التنمية والإصلاح الإداري

مداخلة الدكتورة ديالا الحج عارف

 

مقدمة إلى الأمسية الثقافية الرمضانية

المنعقدة بدعوة من جمعية العلوم الاقتصادية

في دمشق 11/11/2003

 

لعل يُسْرَ التوطئة لموضوع حيوي هام كالتنمية والإصلاح الإداري ناتج عن مزيته التي اكتسبها - إضافة لمضمونه - من تطابقه مع عصرنة التفكير في زمن قد تكون السمة الأساسية التي تطبعه هي التغيير، بصرف النظر عن نوعه، وآليته، أو نتائجه وكفاءته.

فقد اتفقت الآراء - بصورة عامة - على أنه في ظل استمرار توسع اختصاصات أجهزة الإدارة العامة، في الدول النامية وتعاظم حجم الدور الملقى على عاتق الجهاز الإداري العام في مسيرة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتضخم الإحساس «بالفجوة» بين درجة أداء النظام الإداري الراهنة، وبين ما ينبغي لها أن تكون وفق الطموحات والآمال في مختلف جوانب التنمية. فإن الموجبات تجتمع وإن اختلفت درجة تأثيرها وتفاوتت مقدار فاعليتها لتُعمق نشوء المسوغ الحقيقي لضرورة فتح ملف الإصلاح الإداري والتنمية، ودراسة استراتيجية وبرامج عمل هذه الحاجة الملحة. كي لا يبقى الإصلاح أو التنمية مجرد كلمات دون تعريف إجرائي ينحصر بالضرورة في «الفهم.. والوصف.. والقرار» وكي لا نطبق المثل الشائع «أسمع عجيجاً ولا أرى طحيناً» فإن أمام الحكومة الجديدة «حكومة الإصلاح الإداري» حسم الصراع غير المتكافئ مع الزمن، في محاولتها الاستجابة لاحتياجات المواطنين وتطلعاتهم. على اعتبار أن دورها قد تحدد في قيادتها للاقتصاد الوطني، وأداء أعباء التنمية الشاملة التي تتطلع إليها.

وذلك بالأخذ بأكبر قسط من أسباب ووسائل النهوض بمعدلات التنمية ومستويات الأداء، ومعايير التنفيذ وتذليل الصعوبات والمعوقات التي تضعها في حالة مواجهة أكبر، واهتمام أكثر بمعالجة العجز النسبي للجهاز الإداري في قطاعات مختلفة، ومراحل متنوعة، وأوقات متعددة، وبضبط الإنفاق، والاستعداد للمساءلة. فتكون الخطوة الأولى في البرنامج التنفيذي هي الانطلاق من مفهوم موضوعي للإصلاح الإداري يشمل كل جزئيات وتفاصيل عمل الجهاز الإداري العام، ويعمم على كافة قطاعاته وحدوده والبيئة الخارجة المحيطة به ليكون على سبيل - المثال لا الحصر - التعريف الذي اعتمده خبراء التنمية والإصلاح العرب مجسداً للأهداف المرجوة والذي ينص على أن:

«الإصلاح الإداري هو جهد سياسي وإرادي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وإداري هادف لإحداث تغييرات أساسية إيجابية في السلوك والنظم والعلاقات والأساليب والأدوات تحقيقاً لتنمية قدرات وإمكانيات الجهاز الإداري بما يؤمن له درجة عالية من الكفاءة والفعالية في إنجاز أهدافه» فيتحول بذلك - أي المفهوم - عن التفسير اللغوي لمسمى الإصلاح الذي يشير بشكل أو بآخر إلى وجود درجة ما من الخلل والفساد تحتاج إلى علاج وتصحيح، مما ينطوي على إدانة خفية لنظم وأساليب الأداء والقيادة ويضخم إلى حد ما من مقاومة التغيير لدى القائمين على العمل العام.

ويلغي نسبياً - أي المفهوم المقترح - الربط بين الإصلاح الإداري والحركات الراديكالية والإصلاح الديني، والإصلاح الزراعي، كالإصلاح الاجتماعي، والتطرف الذي بنت عليه أفكارها في بعض الحالات، والأثمان الباهظة التي تطلبتها، والزمن المديد الذي استغرقته... فيمنح بالتالي القيادة السياسية حرية أكبر في نهجها وتوجهها.

كما أنه يبتعد عن نهج المنظمات الدولية (كالبنك الدولي، صندوق النقد،...) في نظرتها للإصلاح كتحول عن بعض الأفكار والمعتقدات الاقتصادية والحزبية ويسقط بالتالي أو يخفف من حذر الحكومة من اعتبار استخدامها لهذا المسمى (الإصلاح) كخضوع لمطالب هذه المنظمات، وتراجع عن رؤيتها التي بنت سياساتها عليها.

