جمعية العلوم الاقتصادية السورية

 

التجارة والاقتصاد في اتفاقية الشراكة السورية - الأوروبية

 

 

مقدمة:

 

في إطار مسعى الاتحاد الأوروبي لإقامة توازن لتوسعه باتجاه وسط وشرق أوروبا ، ونظراً لأهمية منطقة البحر المتوسط لأمنه وازدهاره ، قام الاتحاد الأوروبي في بداية عام 1995 بإعداد مشروع إطار تعاقدي جديد بينه وبين بقية الدول المتوسطية يحل محل اتفاقيات التعاون Agreements)ِCooperation ) التي كانت قائمة بين الاتحاد الأوروبي وكل من هذه الدول المتوسطية.ويدعى هذا الإطار التعاقدي الجديد بالشراكة الأوروبية – المتوسطية (Euro-Med Partenariat ).

 

ويختلف هذا الإطار التعاقدي الجديد عن اتفاقات التعاون من حيث أنه إطار متعدد الأطراف تشكل الاتفاقات الثنائية (Assosiation Agreements) التي تعقد في إطاره بين الاتحاد الأوروبي وكل من هذه الدول المتوسطية وكذلك بين الدول المتوسطية فيما بينها، أداة رئيسية لتنفيذه. إذ تقوم هذه الشراكة على أساس أن مواجهة التحديات المشتركة التي تواجه هذه الدول تتطلب طريقة للمعالجة تكون شمولية ومتناسقة وتأخذ بعين الاعتبار في ذات الوقت مميزات وخصوصيات كل من دول الشاطئ المقابل لأوروبا. وهكذا فإن عملية الشراكة الأوروبية – المتوسطية هي عملية معززة ومتممة للعلاقات الثنائية بين هذه الدول.

 

 

أولاً: أهم نصوص إتفاقية الشراكة السورية-الأوروبية ومضامينها:

 

وتنص المادة الأولى من اتفاقية الشراكة على إقامة شراكة بين سورية والمجموعة الأوروبية والدول الأعضاء فيها وهي شراكة تهدف إلى ما يلي:

 

-         توفير إطار ملائم للحوار السياسي بين الطرفين بما يمكن من تطوير علاقات سياسية وثيقة في كافة المجالات التي يراها الطرفان ذات أهمية لهذا الحوار.

 

-         وضع شروط التحرير التدريجي لتجارة السلع والخدمات ورأس المال.

 

-         تطوير التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمالي.

 

-         تشجيع التعاون الإقليمي ودون الإقليمي من خلال التكامل بين سورية وشركائها الإقليميين.

 

فيما يتعلق بالحوار السياسي، تنص المادة الرابعة من اتفاقية الشراكة على أن الحوار السياسي يغطي المواضيع ذات الاهتمام المشترك وخاصة السلام واحترام القانون الدولي والسلامة الإقليمية والاستقرار الإقليمي والأمن وحقوق الإنسان والديموقراطية والتنمية الإقليمية.

 

أما فيما يتعلق بصلب الاتفاقية وجوهرها فهو يتمثل بإقامة منطقة التجارة الحرة بين سورية و25 دولة أوروبية، ويتم ذلك وفق المبادئ الأساسية التالية:

 

-         يتم التحرير بصورة تدريجية خلال فترة انتقالية أقصاها 12 عاماً تبدأ من تاريخ سريان مفعول الاتفاق وبما يتوافق مع أحكام الغات .

 

-         يشمل التحرير إلغاء الرسوم الجمركية:

 

-         تعريف الرسم الجمركي: هو أي رسم أو عبء مفروض من أي نوع كان له علاقة باستيراد أو تصدير سلعة ، باستثناء:

 

-         الضرائب والرسوم الداخلية التي لاتميز بين المنتج الوطني والمستورد (VAT).

-         رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية.

-         الأجور أو الرسوم الأخرى المفروضة بما يتفق مع المادة الثامنة من الغات وأن يحدد مقدار هذه الرسوم والأجور بالتكلفة التقريبية للخدمة المقدمة.       ( تصديق الوثائق التجارية ).

 

-         لن يتم إحداث رسوم جمركية جديدة أو زيادة الرسوم الحالية بدءاً من تاريخ توقيع الاتفاقية

    ( السبب أن المفاوضات جرت على أساس التعرفة الحالية ).

 

-         إذا انضمت سورية إلى (WTO)تطبق الرسوم الأدنى.

 

القسم الأول: المنتجات الصناعية ( الفصول 25 – 97 من (H.S) باستثناء الملحق 2 ):

 

-         المنتجات السورية المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي تعفى من الرسوم الجمركية بدءاً من تاريخ نفاذ الاتفاقية.

-         المنتجات ذات منشأ المجموعة المصدرة إلى سورية تخضع إلى تفكيك جمركي خطي إلى الصفر وفق مايلي:

 

-        الرسوم الجمركية ذات المعدلات 1% و1.5% و 1.7% و3%  و3.5% وكذلك الرسوم المفروضة على منتجات تقانة الاتصالات والمعلوماتية وبعض المنتجات الكيماوية تلغى بدءأ من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ .

