![]() |
السياسة
المالية في سورية
الدكتور الياس
نجمـة
أيها السيدات و السادة :
السلام عليكم،
اسمحوا لي في البداية أن أتقدم بالشكر العميق لجمعية العلوم الإقتصادية ومجلس ادارتها الموقر، وأن أشكر إدارة المركز الثقافي العربي في المزة اللذين أتاحا لي فرصة اللقاء بكم هذا المساء. و لا أكتم عليكم سعادتي بذلك، وأنا المتشوق للعودة إلى منابر الفكر ومرابع المعرفة، بعد أسفار و مهام خارجية انقطعت بي بسببها سبل التواصل مع هذا الوسط الكريم الذي أراه أمامي. رغم نبل المقاصد فيما كنا نقوم به وأهمية المسؤوليات وموجبات وضرورات العمل الذي أنيط بنا والتي نهضنا بها بما يرضي الوجدان ويحقق الهدف ويخدم الوطن.
والآن نعود لنتكلم في موضوعات كانت تشغلنا و تملأ علينا عقلنا وحواسنا، نعود لنتكلم بنفس الصراحة التي اعتدنا عليها وبنفس الموضوعية التي نسعى لادراكها والتي تعطي للشعور بالمسؤولية المقام الأول في كل ما نقول وما نفعل، وفي كل مانسعى لترسيخه من اتجاهات وأفكار، ننشد من ورائها حواراً صريحاً بناءً فيه الخير للوطن والمواطنين.
واسمحوا لي قبل أن أدخل في موضوع محاضرتنا لأن أعترف أمامكم كم هي هشة وسطحية حالة الفكر الاقتصادي بشكل عام والمالي على وجه التخصيص في بلادنا، وحالة الخواء والفوضى الفكرية والقحط التي يتصف بها، والإضطراب الذي أتانا به أدعياء الممارسة والتنظير القادمون بأفكارهم من وراء البحر أو هؤلاء القابعين خلف المكاتب والأفكار القديمة الذين اختلطت لديهم الوسائل بالغايات والمصالح بالمبادىء والخاص بالعام، وتضاءل لديهم الحس بالواقع اليومي الشعبي والوطني المعاشي ، لصالح رؤى ومفاهيم تسعى لاستعادة ملك أضاعوه، ونفوذ فقدوه، أمام انطلاقة الشعب بكل فئاته الذي رغم كل ما يقال في تجربته، خلال السنين الماضية، لازال يمثل، ملحمة، شعبية، وطنية، تاريخية، وبناءً متيناً شامخاً، علينا التأسيس عليه، والإرتقاء به، ومعالجة ثغراته، وإصلاح مواقع الخلل والضعف فيه، لاهدمه وتدميره وازدرائه كما يفعل الشامتون والساعون لذلك. ونحن نقول : ذلك ليس من موقع المقصّرينالذين لايعرفوا ما عرفوه، بل لأننا نؤمن بأن الوطن قيمة مطلقة، وأن مصالح الفقراء، والجماهير، والناس البسطاء، والضعفاء اقتصادياً هي فوق كل مصلحة. فما الفائدة أن نحدث التقدم والنمو، إذا اقتصر على فئة هامشية محدودة من المواطنين؟ ما الفائدة أن نحدث النمو، ليغنى الأغنياء ويفقر الفقراء - علماً بأن التجربة التاريخية تفيدنا، بأن كل تنمية وكل إصلاح اقتصادي لايطال جميع فئات الشعب – يحدث اختناقات تقود إلى توقفه و فشله، وتقود إلى اضطراب حال الوطن والمواطنين. فعندما أطلق العنان لأصحاب الحجوم الكبيرة، والأفكار الإقتصادية الصغيرة، كان الإنكماش ، وكان الركود، وزادت الفجوة بين أصحاب الدخول، وتفاقم سوء توزيع الدخل ، وتراجعت مستويات المعيشة حيث زاد عدد الأكواخ، و نبتت القصور كالفطر، وذلك من خلال الاستفادة من جملة إجراءات ، مالية ونقدية وضريبية- تم فيها التسامح مع أصحاب الدخول الطفيلية والكبيرة، وتم فيها اضطهاد ، أصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة. فعندما تعطي الدولة أو غير الدولة المستخدم لديها 30 % بالمئة من استحقاقاته ومالا يكفي تغطية حاجاته الضرورية ، عندما تشتري قوة العمل ب 30 % من قيمتها الحقيقية، ماذا تكون قد فعلت ؟ ألا تمارس بذلك الإستغلال ؟ وهل يجوز للدولة أن تمارس الاستغلال ؟ هل يجوز للدولة أن تثرى على حساب المواطن لأي سبب أو ذريعة أو مبدأ؟ وسنأتي إلى زمن ، لاحقاً كما ستلاحظون.
