ثلاثية
نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي في
مواجهة العولمة ومتطلبات
الاقتصاد السوري
الدكتور نبيل
سكّر*
مقدمة
تتضمن محاضرتي ستة عناوين رئيسية هي:
1- النظام الاقتصادي العالمي الجديد
2- موقع الدول النامية من النظام
الاقتصادي العالمي الجديد
3- موقع سورية من الاقتصاد الجديد
وخطوات التأقلم
- النمو الاقتصادي
- إجراءات الإصلاح الاقتصادي ومعوقاته
4- الركائز الثلاثة للإصلاح
والتنمية
- نظام السوق
- العدالة الاجتماعية
- الارتقاء التكنولوجي
5
- التكامل الاقتصادي
العربي
6
- على مفترق الطرق
1)
النظام الاقتصادي
العالمي الجديد
منذ بداية الثمانينات، بدأت ترتفع في العالم دعوة جديدة إلى التحرر من القيود
الاقتصادية، والاتجاه نحو نظام السوق وإلى دور أكبر للقطاع الخاص، استناداً إلى
تجربة دول شرقي آسيا من جهة، وكوسيلة من جهة أخرى، للتخلص من المديونية الخارجية
التي تحملتها العديد من
الدول النامية في السبعينات بسبب ارتفاع أسعار النفط. وقد قاد هذا
التوجه البنك وصندوق النقد الدوليين اللذان جاءا بفكرة برامج التكييف الهيكلي
في الدول النامية، التي تتضمن إجراء تعديلات هيكلية في السياسات والبنيات الإنتاجية
بهدف تحسين استخدام الموارد وزيادة الإنتاج والتصدير، حتى تستطيع هذه الدول تسديد
ديونها الخارجية. وقد تجاوبت مع هذا التوجه الاقتصادي الجديد دولاً مثل
الصين ثم الاتحاد السوفياتي بعد مجيء غورباتشوف إلى الحكم، مما أعطى هذا التوجه
مزيداً من المصداقية. وحين انهار الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية وانهارت
معها المنظومة الشمولية. وتعزز هذا التوجه الاقتصادي الجديد بشكل أكبر
مع ظهور ثورة الاتصالات والمعلومات مما ساعد على تعاظم نمو التجارة الدولية وتدفق
الاستثمارات الخاصة بين الدول إلى أن تم نجاح الجولة الأخيرة (جولة الأرغواي)
من جولات المفاوضات لإقامة نظام دولي للتجارة، فأقيمت منظمة التجارة العالمية
في مدينة جنيف في العام 1995 لتحل محل اتفاقية الغات (1947)، وأصبحنا نعيش نتائج
هذه التطورات كافة في عالم اقتصادي جديد يشار إليه بالعولمة.
تلقي ظاهرة العولمة بظلالها على العالم كله وهي تتصف كما ذكرنا بالتعاظم الهائل
في التجارة العالمية وفي تدفق رؤوس الأموال الخاصة بين الدول، كما تتصف بالثورة
في عالم الاتصالات والمعلومات، التي أدت بدورها إلى تدفق غير مسبوق في المعلومات
بين الأفراد والمؤسسات وعبر القارات، وقد أصبحت التجارة الخارجية وتدفق رؤوس
الأموال الأجنبية واستخدام المعرفة عناصر هامة ومحركات أساسية في عملية النمو
في الدول التي تشارك في هذا الاقتصاد العالمي الجديد، وفتح هذا التدفق الكبير
في السلع ورؤوس الأموال والمعرفة أسواقاً وآفاقاً جديدة لمن أراد واستطاع، بنفس
الوقت الذي خلق فيه مناخاً تنافسياً عالمياً شديداً.
وقد تساقط بسبب هذا الانفتاح التجاري والاستثماري الجديد مفهوم "التنمية
المستقلة"، المبنية على سياسة إحلال الواردات والاعتماد على الذات في الدول
النامية، وأصبحت القوة الاقتصادية الذاتية للدولة تعتمد على مدى استخدامها لمواردها
الطبيعية والبشرية ورؤوس أموالها من جهة وعلى قدرتها على التصدير واستخدام تكنولوجيا
المعلومات والاتصالات من جهة أخرى، وبالتالي على قدرتها على المنافسة في الأسواق
العالمية.
2)
موقع الدول النامية من النظام الاقتصادي العالمي الجديد
لاشك أن المنافع من العولمة ليست متساوية وتستفيد منها الدول الصناعية أكثر من
الدول النامية، وتستفيد الدول النامية المنفتحة اقتصادياً أكثر من الدول النامية
المنغلقة اقتصادياً. ولكن بالمجمل فان العولمة تحمل للدول النامية فرصاً من جهة،
وتحديات وتهديدات من جهة أخرى، فهي تفتح لها منفذاً لمنتجاتها في الأسواق العالمية
وفرصاً للترابط الإنتاجي مع الصناعات في الدول المتقدمة، وتوفر لها مصادر استثمارية
خاصة ترفد مدخراتها المحلية، وتوفر لها بنفس الوقـت، من خلال دخولها عالم المعرفة
واستخداماتها أدواته الحديثة، فرصة تاريخية لتحقيق قفزات تنموية كبيرة إلى الأمام
تمكنها من الاندماج في الاقتصاد العالمي.
ولكن من جهة أخرى، فان الانفتاح التجاري والاستثماري العالمي الكبير المترافق
مع ثورة الاتصالات والمعلومات في الدول الصناعية يحمل معه خطراً للدول النامية
من خلال تعزيز قدرات الدول الصناعية على زيادة الإنتاجية وتخفيض الكلفة، وتهديدها
بنفس الوقت الصناعات المحلية التقليدية في الدول النامية، مما يعمل على توسيع
الفجوة التنموية بين الطرفين، وهي الفجوة التي بدأت منذ قيام الثورة الصناعية،
والمرشحة الآن للاتساع على يد الدول الصناعية نفسها من خلال العولمة وثورة الاتصالات
والمعلومات.
وعلى الرغم من تهديدات النظام الاقتصادي الجديد فان الانخراط في هذا النظام لا
بد منه، على أن يسبق ذلك تكثيف الجهود لرفع القدرات المحلية وتعزيز القدرة على
المنافسة والسعي للاستفادة من الفرص الجديدة التي يوفرها، وتخفيف السلبيات التي
يحملها. لكن عملية التكيف ليست سهلة وهي تحمل معها كلفة على المدى القصير
والمتوسط للدول التي تجد نفسها مضطرة لإجراء تعديلات هيكلية عميقة في اقتصادياتها
(خاصة تلك التي لازالت تعتمد أنظمة اقتصادية مغلقة) إلى أن تبدأ هذه الدول جني
ثمار الاندماج في الاقتصاد العالمي. وفي جميع الأحوال ينبغي على الدول
النامية التنسيق فيما بينها والعمل مع الدول الصناعية في إعادة هيكلة الاقتصاد
العالمي الجديد.
3)
موقع سورية من الاقتصاد الجديد وخطوات التأقلم
النمو الاقتصادي
حقق الاقتصادي السوري خلال فترة السبعينيات معدلات نمو عالية في حدود 7–10 %
بالسنة قادها القطاع العام من خلال استثمارات ضخمة مدعومة بمساعدات مالية سخية
من دول الخليج العربي وبعضها من دول المعسكر الشرقي. وقد اعتمدت الحكومة
في هذه الاستثمارات على سياسة إحلال الواردات دون تشجيع التصدير، وترافق مطلب
هذه السياسات مع سياسة تثبيت الأسعار وتنظيم برامج لزيادة التوظيف، وتوفير
التعليم المجاني والخدمات الصحية والدعم الاستهلاكي والإنتاجي.