 

-        تفكك الرسوم الجمركية ذات المعدلين 5% و7% خلال ثلاث سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-       تفكك الرسوم الجمركية ذات المعدلات 10% و11.75% و 14.5% خلال ستة سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-       تفكك الرسوم الجمركية ذات المعدلين 20% و23.5% خلال تسع سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-       تفكك الرسوم الجمركية ذات المعدلات 29% و35 % و 47% خلال اثني عشر سنة من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-        الرسوم الجمركية ذات المعدلات التي تزيد عن 50% تخفض إلى 50% خلال ثلاث سنوات وتلغى نهائياً خلال الـ 9سنوات الباقية من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-       بالنسبة للسيارات ذات السعة أقل من 1600 س س تخفض رسومها بصورة متساوية من 145% إلى 65% خلال ثلاث سنوات وتلغى نهائياً خلال التسع سنوات الباقية من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-       بالنسبة للسيارات ذات السعة أكبر من 1600 س س تخفض رسومها بصورة متساوية من 255% إلى 150% خلال ثلاث سنوات وتلغى نهائياً خلال التسع سنوات الباقية من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

في حال تعرض منتج ما لصعوبات جدية ، فإنه يمكن للجنة الشراكة مراجعة الموضوع شريطة ألا يتم زيادة الفترة الانتقالية عن 12 سنة . وإذا لم تتوصل لجنة الشراكة إلى قرار خلال 30 يوم من تقديم الطلب، يمكن لسورية أن توقف التفكيك الجمركي لهذا المنتج لمدة لاتزيد عن سنة، كما أن هنالك شروطاً للإجراءات الاستثنائية التي يمكن لسورية اتخاذها في حالات الصناعات الناشئة والصناعات التي يعاد هيكلتها أو تلك التي تواجه صعوبات جدية. وهذه الشروط محددة في نص الاتفاقية ( المادة 15 ).

 

-         إلغاء القيود غير الجمركية: تحرير التجارة لايعني فقط تفكيك وإلغاء الرسوم الجمركية بل يشمل كذلك إلغاء القيود غير الجمركية من حصص وإجازات وغيرها من القيود بدءاً من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

 

-         الاتحادات الجمركية ومناطق التجارة الحرة والتجارة الحدودية: لاتشكل اتفاقية الشراكة عائقاً لإبقاء أو إقامة مثل هذه الترتيبات.

 

-         قواعد المنشأ:

 

-         علاقة سورية مع الدول الأخرى المرتبطة باتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي:

 

-         علاقة سورية مع الدول الأخرى المرتبطة باتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي: تنص المادة (35 ) على أن سورية تهدف إلى الدخول بمفاوضات مع هذه الدول لإقامة نظام تجاري معها مماثل للنظام المنصوص عنه في هذه الاتفاقية. ( دول ايفتا وكذلك الدول التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كبلغاريا ورومانيا ).

 

القسم الثاني: المنتجات الزراعية:

 

من المعلوم أن القطاع الزراعي في الدول الصناعية المتقدمة هو قطاع حساس للغاية وكان إلى فترة قريبة خارج قواعد النظام التجاري الدولي أو الغات.

 

لهذا فإن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تميز بين المنتجات الصناعية والمنتجات الزراعية، إذ لايوجد حالياً تحرير كامل للتجارة في المنتجات الزراعية. وتخضع هذه المنتجات في إطار الاتفاقية إلى نظام خاص. وقد أدت المفاوضات التي جرت مع الجانب الأوروبي إلى منح المنتجات الزراعية السورية معاملة تفضيلية مقارنة بالدول النامية الأخرى من خلال تخفيض الرسوم الجمركية المعتمدة في الاتحاد الأوروبي بصورة عامة وإعفاء العديد من المنتجات السورية من الضرائب عند تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي مثل القمح القاسي والقطن والبقوليات والنباتات الطبية والعطرية واليانسون والكمون وحبة البركة والبصل والمشمش في فترات محددة والجلود والأمعاء وجذور العرقسوس وإعفاءها من الرسوم الجمركية مع الإبقاء على مايسمى بأسعار الدخول حسب المواسم وحسب توفر هذه المنتجات في الاتحاد الأوروبي.

 

كما حصلت سورية على كميات هامة من الحصص لعدد أساسي من المنتجات الزراعية السورية لتصديرها إلى الاتحاد الأوروبي، ومن هذه الحصص: 45 ألف طن حمضيات و10 آلاف طن زيت زيتون و20 ألف طن تفاح و35 ألف طن بطاطا و15 ألف طن بندورة.

 

لايتوقع الخبراء الزراعيون في سورية أن تنافس المنتجات الزراعية الأوروبية المنتجات السورية نظراً لارتفاع الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الزراعية في سورية ولارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي في أوروبا مقارنة مع سورية. إلا أنه يتوجب على سورية أن تسرع في تأهيل منتجاتها الزراعية لزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية. وقد نصت الاتفاقية على قيام الجانب الأوروبي بمساعدة سورية على تطوير زراعتها وتأهيلها للمنافسة وتطوير البنية التحتية والأبحاث الزراعية وتنمية المجتمع الريفي بما يساعد الزراعة السورية في نهاية المطاف على التكيف مع متطلبات الشراكة، خاصة وأن الحصص الزراعية الممنوحة إلى سورية لا تعني بالضرورة سوى أنها فرص متاحة وينبغي على سورية والمنتجين الزراعيين فيها الاستفادة منها واستغلالها لتطوير صادراتهم.

 

حق إنشاء الأعمال وتقديم الخدمات: بخلاف الاستثناءات الملحقة بالاتفاقية، نصت الاتفاقية على:

 

-         أن تمنح سورية شركات المجموعة المنشأة على أراضيها المعاملة الوطنية ومعاملة الدولة الأكثر تفضيلاً.

 

-         أن تمنح الشركات التابعة لشركات المجموعة المنشأة على الأراضي السورية المعاملة الوطنية فيما يتعلق بعمليات هذه الشركات.