ونعود إلى صلب المحاضرة التي سنتكلم فيها و بشيء من الايجاز عن الوضع المالي العام للدولة ، ثم نستعرض سياسة ، لابل سياسات الايراد العام، ثم ننتقل لدراسة النفقات العامة، وهي بنفس أهمية الإيرادات العامة، فالمال عصب الدولة، والنفقة العامة بالتعريف : هي ماينفقه الشخص العام، من المال العام، لإحداث منفعة عامة، فعندما نختصر الإنفاق العام أو نحول دونه، نكون بكل بساطة قد قصرنا في خلق المنافع العامة وقصرنا بالتالي في القيام بالمهام والمسؤوليات المناطة بأصحاب الشأن العام.
1- الوضع المالي العام في الدولة :
يعاني الوضع المالي في سوريا من ضآلة الموارد العامة بشكل عام، والضعف الشديد في الموارد الضريبية وشبه الضريبية بشكل خاص، بسبب تخلف النظام الضريبي السوري، وكثرة الاعفاءات فيه وقصور الإدارة الضريبية في أداء مهامها. وكان من الممكن أن يصبح الأمر خطيراً جداً، لولا الزيادة المطردة في الموارد البتروليةوالتي استطاعت في السنوات الأخيرة أن تعوض النقص جزئياً، وان تساعد على استمرار النشاط الحكومي بشكل معقول، رغم عدم استقرارها وخضوعها لتقلبات أسعار السوق النفطية وكونها في الأصل ايراداً لثروة ناضبة. وأمام هذا الواقع المالي، وبسبب غياب الإرادة والسياسة الجدية والواضحة للقيام بإصلاحات مالية جذرية لزيادة الموارد العامة وتطويرها سنوياً لتغطية حاجات الإنفاق العام المتزايدة والضرورية . اتجهت الحكومة(وزارة المالية) ومنذ منتصف الثمكانينات وحتى بداية الألفية الجديدة إلى ممارسة سياسة إنفاق انكماشية لتقليص العجز، وعدم استفحال أمر المديونية، كما لجات إلى استخدام أساليب وتدابير محاسبية غير مقنعة أو غير نظامية أحياناً، لتحقيق توازن موازني [1] مصطنع وظاهري بين الواردات والنفقات. رغم ما لهذه السياسات والتدابير من كلف و آثار سلبية على النمو والنشاط الاقتصادي، ومستويات الأجور والرفاه العام والعمالة. وعلى صعيد آخر عمدت الحكومة وخلال فترة التسعينات إلى تكوين احتياطي نقدي بالعملة الوطنية مبلغاً لابأس به. إلاّ أن هذه العملية لم تسلم من النقد كونها تمت على حساب الإنفاق العام وخصوصاً الاستثماري منه وزيادة الإقتراض وليس بسبب وفرة الموارد ويصبح النقد أكثر خطورة، عندما نكتشف أن هذا الإحتياطي النقدي قد تكون من خلال تغذية حساب الحكومة الدائن لدى المصرف المركزي بأموال وواردات كان من المفترض قانوناً أن تذهب لتغطية العجوزات التموينية بدلاً من الاستدانة لتمويلها من المصرف المركزي بالذات وتسديد الديون المترتبة على الدولة لدى المصرف المركزي أيضاً بدلاً من تدويرها والتي تتجاوز حالياً في مجموعها وبكثير مجمل المبالغ المودعة في حساب الاحتياطي النقدي. وإذا كان من كلمة أخيرة لانستطيع إغفالها، هي أن السياسة المالية لايمكن أن تختزل بالحصول على توازنات شكلية ودفترية، وأن عقل الدولة وفلسفة الإنفاق العام وخلق المنافع العامة،، تتجاوز بكثير مدركات العقل المحاسبي. وأن حل القضايا المالية المعقدة والخطيرة بأساليب محاسبية ومهما ارتقت هذه الأساليب، لايستطيع تحقيق التوازن الحقيقي ولاينتج عنه سوى حالة من الإرباك والفوضى المالية. والتي نعاني منها الآن والتي ألقت بظلالها علىى الوضع المالي العام للدولة، وأدّت في الوقت