لكنه مع أوائل الثمانينيات بدأت المساعدات الخارجية بالانحسار،. مزيحة الستار
عن اختلالات في الإطار الكلي للاقتصاد وجمودات في البنية الإنتاجية له، كانت
قد غطتها هذه المساعدات. فوقع الاقتصاد السوري في أزمة شديدة في منتصف
الثمانينيات تمثلت في نقص واختناقات في العرض السلعي، وفي تضخم مفرط. ولم
تخرج سورية من هذه الأزمة إلا بفضل مجموعة متفرقة من الإصلاحات الاقتصادية التي
أطلقتها الأزمة، وبفضل تدفق أموال النفط الجديد الذي كان قد اكتشف في العام 1984
.
فعاد الاقتصاد للنمو في النصف الأول من التسعينيات بفضل كل من الاستثمار
العام والخاص. ولكنه لم يمر وقت طويل حتى برزت الاختلالات الهيكلية والجمودات
البنيوية في الاقتصاد مرة ثانية، بسبب عدم تعرض الإصلاح للمشاكل الحقيقية للاقتصاد
السوري وعاد الاقتصاد السوري، ومنذ منتصف التسعينات ليحقق معدلات نمو متواضعة
لا تتجاوز 3% بالسنة نتيجة تدهور ملحوظ في معدلات الاستثمار منذ النصف الثاني
من التسعينات حيث انحدر الاستثمار من نسبة 27
% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في العام 1995
إلى نسبة 18% في العام 2001، وانحدرت حصة مساهمة القطاع الخاص في مجمل الاستثمارات
من 56
% في العام 1995
إلى نسبة 32
% في عام 1200
، (انظر الجدول).
توزع معدلات الاستثمار بين
القطاعين العام والخاص 1995 – 2001
(مليون ليرة سورية وبالأسعار الجارية)
|
2001 |
2000 |
1999 |
1998 |
1997 |
1996 |
1995 |
|
|
117137 |
99331 |
91484 |
95034 |
95034 |
77437 |
68084 |
القطاع العام |
|
68% |
64% |
60% |
58% |
58% |
47% |
44% |
النسبة المئوية |
|
56304 |
56761 |
62222 |
67412 |
65356 |
85639 |
87420 |
القطاع الخاص |
|
32% |
36% |
40% |
42% |
42% |
53% |
56% |
النسبة المئوية |
|
173441 |
156092 |
153706 |
162446 |
155464 |
163076 |
155504 |
المجموع |
|
947808 |
903944 |
819092 |
790444 |
745569 |
690857 |
570975 |
الناتج المحلي لإجمالي |
|
18% |
17% |
19% |
21% |
21% |
24% |
27% |
نسبة الاستثمارإلىالناتج المحلي |
المصدر
: المكتب المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية لعام 2002
وقد جاء هذا التباطؤ في النمو على الرغم من المواسم الزراعية الجيدة نسبياً وأسعار
النفط العالية وفتح أسواق العراق، والإطار الاقتصادي الكلي السليم مما يدل على
وجود معوقات هيكلية ومؤسساتية في الاقتصاد الوطني لم يعالجها الإصلاح الاقتصادي
الذي تم حتى الآن وتؤدي بالتالي إلى تدني كل معدلات الاستثمار وإنتاجية الاستثمار،
وتبقي على معدلات النمو المتواضعة هذه.
إجراءات الإصلاح الاقتصادي ومعوقاته
بدأت عملية الإصلاح الاقتصادي في سورية في منتصف الثمانينات وقد أطلقته أزمة
القطع الأجنبي التي برزت آنذاك، والتي تمخضت عنها اختناقات سلعية حادة في السوق.
فبادرت الحكومة، استجابة لهذا الوضع، إلى اعتماد سلسلة من التدابير الآنية والجزئية
على امتداد السنوات الست التالية، تمحورت حول زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد
الوطني (خاصة في الصناعة وفي التجارة الخارجية)، وتخفيف القيود على الأسعار كما
على الاستيراد والتصدير، وعلى زيادة التأكيد على التصدير في استراتيجية التنمية.
وقد تم تتويج هذه الإجراءات بإصدار القانون رقم 10
في أيار من عام 1991
، الذي أعطى المستثمرين
المحليين والأجانب إعفاءات ضريبية وإعفاءات من قرارات المنع والحصر المفروضة
على الاستيراد، وإعطائهم الحق بالحفاظ على 75% من القطع الأجنبي الناتج عن تصديرهم،
لاستخدامه في مشروعهم (بدلاً من بيعه للسلطات النقدية بموجب أنظمة القطع النافذة).
وقد أدت إجراءات الإصلاح هذه، مدعومة بفيض من واردات النفط الجديد الذي تم اكتشافه
في وسط سورية، إلى زيادة تدفقات القطع الأجنبي، وإلى تحريك النشاط في الاقتصاد
الوطني، مما أخرج الاقتصاد من أزمة الاختناقات السلعية. غير أن الأموال النفطية
الجديدة جلبت معها نوعاً من الشعور بالأمان الوهمي، مما أفضى إلى تعليق شبه كامل
لعملية الإصلاح الاقتصادي بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10
، بدلاً من إتباع هذا القانون الجديد بإجراءات لتحسين مناخ الاستثمار
ومعالجة المعوقات الهيكلية في الاقتصاد الوطني. فأدى هذا التعليق لعملية الإصلاح
إلى تراجع عملية النمو من جديد منذ منتصف التسعينات.
وقد اتخذت الحكومة منذ العام 2000 مجموعة أخرى من الإصلاحات ركزت على إجراءات
تحسين أنظمة التجارة والقطع وإجراءات للتطوير في القطاع المصرفي (وأهمها السماح
بإقامة المصارف الخاصة) وأخرى في مجال تعديل قانون الاستثمار رقم 10 وفي إصلاح
التعليم الأساسي والتعليم العالي وإدخال تقنيات المعلومات إلى مجالات الأعمال
كما وإلى مختلف فئات المجتمع. وتلازمت هذه الإصلاحات، مع إجراءات تم اتخاذها
على طريق تحرير التجارة مع الدول العربية، ضمن اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى، وضمن اتفاقيات تجارية ثنائية عربية-عربية، كانت أوثقها وأعمقها الاتفاقيات
التي تمت مع لبنان ثم الاتفاقيات مع العراق.
والحقيقة أن الإصلاحات التي تمت خلال الخمسة عشر سنة الماضية هي إصلاحات في الطريق
الصحيح، لكن هذه الإصلاحات لم تنفذ إلى عمق المشاكل الحقيقية التي يعاني منها
الاقتصاد الوطني وأهمها ضعف البيئة التشريعية والتنظيمية التي تحكم القطاع الإنتاجي،
والجمود في الهياكل والمؤسسات الإنتاجية في القطاع العام، وضعف وتفتت القطاع
الخاص، والحماية الجمركية العالية للصناعة الوطنية (التي تقلل الكفاءة وتخفض
الجودة وترفع كلفة المواد المستوردة)، وتدني المهارات والقدرات التكنولوجية المحلية،
وضعف موارد القطع الأجنبي خارج قطاع النفط، (والمهددة بالتآكل بعد فترة من الزمن)،
كما لم تنفذ إلى عمق التحديات الخارجية التي تواجهه، وهي تحديات العولمة والشراكات
الاقتصادية العربية والأوروبية، ولم تقنع المستثمر المحلي والأجنبي بما فيه الكفاية
ليزيد من استثماره في سورية، وبالتالي فهي لم تترك أثراً بالغاً على الاقتصاد
الوطني. لذلك استمر النمو بمعدلاته المتدنية وهيمن الركود على الاقتصاد، وخاصة
في السنوات السبع الأخيرة، على الرغم من الاحتياطي الكبير للقطع الأجنبي المتوفر
لدى الدولة وعلى الرغم من الودائع الكبيرة المكدسة لدعم المصارف.