 

-         أن تمنح فروع شركات المجموعة المنشأة على الأراضي السورية معاملة الدولة الأكثر رعاية فيما يتعلق بعمليات هذه الشركات.

    وبالمقابل تمنح المجموعة الشركات السورية ذات المعاملة.

 

-         يحكم موضوع تحرير الخدمات قواعد الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات GATS.

 

-         يقوم مجلس الشراكة خلال خمس سنوات بدراسة تقصي إمكانيات تحرير أوسع للخدمات بين الطرفين.

 

المدفوعات وحركة رأس المال وقضايا اقتصادية أخرى :

 

المدفوعات وحركة رأس المال:

 

-         تنص الاتفاقية على تعهد الطرفين بالسماح لكل المدفوعات الخارجية من أجل العمليات التجارية الجارية أن تتم بعملة قابلة للتحويل بصورة حرة.

 

-         فيما يتعلق بالصفقات العائدة لحساب رأس المال في ميزان المدفوعات، تنص الاتفاقية على أن تضمن سورية بدءاً من تاريخ سريان مفعول هذا الاتفاق الانتقال الحر لرؤوس الأموال الخاصة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة في سورية وكذلك تصفية وتحويل عائدات هذه الاستثمارات والأرباح الناجمة عنها إلى الخارج بصورة حرة.

    كما تنص الاتفاقية على التشاور بين الطرفين بهدف تسهيل وزيادة تحرير وانتقال رؤوس

    الأموال بين سورية والمجموعة.

 

-          هناك إمكانية لاتخاذ إجراءات تقييدية فيما يتعلق بالمدفوعات الجارية حين تواجه سورية صعوبات جسيمة فيما يتعلق بميزان المدفوعات.

 

المنافسة:

 

أهم نصوص المواد المتعلقة بالمنافسة في الاتفاقية هي ما يلي:

 

-         أن الاتفاقيات بين المشاريع أو الممارسات المنسقة التي تؤثر على منع المنافسة أو تقييدها أو تشويهها تتعارض مع حسن سير الاتفاقية.

 

-         أن تقوم سورية تدريجياً بتكييف جميع احتكارات الدولة ذات الطابع التجاري بحيث تضمن أنه في نهاية السنة الخامسة من سريان مفعول الاتفاقية لن تكون هنالك أي تمييز فيما يخص ظروف الحصول على السلع وتسويقها بين مواطني سورية والدول الأعضاء.

-         فيما يتعلق بالمؤسسات العامة أو المؤسسات التي منحت حقوقاً خاصة أو حصرية، فإنه بدءاً من السنة الخامسة التي تلي سريان مفعول هذه الاتفاقية لن يتخذ أي إجراء يشوه التجارة بين سورية والمجموعة ولن يتم المحافظة عليه.

 

المشتريات الحكومية:

 

يهدف الطرفان إلى الفتح الفعال والمتبادل والتدريجي لأسواق المشتريات الحكومية . ويضمن كل طرف بأن تتم مشتريات هيئاته المبينة في ملحق الاتفاقية بشكل شفاف ومعقول وغير تمييزي . ويراجع الطرفان بشكل منتظم فعالية فتح أسواق المشتريات وخلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات يدخلان في مفاوضات تهدف إلى توسيع قائمة الهيئات المغطاة في الملحق.

 

تسوية المنازعات:

 

هنالك فصل خاص بتسوية المنازعات يتناول تشكيل هيئة التحكيم وتعيين المحكمين وقواعد الإجراءات وقرارات هيئة التحكيم وتنفيذها.

 

التعاون الاقتصادي:

 

ويتناول هذا التعاون مجالات كثيرةهي:

-         التعليم والتدريب .

-          التعاون العلمي والتكنولوجي.

-         البيئة .

-         التعاون الصناعي.

-         الاستثمارات وتشجيعها.

-         الأنظمة التقنية وتقييم المعايرة ومدى التطابق.

-          حقوق الملكية الفكرية والتجارية والصناعية .

-          الخدمات المالية.

-          الزراعة والثروة السمكية.

-          النقل.

-          مجتمع المعلوماتية والاتصالات.

-          الطاقة.

-          السياحة.

-          الجمارك.

-          التعاون في مجال الإحصاءات.

 

التعاون في المسائل الاجتماعية والثقافية:

التعاون في المجالات الأخرى ، ويشمل:

 

-         التعاون في مجالات العدالة والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة.

-         التعاون في مجال مكافحة غسيل الأموال .

-         التعاون في قضايا الجريمة المنظمة.

-         التعاون في مكافحة الإرهاب.

 

الأحكام المؤسساتية:

 

التطبيق المؤقت:

 

إلى حين يتم استكمال المصادقة على الاتفاقية من قبل الطرفين طبقاً لأنظمة كل منهما ودخولها حيز التنفيذ، فإن سورية والمجموعة تتفقان على تنفيذ بعض بنود الاتفاقية بدءاً من الشهر الثاني الذي يلي قيام سورية بإخطار المجموعة بأنها استكملت الإجراءات القانونية لديها للمصادقة على هذه البنود. وتتعلق هذه البنود أساساً على البنود المتعلقة بتحرير التجارة  في السلع والمدفوعات وانتقال رؤوس الأموال والمنافسة وحقوق الملكية الفكرية والمشتريات الحكومية والتعاون الصناعي والزراعي والخدمات المالية .

