الشراكة السورية الأوروبية

رؤية إجمالية

الدكتور نبيل مرزوق(*)

 

شهد النصف الثاني من القرن العشرين، حركة واسعة من الاندماجات، وتشكيل التكتلات الاقتصادية الكبرى، فرأي المال الذي ضاقت به حدوده الوطنية، انطلق عبر الحدود ليوسع الأسواق، وليوظف امكانات وطاقات جديدة في منافسته الضارية، ومن أجل الحفاظ على معدلات أرباحه، وزيادتها إذا استطاع ذلك. ليست هذه الظاهرة جديدة على رأس المال، بل هي جوهرية في تكوينه برزت تجلياتها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكنها سرعان ما أخذت طابعها العسكري وقادت العالم إلى حربين عالميتين. الاستقرار والتوازن فيما بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. أتاح فترة مديدة من النمو والازدهار على المستوى العالمي، وفرَّت لرأس المال. فرصة غير مسبوقة للتراكم والتمركز، أتاحت له استخدام منجزات العلم، والتقانة الحديثة، ثم الاستيلاء على البحث والتطوير، وفرض احتكارات ذات صبغة عالمية، قادتها شركاته عابرة القومية. تسارعت هذه العملية أواخر الثمانينات من القرن الماضي، مع انهيار منظومة الدول الاشتراكية، وانتقال النظام الرأسمالي إلى مرحلة إنجاز التشكيلة الرأسمالية الاقتصادية والاجتماعية العالمية، فتسارعت عملية العولمة وفتح الأسواق وادماج التشكيلات الطرفية والما قبل رأسمالية في النسق الرأسمالي بآليات متعددة والتي كان منها "برامج التصحيح الهيكلي" ومشاريع الاندماج الاقليمي، والشراكة هي واحدة من هذه المشاريع، الهادفة إلى ادماج اقتصادات المنطقة العربية، في الفضاء الاقتصادي الأوروبي، في إطار عملية العولمة الجارية؛ وهذا الادماج في المحصلة لا يختلف في جوهره عن مشروع الادماج الأمريكي، عبر "السوق الشرق أوسطية"، أو الصيغة المعدلة باسم "الشراكة" التي عبر عنها الرئيس الأمريكي مؤخراً. من ذهه الناحية يتشابه المشروعان في الغاية، وهي الادماج في العولمة الجارية، وفي أن كل منهما يكرس تبعية المنطقة العربية لكتلته.

إذن، ما الغاية من الشراكة؟ وما منعكساتها على الاقتصاد والمجتمع السوريين؟ وإلى أي مدى تتعارض مع مشروع "منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى"؟ وهل يمكن تغيير أو تحسين شروط هذه الشراكة! هذه التساؤلات والعديد غيرها، يطرحها المواطن السوري الذي فوجئ بأن الاتفاق يمكن أن ينجز في الجولة الثانية عشرة للمفاوضات والتي من المحتمل انعقادها في 15/12/2003([1])؛ حيث بقيت المباحثات بالنسبة للمفاوض السوري، شأناً خاصاً أحاطه بالكتمان وأضفى عليه طابع السرية. في الوقت الذي تمس فيه الشراكة كافة جوانب حياة المواطن السوري الاقتصادية والاجتماعية، وعليه التعامل معها، ومع نتائجها ولفترة غير محددة كما ينص الاتفاق.

سنحاول في هذه المداخلة، تقديم رؤية إجمالية لاتفاق الشراكة، دون الغوص في تفاصيله، حيث يتطلب ذلك عملاً جماعياً واسعاً، ومعطيات غير متوفرة للباحثين، مثل الملاحق والبرتوكولات، الخاصة بالسلع والقطاعات والعلاقات، والتي يفترض درسها ومناقشتها من قبل المعنيين، اللذين هم كافة فئات الشعب السوري وقواه المنتجة، وليست الوزارات المتخصصة فقط. يشتمل الاتفاق حتى نهاية الجولة العاشرة على 107 بنداً و6 ملاحق و7 برتوكولات، ويستحق كل منها الدرس والنقاش في ندوة خاصة، وهذا غير متاح لنا الآن، لذلك سيتم التركيز على أهم جوانب الاتفاق والمنعكسات المترتبة عليه سورياً وعربياً، من خلال العناوين التالية:

1 - مشروع الشراكة وأبعاده.

2 - منعكسات المشروع على الاقتصاد والمجتمع السوريين.

3 - آليات تحسين شروط الشراكة في مصلحة سورية.

يستند التحليل إلى إعلان برشلونة 28/تشرين ثاني/نوفمبر/1995، ومسودة اتفاق الشراكة، بالإضافة إلى مصادر إحصائية أخرى يتم الإشارة إليها في حينها.

1 - مشروع الشراكة وأبعاده:

آ - خلفية تاريخية:

أطلق مشروع الشراكة من خلال إعلان برشلونة الذي تمت المصادقة عليه في المؤتمر الأوروبي المتوسطي في برشلونة – إسبانيا بين 27 و 28 تشرين ثاني/نوفمبر/1995؛ والذي حضره ممثلو الجماعة الأوروبية والدول الأعضاء في المجموعة، وممثلو دول حوض المتوسط الجنوبي والشرقي عدا ليبيا التي كانت خاضعة لحظر جوي وعقوبات اقتصادية أمريكية، وحضر بالمقابل الأردن الذي لا يتمتع بمنفذ على البحر المتوسط؛ ولكنه كان قد وقع اتفاقية "وادي عربة" مع الكيان الصهيوني.