ذاته إلى تراجع خطط الإستثمار وإلى انعدام السيولة في شرايين الاقتصاد الوطني. وقادت بالإضافة لعوامل أخرى إلى حالة من الإنكماش الاقتصادي وتباطؤ النمو، تبدت آثاره واضحة على صعيد الاستهلاك العام والخاص وتفاقم أزمة العمالة. وبالتالي إن استدراك الموقف وأخذ زمام المبادرة يعطي للإدارة الاقتصادية ميزة صنع القرار الذي يستجيب لحاجاتها، بعيداً عن الضغوطات الداخلية والخارجية في حين أن التردد في مواجهة التحديات والتصدي للمشكلات يولد الوهن في حسم الإدارة الاقتصادية ويفقدها هيبتها ومصداقيتها، كما أنه لايفيدها بشيء سوى تراكم الأعباء .
2- الواردات الضريبية :
تشكل الواردات الضريبية وشبه الضريبية في الأغلبية الساحقة لكل دول العالم المصدر الأساسي لواردات الدولة وذلك لإعتبارات وطنية واقتصادية واجتماعية. وقد كان الحال لدينا هكذا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، حيث شكلت 90-95 % من مجمل الواردات العامة في أعوام الخمسينات، وبلغت 96 % في عام 1960 وعام 1965، كما يبين الجدول التالي : [2]
| المبالغ بملايين الليرات السورية |
الســـــــــــــــنة |
|||||||
| 1955 |
196. |
1965 |
||||||
| الموارد |
المبـلغ |
النسبة |
المبلغ |
النسبة |
المبلغ |
النسبة |
||
| ضرائب مباشرة وغير مباشرة |
246 |
88 % |
355 |
78 % |
453 |
75 % |
||
| رسوم عبور النفط |
11 |
4 % |
8. |
18 % |
136 |
21 % |
||
| موار د أخرى |
23 |
8 % |
23 |
4 % |
26 |
4 % |
||
| المجموع |
28. |
100% |
458 |
100% |
605 |
100% |
||
3 – الإعفـاءات الضـريبيــة : [3]
إن هذا الموضوع قد أصبح مقلقاً في الآونة الأخيرة، فقد لجأت مختلف الإدارات والوزارات لدينا ولأسباب مبررة أحياناًوغير مقنعة أحياناً أخرى بإعفاءات ضريبية متنوعة بحجة تشجيع النشاط الاستثماري. أو لأسباب أخرى ذات اعتبارات تاريخية لم تعد مقبولة، وقد اتسعت هذه الإعفاءات التي يستفيد منها بشكل أساسي الفئات الميسورة لتغطي أكثر من 50 % من الناتج المحلي الإجمالي( إذا استبعدنا من مداخيل اقتصاد الظل الذي يتهرب أساساً من كافة التكاليف الضريبية أوالرسوم) كما جاء مراراً وتكراراً على لسان كبار المسؤولين الماليين لدينا، حيث كانوا دائماً يبررون ضآلة الموارد الضريبية بسبب هذه الاعفاءات المتعددة والتي تشكل خرقاً كبيراً لمبدأ مساواة المواطنين أما الضريبة والتي ألقت على كاهل المواطنين والنشاطات التي لاتستفيد من هذه الإعفاءات عبء التكليف الضريبي بكامله. مما جعل البيانات والإحصاءات التي تتكلم عن العبء الضريبي في بلدنا والمقدر بـ 13 % من الناتج المحلي الإجمالي ذات دلالة لاواقعية وأنها غير صحيحة على صعيد الواقع الفردي والقطاعي. وأنها في الحقيقة تفوق ذلك بكثير على من لم تشملهم تلك الإعفاءات ، علماً بان الواردات الضريبية تأتي أساساً من القطاع العام بينما لايؤدي القطاع الخاص سوى جزءاً يسيراً لايتناسب مع حجمه في تكوين الناتج المحلي الإجمالي.وتجدر الإشارة أنه رغم هذه الإعفاءات الكبيرة فإن تشريعنا الضريبي قد خلا تماماً إلا بنسبة ضئيلة وحالات قليلة من الإعفاءات الشخصية والعائلية وإعفاءات الحد الأدنى من الدخل والتي تركز عليها جميع التشريعات الضريبية المعاصرة والعادلة.