 

ثانياً: منعكسات الشراكة السورية الأوروبية على الاقتصاد السوري:

       

        تعنى اتفاقية الشراكة بالأساس بإقامة منطقة تجارة حرة بين سورية والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعني تحرير المبادلات التجارية مع هذه البلدان من كافة القيود والعوائق الجمركية و غير الجمركية خلال فترة انتقالية محددة.

 

ولفهم منعكسات تحرير التجارة الخارجية لابد من العودة إلى النظرية الاقتصادية ولاسيما نظرية التجارة الخارجية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية. فقد أسس آدم سميث لهذه النظرية حين أطلق مفهوم الميزة المطلقة التي تبنى عليها التجارة بين البلدان. فحينما يكون بلد ما أكثر كفاءة من بلد آخر في إنتاج سلعة ما فإن للبلد الأول مصلحة بالتخصص في إنتاج هذه السلعة وتصديرها إلى البلد الآخر.

ولقد أدى هذا المفهوم إلى مايعرف بالتخصص الدولي للعمل.

 

إلا أن دايفيد ريكاردو أثبت فيما بعد في عام( 1817) بأن التجارة بين البلدان تقوم على أساس الميزة النسبية وليست المطلقة.إذ أن أي بلد حتى ولو كان ماهراً بإنتاج كافة السلع ( أي كانت التكلفة المطلقة لإنتاج كل واحدة من هذه السلع لديه أقل من تكلفة إنتاجها في الخارج ) ، فإن لهذا البلد مصلحة بالتخصص في إنتاج السلعة التي يمكنه إنتاجها بطريقة أمهر من بقية السلع ( أي تلك التي تكون تكلفتها النسبية أقل مقارنة مع غيرها من السلع ) كما أثبت ريكاردو أن أياً من البلدان المشاركة في التجارة الدولية لن يخسر من هذه المشاركة ، وأن كافة هذه البلدان ستكون رابحة ( وإن كان بطريقة غير متساوية ) من جراء هذه المشاركة في التجارة الدولية . وقد أثبت الاقتصاديون فيما بعد أنه في ظل المنافسة والحرية الكاملتين فإن البلدان الصغيرة تربح في التبادل التجاري أكثر من البلدان الكبيرة. وبعد ريكلردو جاء ستيوارت ميل في عام 1848 بنظرية القيم الدولية التي تقول بأن الطلب المتبادل بين البلدين، كل منهما لسلع البلد الآخر، هو الذي يحدد حدود التبادل بينهما، أي مقدار مايربحه كل منهما من الاتجار مع الآخر.

وكانت مساهمة الاقتصاديين السويديين هيكتشر وأوهلن في الثلاثينيات من القرن العشرين هامة من أجل شرح أسباب اختلاف التكاليف النسبية بين البلدان. وتقول هذه النظرية بأن كل بلد ينزع إلى التخصص في إنتاج السلع التي يتطلب إنتاجها عناصر إنتاج تتوفر لديه نسبياً بصورة أكبر مقارنة مع غيره من البلدان، وإلى استيراد السلع التي تحتوي على عوامل الإنتاج غير المتوفرة لديه نسبياً.

 

إلا أن الأبحاث التجريبية التي أجراها الاقتصاديون في الثلث الأخير من القرن العشرين أعطت نتائج باهرة على صعيد توضيح العلاقة بين المبادلات الخارجية والتنمية الاقتصادية. فقد استخلص كل من  Muccielli و Sollogoub.  من أبحاثهما أن " التخصص الدولي لأي بلد ينجم عن عملية التنمية لديه وشروطها ومنحاها لأن عملية التمنية هذه تحدد بنية عناصر الإنتاج التي يملكها هذا البلد ودرجة التطور التقني التي وصل إليها، وبالتالي طبيعة الميزة النسبية التي يتمتع بها."

 

ويمكن لنا أن نستخلص من النتائج التي توصل إليها هذين الاقتصاديين مايلي:

 

1.     أن العلاقة التي تربط بين التجارة الخارجية والتنمية الاقتصادية هي علاقة جدلية (متبادلة)، فإذا كانت التجارة الدولية تؤثر في ملامح التنمية الاقتصادية لبلد ما فإن هذه الأخيرة تؤثر بدورها على الميزة النسبية التي يتمتع بها هذا البلد.

 

2.     هذا مايؤدي أيضاً إلى القول بأن الميزة النسبية التي يتمتع بها أي بلد تتطور باستمرار مع تطور تنميته. وهذا ماأكده التاريخ الاقتصادي للبلدان المتقدمة صناعياً، فالميزة النسبية التي كانت تتمتع بها هذه البلدان تغيرت وتبدلت مع الزمن منتقلة من المنتجات الغنية بعنصر العمل كالأنسجة وغيرها ، إلى المنتجات الغنية بعامل رأس المال كالآلات والمعدات وغيرها، ومن ثم إلى المنتجات التي تحتاج بصورة خاصة إلى جهود المهندسين الأكفاء والعلماء المهرة كالحواسيب المعقدة والبرامج المعلوماتية والأقمار الصناعية وتجهيزات الاتصالات الكونية وسفن الفضاء وغيرها.