ويعيق الإصلاح أسباباً عديدة أهمها:
1) غياب الفكر الاقتصادي الواضح ومعه البرنامج الإصلاحي الشامل (حيث لم يجر
أي تعديل في الفكر الاقتصادي الرسمي، ولم يوضع أي برنامج شامل معتمد للإصلاح
منذ بدأ الإصلاح وذلك بسبب عدم توفرالإجماع لدى الحزب والحكومة حول طبيعة وعمق
التحول المطلوب باتجاه نظام السوق وحول دور القطاع الخاص في الاقتصاد الجديد)
2) المركزية الشديدة وتداخل الصلاحيات في أجهزة الحكومة كما بين الحزب والحكومة
3) ضعف المعرفة بأدوات السوق
4) والمصالح الخاصة المكتسبة.
ولكن هناك أسباباً موضوعية تعيق الإصلاح كذلك وأهمها الخشية مما قد تجره المنافسة
العالمية من أثر سلبي على الصناعة المحلية ومن تبعات اجتماعية كتزايد البطالة
وارتفاع الأسعار والخشية من تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد الوطني ومن ظهور
قوى سياسية جديدة نتيجة للإصلاح الاقتصادي.
وبسبب المعوقات أعلاه جاء الإصلاح الاقتصادي حتى الآن معدوم الهوية، حائراً بين
نظام السوق ونظام الأوامر الإدارية، وجاء كذلك بطيئاً ومتردداً، وتاركاً ثغرات
يستفيد منها الأقوياء وأصحاب النفوذ، ولم ينجح بإصلاح القطاع العام كما لم ينجح
بإقناع القطاع الخاص بمدى جديّة الحكومة والحزب بإعطائه دوراً رائداً في الاقتصاد
الوطني. لذلك أحجم القطاع الخاص عن الاستثمار بعد حماسه الأول، وازداد شلل القطاع
العام بعد تعرضه لمنافسة القطاع الخاص. وبالنهاية لم تستطع الإجراءات أن
تحفز الإنتاج والاستثمار بشكل كافٍ، على الرغم من توفر الموارد النفطية الكبيرة
القادرة على تحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد الوطني، ولازال الاقتصاد السوري غير
قادر على المنافسة في اقتصاد مفتوح، و لا زال يعاني من نزيفين رئيسيين، نزيف
مالي على يد القطاع العام الاقتصادي
وما يشكله هذا النزيف من عبء على موارد الدولة
وبالتالي على قدرتها على تقديم خدماتها الاجتماعية المطلوبة، ونزيف بشري يتمثل
في هجرة الشباب إلى خارج الوطن، بسبب تدني فرص العمل والإبداع وتحقيق الذات،
مما يفرغ البلد من قياداته الشابة الرائدة.
وحين تم وضع مسودة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في منتصف العام 2002 افتقرت هذه
المسودة إلى تحديد الخلل في الاقتصاد الوطني المزمع إصلاحه، و افتقرت إلى وضوح
الفكر الاقتصادي الذي سيقف وراء الإصلاح، فجاء برنامج الإصلاح من دون هوية ومن
دون توجه واضح، وجاء من دون تتابع زمني للإجراءات الواردة فيه. مما استدعى التعديل،
وهو لازال في غرفة التعديل. وحين تم وضع الخطة الخمسية التاسعة للتنمية (2001
– 2005) منحت هذه الخطة 69% من استثماراتها للقطاع العام و31% فقط للقطاع الخاص،
مما زاد من شكوك الأخير لحجم الدور الحقيقي المرغوب إعطاءه له، على الرغم من
التصريحات الكثيرة حول تشجيع القطاع الخاص. كذلك فقد بنيت الخطة (كما جاء
فيها) على أساس برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته ثلاث سنوات (2001 – 2003)، وها
قد مرت سنوات الخطة الثلاث الأولى من دون برنامج للإصلاح.
وبالمحصلة، فقد حققت سورية خطوات جيدة في مجال التثبيت الاقتصادي خلال السنوات
العشر الماضية (من خلال السياسة المالية الانكماشية التي اعتمدت حتى العام 2000)،
ولكنها تتلكأ في خطوات الإصلاح الهيكلي ومنه، الإصلاح الضريبي، والتحرير
التجاري (خارج نطاق اتفاقيات التجارة العربية الثنائية ومتعددة الأطراف)، وتحرير
أسعار الفائدة كما لم تحقق تقدماً وتتلكأ في الإصلاح المؤسساتي الذي يتضمن إرساء
البيئة التشريعية الداعمة لعمل القطاع الخاص، والإصلاح الإداري والقضائي ومكافحة
الفساد، وتعزيز الشفافية في الإنفاق العام وفي الإدارة الحكومية. والواقع أن
سورية هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تخوض عملية إصلاح هيكلية ومؤسساتية
عميقة باتجاه تحرير اقتصادها وإرساء قواعد نظام السوق بمنهجية واضحة.
وقد أصبح من الضروري لسورية أن تحسم خياراتها بخصوص نظام السوق ودور كل من القطاع
العام والخاص، وأن تقرر استيعاب ومواكبة المتغيرات في الاقتصاد العالمي، وإجراء
التغييرات الجذرية اللازمة في اقتصادها للدخول في الاقتصاد العالمي والاستجابة
لمتطلبات التنمية في اقتصادها الوطني. ولا تستطيع سورية أن تستمر في تحمل
تبعات معدلات النمو الاقتصادي الضعيف (الذي لا يزيد عن 3% بالسنة) مع تزايد البطالة
وهجرة الشباب من الوطن، في حين يحتاج الاقتصاد الوطني تحقيق معدلات نمو في حدود
7 و 8 % بالسنة ليستوعب البطالة القائمة (المقدرة بحوالي 20%) والعمالة الوافدة
إلى سوق العمل والمقدرة بحوالي 000ر300 عامل في السنة. والمطلوب حسم الخيارات
للخروج من المأزق القائم حالياً، والاستعداد لتحمل تبعات الإصلاح الذي كلما تأخرنا
به كلما زادت كلفته. لقد دعمتنا المساعدات الخارجية في السابق وجاءت أموال
النفط بعد ذلك لتحل محل المساعدات الخارجية ثم جاء فتح أسواق العراق ليعطينا
نافذة أخرى من الفرج وساعدتنا المواسم الزراعية الجيدة من حين لحين، لكننا لا
نستطيع الاستمرار بالاعتماد على عناصر النمو هذه المتغيرة وغير المستقرة،
وحان الوقت لمعالجة مشاكلنا الاقتصادية الحقيقية بجرأة وشجاعة، وإرساء قواعد
النمو المستدام، المعتمد على التطور التكنولوجي وعلى الزيادات الإنتاجية في القطاعات
الاقتصادية الرئيسية.