بالعودة إلى تاريخ العلاقات العربية الأوروبية، نجد أن المتوسط قد كان نقطة تجاذب وتفاعل حضاري بين الشعوب القاطنة على ضفافه، وكان الصراع هو السمة الغالبة لهذه العلاقات، من غزو عربي إسلامي، إلى غزو صليبي، ومن ثم استعماري أوروبي. في مرحلة الستينات وبعد تحرر الدول العربية من الاستعمار الغربي، بدأت تتبلور علاقات جديدة فيما بين دول الجانبين من المتوسط، ومع تنامي دور رأس المال على الصعيد الأوروبي، واتجاه الجماعة الاقتصادية الأوروبية نحو تشكيل كتلة ذات مصالح مشتركة، ارتسمت ملامح استراتيجية جديدة للجماعة، ترى في الجوار المتوسطي جمالاً حيوياً لتعزيز مبادلاتها التجارية والاقتصادية ولتوسيع سوقها جنوباً؛ وقد أرست قمة باريس لعام 1972 هذا الاتجاه وأطلقت مبادرتها لعقد شراكات مع دول المتوسط؛ وقد تعزز هذا الاتجاه إثر حرب تشرين لعام 1973، والحظر العربي على تصدير النقط، وبروز الدول العربية ككتلة متماسكة، وتعديل الموقف الرسمي الأوروبي باتجاه تفهم أكبر لأسباب الصراع في المنطقة؛ ونتيجة ذلك جاء إعلان كوبنهاغن في تشرين الثاني 1973 متضمناً اعترافاً بحقوق الشعب الفلسطيني، والذي كان ينظر إلى قضيته على أنها قضية لاجئين، ومطالباً بإجراء مباحثات دولية لإحلال السلام في المنطقة. حفزت هذه العوامل الحوار فيما بين الدول العربية ودول الجماعة الأوروبية، ونتج ما سمي بالجوار (العربي – الأوروبي) والذي استمر من عام 1975 إلى عام 1978، ولكن دون أن يحقق نتائج تذكر، على صعيد العلاقة الثنائية والشراكة. أدت زيارة السادات إلى القدس المحتلة، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد، إلى انهيار الموقف العربي الموحد. وإضعاف التيار المتصاعد في الجماعة الأوروبية والساعي إلى بناء علاقات متميزة مع الدول العربية المتوسطية بمعزل عن السياسة الأمريكية حيال المنطقة، وكانت أبرز تجليات ذلك الاتجاه في إعلان البندقية لعام 1980، الذي نص على الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني.

تباينت مواقف الدول الأوروبية من اتفاقية "كامب ديفيد"، مما انعكس بتراجع في الموقف الأوروبي المشترك، والذي بلغ سقفه في إعلان البندقية لعام 1980، سعت الدبلوماسية الأمريكية إلا الاستفراد بالمنطقة وعزل الجماعة الأوروبية عن المفاوضات الجارية، مما أدى إلى انكفاء الجماعة الأوروبية وطيها لاستراتيجية التوسع جنوباً خشية الاصطدام بالمصالح الأمريكية والمواجهة معها، وقد تعزز هذا الاتجاه، مع وصول اليمين المتطرف (تاتشر) في انجلترا إلى الحكم ووصول (ميتران) إلى الحكم في فرنسا، والذي حاول إقامة توازن بين التزامات فرنسا الأطلسية، وتطلعاتها الأوروبية والإقليمية، و"التوازن" في علاقات فرنسا مع الدول العربية وإسرائيل، مما أدى إلى تباعد متزايد فيما بين الدول العربية ودول المجموعة الأوروبية.

إثر حرب الخليج الثانية وانعقاد مؤتمر مدريد، وانطلاق المباحثات فيما بين الدول العربية وإسرائيل وتوقيع اتفاقيتي "أوسلو" و"وادي عربة"، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عبر إسرائيل، مبادرة إقامة "السوق الشرق أوسطية"؛ وجدت الجماعة الأوروبية (التي أصبح اسمها منذ 1992 دول "الاتحاد الأوروبي" بعد توقيع معاهدة "ماستريخت")؛ أن مبادرتها للشراكة مع دول جنوب حوض المتوسط، لا تتعارض مع التوجهات الأمريكية حيال المنطقة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد علاقات تجارية واقتصادية، فيما بين هذه الدول، كما أنها غير ملزمة الآن باتخاذ مواقف سياسية متعارضة مع سياسة الولايات المتحدة، طالما أن دول المنطقة قد قبلت بالصيغة الأمريكية للسلام. هذا من جهة، أما من جانب آخر، فإن استراتيجيتها للتوسع جنوباً قد ازدادت أهميتها مع إحكام الولايات المتحدة سيطرتها على المنطقة، ونفطها وأسواقها، لذلك سارعت بالدعوة إلى عقد مؤتمر برشلونة وإطلاق مشروع الشراكة.

ب - إعلان برشلونة:

يهدف المشروع حسب إعلان برشلونة، إلى إقامة منطقة للتبادل الحر بين دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب وشرق المتوسط في غاية عام 2010، وبخلاف مشاريع الشراكة السابقة، الشراكة المطروحة تتضمن بعداً سياسياً وأمنياً وبعداً اجتماعياً وثقافياً، أي أن الجانب الاقتصادي قد أصبح مشفوعاً بالهواجس الأمنية والاجتماعية، التي بدأ الاتحاد الأوروبي يتلمس خطرها بالنسبة له، لذلك جاء والإعلان في ثلاثة محاور رئيسية:

1ً - الشراكة السياسية والأمنية([2]):

يؤكد الإعلان في هذا الباب على التزام الأطراف الموقعة باحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي، والعمل وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعزيز دولة القانون والديمقراطية في نظمهم السياسية. واحترام حق كل طرف باختيار نظامه السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، واحترام المساواة الكاملة بينها (أي الدول) وكل ما يتصل بسيادتها من حقوق، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، وتعزيز تعاونهم للوقاية من الإرهاب ومقاومته، والعمل على الحد من انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وتتعهد بجعل منطقة الشرق الأوسط نووية، وستمتنع عن تطوير قدراتها العسكرية بما يتجاوز حاجاتها المشروعة للدفاع.

يتضح عدم التوازن في الإعلان، حيث يركز بشكل واضح على مسألة الأمن، والحريات وحقوق الأقليات، في الوقت الذي لا يأخذ موقفاً واضحاً من الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية، وانتهاكه لحقوق الشعب الفلسطيني، كما جاء في الحديث عن أسلحة الدمار الشامل عاماً وغير واضح بالنسبة للموقف من الترسانة النووية الإسرائيلية.

لقد جاء الإعلان في هذا المجال بهذه الصيغة نتيجة عوامل أهمها:

1 – عدم وجود موقف عربي موحد، ورؤية سياسية عربية لآفاق العلاقة مع الجانب الأوروبي، وموقف متباين من الاحتلال الاسرائيلي ومن رفضه لحقوق الشعب الفلسطيني.

2 - بروز تيارات واسعة من الرأي العام الأوروبي مناهضة لانتشار الأصولية والتعصب العرقي والديني في دول الاتحاد الأوروبي (عودة بروز اليمين المتطرف والفاشي)، وفي المنطقة العربية (خاصة شمال إفريقيا والجزائر تحديداً).