 

3.     إن هذه النتيجة تعني أيضاً بأن باب التجارة الدولية والاستفادة منها مفتوح لكافة الدول مهما تأخرت في الانطلاق بتنميتها الاقتصادية. فبعد أن ظن الجميع أن منتدى الدول المتقدمة قد أقفل عليها بعد الحرب العالمية الثانية، جاءت المعجزة اليابانية لتبدأ بالصناعات الخفيفة وتتزاحم بها أسواق الدول المتقدمة التي أخذت تفتح لها المجال مكرهة في هذه الفروع من الصناعات لطالما كانت رخيصة ومصنوعة بكفاءة، إلى أن تطورت اليابان وتجاوزت معظم الدول المتقدمة. وقد أعاد التاريخ نفسه بعد ذلك مع بقية دول جنوب شرق آسيا مثل تايوان وكوريا وسنغافورة وهونغ كونغ وأخيراً الصين الشعبية . ولا شك في ان الباب سيظل مفتوحاً أمام اقتصاديات دول أخرى مثل الهند والمكسيك واندونيسيا وماليزيا والمغرب وغيرها وغيرها.

 

4.     يتضح مما سبق أيضاً أهمية موضوع اختيار الاستثمارات ودورها في عملية التنمية وفي عملية تطوير الميزة النسبية لأي بلد. فهذه البلدان التي استطاعت اللحاق خلال النصف الثاني من القرن العشرين بالبلدان المتقدمة صناعياً، اعتمدت على توجيه الاستثمارات نحو الصناعات التصديرية أي الصناعات التي تتمتع فيها بميزة نسبية مقارنة مع غيرها من الدول. وقد تم ذلك بصورة رشيدة وعقلانية عن طرق فسح المجال لقوى السوق لتنير بالإشارات التي تعطيها مختلف الفاعلين فيها. وبهذه الطريقة تم توزيع عوامل الإنتاج في هذه البلدان وفق الاستخدامات الأكثر كفاءة، أي وفق الندرة النسبية لهذه العوامل، وبما يحقق لهذه البلدان الاستفادة إلى أقصى الحدود من ميزاتها النسبية في السوق العالمية. كما يؤدي ترشيد الاستثمارات وتوجيهها نحو الصناعات التي يتمتع بها البلد المعني بامتيازات نسبية مقارنة مع شركائه التجاريين إلى توزيع عادل لثمار التنمية على مختلف فئات الشعب طالما أن عملية الترشيد هذه تعني استخدام التقنيات الخفيفة المولدة للعمالة في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية، والتقنيات ذات الكثافة الرأسمالية العالية في البلدان الغنية.

 

مما سبق عرضه، يمكننا استعراض أهم منعكسات اتفاقية الشراكة السورية – الأوروبية، وهي:

 

1-   زيادة المبادلات التجارية:

 

         إن إقامة منطقة التجارة الحرة بين سورية ودول الاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى تحرير المبادلات التجارية وإزالة العوائق الكمية والجمركية بين الجانبين بصورة كاملة خلال فترة تصل إلى 12 سنة. وسيؤدي ذلك حتماً إلى زيادة حجم هذه المبادلات التجارية بصورة كبيرة.

        وفيما يتعلق بتأثير ذلك الميزان التجاري السوري فإنه ينبغي التفريق بين المدى القصير والمدى الأبعد. فعلى المدى القصير، ستزداد المستوردات السورية من الدول الأوروبية بصورة أكبر بكثير من زيادة الصادرات السورية إلى هذه الدول. إذ أن هذه الصادرات تتمتع حالياً في إطار اتفاق التعاون الحالي بالأفضليات التجارية الأحادية الجانب الممنوحة من قبل الاتحاد الأوروبي دون أن تتمكن هذه الصادرات بالرغم من ذلك من الاستفادة بصورة جوهرية من هذه الأفضليات لدخول السوق الأوروبية.

 

        إلا أنه على المدى الأبعد ستؤدي إقامة منطقة التجارة الحرة إلى إعادة توجيه الاستثمارات في سورية نحو الصناعات التي تتمتع فيها سورية بميزات نسبية مقارنة مع شركائها الأوروبيين، وإلى جذب استثمارات أوروبية وعربية إلى سورية للاستفادة من هذه الميزات النسبية. وسيكون من نتيجة ذلك بصورة طبيعية زيادة الصادرات السورية إلى الأسواق الأوروبية بما يكفل تخفيف حدة العجز في الميزان التجاري السوري الناجم عن زيادة المستوردات السورية في أوروبا.

 

        ومن ناحية أخرى، سينجم عن إقامة منطقة تجارة حرة مع دول الاتحاد الأوروبي تأثير مباشر على التوزيع الجغرافي للمستوردات السورية لمصلحة المستوردات السورية من هذه الدول. إذ أن تحرير هذه المستوردات من العوائق الجمركية والغير الجمركية سيؤدي بصورة منطقية إلى تأمين معظم المستوردات الخارجية السورية من دول الاتحاد الأوروبي بدلاً من غيرها من دول العالم مالم تقم سورية بترشيد تعرفتها الجمركية باتجاه خفضها أو بتوقيع اتفاقات مماثلة لإقامة منطقة تجارة حرة مع دول وتجمعات اقتصادية أخرى كاليابان ودول جنوب شرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية وتركيا وإيران وغيرها.

 

2-   تسريع وتائر التنمية الاقتصادية والاجتماعية:

 

ستشتمل إجراءات إقامة منطقة التجارة الحرة المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي ، كما شاهدنا ، على تحرير المبادلات التجارية الخارجية ونصوص خاصة بإقامة الشركات وانتقال رؤوس الأموال وحماية الملكية الفكرية والصناعية والتجارية ، وكل ذلك في إطار برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي يعتمد أساساً على توفير المناخ الملائم لقوى السوق لتتفاعل بحرية تمكنها من تحديد أسعار عوامل الانتاج وفقاً لندرتها النسبية .وسيكون من شأن الإجراءات آنفة الذكر تسريع وتائر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية وفق مايلي:

 

-         إن تحرير المستوردات السورية من أوروبا سيؤدي إلى توسيع القاعدة الإنتاجية في سورية وتطويرها وتحديثها عن طريق توفير وسائل الإنتاج الضرورية بمايدفع الإنتاج الوطني إلى أعلى ويسرع من وتائر نموه.