إن فلسفة الإعفاء الضريبي على الصعيد الإقتصادي، هي خروج عن القاعدة العامة في التكليف، فكما أشرنا سابقاً فقد وجدت لمساعدة ودعم الأنشطة والمشاريع ذات الريعية والربحية الضعيفة، أو تلك التي لايرغب المستثمرون بالقيام بها بسبب ضخامة الأخطار أو صعوبات المكان، وليس من أجل التعويض عن فقدان عناصر أخرىتعيق الاستثمار ويمكن معالجتها بطرق وأساليب أخرى .
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل استنفذنا كل الطرق وازلنا كل العقبات التي تقف أمام الاستثمار والتي بإمكاننا تذليلها ولم يبق أمامنا سوى الإعفاء الضريبي نلجأ إليه ؟؟؟!!
لقد دلّت التجربة العملية لدينا أن الإعفاء الضريبي في كثير من الحالات قد منح للمشاريع ذات الريعية والربحية العالية ، أو على الأقل بغض النظر عن الأمر، وكان بشكل عنصر استرضاء للقيام بها تعويضاً عن فقدان الشروط اللازمة والضرورية للإستثمار والتي علينا وبمقدورنا أن نواجهها بشجاعة ونتيجة لمعالجتها وإيجاد الحلول الملائمة لها ، وبذلك نشجع على الإستثمار ولانفرط بحقوق الدولة. ولانعمد إلى الإعفاء الضريبي إلاّ كملجأ أخير عند الضرورة ووفقاً للحاجة.
ونتساءل ؟؟ إذا كان الإعفاء الضريبي هو الشرط الحاسم في قرار الإستثمار، لماذا لم تأت إلينا الاستثمارات الأجنبية والعربية خصوصاً، بعد إصدار قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1991، رغم إعفائها من الضرائب في الوقت الذي تتحمل فيه هذه الاستثمارات ضرائب وبنسب عالية تصل إلى 50 % من أرباحها في بلد كفرنسا أو في غيرها من البلدان التي ينشط فيها الإستثمار؟؟.
وبالتالي لماذا لم تضعف مستويات الاستثمار العربية والسورية في الخارج "في أوروبا وأمريكا" رغم وجود الضرائب على الأرباح هناك، وتتضاءل لدينا رغم الاعفاء من الضرائب ؟ ماذا أثمرت سياسات الإعفاء الضريبي بعد سنوات من تطبيقها سوى تكديس الثروات لدى من استفادوا منها وتفاقم أزمة توزيع الدخل القومي . لقد أعفينا عدداً من النشاطات والمداخيل من الضرائب وضحينا بالعائدات الضريبية على أمل أن نشجع الاستثمار ونحدث التقدم بحجة أن الاستثمارات والنمو يمكن أن يكون لهما آثار ايجابية مباشرة وغير مباشرة في المستقبل على النشاط الاقتصادي وعلى الحصيلة الضريبيةلاحقاً فماذا كانت النتيجة ؟؟ ضحينا بالضرائب ولم نحقق الاستثمار والنمو. واسبب أن ضعف الاستثمار لدينا لم يكن بسبب الضرائب، بل كان لعوامل أخرى تتصل بالإدارة والقضاء والسوق والبنى الهيكلية وعقدة الخوف والتردد المتجذرة عند عدد كبير من رجال الأعمال لدينا تجاه الاستثمارات طويلة الأجل ولكن لم نتصدى لها أو نعالجها مع الأسف، بل لجأنا إلى الحل السهل وهو الهروب من المشكلة عن طريق الإعفاء من الضرائب، الذي لايعالج سوى عنصر من عناصركثيرة متعددة تتصل بالإستثمار، لنواجه الحقائق نفاذاً إلى الجوهر ولاندور حولها حفاظاً على الشكل. إن الإعفاء من الضرائب في حقيقته لم يكن إلا نادراً لتشجيع الإستثمار، بل كان استجابة مجانية لدعوات أصحاب المصالح وأصحاب النصائح الاقتصادية المسمومة من الذين هربوا أموالهم إلى الخارج وأصحاب المداخيل الكبيرة والثروات للتهرب من تحمل تكاليف الضرائب كغيرهم من باقي المواطنين. وأكبر مثال فاضح لذلك إعفاءات شركات تأجير السيارات من الضرائب والرسوم الجمركية وغير الجمركية لإقامة هذه الشركات علماً أن أرباحها كانت هائلة وأن آلاف المواطنين كانوا مستعدين لإنشاء هذه الشركات دون الإعفاء الضريبي نظراً لربحيتها الكبيرة ، وإن معالجة هذا الموضوع أصبحت ضرورة ماسة لإعادة التوازن بالتكليف و للحفاظ على حقوق الخزينة ولإقامة العدالة والمساواة بين المواطنين أما م القانون والتكاليف الضريبية .