3 - أدخلت معاهدة ماستريخت تعديلات هامة على معاهدة "السوق الأوروبية المشتركة" وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقيات مع الدول الثالثة، وقد تمثلت هذه التعديلات في فقرات المادة 130 ش التي تولي اهتماماً خاصاً بمسألة احترام هذه البلدان، لدولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأصبحت إمكانية البرلمان الأوروبي، أكبر في رفض أي اتفاق، بناء على مبررات سياسية.

2ً – الشراكة الاقتصادية والمالية:

يحدد الإعلان أهداف الشراكة الاقتصادية والمالية في الاسراع في وتيرة التنمية الاجتماعية – الاقتصادية المستديمة وتحسن مستوى معيشة السكان وتشجيع التعاون والتكامل الاقليمي، وذلك من خلال إنشاء منطقة للتبادل الحر كحد أقصى عام 2010، وسيلغى نتيجة ذلك العوائق التعريفية وغير التعريفية تدريجياً بالنسبة للسلع المصنعة وفق جدول زمني يتفق عليه بين الطرفين أما بالنسبة للسلع الزراعية فقد ارتبط تحريرها في حدود ما تسمح به السياسات الزراعية المختلفة، وفي إطار ما تم التوصل له في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وينص الإعلان أن المشاركين قد قرروا تسهيل إقامة منطقة التبادل الحر من خلال:

- اتخاذ إجراءات مناسبة فيما يخص قواعد المنشأ والضمان، وحماية حقوق الملكية الفكرية والصناعية والمنافسة.

- مواصلة تطوير السياسات القائمة على مبادئ اقتصاد السوق وادماج اقتصاداتهم مؤخوذ في الاعتبار احتياجات كل منهم ومستوى تطوره.

- العمل على تسوية البنى الاقتصادية والاجتماعية وتحديثها، وإعطاء الأولوية إلى تشجيع القطاع الخاص وتنميته، وإلى تأهيل قطاع الإنتاج، ووضع إطار مؤسساتي وقانوني مناسب لاقتصاد السوق.

وفي مجال التعاون المالي تم التأكيد على "أن من المهم إقامة مجال ملائم لهم (الاستثمارات الأجنبية المباشرة)، وخاصة بالإلغاء التدريجي للعوائق التي تعترض هذه الاستثمارات، مما يساعد على نقل التكنولوجيا، وزيادة الإنتاج والتصدير، وفي مجال المساعدة المالية وافق المجلس الأوروبي في كان على رصد مبلغ 4.6985 مليار ايكو للفترة الممتدة من 1995 إلى 1999، على شكل مساعدات مباشرة (تم رفع المبلغ إلى 6 مليار ايكو لاحقاً)، ويلاحظ المشاركون: "أن التصرف الاقتصادي يوافقون على تشجيع الحوار حول أساسية لتحقيق نجاح شراكتهم، ولهذه الغاية، فإنهم يوافقون على تشجيع الحوار حول السياسة الاقتصادية التي ينتهجها كل منهم، حول طريقة الارتقاء بالتعاون المالي".

يتضح مما تقدم، أن الإعلان قد كان محدداً وحاسماً في هذا المجال، تحرير الأسواق وفق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، حرية حركة رأسمال المال وحرية الاستثمار، دعم القطاع الخاص وبناء مؤسسات اقتصاد السوق، وأهم ما في هذا الجانب إعطاء فرصة الرقابة على السياسات الاقتصادية المتبعة.

3ً - الشراكة في الميادين الاجتماعية والثقافية والبشرية:

يؤكد الإعلان في هذا المجال، على تحسين مستوى التربية في المنطقة بأكملها، وبذل اهتمام خاص بمسألة التأهيل المهني، والتكنولوجيا التطبيقية في التربية. ويدعو الإعلان إلى إشراك البلديات والسلطات المحلية عن قرب في الشراكة، ودعماً للحوار بين الثقافات، يشجع على التبادل الثقافي وتعلم اللغات. ويدعو إلى تفاهم أفضل بين الديانات في المنطقة الأوروبية المتوسطية، ويدعو الإعلان إلى حوار اجتماعي من خلال التفاعل الإعلامي والتبادل فيما بين الشبان والفعاليات الثقافية والاجتماعية المختلفة، كما عكس الإعلان الهاجس الأوروبي من تناهي الهجرة بشكليها الشرعي والسري، ودعا إلى التوصل لمقترحات مناسبة في هذا المجال.

عكس هذا المحور في الإعلان الرؤية الأوروبية المحكومة بالهاجس الأمني، وخشية انتقال عدوى التطرف والتعصب العرقي والديني إلى الساحة الأوروبية، التي تعد اليوم ما يزيد عن 10 مليون مسلم بين قاطنيها، كما عكس الإعلان المخاوف من اتساع نطاق الهجرة من دول جنوب المتوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي، في ظل البطالة المتزايدة التي تعانيها دول الجنوب.

ج - اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية([3]):

جاءت اتفاقيات الشراكة، انعكاساً للإعلان وتتمحور حول النقاط التي جاءت فيه، كما أن هذه الاتفاقيات، على اختلاف الدول المتوسطية المطروحة عليها، ذات نموذج موحد يختلف أحياناً في بعض تفاصيله، وفق سير المباحثات وموقف الدولة المعنية، من بعض بنوده. لذلك سوف تقتصر ملاحظاتنا على بعض البنود الهامة في الاتفاق، وأخرى حول بعض الذي مازال موضوع حوار وتفاوض حتى نهاية الجولة العاشرة من المفاوضات.

1 - في المادة الأولى من الاتفاق الفقرة (د) تقترح سورية في الصيغة المطروحة في الفقرة حول تشجيع التعاون الأورومتوسطي (من خلال الاندماج بين سورية والدول العربية) في حين يصر الاتحاد الأوروبي على عبارة (من خلال الاندماج بين سورية وشركائها الاقليميين)، أو إلغاء العبارة بأكملها.

يتضح من هذه الفقرة التناقض في الرؤية والخشية الحقيقية من أن يحول اتفاق الشراكة دون استكمال مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتعاون الاقتصادي العربي المستقبلي، كما يوضح هذا التناقض، رغبة الجانب الأوروبي، بدفع سورية للاندماج مع تركيا وإسرائيل على حساب اندماجها في وسطها العربي، سورية مازالت تدقق إمكانية حذف العبارة بأكملها.