 

-         إن تحرير المبادلات التجارية الخارجية السورية سيؤدي إلى ترشيد الاستثمارات وتوجيهها نحو الصناعات ذات الكثافة الرأسمالية المنخفضة وكثافة العمل المرتفعة ، الأمر الذي يعني تطوير الصناعات التي تتمتع فيها سورية بميزة نسبية في الأسواق الأوروبية وبالتالي زيادة الصادرات السورية إلى هذه الأسواق. كما يؤدي ترشيد الاستثمارات بهذه الطريقة إلى الاقتصاد في استخدام رأس المال وهو العنصر النادر في سورية وتوفيره لتشغيل اليد العاملة المتوفرة فيها بكثرة بما يؤدي إلى تخفيض كلفة رأس المال وتخفيف حدة البطالة المقنعة والظاهرة وبالتالي تحسين ظروف معيشة اليد العاملة في سورية.

 

-         إن تحرير المبادلات التجارية الخارجية وتحسين شروط الاستثمار في سورية سيؤديان إلى عودة رأس المال الوطني المهاجر وجذب رؤوس الأموال العربية والأوروبية للاستفادة من الميزات النسبية لعناصر الإنتاج في سورية والتي تمثل فرصاً ملائمة للاستثمار لرؤوس الأموال هذه.

 

-         إن تحرير المستوردات السورية من أوروبا من الرسوم الجمركية وبقية التقييدات الكمية سيؤدي إلى خفض أسعار هذه المستوردات وبالتالي خفض المستوى العام للأسعار في سورية.

 

-         إن التزام سورية بحماية الملكية الصناعية سيؤدي إلى تحسين شروط نقل التكنولوجيا إلى سورية نتيجة اطمئنان الشركات الأوروبية المتقدمة صناعيا ويؤدي بالتالي إلى خفض تكلفة المستوردات السورية من الآلات والتجهيزات وطرق الإنتاج المتقدمة.

 

-         سيخصص جزء هام من المساعدات المالية والفنية الأوروبية إلى سورية لتسهيل عملية الإصلاح الاقتصادي والانتقال إلى اقتصاد السوق، ودعم قطاع الأعمال وتحسين أداء الإدارات الحكومية والقطاع العام ورفع كفاءته. ولاشك في أن هذه العمليات ستنعكس إيجابياً على مجمل أداء الاقتصاد السوري وستساهم في تسريع وتائر نموه.

 

3-   زيادة المعونات المالية والعلمية والفنية:

 

من المنظور أن تكون حجم المعونات المالية والعلمية والفنية التي ستمنح من قبل الاتحاد الأوروبي إلى سورية في إطار اتفاق الشراكة أكبر من تلك التي استفادت منها سورية في إطار اتفاق التعاون. ويعود السبب في ذلك إلى رغبة الاتحاد الأوروبي في مساعدة سورية على مواجهة متطلبات إقامة منطقة التجارة الحرة والتكيف معها وتخفيف عبء الآثار الاجتماعية لهذه العملية.

 

4-   زيادة الاستثمارات الأجنبية:

 

تخضع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية إلى محددات كثيرة أهمها ندرة عنصر رأس المال وعجزه عن الوفاء بمتطلبات هذه العملية من معامل ومرافئ ومطارات ومدارس ومشاف ومختبرات ومساكن وغيرها.

 

وتزداد هذه الصعوبة حدة في سورية التي تشهد تزايداً سكانياً كبيراً يعجز معها رأس المال النادر فيها عن تشغيل فائض العمالة المتزايدة.

 

ويمكن لسورية مواجهة ذلك عن طريق الاقتراض الخارجي. إلا أن لذلك محدودياته وخطورته. إذ سيتطلب تراكم المديونية الخارجية مواجهة خدمة هذه الديون التي ستفرض أعباء ً إضافية على الاقتصاد السوري.

 

لهذا فإنه لايمكن مواجهة ندرة رأس المال في سورية إلا بجذب الاستثمار الأجنبي إليها للاستفادة من الفرص الاستثمارية الكبيرة المتاحة فيها.

 

وتتوضع هذه الفرص الاستثمارية في مجالات عديدة أهمها القطاع السياحي والصناعات الخفيفة كالنسيج والجلود والالكترونيات والصناعات الغذائية وغيرها والقطاع الزراعي ولاسيما الخضار والفواكه. وجميع هذه المجالات هي مجالات تتمتع فيها سورية بميزة نسبية مقارنة مع شركائها الأوروبيين. إذ أنها صناعات لاتحتاج إلى تكنولوجيا عالية أو رؤوس أموال ضخمة بل تعتمد على اليد العاملة الوفيرة والمواد الأولية والزراعية المحلية. ونتيجة لذلك، فإن منتجاتها ستكون قادرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية وغيرها من أسواق الدول المتقدمة صناعياً.

 

وسيؤدي جذب الاستثمارات الأوروبية إلى سورية إلى نقل التكنولوجيا وتوطينها فيها وتطبيق أساليب الإدارة الحديثة وفتح أسواق خارجية للمنتجات السورية في الأسواق الأوروبية وغيرها، وبما يؤدي في النهاية إلى زيادة الصادرات السورية المصنعة إلى دول القطع الحر. ويمكن تقدير أهمية هذه النتيجة إذا ماعلمنا بأن الصادرات السورية من النفط ومنتجاته التي تشكل حوالي ثلثي الصادرات السورية الإجمالية، هي صادرات مدعوة إلى التناقص في الأمد المنظور بسبب تزايد الاستهلاك المحلي من جهة، ولكونها تعتمد على ثروة طبيعية غير متجددة.