وتترسخ بموجب ما سبق عوامل استخدام مصطلح الإصلاح الإداري، مقابل انحسار مفاهيم أخرى لنفس العملية كالتنمية الإدارية، التطوير الإداري، إعادة التنظيم الإداري والتحديث الإداري. على اعتبار أنها جميعاً تتطابق وتلتقي مع الإصلاح الإداري ومع بعضها. من حيث كونها تتناول موضوعاً معيناً هو إعادة تنظيم الجهاز الإداري للدولة، وحل مشكلاته من أجل تحقيق المزيد من الكفاءة في أداء السياسة العامة لدولة.

وقد تكون الإلزامية مدخلاً مرجحاً لفعالية الإصلاح الإداري في سوريا نتيجة توفر معظم مبررات اعتماد هذا المدخل وشروطه من:

آ - عوامل سياسية: التغيير في قيادة الدولة (رئاسة الجمهورية - رئاسة وعضوية السلطة التنفيذية (الحكومة) وما ترتب على ذلك من تغيير أو تعديل في برامج عمل وإدارة الدولة.

ب - عوامل اقتصادية: تشير إليها الإحصاءات الرسمية (كالبطالة، التضخم، انخفاض الإنتاجية، ارتفاع تكاليف الإنتاج، انخفاض الاستثمار، انخفاض مستوى الدخل الفردي، سوء توزيع الدخل القومي...).

ج - عوامل اجتماعية: تتمثل في انتشار بعض مظاهر الفساد من (رشوة، اختلاس، استغلال الوظيفة العامة، تبادل المنافع الخاصة،...).

د - عوامل ديموغرافية: تظهر في تزايد نسبة الهجرة الداخلية والخارجية، ارتفاع معدل نمو السكان، التمركز الشديد في مراكز المدن والعاصمة..).

تضافر هذه العوامل، وانتشار الظواهر السلبية والأعراض المرضية الكلية - التي لا مجال سوى لاستعراض عناوينها مثل:

- مفارقات الأجور والرواتب والتعويضات.

- طبيعة العلاقات بين القيادات السياسية وإدارات الجهاز الإداري.

- تداخل الاختصاصات وازدواجها.

- كثرة القوانين والتشريعات المعمول بها والتعديلات الجارية عليها.

- بطء تأقلم الجهاز الإداري مع تطورات التقنية المادية.

- العناية الجزئية بالتدريب والتأهيل.

- الهياكل التنظيمية المبنية على نظام التسلسل.

- تعقيد إجراءات العمل وبطء حركة سيرها.

- الميل الشديد لاقتناء الوسائل التقنية بصرف النظر عن الجدوى الاقتصادية الحقيقية.

كل ما سبق دفع بالقيادة السياسية إلى تبني مبادرة الإصلاح الإداري في سوريا. وفرضها فوقياً على الأجهزة الإدارية التنفيذية، ومتابعة التوجيه بإعداد وتنفيذ استراتيجية وطنية للإصلاح بناءً على دراسات معمقة وقرارات علمية وجهود تعاونية تحيط بالواقع والتجارب المختلفة لتستخلص ما هو ملائم لاقتصادنا ومجتمعنا. فتوفرت بالتالي الدفعة السياسية والمقومات المجتمعية التي تدعم وتؤازر إصلاح نظم إدارة الجهاز الإداري بكامله.

وأصبحت الكرة الآن - ضمن نقلة نوعية متميزة بالجرأة والوضوح والدقة في الرؤية والنهج - في مرمى الإدارة التنفيذية لنقلها وإخراجها إلى حيز الواقع الفعلي باستغلال هذا الدفع السياسي الذي يعتبر مدخلاً قوياً فعالاً يساهم في نجاح الإصلاح وتحقيق أهدافه في إنجاز آمال السياسة العامة للدولة في الارتقاء بإشباع حاجات المواطنين وتحقيق مستوى متقدم من العيش الكريم.

وهو ما يمثل المرحلة الأولى للإصلاح - الإحساس بالحاجة - التي تم تجاوزها بالكامل بل واستغرقت زمناً أكثر مما ينبغي في الانتقال منها إلى المرحلة الثانية - لوضع الأهداف وتصميم الاستراتيجية التي حددت أطرها العامة أيضاً من القيادة السياسية بـ:

- رفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية.

- تطوير القوانين والتشريعات.

- تقليص الفساد ومعالجة آثاره.

- إعادة هيكلة الأنظمة الإدارية وتطويرها.

- تحديث الوسائل والأدوات.

- تعميق الدور الرقابي للمجتمع بمختلف مؤسساته وفعالياته.

وبقي أمام المعنيون بعملية الإصلاح تحديد أي الأهداف أولى بالرعاية - هذا فيما إذا تم حسم الجدل بين رؤية القيادة، ورؤية بعض الفئات القائمة على العمل ضمن الجهاز الإداري، والتي تحاول بشكل ما (وبصورة غير علنية) إجهاض عملية الإصلاح حفاظاً منها على مكتسباتها وامتيازاتها في بقاء الوضع الراهن، أو إذا أخذنا منطلق حسن النية - تحاول عدم الاعتراف بالأخطاء أو السلبيات الموجودة لأنها تمسها وتمس أداءها، وتعني اعترافاً ضمنياً بتقصيرها.