2 – هنالك خلاف بين الجانبين السوري والأوروبي حول صياغة المادة الثانية وشمولها فالاقتراح الأوروبي "الثاني" المعدل ينص على: (احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، سيوجه السياسات الداخلية والخارجية للمجموعة ولسورية وسيكون عنصراً جوهرياً في هذا الاتفاق).

في حين ينص الاقتراح السوري البديل على (العلاقات فيما بين الأطراف، كما هو الأمر بالنسبة لمواد الاتفاق نفسه، ستقوم على احترام مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، وسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كذلك احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تقود سياستهم الداخلية والدولية وتشكل عنصراً أساسياً في هذا الاتفاق).

يؤكد الجانب الأوروبي في هذا المجال على ضرورة إبقاء اقتراحه دون تعديل، في حين يصر الجانب السوري على النص على مبادئ السيادة وعدم التدخل.

والخلاف بين الطرفين في هذا المجال جوهري وهام، والاقتراح السوري محاولة لمنع التدخل في الشؤون الداخلية، إلا أن الجانب الأوروبي وخاصة بعد معاهدة ماستريخت أصبح تدخلياً أكثر، وأصبح البرلمان الأوروبي مسلحاً بحق البحث في مدى التزام الطرف الثالث بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وبالتالي رفض الموافقة على الاتفاق، إذا لم تتوفر الشروط المناسبة في رأي البرلمان.

حتى الجولة العاشرة مازالت هذه المادة دون إقرار نتيجة إصرار الطرفين على وجهة نظر كل منهما، في حين وافقت سورية في الجولة العاشرة على الفقرة الخاصة بمرجعية اتفاقيات الغات لعام 1994، والاتفاقيات متعددة الأطراف الملحقة بها والمنشئة لمنظمة التجارة العالمية. على الرغم من عدم انتساب سورية إلى المنظمة حتى الآن.

3 - في المادة الثالثة الخاصة بالأمن والتعاون ونزع الأسلحة، يتعارض الاقتراح السوري مع الاقتراح الأوروبي فيما يخص الفقرة ح من ثانياً، حيث تؤكد سورية على إخلاء المنطقة الأوروبية المتوسطية من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها الأسلحة النووية، في حين يقترح الجانب الأوروبي تشجيع الشركاء المتوسطيين على التوقيع والتصديق على اتفاقيات منع انتشار الأسلحة بما فيها NPT وCWC وBWC وCTBT.

تريد سورية من هذه الصياغة التأكيد على نزع أسلحة إسرائيل النوورية أو وضعها تحت الرقابة الدولية، في حين يسعى الجانب الأوروبي على إبقاء الموضوع عاماً ويشمل في نفس الوقت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي يمكن أن تكون موضوع تسلح بالنسبة للدول العربية المتوسطية.

4 - المادة الرابعة، يتعارض الاقتراحان الأوروبي والسوري، في مجال الحوار السياسي الإقليمي حيث ينص الاقتراح الأوروبي المعدل على: (سوف يغطي الحوار السياسي موضوعات ذات اهتمام مشترك، وبشكل خاص السلم، والأمن، واحترام القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والديمقراطية والتنمية الإقليمية، وسوف تسعى لفتح مجال لأشكال جديدة من التعاون، بالنظر إلى الأهداف المشتركة، في هذه المنطقة). يؤكد الاقتراح السوري على الانسحاب الاسرائيلي وقرارات مجلس الأمن من خلال الصيغة التالية: (سيشمل الحوار السياسي جميع الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بالنسبة للطرفين، وبشكل خاص، الشروط الخاص لإقامة السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، على أسس قرارات مجلس الأمن المتعلقة، ومبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وكذلك تحقيق التنمية الإقليمية من خلال دعم جهود التعاون، وخاصة فيما بين المجموعة العربية).

كما هو واضح الخلاف عميق بين النصين، وهو يبين بجلاء التراجع في الموقف الأوروبي، الذي أصبح التصاقاً بالموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل، فالاقتراح السوري أكثر انسجاماً مع الشرعية الدولية وهو الحد الأدنى المطلوب من دول الاتحاد الأوروبي في علاقتها بالمنطقة ومستقبلها.

5 - المادة 13 مازالت تتطلب المزيد من النقاش، حيث يقترح النص السوري، إضافة إلى حق سورية بزيادة أو فرض رسوم جديدة على بعض المستوردات التي تؤثر على بعض الصناعات الوليده، إضافة حق فرض قيود كمية على المستوردات أو فرض نظام الحصص.

في الفقرة الثانية يقترح النص السوري رفع قيمة الرسوم الجمركية إلى ما يزيد عن 40% من القيمة بغرض حماية الصناعات الوليدة، وذلك وفق جدول زمني لإزالة هذه الرسوم تدريجياً.

الفقرتان يمكن أن يجدا مبرراً لهما في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، لذلك يمكن للجانب الأوروبي القبول بهما.

6 - تنص المادة (15) على أن الجماعة وسوريا يقومان بمزيد من التحرير لمبادلاتهم الزراعية، والأسماك والمنتجات الزراعية، وذلك دون أي تحديد آخر، أو التزام واضح من قبل الجانبين وخاصة الأوروبي وترجع المادة (16) إلى البرتوكول رقم (1)، فيما يخص السلع الزراعية السورية المستفيدة من التسهيلات الجمركية، والبروتوكول رقم (2) فيما يخص المنتجات الزراعية الأوروبية والبرتوكول رقم (3) فيما يخص الأسماك السورية، والبروتوكول رقم (4) للمنتجات السمكية الأوروبية.

لقد أخضع الجانب الأوروبي القطاع الزراعي إلى بروتوكولات خاصة، وذلك بغرض تجنب التحرير الكامل للمنتجات الزراعية، شأن المنتجات المصنعة، وذلك لخصوصية هذا القطاع بالنسبة له.

7 - المادة 49 والخاصة بتمويل العملات والأموال يقترح الجانب السوري المادة التالية: (استناداً لشروط المادة 50 والمادة 51، يتعهد الفريقان بالسماح لجميع المدفوعات الجارية من أجل التحويلات الجارية أن تتم وفقاً لقيود الدفع بما يضمن استمرارية التمويل للعمليات الجارية)، وذلك مقابل الصيغة الأوروبية القائلة: (استناداً لشروط المادة 51 والمادة 52، يتعهد الفريقان بالسماح بالحرية لجميع المدفوعات الجارية من أجل التحويلات الجارية أن تتم بحرية بعملات قابلة للتحويل).