ملحق رقم / 1
بعض الإعفاءات الضريبية الحالية الأساسية :
1- إعفاءات القطاع الزراعي ، وإعفاءات القانون رقم 10 لعام 1986 للشركات الزراعية
2- إعفاءات القطاع الصناعي بالقانون رقم 103
3- إعفاءات القطاع السياحي
4- قانون تشجيع الإستثمار رقم 1.
5- رواتب وأجور العسكريين
6- مؤسسة الطيران العربية السورية وفندق الشيراتون والميريديان رغم ملكية الدولة لها.
7- المشافي الخاصة مقابل 10 % من الأسرة كخدمة مجانية "وهي غير مطبقة إطلاقاً"
8- إعفاءات تتصل بالمدارس الخاصة ورجال الدين والمستخدمون المحليون في سفاراتنا في الخارج
9- إعفاءات من ضريبة التركات بما يتصل بالودائع مهما بلغت والعقار المسكون أو المختار مهما بلغت قيمته، وفي هذين الأمرين نعتقد أنه يجب أن يكون هناك سقف لمبلغ الإعفاء لايتجاوز المليون ليرة للودائع و5مليون ليرة للعقار، على أن تسدد الضريبة بكاملها عند التصرف بالعقار وليس عند الوفاة للحفاظ على لم شمل العائلة وعدم التسبب بتشريدها.
4 - التشــريع و الإدارة الضريـبيــة :
آ – التشريع الضريبي :
ويقوم التشريع الضريبي على مجموعة من القوانين والأنظمة القديمة والأقل قدماً، اتخذت في أوقات ومحطات زمنية متباعدة وعن مصادر فكرية مالية مختلفة، مما أفقدها الوحدة والتماسك والتجانس. كما أنها جميعها تعود إلى أصول فقهية واتجاهات مالية متراجعة ولم تعد قائمة، كما أنها قد كتبت بصياغات ضعيفة مفككة تفسح المجال لتفسيرات وتأويلات متباينة وتساعد على التهرب ، مما جعلها تفقد فعاليتها واستجابتها للحاجات والأغراض المالية الحديثة، ولاتواكب المتغيرات التي طرأت على قطرنا بالذات منذ أكثر من 50 عاماً إذ أن آخر التشريعات المالية الهامة ظهر لدينا في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي. وإذا عدنا إلى كافة التقارير الرسمية وغير الرسمية التي ظهرت منذ أربعين عاماً وحتى الآن بأقلام خبراء اجانب أو سوريين لوجدنا نفس العرض تقريباً، من حيث المطالبة بالإصلاح والتجديد وتحديث التشريع الضريبي. ولكن مع الأسف بقيت جميع الصيحات المخلصة وما جاء في التقارير والتوصيات والمؤتمرات عبارة عن تمنيات ورعة وحبر على ورق ، بسبب تقاعس وقصور الإدارة الضريبية لدينا بشكل مريع وخطير، وبسبب سيطرة البهلوانيات المالية والأساليب المحاسبية على عقلنا المالي وسياستنا المالية التي تمت إدارتها بأدنى مستويات المعرفة التشريعية والمالية والضريبية رغم ما كان يحدث لدى جيراننا وأشقائنا في لبنان والأردن ومصر من إصلاحات و تقدم جعلت التشريعات الضريبية والإدارات الضريبية في هذه البلدان، وخصوصاً الأردن ومصر على مستويات معقولة من التطور والفعالية والحداثة . فلقد أدخلت هذه البلدان ضرائب حديثة كضريبة