 

5-   المنعكسات على صعيد الصناعة الوطنية الناشئة:

 

لاشك في أن واحدة من أكبر الصعوبات التي ستواجه سورية في إطار اتفاقية الشراكة وماتتضمنه من إقامة منطقة للتجارة الحرة، هي الصعوبات التي ستواجه صناعتها الوطنية الناشئة.

 

وليس غريباً تبعاً لذلك أن اعتمد اتفاق الشراكة فترة زمنية طويلة لإقامة منطقة التجارة الحرة بحيث يمكن للصناعة السورية خلالها التأقلم والتكيف مع الواقع الجديد الذي ستمثله منافسة الصناعات الأوروبية المتقدمة لها في السوق السورية والأسواق الأوروبية.

 

ومن المعروف أن الصناعة السورية هي صناعة تتمتع بحماية عالية المستوى في مواجهة المنتجات الأجنبية. إلا أن هذا المستوى المرتفع للحماية لم يؤد ، رغم مرور عقود طويلة على تطبيقه، إلى تحسين قابلية الصناعة السورية للمنافسة لافي السوق السورية ولافي السوق الأجنبية. والدليل على ذلك، وكما شاهدنا، هو أنه رغم تمتع الصادرات السورية المصنعة بالأفضليات التجارية الهامة في السوق الأوروبية، المقدمة من قبل الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاق التعاون الحالي، فإن هذه الصادرات بقيت ضئيلة جداً وفق كافة المعايير.

 

والسبب في بقاء هذه الصادرات ضئيلة يعود، بصورة متناقضة، إلى ذات السياسة الحمائية الآنفة الذكر. فالاستثمارات تتوجه بطبيعة الحال إلى الصناعات المحمية لتنشأ وتترعرع في ظل الحماية. والصناعات المحمية هي في الأساس الصناعات المخصصة لتحل محل المستوردات أي للاستهلاك المحلي. وهكذا عوضاً عن أن تساعد الحماية الصناعات الناشئة على النهوض والمنافسة، فإنها تساعدها على التمتع بما يعرف في علم الاقتصاد بـ  rent –seeking situation وذلك على حساب المستهلكين.

 

والأصل هو أن الصناعة الناشئة، كما يدل اسمها، لاتظل ناشئة إلى ما لانهاية. واستمرار حمايتها إلى مالانهاية سيؤدي إلى استمرار حاجتها إلى الحماية إلى مالانهاية لاعتمادها عليها بصورة مطلقة. ولابد لأي صناعة تبغي البقاء والدوام من تعرضها باستمرار بعد فترة معقولة من الحماية الضرورية، إلى تحدي المنافسة الخارجية. وهذا ماجربته وخبرته كافة الدول المتقدمة صناعياً وتلك السائرة في مجال التصنيع.

 

ثم إن الاستثمارات في إطار تحرير التجارة الخارجية وإقامة منطقة التبادل التجاري الحر مع دول الاتحاد الأوروبي، ستتجه، كما شاهدنا، إلى الصناعات التي تتمتع فيها سورية بميزة نسبية مقارنة بشركائها الأوروبيين والتي تكون، بالتالي، قادرة على المنافسة في السوق المحلية والأسواق الأوروبية دون الحاجة إلى الحماية الدائمة.

 

ولاشك في ان التجربة الصعبة التي عاشتها الصناعة السورية بنجاح من خلال تطبيق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تعطينا صورة مسبقة عما ستواجهه الصناعة السورية في إطار اتفاقية الشراكة من مصاعب هائلة في مواجهة المنافسة الشرسة للمنتجات الأوروبية القادمة.

إلا أنها تعطينا الأمل كذلك بإمكانية تجاوز هذه المنافسة والتكيف مع الظروف الجديدة التي تخلقها شريطة توفير الشروط الملائمة لذلك. ولاننسى هنا قصة التوقعات المتشائمة التي قدمت عن مصير الصناعة في تونس لدى توقيعها اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إذ تنبأت هذه التوقعات بموت ثلث الشركات الصناعية التونسية وصراع الثلث الثاني من الشركات في سبيل البقاء في حال توفر المساعدات اللازمة لذلك ونجاح ثلث وحيد من الشركات الصناعية التونسية في مواجهة المنافسة الأوروبية. وقد ثبت الآن بعد مرور نحو عقد في الشراكة التونسية الأوروبية عدم صحة هذه التوقعات المتشائمة بفضل الجهود التونسية الكبيرة لقلب هذا التوقع.

 

6-   المنعكسات على صعيد المتحصلات الجمركية وغيرها من الضرائب:

 

سيؤدي تحرير المستوردات السورية من دول الاتحاد الأوروبي من الرسوم الجمركية وغيرها من القيود الكمية خلال مدة تمتد إلى نحو 12 سنة إلى نقص كبير في المتحصلات الجمركية السورية.

 

وقد يتوقع المرء لأول وهلة أن مقدار هذا النقص في المتحصلات الجمركية سيتناسب بصورة عامة وحجم المستوردات السورية من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أن مقدار هذا النقص سيفوق في الواقع هذه النسبة بكثير نتيجة تأمين المستوردات السورية الخارجية من هذه الدول بدلاً من بقية دول العالم بفضل تحرير المستوردات السورية من هذه الدول.