التناقض فيما بين النصين، هو تناقض في ما بين التحرير الكامل لسوق النقد والعملات، والتحرير الجزئي الخاضع للضوابط وتوفير نوع من الاستقرار المالي في البلاد؛ مع ذلك وافقت سورية على المادة (50) والتي تنص على حرية تنقل الاستثمارات والأرباح الناجمة عنها، وحرية تسييل الاستثمارات وعودتها إلى منشئها، وذلك بغض النظر عن المنعكسات على ميزان المدفوعات.

وتقترح سورية في نص معدل: "أن يتم ذلك وفق شروط قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 وتعديلاته".

وتنص المادة (51) على إمكانية لجوء الفريقين في حالات استثنائية إلى تطبيق البنود الخاصة بذلك في اتفاقية الخدمات (GATS) والمادتان 8 و14 من مواد اتفاقية صندوق النقد الدولي ولمدة لا تزيد عن ستة أشهر ويقترح النص السوري العمل بالمادة (14) من اتفاقية صندوق الدولي فقط، ولمدة لا تزيد عن ستة أشهر في حال أن الوضع لا يتطلب مدة إضافية.

إن تطبيق هذه المواد (49) و(50) و(51) و(52)، يفرض على سورية تحرير سوقها المالية والمصرفية، ويدخلها في العولمة المالية بشكل قسري، حتى وإن قبلت التعديلات التي قدمتها في مقترحاتها للمواد المذكورة.

8 - المادتان (54) و(55)، وترتبطان بالاحتكارات الحكومية والشركات العامة ذات الحقوق الخاصة أو المطلقة، يقترح النص الأوروبي (تسوية أوضاع الاحتكارات الحكومية ذات الطابع التجاري حتى نهاية السنة الخامسة دخول الاتفاق حيز التطبيق، بإلغاء التمييز بالنسبة للشروط التي يتم بها التزود و تسويق السلع بين مواطني الدول الأعضاء وسورية)، ويقترح النص السوري المقابل (زيادة المدة الزمنية إلى عشرة سندات، ويضيف العبارة التالية على النص السابق للمادة (54)، مأخوذ في الاعتبار الحالات المحدودة التي ترى فيها سورية ضرورة التعامل معها (الشركات الحكومية) لأسباب خاصة هامة ولمدة لا تتجاوز الخمس سنوات)، وفي المادة (55) يقترح النص السوري إضافة عبارة (يجب ألا تعيق إلغاء الحقوق الخاصة والمطلقة المضمونة من قبل الدولة لشركاتها) تنفيذ في إطار القانون أو في الواقع، المهام الخاصة الموكلة لهذه المؤسسات.

بالنسبة لهاتين المادتين، يتطابق النص الأوروبي مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، سواء فيما يخص المعاملة الوطنية للسلع والشركات أو فيما يخص المشتريات الحكومية والاحتكارات العامة.

لذلك ستكون سورية مجبرة على قبول هذا النص، نتيجة طلبها الانضمام إلى المنظمة.

9 - يبحث الفصل السادس في التعاون في المجال الاجتماعي، ويكرس القسم الأول للحوار الاجتماعي ومسألة الهجرة ويبحث القسم الثاني في تقليص ضغوط الهجرة وإعادة ادماج المهاجرين غير الشرعيين في موطنهم، وغيرها من المسائل الثقافية والإعلامية، وليس فيها جميعها تعديلات من قبل الجانب السوري.

وخصص الفصل السابع لموضوع التعاون في مجال الفضاء والهجرة والصراع ضد الجريمة المنظمة، وأيضاً في هذا الفصل لا يوجد مقترحات خاصة من قبل سورية في هذا المجال.

يتبين من مواد الاتفاق، استمرارية التباين في المواقف فيما بين الجانبين في ما يخص المحور السياسي والأمين، وهذا ناشيء، عن التباين في مواقف دول الاتحاد، والاتجاه السائد في السياسة المشتركة هو الحلول الوسط أو المواقف المنسجمة مع سياسة الحلف الأطلسي، التي هي انعكاس للسياسة الأمريكية، وحسب آلية صنع القرار وآلية السياسة المشتركة لدول الاتحاد، يتجه الموقف المشترك ليكون انسجاماً مع الموقف الأمريكي، خاصة في ظروف عدم وجود موقف عربي موحد، وغياب أية آلية تعاون ودعم عربي للمفاوض السوري وقبله للمفاوضين العرب الآخرين.

يكرس الاتفاق آلية تدخل في الشؤون الداخلية للدول المتوسطية، ويفرضعليها القيم الأوروبية([4]) في فهمها للديمقراطية والحريات الجماعية والفردية، ولا يتوقف الأمر عند فرض معايير الاتحاد الأوروبي بل يتعداه إلى الانتقائية في تطبيق هذه المعايير، حيث تطبق في حالات سياسية معينة، ويتم التغاضي عنها في ظروف أخرى أو إذا كانت إسرائيل هي من يقوم بانتهاك تلك المعايير.

يفرض الاتفاق على الجانب السوري الالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية وما تشترطه من فتح للأسواق وتحرير لحركة رأس المال وإلغاء الضوابط المالية والنقدية وإخضاع المشتريات الحكومة للمنافسة الخارجية وإلغاء الامتياز والحصر بالمؤسسات العامة للأنشطة ذات الطابع التجاري، وهذا الاتجاه الليبرالي يتنافى، مع المصالح الوطنية في التنمية المتجهة نحو الداخل والمدعمة ذاتياً، والتي للدولة ونشاطها الاستثماري والانتاجي الدور المحرك فيها، وغياب هذا الدور لمصلحة قوى السوق، في ظل المستوى المتدين لتطور قوى الانتاج الوطنية، يعني هيمنة قوى السوق العالمي على الاقتصاد الوطني، وأحكام تبعيته للخارج.

2 - انعكاسات مشروع الشراكة على الاقتصاد والمجتمع السوريين:

قد يكون سابقاً لوقته الحديث عن منعكسات الشراكة، فالاتفاق لم يوقع بعد، ولم تنطلق آلية الاندماج، كما لا يمكن القياس كمياً لهذه المنعكسات لعدم معرفتها وتقديرها مسبقاً، لذلك سنحاول التركيز على الاتجاهات، عوضاً عن التركيز على الكميات والمقادير والقياس نسبة إلى المعطيات الأولية المتوفرة عن التجربة التونسية.

