمال فيها بين عامي 1998 - 2003

رأس المال مليون ل.سوالعمال بالعدد

2003

2002

2001

2000

1999

1998

 

 

135

96

86

57

118

101

متوسط رأس المال

الصناعات الهندسية

35

28

42

38

44

52

متوسط عدد العمال

197

207

103

214

146

77

متوسط رأس المال

الصناعات الكيميائية

36

31

25

29

35

13

متوسط عدد العمال

141

133

107

346

233

409

متوسط رأس المال

الصناعات الغذائية

28

30

32

88

50

35

متوسط عدد العمال

115

78

108

115

95

152

متوسط رأس المال

الصناعات النسيجية

34

39

38

30

50

48

متوسط عدد العمال

154

112

102

170

172

150

متوسط رأس المال

مجموع المنشآت

34

34

34

45

47

37

متوسط عدد العمال

حسبت مؤشرات هذا الجدول والجداول اللاحقة على أساس المعلومات الواردة في تقرير مديرية القطاع الصناعي الخاص والحرف لعام 2003

وكما يتضح من الجدول أعلاه، فإن المنشآت الصناعية المنفذة على القانون رقم 10 تتصف بتدني حجم رأسمالها وانخفاض عدد العاملين فيها قياساً بالمنشآت الصناعية المتواجدة في الدول الصناعية وحتى في الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وهذا يؤثر في قدرتها التنافسية ليس فقط في السوق الدولية، بل وفي السوق الداخلية لمواجهة منافسة السلع المستوردة من الخارج بعد إلغاء الحواجز الجمركية.

والمسألة التي تستوقف أي باحث تتمثل في عدم المطابقة بين المشاريع المشملة بالقانون رقم 10، المرخصة والمنفذ منها.

يلاحظ بوضوح تام الفرق الكبير بين المشروعات المشمَّلة على القانون رقم 10 وتلك المنفذة منها. فبعض رجال الأعمال الذين يحصلون على موافقة المجلس الأعلى للاستثمار على تشميل مشروعاتهم لا يلجأون إلى استكمال ترخيصها. في المدة من عام 1999 ولغاية 2003 تم تشميل 812 مشروعاً على القانون رقم 10 برأسمال بلغ 240 مليار ل.س تستوعب حوالي 55 ألف عامل في حين رُخِّص منها ترخيصاً أولياً 385 مشروعاً برأسمال بلغ 77 مليار ل.س وعدد عمال متوقع بلغ 21 ألف عامل. من هذه المشروعات المرخصة لم ينفذ منها سوى 210 مشروعات برأسمال قدره 21.32 مليار ل.س تستوعب 8841 عاملاً فقط كما يتضح من الجدول رقم /2/.

الجدول رقم /5/ يبين أعداد ونسب المشروعات المنفذة من المشروعات المشملة بالقانون والمرخصة ترخيصاً أولياً في المدة 1999 - 2003

الوحدات: المشروعات بالعدد، رأس المال مليار ل.س والعمال بالآلاف

عدد العمال

رأس المال

العدد

 

55

240

812

1 - المشروعات المشملة

21

77

385

2 - المشروعات المرخصة

8.841

21.32

210

3 - المشروعات المنفذة

38%

32%

47.4%

 نسبة 2/1

16%

8.8%

25.8%

 نسبة 3/1

42%

27.6%

54.5%

 نسبة 3/2

يتضح من الجدول /5/ أعلاه تدني نسبة المشروعات المرخصة إلى المشروعات المشملة ويتضح أيضاً تدني نسبة المشروعات المنفذة إلى تلك المرخصة. فقد كانت نسبة المشروعات المرخصة 47.4% من المشملة برأسمال قدره 32% من رؤوس الأموال المشملة

إن إحجام المستثمرين عن تنفيذ مشروعاتهم بعد حصولهم على موافقة تشميلها بأحكام القانون رقم 10 وبعد الجهود المضنية التي يبذلونها والمبالغ الكبيرة التي ينفقونها على ترخيصها مسألة تحتاج إلى دراسة وتمحيص لتعرُّف سبب تراجعهم عن الاستثمار.

حيث أن نسب التنفيذ تراوح حوالي 54% من المشاريع المرخصة مع الميل نحو الارتفاع في عامي 2002 و2003 وهذا يحتاج إلى معرفة أسباب ذلك. هل أن المستثمرين ما زالوا مترددين فيحجزون الموافقات على المشروعات بانتظار حدوث تبدلات ما؟ أم أنهم ما زالوا لا يثقون باتجاه الدولة لتشجيع القطاع الخاص وبالتالي يترددون في استثمار أموالهم؟ هل يبحثون عن شركاء أجانب لا يجدونهم؟ وهناك عوامل كثيرة يجب تحريها من أجل جذب استثمارات أوسع في الاقتصاد السوري. ومن الملاحظ أن المشروعات المرخصة غير المنفذة هي المشروعات ذات الحجم الكبير برؤوس أموالها وعدد عمالها المتوقعين. ويمكن التأكد من ذلك بمقارنة متوسط رأسمال المنشآت المرخصة ومتوسط عدد عمالها مع متوسط رأسمال المنشآت المنفذة مع عدد عمالها. كما في الجدول رقم /6/ أدناه.