إن جوهر الإصلاح الاقتصادي المطلوب في اعتقادي هو الانتقال الواضح والصريح إلى
نظام السوق في توزيع الموارد وإلى إعطاء القطاع الخاص الأولوية في العملية الإنتاجية،
مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية وعلى دور الدولة في التخطيط وفي التنمية الاجتماعية
والبشرية. لكن الإصلاح الاقتصادي باتجاه نظام السوق لم يعد يكفي وحده لتعزيز
قدرتنا التنافسية والدخول في الاقتصاد العالمي ولا بد من أن يترافق هذا الإصلاح
مع برامج التنمية الشاملة والتنمية الاجتماعية والتكنولوجية، وفي اعتقادي أن
هناك ثلاثة ركائز أساسية على سورية اعتمادها في إعداد برامج الإصلاح والتنمية
المطلوبين وفي السعي للدخول في النظام الاقتصادي العالمي وهي نظام السوق والعدالة
الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي. يضاف إليها التكتل الاقتصادي العربي.
وهذه الركائز تبدت في مقالات سابقة تم نشرها شهري حزيران وتموز من هذا العام.
و وددت في هذه المحاضرة التأكيد عليها. فما هو جوهر هذه الركائز الثلاثة
ومعها التكتل الاقتصادي العربي.
4-
الركائز الثلاثة للإصلاح والتنمية
نظام السوق
حين نتكلم عن نظام السوق فنحن نتكلم عن توزيع الموارد في الاقتصاد الوطني من
خلال السعر الذي تفرضه قوى العرض والطلب، وهو النقيض لنظام الأوامر الإدارية
في توزيع الموارد الذي يعتمد على العنصر البشري والسعر المحدد إدارياً.
لكن نظام السوق بالمطلق غير موجود في العالم، حيث يمكن أن تتدخل الدولة في السوق
للتأثير على السعر لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ويمكن أن تتولى الدولة إقامة
برامج وأنظمة للرعاية الاجتماعية والصحية، وهو ما يتم في جميع الدول المعتنقة
لنظام السوق اليوم، بما فيه الدول التي تشكل معاقل نظم السوق في العالم، ومنها
الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان. ومثلما لم يعد هناك
نظام سوق بالمطلق، فانه لا يوجد نظام الأوامر الإدارية بالمطلق حيث قد توجد في
نظام للأوامر الإدارية أو التخطيط المركزي أسعاراً محددة إدارياً وقد توجد أسعاراً
تحددها قوى السوق.
ويجب التمييز بين موضوع "توزيع الموارد" (عن طريق السوق أو عن طريق
الأوامر الإدارية) عن موضوع "الملكية". فمن الممكن أن يكون هناك نظام
سوق في ظل ملكية عامة أو مشتركة أو خاصة، وإن كان السائد هو ترافق نظام السوق
مع الملكية الخاصة. وقد أعلنت الصين مثلاً اعتمادها "نظام السوق الاشتراكي"
في العام 1987، بمعنى أنها قررت السير باتجاه تحرير الأسعار (تدريجياً) واعتماد
السعر المقرر في السوق (market price)
في توزيع الموارد كأساس، في ظل حفاظها على الملكية العامة ولو أنها تقوم بنفس
الوقت بتوسيع الملكيات الخاصة في اقتصادها الوطني.
وتختلف طبيعة أنظمة السوق السائدة في العالم بمدى تدخل الدولة في قوى السوق وبمدى
جمع الدول بين الملكيات الخاصة والعامة والمشتركة، و كذلك بشكل استخداماتها أدوات
السياسات المالية والنقدية وأدوات التدخل المباشر للتأثير في السوق.
وتكمن "عبقرية" نظام السوق في أنه يلغي الحاجة لتدخل العنصر البشري
(الدولة) في محاولة التوفيق بين كافة المصالح، ويترك للسعر مهمة التوفيق بين
هذه المصالح المتوافقة والمتناقضة، في حين لا تستطيع أية مجموعة بشرية تجلس في
وزارة أو مؤسسة عامة تحقيق ذلك بواسطة الأوامر الإدارية. وقد يحقق التدخل
الإداري المباشر للدولة بعض العدالة، ولكن إذا أصبح هو الأصل في توزيع الموارد
فان ذلك يكون وبالضرورة على حساب الكفاءة الاقتصادية لأنه يخلق أسعاراً لا تعكس
الكلفة والطلب الحقيقيين. و مثلما يمكن لنظام السوق أن يؤدي إلى الاحتكار
في بعض الأحيان (مما يتطلب تدخلاً من الدولة لمنعه)، فنظام الأوامر الإدارية،
يمكن أن يحمل معه إمكانيات الفساد من خلال التمييز لصالح جهة أو أخرى.
لماذا نظام السوق؟ الجواب لأنه يحقق الكفاءة الإنتاجية (efficiency gain)
من خلال التوزيع الأفضل للموارد، مما يدفع بعملية النمو إلى الأمام.
وهذا هو الأساس لتفضيل نظام السوق. أما لماذا الأولوية للقطاع الخاص،
فلأن القطاع الخاص أكثر كفاءة في الإنتاج والتسويق والتعامل مع المتغيرات، وهناك
دلائل على أن الدول النامية التي اعتمدت نظام السوق كأساس (دون إهمال دور الدولة)
خلال السنوات الثلاثين الماضية حققت معدلات نمو عالية و كذلك انخفاضاً في معدلات
الفقر. ومن هذه الدول دول شرقي آسيا والصين.
وفي سورية نحن الآن مدعوين لحسم التردد بين نظام السوق ونظام الأوامر الإدارية
في إدارة مواردنا، وتحديد هوية الاقتصاد السوري المستقبلي. وهذا الحسم
يجب أن يقوم به الحزب والدولة من خلال صياغة إطار فكر اقتصادي جديد، يقوم على
أساس التبني الصريح لنظام السوق ولأولوية القطاع الخاص في العمل الإنتاجي، متجاوزين
مبدأ "التعددية الاقتصادية"، ومنتقلين إلى مفهوم جديد مبني على
الشراكة بين القطاعين العام والخاص، شراكة يضطلع فيها القطاع الخاص بالدور الريادي
في النشاط الإنتاجي (لا دور الرديف)، ويضطلع فيها القطاع العام بالدور الريادي
في عمليتي التنمية الاجتماعية والبشرية، (فضلاً عن عملية التخطيط (التأشيري).
والنظرة الجديدة المطلوبة للقطاع الخاص يجب أن تنبع من أن الملكية الخاصة حق
وليس منحة، لا من منطلق التصدق على القطاع الخاص "بتنشيط دوره" و "تشجيعه"
و "منحه فرصاً أفضل للعمل" إلى آخر ذلك، لأن من "يمنح" يستطيع
أن "يسحب". أي أن الإقرار بالدور الريادي للقطاع الخاص في العملية
الإنتاجية يجب أن يصبح في صلب الفكر الاقتصادي الرسمي. وفي اعتقادي أن
حسم الأمر بالنسبة لنظام السوق وأولوية دور القطاع الخاص في العمل الإنتاجي خطوة
لا بد منها لتخطي عقدة رئيسية تعيق سورية من الانطلاق في إصلاحها الاقتصادي.
وحين يتم تبني نظام السوق في الفكر الاقتصادي الرسمي، تستطيع الحكومة اعتماد
أدوات نظام السوق وبناء مؤسساته من دون تردد، وتستطيع أن تضع برنامج إصلاح اقتصادي
متناسق و واضح المعالم.