آ - الانعكاسات المحتملة في الجانب السياسي:

إذا كان الموقف الأوروبي ممالثاً للسياسة الأمريكية في المنطقة، فإن ذلك لا يفترض بالضرورة تغييراً في الموقف السوري، أو تنازلاً عن الثوابت الوطنية، بل يمكن أن تكون الشراكة فرض أكبر لشرح المدقق السوري والعربي، وكسب التأييد له في المجتمعات الأوروبية. ما يجب التنبه له في هذا الجانب، هو الركون إلى إمكانية الحصول على دعم وتأييد تلقائيين، للموقف السوري نتيجة الشراكة، فآلية اتخاذ القرار السياسي المشترك في مجلس الاتحاد أو في المجلس الوزاري والمفوضية الأوروبية تخضع للتوازنات الداخلية في الاتحاد، ومدى تأثر العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الموقف، لذلك لن يكون التأييد تلقائياً، خاصة وأن نص اتفاق الشراكة، لا يحدد أي موقف تضامني أو دفاعي مع الشركاء المتوسطيين، أما بالنسبة لتأكيد الاتفاق على مسألة دولة القانون وحقوق الإنسان الفردية والجماعية، فإن خشية سورية أن يستخدم هذا الجانب بانتقائية وكذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية، وهذا ممكن خاصة في ظل النزعة المتنامية في هذه الدول (دول الاتحاد الأوروبي) للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تحت شعارات "التدخل الإنساني" أو تحت شعار "محاربة الإرهاب"، التدخل لدهم بعض الأقليات أو بعض التيارات السياسية، من شأنه أن يهدد الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية ويخل بالتوازنات السياسية والاجتماعية، في البلاد، كما أن فرض قيم الليبرالية الاقتصادية، وقيم الديمقراطية الغربية، من شأنه تغييب الجانب الاجتماعي للتنمية، وتغييب القيم الوطنية والقومية، وقيم العدالة الاجتماعية، التي هي قيم مجتمعية مستأصلة في الذاكرة الجماعية للشعب السوري.

ب - الانعكاسات الاقتصادية المحتملة:

يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي في الدول الخمسة عشر التي تكونه الآن (هنالك 11 دولة أوروبية أخرى تتأهل حالياً للدخول في الاتحاد الأوروبي) ما يزيد عن 370 مليون نسمة وبناتج محلي إجمالي يقارب 8800 مليار دولار سنوياً، وبحصة من الناتج للفرد تزيد عن 23 ألف دولار سنوياً أي أن سورية ذات 17 مليون إنسان وناتج محلي إجمالي يقارب 18 مليار دولار يقدر الناتج المحلي الإجمالي لعام 2002 بأسعار عام 2000 الثابتة نحو 914287 مليون ليرة سورية([5])، وبحصة للفرد من الناتج تزيد قليلاً عن ألف دولار سنوياً.

أي أن سورية تدخل في الشراكة مع أكبر كتلة اقتصادية وتجارية على الصعيد العالمي. مما يعطي صورة واضحة لعدم التناسب فيما بين الفريقين، وبالتالي تأثر أحدهما بالآخر، ودور كل منهما في هذا الاندماج أي أن سورية سيكون دورها هامشياً، وقدرتها التفاوضية محدودة نتيجة هذا الخلل في ميزان القوى.

نمت صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع والخدمات بما يعادل 7.84% عام 2001 ونحو 0.5% عام 2002، في حين أن مستورداته كانت قد نمت بما يعادل 6.69% و-2.0% خلال العامين المذكورين([6]) في حين أن الصادرات السورية كانت قد نمت خلال عام 2002 بما يعادل 1.29% ونمت في عام 2001 بما يعادل 1.12%، ونمت المستوردات خلال العامين المذكورين بـ 1.07% و1.17%([7]).

يستأثر الاتحاد الأوروبي بما يزيد عن 25% من إجمالي التجارة العالمية، إلا أن ما يزيد عن 63% من إجمالي مبادرته التجارية يتم فيما بين دول الاتحاد، مما يعكس تكاملاً وارتباطاً داخلياً كبيراً مقارنة مع المجموعات الاقليمية الأخرى (نحو 39% لدول نافتاً ونحو 19% لدول المركوسور و12% لدول أندين و22% لدول آسيان)، وبالمقارنة مع مبادلات سورية مع جوارها العربي فإن 9% من إجمالي المستوردات السورية لعام 2001، كانت من الدول العربية، وصدرت سورية ذلك العام ما يزيد قليلاً عن 15% من إجمالي صادراتها، أي أن سورية غير مندمجة بكتلتها العربي حتى الآن، رغم توقيع العديد من الاتفاقيات. والتقدم في عملية بناء منطقة التجارة الحرة العربية. في الوقت الذي شكلت الصادرات إلى سوق الاتحاد الأوروبي ما يقارب 64% من إجمالي صادرات سورية لعام 2001، كما كانت دول الاتحاد مصدر ما يعادل 33% من إجمالي المستوردات السورية لذلك العام، أي أن ما يقارب 50% من إجمالي مبادلات سورية الخارجية يتم مع دول الاتحاد الأوروبي، وهذا يؤثر إلى مدى ارتباط سورية بهذه السوق وتبعيتها لها، وتتعزز هذه التبعية نتيجة تركز الصادرات السورية إلى هذه السوق بالمواد الخام (النفط بشكل رئيسي).

تشكل المواد الأولية والخامات ما يقارب 79% من إجمالي الصادرات السورية عام 2002، وشكلت الخيوط والمنسوجات على اختلافها 1.5% من إجمالي الصادرات لذلك العام([8]).

وشكلت العدد والآلات ما يقارب 0.00078 من إجمالي الصادرات السورية لذلك العام، وشكلت الصادرات من اللحوم والحيوانات الحية والمنتجات الزراعية نحو 13.5% من الإجمالي.