المبيعات وضريبة الإيراد العام مثلاً، والتي كنا سباقين بإحداثها بالقانون رقم 130 لعام 1961 والذي لم ينفذ أبداً . لذا بدا لنا أن إصلاح التشريع الضريبي الحالي لدينا اصبح أكثر من ضرورة، وذلك بإتجاه العصرنة والحداثة والتماسك والتجانس والوحدة في الرؤية والتشريع بما يحقق العدالة في التكليف والمساواة بين المواطنين والوفرة في الموارد، ليصبح فعالاً على الصعيد المالي والضريبي وفعالاً كأداة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة . حتى نستبدل بذلك مجموعة القوانين والأنظمة الضريبية ذات الصياغة السيئة والمتناثرة والمبعثرة بنظام ضريبي يستجيب للواقع والعصر ولحاجات القطر ويستحق هذا الاسم .
ب - الإدارة الضريبية :
يقولون ماذا تنفع أفضل التشريعات الضريبية وأحدثها واكفأها، إذا طبقت من قبل إدارة ضريبية ضعيفة تفتقد الكفاءة وتعاني من ضعف النزاهة ومصابة بالترهل ؟؟00 ويقولون ألم تنجح بعض البلدان بزيادة مواردها الضريبية عدة أضعاف "كالأرجنتين مثلاً " وزيادة فعالية أنظمتها دون أن تغير بالتشريع ولكن من خلال زيادة ورفع كفاءة الإدارة الضريبية وتحديثها وتأهيلها وتنقيتها؟ فالوسط الإداري الضريبي والقيم والأطروحات السائدة في الإدارة الضريبية، إذا كانت جيدة وإيجابية نستطيع تلافي الكثيرمن مساوىء أو تخلف التشريع، وتساعد على إشاعة ثقافة مالية نزيهة. وخصوصاً في الإدارات الضريبية المتصلة بضريبة الدخل أو الرسوم الجمركية، كما تساعد على تخفيض نفقات التحصيل التي تأكل أحياناً جزءاً كبيراً من حصيلة بعض الضرائب لدينا ، حيث لازالت تسود أساليب قديمة في التحقق والجباية إلى غير ماهنالك من مظاهر التخلف. ومع الأسف و وفقاً لكافة التقارير والدراسات التي قام بإعدادها خبراء سوريون واجانب ، يتبين لنا أن ضعف الإدارة الضريبية لدينا وتخلفها لايعادله سوى ضعف التشريع الضريبي وتخلفه، حيث تعاني من غياب وعدم وجود مديريات حديثة ومتخصصة أصبحت من ضرورات العمل المالي والتكليف الضريبي ولابد من إحداثها وتفعيل المترهل منها. كما أنها تعاني من نقص شديد كمي ونوعي في العناصر الكفوءة والنزيهة وتفتقر إلى الحافز والأفكار وتتعامل مع الشأن المالي بعقل محاسبي ضيق وبأساليب إدارية بيروقراطية، أضاعت على الخزينة العامة أموال كثيرة في الوقت الذي كان يدّعي عكس ذلك، بعد أن زعم تحقيق نجاحات موهومة على صعيد التفاصيل. وأضاعوا فرصاً كبيرة على الصعيد الكلي والعام. لذا أصبحت الضرورة أكبر من ماسة لإعادة النظر في تنظيم الإدارة الضريبية وطريقة عملها ومهام أقسامها المختلفة وإحداث مديريات جديدة تستجيب لمقتضيات التكليف الضريبي المعاصر. وإحداث معهد عصري يتبع لوزارة المالية لتكوين وتأهيل كوادرها والعاملين فيها.