 

ومقابل الخسارة الكبيرة المتوقعة في المتحصلات الجمركية سيطرأ ارتفاع على الإيرادات والضرائب تبعاً لزيادة النشاط الاقتصادي في سورية نتيجة تحرير المبادلات التجارية وإقامة منطقة التبادل التجاري الحرة.

 

ثالثاً: متطلبات اتقافية الشراكة السورية –الأوربية:

 

إن متطلبات اتفاقية الشراكة كبيرة ومتنوعة وهي تشمل الجوانب المتعددة لهذه الاتفاقية: السياسية والتجارية والاجتماعية والثقافية والمؤسساتية الخاصة بالاتفاقية. وسنركز هنا على المتطلبات في الجوانب التجارية المتعلقة بتحرير المبادلات التجارية السلعية الخدمية وغيرها من المواضيع ذات الصلة كحق إنشاء الأعمال وحركة رؤوس الأعمال والمنافسة والمشتريات الحكومية وحقوق الملكية الفكرية وإجراءات الاستثمار.

ونستعرض فيما يلي أهم هذه المتطلبات:

 

1- إلغاء القيود الجمركية وغير الجمركية:

 

تتطلب اتفاقية الشراكة إلى جانب تفكيك الرسوم الجمركية خلال الفترة الانتقالية الممتدة حتى 12 سنة بدءاً من تاريخ سريان الاتفاقية  وفق المعدلات التي بينها أعلاه، تتطلب هذه الاتفاقية إلغاء كافة القيود غير الجمركية بدءاً من اليوم الأول لدخول هذه الاتفاقية حيّز التنفيذ. وتشمل هذه القيود ما يلي:

 

-       إلغاء المنع والحصر والتقييد على الاستيراد أو التصدير.

-       إلغاء أجازات الاستيراد أو التصدير أو أية إجراءات أخرى مماثلة.

-       إلغاء العمولات التي تتقاضاها الجهات والمؤسسات العامة على الاستيراد أو التصدير.

-       إلغاء الرسوم الداخلية ذات الأثر المماثل للرسوم الجمركية كالضميمة ورسم التصديق الجمركي باستثناء الرسوم المقطوعة التي تحصل مقابل خدمة معينة وبما يتناسب مع الخدمة المقدمة.

-       إلغاء شرط استجرار كميات معينة من الإنتاج المحلي عند الاستيراد.

-       إلغاء موافقات الجهات العامة المسبقة على الاستيراد والتصدير باستثناء الموافقات المتعلقة بالشروط الفنية والصحية  والبيئية.

-       إلغاء الحصص في حال وجودها على الاستيراد والتصدير.

 

2- مراجعة العديد من القوانين والأنظمة السورية بهدف تكييفها بما يتلاءم مع أحكام اتفاقية الشراكة: ولاسيما فيما يتعلق بحق إنشاء الأعمال وتقديم الخدمات كالقانون رقم 151 حول الوكالات والشركات الأجنبية وقانون التجارة وقانون الشركات التجارية وقانون المناقصات العامة.

 

3- إصدار قوانين جديدة كقانون مكافحة الإغراق والدعم وقانون المنافسة

 

4- تحرير المدفوعات الجارية: وهو ما يتطلب تمكين المصرف التجاري السوري والمصارف الخاصة من تمويل التجارة الخارجية للقطاعين العام والخاص والسماح بإعادة تمويل رؤوس الأموال المستثمرة في سورية إلى الخارج وكذلك حرية تحويل عوائد الاستثمار الأجنبي من سورية إلى الخارج.

 

5- مراجعة قانون تشجيع الاستثمار

    وتتطلب هذه الإجراءات كافة توحيد أسعار الصرف في سورية وتعويمها ليتحدد سعرها وفق العرض والطلب وإعادة النظر في تعهد إعادة القطع الأجنبي.

 

6- استكمال الانضمام إلى معاهدات حماية الملكية الفكرية الدولية الواردة في الاتفاقية.

 

7- وضع سياسة جديدة لاستيراد السيارات:

ويلاحظ مما ورد أعلاه بأن متطلبات اتفاقية الشراكة السورية الأوربية تندرج في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي في سورية ولا تتعارض معه. وكما نعلم جميعاً فإن الإصلاح الاقتصادي هو قرار وطني ذاتي سابق لاتفاقية الشراكة. كما أن متطلبات الشراكة على النحو الذي بيناه أعلاه ليست في معظمها شروطاً أو التزامات قانونية نجمت مباشرة عن الاتفاقية، وإنما هي شروط واجبة من أجل الاستفادة الكاملة في هذه الاتفاقية. فقد يتعرض الاقتصاد السوري كما بينا ولاسيما في المرحلة الأولى لتطبيق هذه الاتفاقية إلى منعكسات سلبية في بعض قطاعاته كانخفاض الفائض فئ الميزان التجاري أو حتى تحوله إلى عجز نتيجة تحرير التجارة الخارجية. ولا يعوض ذلك في رأينا سوى الاستثمارات الأوربية التي يرجح أنها ستفد إلى سورية للاستفادة من المزايا النسبية والفرص العديدة التي يوفرها لها الاقتصاد والسوري. إلا أن ذلك يتطلب كما هو بديهي تحسين المناخ الاستثماري في سورية وهو شرط لم ينص عليه في الاتفاقية ولكنه واجب التحقيق لتمكين سورية من الاستفادة من هذه الاتفاقية على نحو مرض.