يركز تحرير المبادلات في إطار الشراكة، على تحرير السلع المصنعة بالدرجة الأولى، وتخضع السلع الزراعية إلى البروتوكول الخاص بها، أي أن الفائدة المرجوة بالنسبة للاقتصاد الوطني محدودة نتيجة محدودية صادراته الصناعية وقدرتها الضعيفة على المنافسة في سوق مفتوحة، حيث لم تستفد الصادرات الصناعية السورية نحو دول الاتحاد الأوروبي، من اتفاق الشراكة المعقود أواخر السبعينات والذي منحت فيه دول الاتحاد الأوروبي إعفاء للسلع الصناعية السورية دون المعاملة في المثل، فبقيت الصادرات السورية محدودة رغم ذلك، ورغم القيود المفروضة على الواردات الأوروبية من دول أخرى. في مرحلة تطبيق اتفاق الشراكة الجديد، سوف تنتقل دول الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة جديدة من التحرير لوارداتها بما فيها النسيجية حتى عام 2005، وذلك وفق التزاماتها في إطار اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وهذا يفتح الباب واسعاً لمناقشة الصادرات السورية من الخيوط والنسيج والألبسة والأحذية مع نظيراتها الواردة من دول جنوب شرق آسيا، والتي بالمقارنة مع الصادرات السورية، أكثر تنافسية.

أما بالنسبة للصادرات الزراعية، فإن قدرة سورية ضمن الظروف الحالية محدودة على التصدير والمنافسة في السوق الأوروبي، ذو الإنتاجية الزراعية العالية، كما أن إمكانات سورية في هذا المجال محدودة، نتيجة شح المياه وتخلف سورية في مجال البحوث الزراعية والهندسة الوراثية، هذا من جانب التصدير أما بالنسبة لجانب الاستيراد، فإن الوضعية ستكون أكثر قتامة وخطراً، فتح السوق السوري في مستوى تطور نوى الإنتاج المحلية، يعني زيادة الواردات التي لم تعد مقيدة كالسابق، وفي دراسة للقطاع الصناعي التونسي تبين أن ما يقارب الثلث من المنشآت الصناعية سوف يكون قادراً على خوض المنافسة والاستمرار في حين أن ثلث المنشآت سوف يتعرض للدمار الخسارة والثلث الأخير سوف يعاني من صعوبات قد لا يستطيع الاستمرار بعدها، وبإسقاط هذه النتائج على واقع القطاع الصناعي في سورية والذي يتكون بنسبة أكثر من 90% منه، من منشآت لا تضم أكثر من عشرة عمال، وهي منشآت يغلب على إنتاجها الطابع اليدوي أو نصف الآلي. هذه المنشآت لم تتأهل ولم يتم تدارك أوضاعها رغم أن مشروع الشراكة قد طرح منذ ما يقارب الثماني سنوات، كما أن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية قد مضى عليها ما يزيد عن ذلك دمار المنشآت من خلال المنافسة لا يتوقف عند المنشآت ذاتها بل يستثنيه إلى المنشآت المزودة المستخدمة لانتاجها كمدخلات لذلك فإن أثر الفشل في المنافسة سيكون له آثاراً تراكمية ككرة الثلج، ولن يكون بمقدور الحكومة انقاذ هذه الأوضاع إلا ضمن الحدود التي يسمح بها اتفاق الشراكة.

خصص الاتحاد الأوروبي مبلغ 6 مليار دولار تقريباً، لمساعدة الدول المتوسطية في إعادة تأهيل قطاعاتها الإنتاجية، وستكون لسورية حصة من هذا المبلغ، ولكنها ليست كبيرة وهي غير كافية لإعادة تأهيل وتطوير القطاع الصناعي، عدا أن قسماً منها قد أنفق فعلاً في بعض مجالات الإدارة والتسويق في إطار برنامجي المبدأ (1) و(2. أي أن عملية تأهيل القطاع الصناعي، لن تكون مرهونة بالمساعدات، وهنالك حاجة ماسة للاستثمارات الوطنية الحكومية والخاصة في هذا المجال.

تفتح الاتفاقية الأسواق في الجانبين، للاستثمارات وحركة رأس المال، ولكن تجربة سورية مع قانون تشجيع الاستثمار رقم (10) لعام 1991، بينت أن رأس المال الأجنبي والأوروبي، على نحو خاص، قد ظل نائياً عن السوق السورية والاستثمار فيها، فسورية لا تشكل بالنسبة له موقعاً جاذباً للاستثمار، بفعل عوامل عدة من أهمها ضيق السوق المحلي وتدني معدلات النمو الاقتصادي وضعف تكوين اليد العاملة السورية، التي لم يتطور تأهيلها ومستوى إنتاجيتها بالقدر الكافي.

إن تحرير حركة رأس المال، ورفع الضوابط والقيود عن التحويلات على حساب رأس المال، وتحرير السوق المالية، من شأنه أن يؤدي إلى عملية نزوح للادخارات الوطنية.

وسوف يفاقم من هذه العملية، شرط تحرير قطاع الخدمات، بما فيها الخدمات المالية والمصرفية والتأمينية.

ج - الانعكاسات في المجال الاجتماعي:

تراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في السنوات الأخيرة قد انعكس بتراجع في مستوى التنمية البشرية، وتقليص الانفاق العام على التعليم والصحة والمرافق العامة والاتجاه نحو خصخصتها، وفق توجيهات انفاق الشراكة، من الممكن أن يؤدي إلى تراجع أكبر في مستوى التنمية البشرية، وزيادة الفقر على المستوى الوطني.

خسارة بعض القطاعات وتحطم بعضها، سوف يؤدي إلى تسريح أعداد متزايدة من العمال، ومفاقمة مشكلة البطالة والفقر في المجتمع، ولن يكون في مقدور سورية الاعتماد على إمكانية هجرة فئة من اليد العاملة إلى دول الاتحاد الأوروبي وبالتالي الحصول على عائدات تساعد في التنمية، وذلك لأن الهجرة إلى دول الاتحاد، تدخل في بنود الاتفاقية وسوف تخضع لضوابط وشروط، وهي ضوابط وشروط انتقائية بدأت دول الاتحاد تطبيقها خلال السنوات الماضية، وهي فتح باب الهجرة لفئة العمالة الماهرة وعالية التأهيل، وإغلاقه في وجه العمالة متدينة ومتوسطة المهارة.

التدخل الانتقائي لدول الاتحاد في الشؤون الداخلية للدول المتوسطية، من أجل تدعيم "مسيرة الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، من الممكن أن تؤجج الصراعات الداخلية وتخل بالوحدة الوطنية، والتعايش العرقي والطائفي، الذي تعرفه البلاد تاريخياً.