وهنا يأتي دور أفراد جهاز الإصلاح الإداري وفريقه، وتبرز إمكانياتهم الحقيقية من خلال قدرتهم على برمجة هذه الأهداف زمنياً بشكل يتكامل تحقيقها أفقياً، وتحديد خطوات تنفيذها تفصيلاً لكي لا يكون تفاوت الأولية الموضوعية أو الزمنية كبيراً أو بعيداً بما يؤدي إلى إفراغ إيجابيات إصلاحها وتطويرها من محتواه.

وتأتي المرحلة الثالثة - التي طال انتظار البدء فيها - لتنفيذ الإصلاح الإداري وفق الأسلوب المتدرج انطلاقاً من التهيئة الشعبية لقبوله والتفاعل معه وصولاً إلى أسلوب الصدمة في تقليص آثار الفساد ومعالجة مبرراته.

فيكون الخضوع للتدريب بداية لبرنامج بعيد المدى باعتباره وسيلة لتنمية المعارف والعلوم وفقاً لمتطلبات العصر، لا لمعالجة النقص والقصور المفترض في الإمكانات والقدرات.

وتصبح إعادة التنظيم الإداري والهيكلة منهجاً لتسهيل العمل وزيادة فعاليته لا لتقليص اميازات أشخاص أو منح صلاحيات لآخرين.

ويتحول تغيير القوانين أو تعديلها إلى أداة لتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وضمان سير العمل وحركته بيسر وسهولة ووضوح بدلاً من أن تحد من تصرفات الإداريين وتتشدد في رقابتهم.

وينتقل تحديث الأدوات الوسائل من واجهة للمدنية والحضارة تفتقد للخبرة الفنية اللازمة لتشغيلها، إلى عناصر تساهم في التشغيل الاقتصادي من خلال ضمان الوصول إلى الكفاءة في الأداء بزمن وتكلفة أقل.

وتتحدد محاربة الفساد في كونه وسيلة لتحقيق واجبات ومهام الجهاز الإداري لا غاية لمحاسبة أشخاص وإدانتهم... الخ.

وبذا تكون الرؤية منسجمة مع الواقع، ويصبح التنفيذ مقترباً للتماثل مع التخطيط وتدنو الآمال والأماني من التحقيق ولا تبقى في حاجة إلى معجزات أو طفرات.. خاصة إذا ما تتابع بعملية تقويمية دورية تتبناها القيادة السياسية في أعلى قمة الهرم القيادي للدولة. من خلال ردفها للدعم الذي وفرته برئاسة لجنة عليا للإصلاح تضم الموارد البشرية الوطنية فتقر الاستراتيجية التنفيذية، وتتبنى البرامج والمشروعات التي تستطيع جذب التأييد والمساندة في الجهاز الإداري، ومن أكبر قاعدة ممكنة في المجتمع، وتحقق الصالح العام والغاية المنشودة.

وذلك شرط الدقة والحذر لدى اختيار أفرادها، ولدى اختيار أفراد الجهاز الرقابي العام الذي سيساند عملها (كالمؤسسة التشريعية، والمؤسسة الإعلامية،... الخ) بفتح المجال لمشاركة ديمقراطية قاعدية ذات طابع مؤسسي، وبتنظيم وضبط مشاركة جماعات المصالح والضغوط المختلفة، وبتكامل الإصلاح الإداري مع الإصلاحات المجتمعية الأخرى، وبتركيز جهوده بشكل متوازن على تقليص الفساد وتطوير عناصر العمل الإداري من عنصر بشري، وهياكل تنظيمية، وقوانين وتشريعات، ووسائل وأدوات.

وأخيراً لابد من التأكيد على أهمية كون الإصلاح الإداري في جوهره ليس بشعارات مرفوعة، أو أحلام مرغوبة، وما هو أيضاً بتنظير للمدينة الفاضلة. وإنما هو النتائج التي حصلنا عليها حقاً، وليس ما خططنا لأن نحصل عليه. أي هو ما يتم في الواقع لا ما نعلن عنه. فإن استطعنا من خلال الإصلاح حشد الدعم والمساندة والتأييد الشعبي له، وكسر حدة المقاومة تجاهه، من خلال إرفاقه بتأمين حاجة مطلبية أساسية ملحة هي إزالة المفارقة بين نظام الرواتب والأجور، لا من خلال الزيادة النسبية عليها، وإنما من خلال إصلاحها لحصد نتائج قيمتها فعلياً!.

فإننا نستطيع وضع اللبنة الأولى والأساس للوصول إلى تشغيل الجهاز الإداري بكافة فعالياته كي يتمكن بواسطتها من خدمة الأهداف العامة للدولة.

وليبس هناك من داعٍ للقول: بأن ما تم طرحه كان مؤطراً ضمن الزمن المتاح، والوقت المختار، والموعد المحدد، والفكر المنطلق منه.

ويظل باب الحوار مفتوحاً لوضع المزيد، أو حذف الكثير.