وحين يصبح القطاع الخاص محور العملية الإنتاجية فكراً وقولاً وعملاً، سيؤدي هذا
إلى إطلاق الروح التجديدية والريادية والابتكارية لدى هذا القطاع، وسينطلق القطاع
الخاص ليوظف أمواله في الاستثمار طويل الأجل ويبدأ بالتحول من قطاع عائلي صغير
إلى قطاع مؤسساتي، كما سيؤدي إعطاء القطاع الخاص دوره الحقيقي إلى وقف
هجرة الخريجين من الشباب إلى البلدان الأخرى، وسيعيد إلى الوطن العقول العربية
السورية المهاجرة. كما من شأن قيام قطاع خاص نشط وديناميكي أن يوفر
فرص عمل قادرة على استيعاب العمالة الفائضة الموجودة حاليا في مؤسسات القطاع
العام، بما يمكـّن الأخيرة من التخلص من مشكلة أساسية فيها وتمكينها بنفس الوقت
من رفع أجور العمالة لديها ورفع إنتاجيتها. أي أن تنشيط القطاع الخاص يساهم
مساهمة فعالة في عملية إصلاح القطاع العام. لكن على القطاع الخاص بالمقابل
أن يرقى إلى مستوى المسؤولية وأن يقوم بعملية إصلاح ذاتي حقيقي، في مقابل الدور
الجديد الملقى على عاتقه.
ثم أن الدعوة إلى تعظيم دور القطاع الخاص لا يعني عدم تدخل الدولة في السوق بل
إن تدخلها ضرورياً حين يتعارض السوق مع مصالح المجتمع، وعلى الدولة أن تضع خطة
تأشيرية للتنمية تدخلها في نموذج نظام السوق المخطط، وأن تعمل على تعميق المنافسة
في السوق وفتح الفرص المتكافئة للجميع كهدف من أهدافها، وأن تَسرِع بإرساء قواعد
ومؤسسات نظام السوق حتى لا تفسح المجال للثغرات التي تظهر عادة خلال عملية الانتقال
من نظام الأوامر الإدارية إلى نظام السوق أن تؤدي إلى قيام تحالفات بين أهل النفوذ
وأهل الثروة لغير صالح الاقتصاد الوطني.
وأعتقد أن الدعوة لأولوية للقطاع الخاص في العملية الإنتاجية تتطلب في الظروف
الراهنة تجميد القطاع العام الاقتصادي ضمن حدوده الحالية ووقف توسعه مع القيام
بنفس الوقت بإصلاح ما هو قائم منه، إدارياً وتنظيمياً ويكون ذلك من خلال وضع
آلية جديدة لعمله تمنحه الاستقلالية في قرارات الإنتاج والاستثمار ولتوظيف والتسعير
والتعاقد، ومن خلال وضع برنامج للتعامل مع مشكلة عمالته الفائضة (وضع برنامج
يتضمن التقاعد المبكر والتأهيل والتدريب) ورفع أجور عماله وتصفية شركائه المستعصية
على الإصلاح. فالحفاظ على الآلية القائمة لعمل القطاع العام الاقتصادي
في ظل الدور الجديد المقترح للقطاع الخاص سيعرض القطاع العام إلى المزيد من الخسائر،
وسينتج عن ذلك المزيد من نزف المال العام.
أما الخصخصة فيمكن تأجيلها إلى حين إرساء الأطر القانونية لنظام السوق و وضع
البنية التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية اللازمة له، حتى لا يؤدي التخصيص إلى
الفساد (كما حصل في بلدان عدة) الذي ينفذ من الثغرات التي تتركها عملية الانتقال
إلى نظام السوق.
وبالنسبة لاستمرار الدعوة من قبل البعض إلى دور كبير للقطاع العام في العملية
الإنتاجية فهذه دعوة في اعتقادي بعيدة عن الواقعية في ظل الظروف الدولية الجديدة
وتتناقض بنفس الوقت مع الرغبة باجتذاب الرساميل السورية المهاجرة والرساميل العربية
والأجنبية، خاصة و أن المستثمر الخارجي يفهم هذه الدعوة بأنها استمراراً للدور
التدخلي للدولة. وليس صحيحاً أن القطاع العام الاقتصادي ضرورة استراتيجية
وأمنية وحاجة اقتصادية، كما لا زال يقول البعض، علماً بأنه قد يكون من المفيد
أن تبقى بعض الصناعات الاستراتيجية في القطاع العام ولكن ليس هناك مبرر على الإطلاق
لوجود القطاع العام، في مجال
ات الخيوط والنسيج والكونسروة وإنتاج النبيذ
وتصنيع الكبريت وأقلام الرصاص وأقلام الحبر الجاف وغيرها.
كما وأن التبرير الآخر
الذي يُعطى أحياناً لتوسيع نطاق القطاع العام الاقتصادي رغم مشاكله العميقة
يدعو للقلق، فالتحليل الذي يبدأ بالقول بأن القطاع العام الصناعي (التحويلي)
"يعاني من مشاكل تكنولوجية واقتصادية تتعلق بتقادم مصانعه وضعف إنتاجيته
وبقصور التكامل الرأسي والتتابع الإنتاجي بين صناعاته وشركاته" ويعاني
بنفس الوقت من "مشاكل تتعلق بتنظيم الإنتاج والإدارة وفيض العمالة"،
ثم يستنتج هذا التحليل بأنه "لا يمكن تحقيق قيماً مضافة كافية لتحقيق
ربحية عالية وضمان إدارة مستقلة ومسئولة تنظيمياً وإدارياً ومن حيث الأداء،
إلا بإحداث توسعات في القطاع العام الصناعي التحويلي (انظر مذكرة هيئة تخطيط
الدولة تاريخ 8/12/2000 بعنوان تحديد اتجاهات الإصلاح الاقتصادي ومقومات تفعيل
التعددية)،. هذا الاستنتاج الذي يدعو إلى إحداث توسعات في القطاع الصناعي التحويلي
بعد تعداد المشاكل المذكورة أعلاه، بدلاً من الاستنتاج بضرورة إصلاح إدارته
وإقامة آلية جديدة لعمله وتخليصه من الخضوع للجهات الوصائية عليه ومن عمالته
الفائضة ورفع أجور وتدريب موظفيه وعماله يدعو للاستغراب، ويدل على رغبة لدى
البعض في الحفاظ على استمرارية هيمنة القطاع العام أولاً وان كان ذلك يعني
استمرار هدره واستنزافه للمال العام.
ومن حيث الواقع فإن
استراتيجية تعزيز هيمنة القطاع العام على الاقتصاد الوطني لن يكتب لها النجاح
على أرض الواقع، لأن المساعدات الخارجية في العالم التي توفرت لدعم القطاع
العام في السبعينات والثمانينات في العالم النامي بما فيه سورية قد جفت أو
كادت أن تجف، بينما برزت في الاقتصاد العالمي ظاهرة الاستثمارات الخارجية الخاصة
المباشرة التي تبحث عن الأسواق الواعدة والجاذبة في العالم.
ومن جهة أخرى فإن
القطاع الخاص قادر ومستعد لزيادة استثماراته إذا خلصت النية وتمت ترجمة الكلام
الكثير عن تشجيع القطاع الخاص إلى قرارات وإجراءات وسياسات سريعة، تضع القطاع
الخاص في صلب النظام الاقتصادي، لا على هامشه، وإذا تم وضع برنامج واضح للإصلاح
الاقتصادي يتضمن تحسين البيئة التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية لعمله (من
أنظمة ملكية وتجارة واستثمار واستيراد وتصدير وقطع وضرائب وحل منازعات وإقامة
مصارف كفوءة ومناطق صناعية مخدمة وغير ذلك)، وتحديد السياسات المالية والنقدية
اللازمة، والمساعدة في دعم بنيته الإنتاجية والإدارية. عندها يستطيع
القطاع الخاص الذي عانى من التهميش والتفتيت على مدى أربعين سنة، أن ينتقل
من المؤسسة الفردية العائلية إلى المؤسسة /الشركة، وأن ينخرط في الاستثمار
طويل الأجل. والجدير بالذكر أن القطاع الخاص حقق استثمارات عالية في
النصف الأول من التسعينات إثر صدور قانون الاستثمار رقم 10، وفاقت استثماراته
استثمارات القطاع العام في كل ســـنة خلال الفتـرة 1990 – 1996، إلى أن أصاب
المستثمرين الإحباط بسبب الغموض في التوجه الاقتصادي العام والتردد والبطء
في خطوات الإصلاح والفجوة بين التشريع والتنفيذ.