 

جدول رقم /6/ مقارنة متوسطات رأس مال وعدد عمال المنشآت المرخصة مع مثيلتها في المنشآت المنفذة لأعوام 1999 - 2003

الوحدة مليون ل.س لرؤوس الأموال وشخص للعمال

2003

2002

2001

2000

1999

المنشآت

165

137

226

141

469

المرخصة: - متوسط رأس المال

154

112

102

170

172

المنفذة: - متوسط رأس المال

57

48

56

57

59

المرخصة: - متوسط عدد العمال

34

34

34

45

47

المنفذة: - متوسط عدد العمال

إن ظاهرة ميل المستثمرين إلى تنفيذ المنشآت ذات رؤوس الأموال الأدنى وعدد العمال الأقل، كما يتضح من الجدول رقم 6 أعلاه، تطرح مسألة تأهيل القطاع الخاص للصمود في المنافسة. ودور وزارة الصناعة ومكتب الاستثمار في إيجاد الصيغة العملية وبأسلوب السياسات الاقتصادية الملائمة لتوجيه المستثمرين أفراداً وشركاتٍ نحو المنشآت الكبيرة ذات التجهيز الرأسمالي المرتفع واختيار التقنيات الضرورية للدخول في المنافسة مع الصناعات في الدول الأخرى في عصر العولمة، عصر الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة الخارجية.

والمنشآت الصناعية المقامة وفقاً للقانون رقم 21 لعام 1958 تتصف بتدني رأس المال وعدد العمال في المنشأة الواحدة. والجدول رقم /7/ يبين مقارنة متوسط رأسمال المنشآت الصناعية المرخصة ومتوسط عدد العاملين فيها بمثيليهما في المنشآت المنفذة.

جدول رقم /7/ مقارنة متوسط رأس المال وعدد العمال في المنشآت المرخصة على القانون رقم 21 مع مثيليهما في المنشآت المنفذة لأعوام 1998 - 2003

الوحدة مليون ل.س لرؤوس الأموال وشخص العمال

2003

2002

2001

2000

1999

1998

المنشآت

13.2

5.6

8.0

7.84

9.6

6.6

متوسط رأسمال المنشآت المرخصة

6.38

5.7

8.0

7.3

4.8

3.0

متوسط رأسمال المنشآت المنفذة

11

7

8

6

11

7

متوسط عدد عمال المنشآت المرخصة

6

6

7

5

5

4

متوسط عدد عمال المنشآت المنفذة

يتضح من الجدول رقم /7/ أعلاه أن:

- متوسط رأس مال المنشآت الصناعية المنفذة على القانون رقم 21 لعام 1958 يتراوح حسب السنوات بين 3 مليون و 8 مليون ل.س وبالطبع فإن تجهيزاتها الآلية لا يمكن أن تكون عالية التطور وطاقتها الإنتاجية صغيرة، مما يجعل تكاليف الإنتاج فيها مرتفعة قياساً بالمنشآت الصناعية الكبيرة. وهذا يضعف قدرتها التنافسية.

- مستوى التجهيز الرأسمالي منخفض فالعامل في هذه المنشآت يحرك رأسمالاً لا يزيد على (10) مليون ل.س يذهب قسم غير قليل منه لشراء الأراضي والبناء وتمويل مخزون المواد الأولية... إلخ.

- الاتجاه لدى المستثمرين في الابتعاد عن المنشآت الكبيرة وتنفيذ المنشآت الصغيرة سواء لجهة حجوم رؤوس أموالها أو عدد العاملين فيها.

وفيما يتعلق بالمنشآت الحرفية فيكفي بيان تطور متوسطات رؤوس الأموال وعدد العاملين فيها للحكم مباشرة على ضعف قدرتها التنافسية والمخاطرة بإفلاس الكثير منها في حال تحرير التجارة الخارجية والانفتاح على الاقتصاد العالمي.