5 - القروض العامـة :
تعتبر القروض العامة إحدى أدوات السياسة المالية تستخدمها الدولة لخدمة أغراضها العامة ويمكن تعريف القرض العام بأنه مبلغ من المال تحصل عليه الدولة عن طريق الالتجاء إلى الغير من الأفراد أو المصارف أو غيرها من المؤسسات المالية الوطنية والأجنبية وتلجأ الدولة للقروض العامة عندما لاتكفي ايراداتها العامة لتمويل نفقاتها العامة.
القروض الداخلية :
1- قروض من المصرف المركزي الممنوحة للحكومة
2- قروض من المصارف المتخصصة الممنوحة للحكومة والقطاع العام
3- حصيلة شهادات الاستثمار
4- اكتتاب المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي بأسناد الدين العام لقاء نسبة 35 % من اموالها لدى المصارف ، بدون فائدة
5- الفوائض المتحققة من مؤسسة التأمين والمعاشات ومؤسسة التأمينات الاجتماعية مقابل قيام وزارة المالية بدفع تعويضات المتقاعدين وفي ذلك مخالفة صريحة للقواعد المالية الصحيحة الناظمة لعمل ونشاط هاتين المؤسستين .
القروض الخارجية :
هي مجموعة المبالغ المترتبة على الحكومة تجاه العالم الخارجي والتي تلجأ لها الدولة في حال عدم كفاية الإيرادات الذاتية العامة بالنقد الأجنبي لتغطية النفقات العامة بنفس النسبة وتعتبر جزءاً لايتجزأ من العجز المالي للدولة .إن عدم كفاية الموارد الداخلية لتمويل الإنفاق العام في سورية يدفعها بشكل مستمر للإستعانة بالقروض الخارجية إضافة إلى ذلك فإن بعض المشاريع التي تعتمد على الآلات والتكنولوجيا المستوردة يدفع الدول للحصول عليها عبر قروض أجنبية. و تشمل القروض التي تحصل عليها سورية :
1- القروض الخارجية النقدية التي تقدمها الجهات الأجنبية للصندوق أو للجهات المستفيدة مباشرة
2- القروض العينية وتشمل تسهيلات الدفع الممنوحة من الجهات الأجنبية الموردة للبضائع والسلع والتجهيزات للشركات والمؤسسات العامة في سورية.
3- التسهيلات الائتمانية وتشمل تسهيلات الدفع الممنوحة من الموردين الأجانب أو المصارف الأجنبية لقاء شراء تجهيزات وخدمات عامة لتنفيذ مشاريع استثمارية في سورية.
4- القروض من المؤسسات المالية الإقليمية والعربية وقد أصبحت سورية منذ عام 1990 تعتمد على هذه المؤسسات بسبب شروطها الميسرة.
ونلاحظ أن القروض الخارجية كانت تتجه إلى التزايد ففي عام 1993 تضاعفت حوالي خمس مرات عن العام السابق واعتبارا من هذا العام بدأت المديونية الخارجية تظهر بشكل واضح في سورية لتصل في عام 2000 مستويات لم يعد ممكناً التسامح معها ، ثم عادت لتتراجع قليلاً في عام 2002. ويمكننا أن نفسر هذا التراجع ببدء سورية بتسديد ديونها الخارجية وحل مشاكل المتأخرات مع دول العالم عدا روسيا . فإذاحذفنا الديون الروسية المتنازع عليها والبالغة 12 مليار دولار تصبح ديون سوريةالخارجية بحدود 6ملياردولاروهي تعادل للناتج 30 % وهذه الديون تنقسم إلى قسمين :
1- الديون التجارية والصناعية التي عقدتها الحكومة مع صناديق التمويل العربية وهي تعادل 5ر9 مليار دولار .
2- الديون العسكرية المتراكمة للإتحاد السوفييتي السابق وقد انتقل هذا الدين إلى روسيا الإتحادية وهناك جدل حول هذا الدين .