كما وأن استراتيجية "القطاع الخاص أولاً" في العملية الإنتاجية سيدفع
إلى المزيد من التعاقد التجاري والاستثماري بين القطاع الخاص السوري والقطاع
الخاص في البلاد العربية الأخرى، مما سيعزز خطوات التكامل الاقتصادي العربي الذي
نحن بأمس الحاجة إليه في مواجهة كل من تحدي العولمة والتحدي الصهيوني.
وقد حالت دون تحقيق هذا التكامل الاقتصادي العربي في السابق أسباب عديدة، من
بينها هيمنة القطاع العام في بعض الاقتصاديات العربية وخشية الاقتصاديات العربية
الأخرى ذات التوجه الاقتصادي الحر من انتقال الأفكار والأنظمة المركزية إليها.
وكلنا أصبح يعلم أن الاندماج الاقتصادي العربي لا يتحقق على أرض
الواقع في عالم اليوم إلا من خلال تعاون القطاع الخاص في الأقطار العربية المختلفة
مع بعضه البعض، حيث أصبح هذا القطاع هو سيد العملية الإنتاجية في جميع الأقطار
العربية الأخرى دون استثناء.
ولكن التوجه نحو اقتصاد السوق وأولوية القطاع الخاص في العمل الإنتاجي لا يعني
الركض وراء التحرير الخارجي بل يجب أن ينصب الجهد على التحرير الداخلي في كل
من سوق المنتجات وسوق المدخلات وعلى تحديث التشريعات فضلاً عن تحديث المؤسسات
الإنتاجية نفسها بالتلازم مع التحرير الخارجي، الذي يساعد بدوره في رفع كفاءة
المؤسسات الإنتاجية المحلية. والواقع أنه لئن كان ممكناً للدول النامية
في السابق أن تعتمد نظام السوق في نظامها الاقتصادي وأن توفر لصناعتها الحماية
من المنافسة الخارجية في بدايات بناء قاعدتها الصناعية، مثلما فعلت دول شرقي
آسيا في السبعينات والثمانينات، فان هذا الأمر أصبح أكثر صعوبة مع ظهور العولمة
وقيام منظمة التجارة العالمية التي تضم اليوم 144 دولة من دول العالم، وافقت
جميعها على تحرير تجارتها وفق قواعد معينة. ويعني هذا أنه على الدول التي
تدخل اليوم الاقتصاد العالمي الجديد أن تكثف جهودها في تعميق التحرير الاقتصادي
الداخلي، وفي تطوير و تحديث قطاعاتها الصناعية والزراعية وفي رفع قدرات مؤسساتها
الإنتاجية والانخراط في عالم المعرفة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات كجزء أساسي
من عملية دخولها الاقتصاد العالمي.
ومن جهة أخرى ينبغي التأكيد أن التحرير الخارجي في التجارة ضمن القواعد الدولية
الجديدة، لا يتطلب أن يترافق مع التحرير المطلق في القطاع المالي, قد أكدت الأزمة
الآسيوية التي وقعت في عام 1997 مخاطر الانفتاح المالي غير المنضبط في الدول
النامية خاصة بالنسبة لتحرير الحساب الرأسمالي في ميزان المدفوعات وبالنسبة للاستثمار
المحفظي، مما جعل المؤسسات المالية الدولية تعيد النظر في توجهاتها في هذا المضمار
وتشدد على رقابتها على التدفق الاستثمار المحفظي إلى الدول النامية بشكل خاص
(حجمه وعملاته, شروطه) وتدعو البنوك المركزية المحلية على تشديد هذه الرقابة
كذلك.
العدالة الاجتماعية
أن نبني نظام السوق في سبيل تحقيق معدلات النمو العالمية لا يعني إهمال العدالة
الاجتماعية، ولكن ما تعلمته دول العالم خلال السنوات الأربعين الماضية أن العدالة
الاجتماعية لا تتحقق من خلال تملك الدولة لعوامل الإنتاج، فهذا التملك غالباً
ما يؤدي إلى إحلال الاحتكار محل المنافسة وإلى تضخم العمالة وارتفاع الكلفة وبالتالي
تدني قدرة المؤسسات الإنتاجية على المنافسة وعلى تحقيق الفائض الاقتصادي اللازم
لإعادة الاستثمار وبالتالي تعزيز عملية النمو.
كذلك فان تبني نظام السوق لا يعني التخلي عن مصالح طبقات اجتماعية معينة بل يعني
توسع قاعدة الطبقات المستفيدة من النظام الاقتصادي، وإن كان اعتناق نظام السوق
وأولوية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية قد يجلب معه الضرر لبعض الفئات العمالية
على المدى القصير وخلال عملية التغيير، ولكنه يجلب معه المزيد من الاستثمار مما
يخلق فرصاً جديدة للعمالة على المدى المتوسط والبعيد. وحين تتعزز عملية
النمو تكثر موارد الدولة وتستطيع الدولة توسيع برامجها الاجتماعية. لكن
على الدولة أن تقوم بهذه البرامج الاجتماعية وبتخطيط مسبق لا أن تتوقع أن تؤدي
قوى السوق وعملية النمو بحد ذاتها إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
ومن جهة ثانية ينبغي التذكير أن أكثر الدول هيمنة لاقتصاد السوق سواء في شمال
القارة الأمريكية أو في الدول الأوروبية تعتمد سياسات وبرامج اجتماعية للتعامل
مع البطالة ولتوفير التأمين الصحي لمواطنيها وذلك بهدف تخفيف الفروقات فيما بين
الطبقات.
وقد برهنت تجارب دول آسيوية عديدة خلال الثلاثين سنة الماضية أن اعتناق نظام
السوق يمكن أن يولد نمواً كبيراً في الاقتصاد الوطني ويمكن أن يحقق انخفاضاً
في معدلات الفقر بنفس الوقت، لكن هناك تجارب أخرى في أمريكا اللاتينية مثلاً
دلّت على أن اعتناق نظام السوق والانفتاح الكبير على الاقتصاد العالمي يمكن أن
يحقق النمو، ولكنه قد لا يحقق انخفاضاً في معدلات الفقر لا بل قد يزيد من الفقر
والتفاوت في الدخول. وهناك دولاً كالصين والهند اعتمدت سياسات معتدلة الانفتاح،
واستطاعت تحقيق النمو مع الانخفاض في الفروقات الاجتماعية والاقتصادية. ولئن
دلت هذه التجارب على شيء فهي تدل على ثلاثة أمور أولاً إن تحقيق العدالة الاجتماعية
يحتاج إلى نظام السوق لتعزيز عملية النمو، ثانيا حكمة الانفتاح الخارجي المدروس،
وثالثاً ضرورة إقامة برامج تتعامل مباشرة مع قضايا الفقر والفروقات الاجتماعية.