الجدول رقم /8/ يبين متوسط رؤوس أموال ومتوسط عدد العمال في المنشأة الحرفية لأعوام 1998 - 2003

الوحدة ألف ل.س لرأس المال وشخص للعمال

2003

2002

2001

2000

1999

1998

الـــبيـان

492

461

485

373

410

725

متوسط رأس مال المنشأة الحرفية

2.24

1.91

1.96

1.73

4.47

3.78

متوسط عدد العمال في المنشأة الحرفية

ومما يزيد في مشكلات القطاع الخاص الصناعي تعقيداً هو تدني مستوى التجهيز الآلي. فإذا أخذنا قيمة الآلات التي يحركها العامل الواحد في المنشآت الصناعية من الأنواع الثلاثة: المنفذة على القانون رقم 10 لعام 1991 والمنفذة على القانون رقم 21 لعام 1958 والمنشآت الحرفية تكتمل صورة القطاع الخاص الصناعي في سورية ويتضح لنا سبب تدني مستوى إنتاجية العمل في الصناعات التحويلية. كما يتضح لنا سبب شكوى الصناعيين في القطاع الخاص وتذمرهم من تحرير التجارة الخارجية ومن عضوية سورية في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أو في اتفاقيات تحرير التجارة الثنائية مع بعض الدول العربية، إضافة إلى خوفهم من إبرام اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي أو الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

الجدول رقم /9/ التالي يبين ما يحركه العامل الواحد من رأسمال ومن الآلات مقومة بتكاليفها النقدية في المنشآت الصناعية القائمة فعلاً في نهاية عام 2003 من الأنواع الثلاث المذكورة أعلاه.

جدول رقم /9/ بنصيب العامل الواحد من رأس المال

ومن قيمة الآلات التي يعمل عليها في عام 2003

الوحدة مليون ل.س

نسبة قيمة الآلات إلى مجموع رأس المال

نصيب العامل من قيمة الآلات

نصيب العامل من رأس المال

فئة المنشآت

38%

1.295

3.416

منشآت قانون الاستثمار رقم 10

43%

0.232

0.538

منشآت القانون رقم 21

68%

0.0385

0.0559

المنشآت الحرفية

يلاحظ من معطيات الجدول رقم /9/ أعلاه أن:

- مستوى التجهيز الرأسمالي مقبول في منشآت قانون الاستثمار رقم 10، كما أن مستوى التجهيز الآلي مرتفع أيضاً وهذا يشكل عاملاً في رفع قدرتها التنافسية في السوق المحلية، كما ويعطيها القدرة على تصدير منتجاتها للسوقين العربية والدولية. غير أن هذه المشروعات قد تجد من مصلحتها البيع في السوق الداخلية، نظراً لارتفاع أسعار المبيع في السوق المحلية بسبب ضعف منافسة المنشآت الصناعية الأخرى لها والحماية الجمركية المفروضة على السلع المستوردة. من شأن ذلك أن يرفع من التكلفة الاجتماعية للمنتجات ويوفر فرصة للبيع بأسعار أعلى من تكلفة الإنتاج في المنشآت المنفذة على قانون الاستثمار مع تمتع هذه الأخيرة بالإعفاءات من الضرائب والرسوم.

- مستوى التجهيز الرأسمالي في المنشآت المنفذة على القانون رقم 21 وكذلك مستوى التجهيز الآلي متوسطا الحجم. وهذا يضعف قدرة هذه المنشآت على المنافسة في السوقين الداخلية والخارجية. نعتقد أنه في حال تحرير التجارة الخارجية والسماح بإدخال السلع المستوردة المماثلة لمنتجاتها معفاة من الرسوم الجمركية سوف تواجه هذه المنشآت منافسة حادة وقد لا تستطيع الاستمرار إذا لم تُعَد هيكلتها، إما بالاندماج فيما بينها أو بتحولها إلى مقاولين من الباطن للمنشآت ذات التجهيز العالي. لأن أسعار السوق الداخلية سوف تنخفض تبعاً لانخفاض القيمة الاجتماعية للمنتجات.

- مستوى التجهيز الرأسمالي وكذلك مستوى التجهيز الآلي في المنشآت الحرفية متدنيان ويصعب على هذه المنشآت الاستمرار في وضعيتها الراهنة في حال تحرير السوق وإلغاء الحماية الجمركية.

- ويلاحظ أن نسبة قيمة الآلات إلى مجموع رأس المال تتزايد كلما تناقص حجم المنشأة فهي في المنشآت المنفذة على قانون الاستثمار رقم 10 تعادل 38% وترتفع في منشآت القانون رقم 21 إلى 43% وتبلغ 68% في المنشآت الحرفية. يطرح هذا التدرج مسألة على مستوى عالٍ من الأهمية وهي تعرُّف سبب انخفاض نسبة قيمة الآلات إلى الرأسمال في المنشآت الكبيرة وتزايدها في المنشآت الأصغر فالأصغر. هل السبب في اهتمام المنشآت الكبيرة بالمظاهر وإنفاق أموال كثيرة على الأبنية والساحات... إلخ؟ أم السبب في أن المنشآت المنفذة على القانون رقم (10)، باعتبار وارداتها معفاة من الضرائب والرسوم، تميل إلى استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج وتخزنها في مستودعاتها وتكتفي بإضافة اللمسة الأخيرة على صناعتها لإعطائها شهادة منشأ وطنية لتكون جواز سفر لها لدخول الدول العربية؟

في كل الحالات - يقتضي أن يولي - مهندسو السياسة الاقتصادية اهتمامهم الكافي لمثل هذه الظاهرة من أجل تعرُّف أسبابها واتخاذ الإجراءات التي تكفل تخصيص رؤوس الأموال بقسمها الأعظمي لاقتناء تكنولوجيا متقدمة عالية الإنتاجية وموفرة للطاقة والمواد الأولية لإكساب هذه المنشآت قدرة تنافسية أعلى ولتكون إسهاماتها أكبر في توليد الناتج وزيادة الدخل الوطني.