تتهدد الشراكة غير المتوازنة، القيم الثقافية والحضارية والإنسانية التي يتمتع بها المجتمع السوري، والمجتمعات العربية، ويكرس نوعاً من القيم الثقافية والحضارية غير المتنمية على حساب قيم مجتمعية وقومية تسعى للتحرر وتأكيد الذات الوطنية والقومية.

3 - آليات تحسين شروط الشراكة في مصلحة سورية:

الشراكة والاندماج هو علاقة قوة بين الطرفين، وفي ظل الخلل في ميزان القوى بين سورية والاتحاد الأوروبي، لن تكون محصلة هذا الاندماج في مصلحة سورية، وكي تستطيع سورية تحسين وضعيتها في هذا الاندماج يجب أن تعمل على التخفيف من آثار ميزان القوى، وذلك بإدخال عناصر أخرى في العملية، وأهم هذه العناصر هو العنصر الاجتماعي ولا تستطيع الحكومة السورية استخدام هذا العنصر مباشرة، لأنها ستكون غير قادرة على نسج علاقات اجتماعية مع مجتمعات دول الاتحاد، وقواها الاجتماعية والأهلية، كالأحزاب والمنظمات النقابية والأهلية المختلفة، أي على سورية أن تغير من أسلوب التفاوض القائم حتى الآن والذي استبعدت منه مؤسسات وهيئات المجتمع الأهلي في لجانه.

بعد توقيع اتفاقية ماستريخت أصبح للبرلمان الأوروبي دوراً أوسع وأكثر تأثيراً على السياسة العامة للاتحاد، ويتكون هذا البرلمان من قوى سياسة واجتماعية منتشرة على كامل الاتحاد، مما يعني أن العلاقات النقابية والعلاقات مع المنظمات الأهلية والأحزاب السياسية الأوروبية، يمكن أن تساعد في تحسين شروط الشراكة، وعدم إبقائها رهينة مصالح الشركات الأوروبية الكبرى، التي لا نرى في هذه الشراكة سوى سوق جديد وفرص جديدة للربح وتعظيم الاحتكار.

لقد كان رأس المال هو المبادر والمحرك للاندماج الأوروبي، وهو المبادر والمحرك في العولمة الجارية، ولكن هذا الخلل بدأ بالتصحيح من خلال تدخل مؤسسات وهيئات المجتمع المدني والأهلي للحد من صلاحيات واتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وللحد من دور مؤسستي بريتون وودز في خدمة مصالح رأس المال العالمي والأمريكي بشكل خاص، هذا العمل الشعبي الواسع من أجل بناء علاقات دولية تأخذ بالاعتبار مصالح الدول النامية.

لابد لسورية من الإفادة منه، وذلك من خلال إطلاق حوار اجتماعي واسع داخلي وهو ما يحد من فرص التدخل في شؤونها الداخلية، لأن الشعب السوري لا ينتظر الغرب الرأسمالي، كي يبني له ديمقراطية وحوار اجتماعي في وطنه، وهو لا يثق بهذه الديمقراطية المستوردة والتدخلي، فديمقراطيته يبنيها من خلال حواره الاجتماعي الوطني المستقل، وهذا ما سوف يؤهله، لإطلاق حوار اجتماعي واسع، مع القوى الاجتماعية الأوروبية، لتكون إلى جانبه في تفاوضه مع رأس المال الأوروبي وشركاته عابرة القومية.

لابد لسورية من تدعيم موقعها من خلال التمسك بالتكامل الاقتصادي العربي، والتعاون العربي العربي في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية، والتقدم باتجاه الوحدة الجمركية على صعيد الدول العربية، ومن ثم التقدم باتجاه السوق المشتركة.

إن مشروع الشراكة في وضعيته الحالية وتوازناته سوف يكرس الوضعية التابعة للاقتصاد السوري في قسمة العمل الدولية، كدولة مصدرة للخامات ومستوردة للسلع المصنعة والتقانات الحديثة، كما من شأن هذا الاتفاق أن يكرس التباين والتفرقة فيما بين الدول العربية، ويرميها فرادى في فضائه الاقتصادي على حساب اندماجها فيما بينها الأمر الذي من شأنه أن يتهدد الهوية القومية للمنطقة العربية، ويلغي إمكانية انطلاقتها الجماعية وتطلعاتها نحو التحرر والسيادة.

إن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الشامل والذي تأخر كثيراً حتى الآن قد أصبح ملحاً وعلينا جميعاً مواطنين ومسؤولين، البدء به، بشكل مشترك، حيث لا يمكن للإصلاح أن يتم دون مشاركة المواطنين، ومشاركتهم تتطلب إصلاحياً سياسياً، يفتح لهم الباب واسعاً لمحاربة الفساد والبناء والعدالة الاجتماعية

 

عذراً للإطالة

وشكراً لإصغائكم

 

د. نبيل مرزوق

 



(*) باحث اقتصادي.

([1]) أعلنت هيئة تخطيط الدولة أن الجولة الحادية عشرة للمفاوضات ستبدأ في 15/10/2003 في بروكسل وأن الاتفاق مع الجانب الأوروبي ينص على عقد الجولة الثانية عشرة في 15/12/2003 ويأمل الطرفان أن تختتم المباحثات في تلك الجولة.

([2]) مصدر: إعلان برشلونة - الذي تمت المصادقة عليه في المؤتمر الأوروبي المتوسطي 27 - 28/نوفمبر/تشرين ثاني/ 1995.

([3]) مصدر:

Draft 2 re V. 2* - Euro-Mediterranean Agreement Establishing an Association Between the European Commcenities and their Member States on the one part, and the Syrian Arab Republic On the Other part. – Version 2 Rev 2: 04/2003.

([4]) انظر د. محمد مصطفى كمال ود. فؤاد نهرا - صنع القرار في الاتحاد الأوروبي والعلاقات العربية - الأوروبية مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، آب أغسطس 2001.

([5]) مصدر: المجموعة الاحصائية لعام 2003، المكتب المركزي للإحصاء ـ دمشق 2003.

([6]) مصدر:

     Real Gd and Crade growth of OECD Countries, 2000 - 2002.WTO. Amual Report 2003 0 ehart 15.

([7]) مصدر: المجموعة الإحصائية لعام 2003، المكتب المركزي للإحصاء دمشق 2003، جدول رقم (19).

([8]) المصدر السابق: الجدول 9/15.