ولكن في جميع الأحوال يجب أن يبقى تحقيق النمو هو الهدف الأول وأن يبقى هذا الهدف
مفتاح العدالة الاجتماعية. أما إذا وضعنا تحقيق العدالة الاجتماعية أولاً فسنضحي
بالنمو وسنحقق عدالة التوزيع ولكن مع الفقر، مثلما تحقق في الاتحاد السوفيتي
السابق ومثلما يتم الآن في كوريا الشمالية مثلا.ً
وفي سورية يجب أن يحتل موضوع العدالة الاجتماعية اهتماماً خاصاً بالنظر إلى ارتفاع
معدلات النمو السكاني ونمو القوى العاملة وتفاقم البطالة وتوقع استمرا تفاقمها
في المستقبل إذا لم ترتفع معدلات النمو الاقتصادي بنسب عالية. كما يمكن
للبطالة أن تتفاقم بسبب الإصلاح المرتقب في كل من القطاع العام الاقتصادي والقطاع
العام الإداري مما لا بد أن ينتج عنه بطالة مهما أ قامت الدولة من برامج التأهيل
والتدريب والتقاعد المبكر وغيرها من البرامج. وإذا لم نعط قضية العدالة الاجتماعية
وأزمة البطالة الاهتمام الكافي في الوقت الحاضر فقد ننتقل من "أزمة بطالة"
إلى "أزمة فقر".
ويتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة البطالة والفقر، تبني سياسات وإجراءات
من مثل:
-
التركيز في استراتيجية التنمية على القطاعات الاقتصادية المولدة لفرص
العمالة (من خلال الحوافز التي تمنحها الدولة).
-
منع الاحتكار وتعميق المنافسة في السوق.
-
توفير الفرص بالتكافؤ لجميع المواطنين.
-
توسيع إنفاق الدولة على التعليم والصحة في أي برنامج للإصلاح الاقتصادي.
-
محاربة الفساد
-
ترشيق الإنفاق العام وتقليص الهدر فيه.
-
إقامة برامج سياسات الحماية الاجتماعية بمختلف أشكالها مما فيها برامج
التدريب والتأهيل وتلك التي تقدم القروض والمساعدات الفنية للمشاريع الصغيرة
والمتوسطة وتوفير هذه الشبكات للطبقات الفقيرة ومتوسطة الدخل على السواء، على
أن لا ترهق هذه البرامج موازنة الدولة العامة بحيث تولد التضخم، فيمحي هذا
التضخم المكاسب الاجتماعية ويعرقل النمو.
الارتقاء التكنولوجي
يعتبر التطور التكنولوجي عنصراً أساسياً من عناصر النمو في البلدان المتقدمة،
لأنه يرفع معدلات الإنتاجية بينما يشكل غيابه سبباً أساسياً من أسباب النمو الضعيف
أو النمو غير المستدام في الدول النامية، خاصة تلك التي تعتمد في نموها على مواردها
الأولية الزراعية أو النفطية وهي المواد المعرضة دائماً للتقلبات، سواء في إنتاجها
أو في أسعارها.
والمطلوب من سوريا في سعيها للدخول في النظام الاقتصادي العالمي وتعزيز القدرات
التنافسية لاقتصادها ورفع معدلات نموه، أن تضع الارتقاء التكنولوجي كهدف أساسي
من أهدافها وان تكثف جهود الارتقاء التكنولوجي هذه من خلال:
1)
إرساء مفهوم الإنتاجية القائم على الابتكار والتجديد.
2)
التحول إلى قطاعات اقتصادية جديدة ذات إنتاجية عالية كصناعات البرمجيات
والصناعات الالكترونية.
3)
التحول إلى الفروع المولدة للقيمة المضافة الأكبر ضمن الصناعات التقليدية
القائمة كصناعات النسيج وصناعات الغذاء.
4)
اعتماد المنشآت الإنتاجية أساليب الإدارة الحديثة وإدخال ثقافة الجودة
والابتكار وكذلك نشاطات البحث والتطوير وربط وحدات الإنتاج في هذه المنشآات بمصادر
التقنية والمعرفة الخارجية.
5)
تعزيز التعاون بين المنشآت الإنتاجية والجامعات ومراكز البحوث.
6)
اعتناق تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ونشر تطبيقاتها في مختلف القطاعات
وذلك:
_
لتعزيز عملية النمو من خلال توسيع الأسواق
ورفع معدلات الإنتاجية وتقليص كلفة الإنتاج والتجارة، وبالتالي زيادة القدرة
على المنافسة.
_
لتخفيض الفروقات الاجتماعية والاقتصادية في
المجتمع من خلال توسيع خدمات التربية والتعليم والتدريب والخدمات الصحية والاجتماعية
إلى المناطق البعيدة والمهمشة على حد سواء.
-
لتحسين الأداء الحكومي وتقليص كلفة التعامل
ما بين ضمن الحكومة و مابين الحكومة والمواطن.
7)
الإسراع باستكمال الاستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات
التي تعدها الحكومة.
8)
إقامة الحاضنات التكنولوجية ومراكز الابتكار العلمية التي أصبح وجودها
لا يقل أهمية عن إقامة المناطق الصناعية التقليدية .
9)
توفيق التعاون التقني بشكل خاص مع دول مثل الهند وماليزيا لها تجارب ناجحة
في مجال الارتقاء التكنولوجي.
10)
تشجيع شركات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على الاستثمار في سورية.
11)
وتطوير الكوادر البشرية من خلال:
-
إجراء تغير جوهري في أنظمة التعليم والتدريب بغرض التركيز على التفكير
والتحليل وتعزيز القدرة على الابتكار والتجديد.
-
تطوير الكفاءات التقنية المطلوبة في سوق العمل
-
توفير الخبرات اللازمة للتعامل مع تقنيات المعلومات والاتصالات
-
تطوير القدرات الإبداعية والإبتكارية في سوق العمل.
وتنبع أهمية تطوير الرأسمال البشري القدرات على التعامل مع المعلوماتية بشكل
خاص من إدراكنا أن ثلث قوة العمل في سورية فقط تحمل شهادة ما فوق البكالوريا،
و 15% فقط من العاملين في الإدارات الحكومية وفي القطاع العام الاقتصادي و 7
%
فقط من العاملين في القطاع الخاص، يحملون شهادات جامعية وما فوق.
والجدير بالتأكيد أن الارتقاء التكنولوجي وخاصة تكثيف استخدام تكنولوجيا المعلومات
والاتصالات لا ينمو إلاّ في ظل نظام السوق، والنظام المتصف بالحرية الاقتصادية
وحرية الإبداع والابتكار وحرية انتقال المعلومات وسهولة الاتصال مع العالم.
كما ينبغي التأكيد أن المنشآت الإنتاجية التي عليها أن تلعب دوراً بارزاً في
الارتقاء التكنولوجي لن تسعى بجد نحو الارتقاء التكنولوجي إلاّ حين يتوفر المناخ
الاقتصادي التنافسي، الاحتكاري، مما يدفعها وبالضرورة إلى السعي للارتقاء التكنولوجي.