دور الاستثمار الصناعي الخاص في الصناعات التحويلية

يكاد يكون الاستثمار الصناعي الخاص في سورية مقتصراً على الصناعات التحويلية، نظراً لأن الصناعة الاستخراجية شبه محتكرة من قبل القطاع العام باستثناء بعض مقالع الحجارة والبحص والرمل وكلها لا تحتاج إلى استثمارات رأسمالية واسعة. لذلك يمكن الافتراض بأن نصيب القطاع الخاص في التكوين الرأسمالي الثابت محصور في مجالات الصناعات التحويلية.

يتراوح نصيب القطاع الخاص في التكوين الرأسمالي الثابت بين 29% عام 1975 و 60% عام 2001 ويتقلب من سنة إلى أخرى ولكنه كان متدنياً بين عامي 1963 و 1990 ثم بدأ بالتزايد بعد صدور القانون رقم 10 لعام 1991 وأصبح في معظم السنوات يزيد على 50%. وبهذا المعنى فإن القطاع الخاص الصناعي يلعب دوراً كبيراً في مجالات الصناعة التحويلية لأن التكوين الرأسمالي الثابت في القطاع العام موزع بين الصناعة التحويلية والصناعة الاستخراجية والزراعة ومختلف الأنشطة الاقتصادية. يقدر بعض الاقتصاديين أن استثمارات القطاع الخاص الصناعية تتجاوز نسبة 70% من مجمل الاستثمارات الصناعية التحويلية وبذلك يكون دور القطاع الخاص محورياً في تطور قطاع الصناعة التحويلية وتقع عليه مسؤولية مواجهة المنافسة القادمة مع تحرير قطاع التجارة الخارجية.

وبالرغم من أن الدولة تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية في عدم قيام القطاع الصناعي الخاص بدوره، إلا أن هذا الأخير أيضاً ليس بعيداً عن التقصير في تحمل المسؤولية لتطوير الصناعة.

في التقرير الذي أعده د. خالد عبد النور لصالح وزارة الصناعة وهو صناعي معروف وله باع طويل في هذا المجال، يشير السيد عبد النور إلى مسؤولية مشتركة لكل من الدولة والقطاع الخاص في قصور القطاع الصناعي عن الإسهام الفعال في تحسين أداء الاقتصاد السوري، مما أدى إلى "ضعف القيمة المضافة وتعميق عجز الميزان التجاري للصناعة التحويلية وانخفاض الإنتاجية وضعف الترابط داخل النسيج الصناعي". وإذا كنا نشارك الدكتور عبد النور رأيه في تقصير الإدارة الاقتصادية الحكومية في اعتماد سياسات اقتصادية تحفز القطاع الخاص على الاستثمار الصناعي؛ فإنه من الضروري ملاحظة ردود فعل القطاع الخاص السوري باتجاه اقتناص الفرص واعتماد تكتيك "اضرب واهرب" والابتعاد عن ولوج مجالات رؤوس الأموال المخاطرة. ونحن لن نتعرض حالياً لقصور السياسات الاقتصادية الكلية التي تتحمل مسؤوليتها الإدارة الاقتصادية الحكومية (قد نعود إلى هذا الموضوع في بحث قادم)، لكننا سنركز على جوانب الضعف في سلوك القطاع الخاص الصناعي السوري، بهدف حث رجال الأعمال على البحث عن مجالات استثمار أكثر ربحية بالنسبة لهم وأعلى مردوداً على مستوى الاقتصاد الوطني.

يورد الدكتور عبد النور أربعة أسباب وراء قصور القطاع الخاص هي:

أ - إهمال مرحلة ما قبل الاستثمار فيما يتعلق بدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعات قبل الدخول بها.

ب - عدم الاهتمام بتكوين وتدريب المهندسين والفنيين اللازمين لتشغيل المشروع قبل بدء العمل أي خلال مرحلة التصميم والتنفيذ.

ج - ندرة الكفاءات الإدارية لقيادة المشاريع بطريقة فعالة وحديثة.

د - إهمال عملية الصيانة.

في الواقع كل ما أورده الدكتور عبد النور صحيح وينعكس سلباً على تطور قطاع الصناعة التحويلية. لكن القصور الأكبر، كما نراه، يكمن فيما لم يورده الدكتور عبد النور والمتمثل برأينا فيما يلي:

1 - ميل رجال الأعمال، انطلاقاً من سيطرة العقلية الاجتماعية السائدة في عدم الثقة بالآخرين، إلى القيام بمشروعاتهم على نحو شخصي أو على أساس عائلي وبالتالي إدارتها ذاتياً من أجل عدم إفشاء معلومات عن الأعمال التي يقومون بها وخاصة تجاه المحيط الاجتماعي وحيال الدوائر المالية من ناحية أخرى، لهذا يحرصون على استبعاد "الغرباء" عن إدارة منشآتهم.