5) التكامل الاقتصادي العربي
إن العمل من منطلق الركائز الثلاثة أعلاه أساسي لرفع قدرة سورية على رفع معدلات
النمو وتعزيز قدرتها التنافسية في اقتصاد مفتوح، وكذلك على التعامل مع التبعات
الاجتماعية لدخولها في الاقتصاد العالمي الجديد، لكنه لا يمكن لسورية أو لأية
دولة عربية أن تواجه تحديات العولمة بمفردها ولا بد من التكتل الاقتصادي العربي
لتعزيز القدرة على الاستفادة من الفرص التجارية والاستثمارية التي توفرها العولمة،
و لمواجهة تهديداتها للصناعة المحلية. وقد ترتبط الدول العربية بتكتلات
اقتصادية أخرى ولكن إقامة السوق العربي الكبير يجب أن يأتي في الأولوية لما فيه
من فوائد اقتصادية بحد ذاته، (تتمثل بزيادة الإنتاجية وتوجه المال العربي لخدمة
التنمية العربية)، ولكونه يعزز أية شراكات اقتصادية أخرى ترتبط بها الدول العربية
منفردة أو كمجموعات.
وقد سعت الدول العربية إلى إقامة تكتلات اقتصادية شاملة خلال الخمسين سنة الماضية،
كان أهمها مشروع مجلس الوحدة الاقتصادية (عام 1957) ومشروع السوق العربية المشتركة
(عام 1964) واتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول ألعربية (عام1981)،
وأخيراً مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (عام 1997) الذي هو قيد التنفيذ.
وقد فشلت جميع المحاولات الأولى، لكن المشروع الأخير له فرصة أكبر للنجاح إذا
وجدت الإرادة السياسة العربية.
وفي غياب التكتل الاقتصادي الفاعل حتى الآن ظلت التجارة البينية العربية ضمن
حدود متواضعة (6-7 % من مجمل الصادرات العربية في العام 2001). ويرتفع
هذا الرقم ليصل إلى 20% إذا استثنينا تجارة النفط)
كما ظل الاستثمار البيني العربي متواضعاً وبحدود
2.5 مليار دولا فقط في العام 2001
ومن الضروري الآن إنجاح مشروع اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بما
تضمنته من الإلغاء الكامل للمعوقات التجارية الضريبية وغير الضريبية بين الدول
العربية المنضمة للاتفاقية (وعددها 15) بحلول العام 2005، وتوسيع نظام الاتفاقية
لتضم تجارة الخدمات وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية، ثم السعي للانتقال
بهذه الاتفاقية إلى اتفاقية لإقامة الاتحاد الجمركي العربي، وبعد ذلك إقامة السوق
العربية المشتركة.
وبالتوازي مع الجهود أعلاه هناك ضرورة للسعي إلى تحقيق التكامل الاقتصادي الإنتاجي
العربي في القطاعات الاقتصادية المختلفة (وليس تحقيق التكتل الاقتصادي فقط)،
وتعزيز كلاً من شبكات الاتصالات وشبكات النقل البري والبحري والجوي بين الدول
ألعربية كما التنسيق في السياسات الاقتصادية العربية وفي أنظمة المواصفات والمقاييس
فيما بينها، وهي جهود أساسية لتحقيق أي من التكتل أو التكامل الاقتصادي العربي.
وعلى القطاع الخاص أن يلعب دوراً أساسياً في الجهود الاقتصادية العربية المشتركة
وهو قادر، من خلال هذه الجهود، أن يؤثر على الإرادة السياسية العربية.
6) على مفترق الطرق
إن ثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي ومعها الاندماج
الاقتصادي العربي، تشكل في اعتقادي ركائز ومبادئ أساسية لوضع برنامج للإصلاح
الاقتصادي الشامل في سورية وبرامج للتنمية الاقتصادية وأخرى للتنمية الاجتماعية
وللارتقاء التكنولوجي والبشري، وذلك لإعداد سورية للدخول في النظام الاقتصادي
العالمي الجديد، ولدفع عملية النمو والتنمية فيها إلى الأمام. و أن دخول
سورية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد يجب أن يكون أمراً مفروغاً منه بالنسبة
لصاحب القرار، ويجب أن تسعى إليه سورية في السنوات المقبلة، فقد سقطت مبادئ التنمية
المستقلة والاعتماد على الذات التي سادت في الستينات والسبعينات والثمانينات،
وأصبحت قوة الدول تقاس اليوم ليس بالسعي نحو الانغلاق والاستغناء عن الآخرين،
بل بقدرتها على المنافسة "وغزو" أسواق الآخرين، وتعزيز هذه القدرة
من خلال إطلاق المبادرات الفردية في اقتصادياتها ومن خلال الارتقاء التكنولوجي
والبشري واستخدام أدوات وأنظمة المعرفة الحديثة والاحتكاك المباشر مع قوى السوق
ومراكز البحث والتطوير في العالم.
لكن حتى هذه الركائز الثلاثة أعلاه والبرامج التي ستنتج عنها لن تكفي لتحقيق
التنمية المنشودة والهدف الكبير. ولا بد من إعداد رؤية وبرامج للإصلاح
والتغيير تتضمن فيما تتضمن الإصلاح الإداري والإصلاح السياسي والإصلاح القضائي
وغيره من الإصلاحات. إذ لا يمكن القيام بإصلاح اقتصادي ناجح وتنمية هادفة من
دون إصلاح إداري وإصلاح مؤسساتي ومن دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في إعداد
البرامج كما في تنفيذها، وفي لعب دور الرقيب والمساءل والمحاسب في هذا الإعداد
والتنفيذ. إن عملية النمو والتنمية والانخراط في النظام الاقتصادي العالمي
تتعزز وبقدر كبير حين يرتفع مستوى أداء مؤسسات الدولة العامة وحين تتقلص البيروقراطية،
وحين تتعزز مبادئ الشفافية والمساءلة في القطاعين العام والخاص، وحين تعلو سلطة
القانون فوق كل سلطة. لقد تعمق نظام السوق في معظم دول العالم النامي في
العشرين سنة الماضية، بما فيها الدول العربية، لكن عمليتي النمو والتنمية لم
ترتقي بعد إلى المستوى الذي يضعها على طريق اللحاق بالعالم الصناعي وذلك لعدم
إعطائها الاهتمام الكافي لكل من التنمية البشرية بمعناها الواسع (والذي يشمل
احترام الفرد والمشاركة الشعبية وتوفير الفرص المتكافئة للجميع) والتنمية التكنولوجية
والتغيير الإداري والمؤسساتي. وعلى سورية اليوم أن تضع رؤية شاملة لمستقبلها
الاقتصادي والسياسي في ضوء احتياجاتها الداخلية كما في ضوء المتغيرات العالمية
والإقليمية، وأن تضع أولويات وبرامج وآليات للإصلاح والتغيير لتحقيق هذه الرؤية.
وسورية في الواقع تقف على مفترق طرق، ولديها خيارين لا ثالث لهما. فهي
إما أن تستمر بإصلاحها البطيء، مكتفية بتعديل حزمة من القوانين والتشريعات ومقتنعة
بمعدلات نمو متواضعة، ولكن مضحية، بتزايد البطالة والفقر، وبتفاقم إحباطات الشباب
وباستمرار هجرتهم من الوطن، أو أن تقرر الدخول في الاقتصاد الجديد من بابه الواسع
وتختار لنفسها طريق الإصلاح والتغيير العميق في الاقتصاد والإدارة والسياسة لتحقيق
ذلك. صحيح أن للتغيير ثمن على المدى القصير، ولكن التغيير لا بد منه للخروج
من الجمود الاقتصادي الحالي، وتعزيز عمليتي النمو والتنمية ولمواجهة العالم المتغير
دائماَ ومواجهة أعداء سورية الخارجيين. وما نسعى إليه بالنهاية أن تبقى
سورية قوية، قوية في اقتصادها وفي لحمتها الوطنية وقوية في محيطها الإقليمي.
وشكراً.
د. نبيل سكر
e-mail: nsukkar@scbdi.com