2 - الركض وراء الربح السريع والابتعاد عن المخاطرة، ولهذا نرى أن توجه الصناعيين في سورية كان وراء صناعات اللمسة الأخيرة لإشباع حاجة السوق بإحلال منتجاتهم محل المواد المستوردة من الخارج (ساعدت الدولة في تعميق هذا الاتجاه بفرض رسوم جمركية عالية على المنتجات الجاهزة وأخرى مخفضة جداً على مستلزمات الإنتاج).

3 - غلبة ثقافة اقتناص الفرص والابتعاد عن استثمار الرأسمال المخاطر ولهذا يميل رجال الأعمال إلى الاستثمار في المجالات سريعة المردود.

والأمر الطبيعي أن يميل الإنسان ورجل الأعمال خاصة إلى السعي وراء الكسب السريع والابتعاد عن المخاطرة قدر الإمكان. ولذلك يكون دور الإدارة الاقتصادية الحكومية العمل على التأثير في قرارات المستثمرين وتوجيههم إلى القطاعات الأكثر ضرورة لبناء آلية اقتصادية تخلق شروط التنمية الذاتية وبالاعتماد أساساً على الداخل. وعندما يجد رجال الأعمال حوافز كافية لدفعهم للاستثمار فإنهم سيختارون أفضل المجالات ويتحولون عن المجالات الصعبة والمعقدة. ويمكن للإدارة الحكومية باعتماد أدوات السياسات المالية والنقدية وسياسة التجارة الخارجية أن تؤثر في دفع القطاع الخاص نحو الاستثمار في القطاعات الرائدة في الاقتصاد الوطني ذات الترابطات الأمامية والخلفية الواسعة. هذه القطاعات التي تكون قاطرة النمو وأقطاب تشع عوامل التنمية في محيطها.

يمكن للإدارة الحكومية أن تفعل ذلك من خلال الإجراءات التالية:

- إصدار تشريع موحد للاستثمار يطبق على كل قطاعات الملكية ويقصر المزايا الممنوحة على الأنشطة التي تكون تنميتها ذات أولوية للاقتصاد الوطني بصرف النظر عن طابع ملكيتها.

- عدم منح المشروعات الاستثمارية الجديدة، التي يوجد مثيل لها في الاقتصاد وتكفي طاقتها الإنتاجية لإشباع حاجة السوق، أي مزايا تزيد على تلك المزايا الممنوحة للمشروعات القائمة.

- تيسير حصول المشروعات الصناعية الضرورية لتنمية الاقتصاد الوطني، بصرف النظر عن عائدية ملكيتها، على القروض المصرفية بشروط ميسرة سواء من قبل المصارف الحكومية أو أن تتحمل خزينة الدولة جزءاً من معدلات الفوائد التي تتقاضاها المصارف الخاصة.

- عدم السماح بترخيص المنشآت الصناعية على قانون الاستثمار أو على القانون رقم 21 لعام 1958 إذا لم تتوافر فيها الشروط المناسبة مثل: التكنولوجيا الملائمة، مستوى محدد من التجهيز الآلي، التأكد من خلال دراسات الجدوى الاقتصادية من قدرة هذه المشروعات على المنافسة في السوقين الداخلية والدولية بعد تحرير التجارة الخارجية تحريراً كاملاً.

- تقديم المعونات الفنية والمساعدات المالية للمشروعات الصناعية القائمة في القطاع الخاص التي ترغب في إعادة هيكلتها لتصبح ذات قدرة تنافسية مناسبة وذلك بناءً على دراسات جدوى جادة، تعدها مكاتب استشارية وتدقق في هيئة تخطيط الدولة للتأكد من سلامتها. وتشكل القروض الميسرة أفضل أنواع الإعانة لمثل هذه المشروعات.

- رفع الحد الأدنىلحجم المشروعات، سواء لجهة رأس المال أو لجهة قيمة الآلات وعدد العمال، من أجل الترخيص لها واستفادتها من المزايا المقررة في قانون الاستثمار.

إن قطاع صناعة تحويلية يكون مؤشر "أدائه الصناعي التنافسي" بحسب المعايير المعتمدة من قبل منظمة التنمية الصناعية الدولية (اليونيدو) يأتي في المرتبة 77 من88 دولة بالنسبة "للأداء التنافسي الصناعي" ،وفي المرتبة 56 من 88 دولة مبحوثة بالنسبة لمعيار "نصيب الفرد من الصادرات الصناعية" وفي المرتبة 87 بالنسبة ل- (حصة التكنولوجيات المتوسطة والعالية) غير قادر، دون إعادة هيكلة، على الاندماج في الاقتصاد العالمي ويبدو أن مساحة الزمن المتاحة غدت محدودة وما لم نسرع الخطى في مساعدة القطاع الصناعي الخاص قبل العام على إعادة التأهيل، سنجد أنفسنا خارج لعبة المنافسة نهائياً وحينها لن تجدي العمعمة (تحويل إلى قطاع عام) ولا الخصخصة (تحويل إلى قطاع خاص) في رفع مستوى اقتصادنا الوطني.

ولكن السؤال المهم هو هل يمكن بمثل هذه الاجراءات دفع القطاع الخاص الى تولي قيادة الإقتصاد الوطني والإستغناء عن دور القطاع العام في المرحلة الراهنة من مستوى النمو الإقتصادي ؟ بل هل يمكن للقطاع الخاص في ظل إمكاناته وتوجهاته الحالية أم هل يرغب،في ظل النظام السياسي الإقتصادي الإجتماعي القائم، أن يعبّىء كل امكاناته المتاحة المقيمةمنها والمهاجرة من أجل كسب معركة التنميةورفع معدلات الإستثمار بحيث يمكن للدولة الاستقالة من مهامها التنموية الاقتصادية والاجتماعية والتفرغ فقط لدور الدولة الحامية؟

باعتقادي إن التصدي للمسألة الاقتصادية في سورية يكون أساساً في الإجابة على هذين السؤالين إجابة علمية موضوعية تقوم على أساس تحليل إمكانات وأهلية كل من القطاعين العام والخاص للقيام بدوره التنموي بعيداً عن الايديولوجيا أو الإنحياز غير الموضوعي لصالح أي من القطاعين. لقد دلّت تجربة النمو خلال نصف قرن ونيّف من عمر الإستقلال أن الإنحياز لأي من القطاعين يلحق الأذى بكليهما: أحدهما يدلّل فلا يكون ملزماً ببذل جهد كاف لإثبات وجوده فيعيش على حساب الحماية المتاحة له والثاني معطّل يمنع من القيام بدوره.فيكون القطاعان محرومين من لعب الدور الذي يستطيعان القيام به، ويكون الإقتصاد الوطني بمجمله المتضرر الرئيس ومعه الشعب بمعظم فئاته، ولاأقول كلها.

كيفية الخروج من المأزق:

والمطلوب، من أجل الخروج من المأزق الذي يمر به إقتصادنا الوطني والإفساح في المجال أمامه لإنطلاقة تنموية واعدة، عدم التردد في إعتماد إستراتيجية واضحة وسريعاًتبنى على الأسس التالية :

1 - إعلان بيان إقتصادي سياسي واضح (مانيفست) يبين هوية الإقتصاد الوطني وإعتماد السياسات اللازمة لتنفيذ مضمون هذا الإعلان والإبتعاد عن التصريحات الرنانة التي قد تخلق إنطباعات سلبية لدى المستثمرين المنتجين والمستهلكين على السواء.

2 - إعادة هيكلة الإقتصاد الوطني على أساس التكامل والتعاون بين القطاعين العام والخاص بحيث يتولى القطاع العام، في حدود إمكاناته، القيام بتنفيذ المشروعات الكبيرة التي يحجم القطاع الخاص عن إقامتها سواء لعدم قدرته المالية أم لعدم رغبته في المخاطرة. وتترك الحرية كاملة للقطاع الخاص للإستثمار حيث يرى مصلحته. لنتصور كم كانت سورية ستدفع أثمان المشتقات النفطية لو لم تبادر الدولة إلى بناء مصفاة حمص بداية ومن ثم مصفاة بانياس لاحقاً !

3 - التراجع وبسرعة عن إعلان وقف توسيع القطاع العام أفقياً والمبادرة إلى طرح خطة تنمية مراكز نمو تتمحور حول صناعة أساسية ذات ترابطات أمامية وخلفية كبيرة، تتولى الدولة بناء صناعة الأساس وتدعو القطاع الخاص للإستفادة من الوفورات الخارجية التي توفرها هذه الصناعة لمنشآتهم التي يبنونها في محيط هذه الصناعة. ويمكن في هذا المجال إقامة إحدى الصناعات الأساسية في كل مدينة صناعية مايخلق الحافز للقطاع الخاص للإستثمار في الصناعات الملحقة. يمكن الإستفادة من تجربتي اليابان والهند في هذا المجال.

4 - معالجة أوضاع القطاع العام من دون أي تردّد بإخضاع إدارته للمعايير الإقتصادية والبدء بإجراء دراسة تحليل اقتصادي لعمل كل من مؤسساته من أجل تقرير نوع العلاج اللازم :

- إعادة هيكلة في إطار تخصص المنشآت ودمج مجموعة منشآت متكاملة النشاط في شركة واحدة.

- إعادة ملكيتها إلى المالكين السابقين، إذا رغبوا، بعد إعادة تقويم موجودات المنشأة واقتطاع حقوقهم السابقة من الثمن المقدّر أو بيعها ممن يرغب من رجال الأعمال. من شأن ذلك برأينا أن يعيد الثقة شبه المفقودة بين الدولة والقطاع الخاص.

- تصفية المنشآت التي تظهر الدراسة عدم جدوى إعادة هيكلتها ومعالجة أوضاع العاملين فيها بما يراعي مصالحهم المشروعة: منحهم تعويض بطالة ريثما يتم استيعابهم في أعمال جديدة وعلى أن يعطوا الأولوية في التعيين في المواقع الشاغرة أو التي تشغر في مجال أعمالهم. لقد شرعن عدد من الدول ما يسمى بموت الرحمة لإنقاذ الانسان من وضعه الميؤوس منه، فهل يكون إنقاذ منشأة ميؤوس منها أمراً غير مقبول !!

- تحرير مؤسسات القطاع العام من الأعباء الإجتماعية التي كبلناها بها لأكثر من أربعين عاماً والبدء بمعالجة القضايا الإجتماعية من خلال النظام المالي وسياسة الموازنة. إننا نعتقد أنه لا يجوز تحميل مؤسسات القطاع العام مسؤولية حل مسألة البطالة وتقديم دعم السلع الأساسية وفي ذات الوقت مطالبتها بالمنافسة مع منتجات القطاع الخاص وتحقيق فوائض إقتصادية لتمويل التوسع الإقتصادي.

- معالجة قضية مساعدة الضعفاء اقتصادياً عن طريق تعويضات تدفع من الخزينة بطريق إعادة توزيع الدخل أسوة بما هو متّبع في دول إقتصاد السوق.

5 - الإسراع في عقد مؤتمر إقتصادي وطني، لايستبعد فيه الحوار السياسي، يضم إلى ممثلي الحكومة شريحة واسعة من رجال الأعمال المقيمين والمغتربين وخبراء وأساتذة إقتصاد، تناقش في هذا المؤتمر ورقتا عمل تتقدّم بإحداها الحكومة ويقدّم الأخرى ممثلون عن رجال الأعمال. وتبحث في المؤتمر تصوّرات السياسة الإقتصادية التي تؤدي الى إزالة العوائق من طريق التنمية الإقتصادية والإجتماعية. ليكن المؤتمر تحت عنوان " شركاء في الوطن- شركاء في التنمية".إن الأموال السورية المهاجرة للتوظيف أو الإستثمار في الخارج تكفي، إذا توفرت الإرادة، لإطلاق عملية التنمية. والظروف الدولية وكذلك الإقليمية تدفع بالكثيرين من أصحاب الأموال إعادتها إلى الداخل كملجأ آمن لهم ولها إذا توافرت الشروط اللازمة.

من المهم جداً ملاحظة أن هناك إرتباطاً كبيراً بين ارتفاع معامل رأس المال وقيمة التجهيزات والآلات التي يحركها العامل من جهة وبين إنتاجية العمل من جهة أخرى. فقد بينت نتائج الاستقصاء الصناعي الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء على عينة واسعة من المشروعات الصناعية في القطاع الخاص علاقة ارتباط كبيرة بينهما.وهذان المؤشران (معامل رأس المال وقيمة التجهيزات والآلات) ليسا ايجابيين في المشروعات الخاصة. إضافة إلى أن إرتفاع حصة رأس المال الخاص في القيمة المضافة المتولدة في المشروعات التابعة له لم ينعكس إيجاباً لا على معدلات نمو إستثماراته(كما أشرنا سابقاً) ولا على إسهامه في تمويل خزينة الدولة. لقد أورد بيان وزارة المالية المقدم إلى مجلس الشعب بشأن قطع حسابات الموازنة لعام 2003 أن نصيب القطاع الخاص في ضريبة الدخل على الأرباح التجارية وغير التجارية تبلغ فقط 6% من مجمل هذه الضريبة في حين أن الضريبة على الرواتب والأجور تتجاوز المبلغ الذي يدفعه القطاع الخاص. هذا مع الإشارة إلى أن نصيب القطاع الخاص (رأس المال) في الدخل القومي تزيد على 65% حسب بعض التقديرات(الحسابات) وتبلغ حسب بعضها الآخر أكثر من 70% في حين لا يتجاوز نصيب الأجور عتبة ال30%.

اننا نعتقد، أنه في ظروف عمل الإقتصاد الراهنة،إذا لم يتم إعتماد سياسة إقتصادية توافقية (بين الحكومة وقطاع الأعمال) كفيلة بزج جهود القطاع الخاص، بما تتوافر له من إمكانات، في معركة التنمية فإن إقتصادنا الوطني سيكون عاجزاً لا محالة عن الإندماج في الإقتصاد العالمي بصفة شريك. ذلك أنه نتيجة السياسة الإجتماعية التي اعتمدتها الحكومات السورية المتعاقبة منذ عام 1958، عام الوحدة، والقائمة على حل المشكلات الاجتماعية على حساب عمل القطاع العام : مشكلة البطالة بحشر أعداد كبيرة من العاملين في مواقع لا حاجة إقتصادية لهم فيها، تقديم خدمات مجانية أو شبه مجانية، دعم المواد الاستهلاكية ببيعها باسعار ادارية دون تكلفتها الخ....) على حساب الجدوى الاقتصادية لمؤسسات القطاع العام الإقتصادي، فإن هذا القطاع لا يستطيع ، في وضع الإنتاج النفطي الحالي، ناهيك عن إنخفاضه بل نضوبه، النهوض بالإقتصاد الوطني وتحويله من اقتصاد راكد يسير باتجاه التدهور إلى اقتصاد حركي مولّد للنمو وصاعد في الإرتقاء.وللتدليل على ذلك يكفي أن نشير إلى أن كتلة الرواتب والأجور المدفوعة في مؤسسات الصناعة التحويلية في القطاع العام كانت في عام 1995 تبلغ ثلاثةأضعاف ونصف (348%)القيمة المضافة الإجمالية المتولدة في هذا القطاع. وبعد كل الحديث عن إصلاح القطاع العام الإقتصادي أصبحت هذه النسبة 264% في عام 2001 ، وللمقارنة فقط يجب التذكير بأن قيم هذا المؤشر كانت في القطاع الخاص 19.3 و17.5% في السنتين المذكورتين على التوالي.

هذا الواقع الموصوف في اقتصادنا الوطني يضعنا جميعاً أمام تحدي كبير من أجل العمل السريع لتلافي كارثة اقتصادية مؤكدةعند عجز الانتاج النفطي عن حمل عبء تطوير الاقتصاد الوطني. تشير دراسة سابقة أجريناها حول ميزان النفط في سورية إلى أنه، إذا لم تتحقق اكتشافات نفطية جديدة كبيرة، ستصل سورية في عام 2008 وفي أحسن التقديرات في عام 2009 إلى مرحلة التوازن النفطي. بمعنى أن مجمل إنتاج الشركة السورية من النفط إضافة إلى نصيبنا من النفط المنتج في الحقول المدارة من قبل شركات عقود الخدمة سيكون كافياً فقط لتلبية احتياجاتنا من استهلاك النفط داخلياً. وبكلام آخر ستكون قيمة الصادرات النفطية بكاملها مخصصة لتسديد نصيب الشركات الأجنبية من النفط المنتج ( لقاء النفط المخصص لاسترداد التكلفة إضافة إلى نصيبها من نفط الربح). وهذا يعني أنه بعد عام 2009 سنكون ملزمين بشراء نصيب ما تبقى من هذه الشركات على حساب صادراتنا غير النفطية. وفي عام 2012 سوف نستورد النفط من الخارج إضافة الى شراء حصة الشركات. إذا اضفنا إلى كل هذا أن موازنة الدولة تعتمد حالياً بنسبة 50% من ايراداتها على عائدات تصدير النفط، ومع هذا يبلغ العجز الفعلي للموازنة حوالي 20% يغطى بالمساعدات والقروض الأجنبية، أمكننا أن نتوقّع، دون الوقوع في الخطأ، عجز الحكومة، بالاعتماد على مواردنا الذاتية، عن الوفاء بتلبية الحاجات الأساسية من الخدمات الجماعية والاجتماعية. ولهذا يجب البحث ودون تأخير عن توفير حصيلة ضريبية وفيرة من المشروعات الخاصة المزدهرة ومن مؤسسات قطاع عام رابحة بالحد الأدنى.

إن تحركنا السريع يجب أن يكون على جبهتين معاً: معالجة أوضاع القطاع العام واصلاحها، ومساعدة القطاع الخاص على إعادة الهيكلة وتحفيزه على استثمار فوائضه في الاقتصاد الوطني من جهة، وإعادة أمواله المهاجرة من جهة ثانية. وعلى الخصوص تشجيع الاستثمار في الصناعة التحويلية. لقد كان نمو الناتج المحلي الاجمالي في الصناعة التحويلية (حسب تقديرات أولية) سالباً بنسبة (-67.4%) في عام 2004 بينما كان في عام 2003 بنسبة (2.9) تقريباً بالأسعار الثابتة وسالباً بمعدل (27.7) بالأسعار الجارية.

 

د. مطانيوس حبيب

 



(*) أستاذ الاقتصاد والتنمية في جامعة دمشق، باحث اقتصادي ووزير نفط سابق.

(*) القانون رقم 21 صدر في عام 1958 ويهدف إلى تشجيع إقامة المنشآت الصناعية لدعم التنمية الصناعية وتضمن منح هذه المنشآت المزايا التي كانت مقررة في القانون رقم 103.