إن ظاهرة الإعتماد على الديون الأجنبية لتمويل العجز قد ساهمت في زيادة المديونية السورية ودفعت الحكومة إلى إتخاذ إجراءات تقشفية منها الضغط على الواردات من أجل تخفيض حجم النقد الأجنبي اللازم لتمويل المستوردات وتخصيص الفائض من أجل تسديد الديون والضغط على الموازنة العامة (تخفيض المشاريع الجديدة أو عدم تنفيذها) وتحول العجز إلى ظاهرة هيكلية حيث مازالت الحكومة تخطط سنوياً لهذا الإيراد الاستثنائي. لذلك على الدولة إيجاد الحلول السريعة لمسألة المديونية التي تؤثر على القرار السياسي والاقتصادي في سورية علماً بأن الحالة مقبولة مقارنة مع الدول العربية الأخرى .
6- النفقات العامة :
يتفق الجميع بأن النفقة العامة في البلدان النامية تشكل المصدر الرئيسي لخلق المنافع العامة، وعلى حجمها يتوقف تحقيق الرفاه العام والتقدم. وقد دلت التجربة أن مستوى النمو أيضاً ارتبط في كثير من هذه البلدان بالازدياد المطرد للنفقات العامة، نظراً لضعف النفقات الأخرى وكونها لا تهدف أساساً لتحقيق أغراض عامة ومن خلال التدقيق والمراجعة لإنفاقنا العام يتبين لنا أنه بسبب ندرة الموارد، كانت سياسات الإنفاق لدينا حذرة لا بل انكماشية، مخافة الاضطرار للتمويل بالعجز والوقوع بالتضخم. إلاّ أن استمرار هذه السياسات الذي أصبح غاية بحد ذاته، يمارسه الماليون لدينا غير مدركين لآثاره الخطيرة. وفي غياب البحث عن حلول للتمويل قاد في الآونة الأخيرة إلى تراجع الأنفاق العام نسبياً، وخصوصاً الأنفاق الاستثماري قياساً بالحاجات وقياساً عما هو قائم في البلدان المجاورة والبلدان العربية غير النفطية وغير المجاورة لنا. فقد بلغ متوسط الإنفاق العام في سوريا في السنوات الأخيرة حوالي 300 دولار للفرد الواحد، في حين بلغ أكثر من 1000 دولار في البلدان المذكورة آنفاً وهو بدوره أقل بكثير من البلدان المتقدمة والذي يتجاوز الإنفاق العام فيها 6000 دولار في السنة للفرد الواحد. لذا قد يكون من المناسب في ضوء الموارد المتاحة ونسب التمويل بالعجز المتسامح بها، أن تعطى هذه المسألة أهمية خاصة وأن نبادر إلى إحداث زيادات حقيقية مستمرة بالإنفاق العام، تساعد على خلق الدخول وزيادة القوة الشرائية وتوفير السيولة وخصوصاً في فترات الانكماش. كما تساعد على زيادة ورفع مستوى الخدمات العامة في الصحة والتعليم وغيرها من المرافق، بالإضافة إلى الإنفاق الاستثماري الذي يتوقف عليه إنجاز خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
7- الرواتب والأجور :
إن ازدياد الأسعار في العقود الأخيرة وبالنسب التي تم بها، لم يعبر عن ظاهرة التضخم النقدي فقط في القطر والذي تنعكس آثاره على كافة القطاعات الاقتصادية وغالبية الناس – إلى حد ما – بل أدى وبشكل جارف بسبب تثبيت الرواتب والأجور إلى عملية تحويل للدخل والثروة هائلة ومستمرة. وذلك من أصحاب الرواتب والأجور إلى أصحاب الأرباح والريوع، أو بلغة أكثر بساطة واقرب للواقع من الفقراء إلى الأغنياء.
إن النمو الاقتصادي إذا ترك لعفويته ينتج خللاً في توزيع الدخول والثروات، ويحابي الأقوياء اقتصادياً على حساب الضعفاء اقتصادياً. وهكذا إلى جانب الخلل الناجم عن التضخم وعن سوء توزيع الدخل القومي بشكل عام، قام لدينا خلل إضافي من خلال تضاؤل كتلة الرواتب والأجور في الدخل القومي في مواجهة كتلة الدخول المتأتية من الأرباح والريوع، وهبوطها إلى مستويات دنيا أصبحت تنذر بأضرار وتوترات اجتماعية خطيرة، وخطر اقتصادي حقيقي وذلك من خلال الاختناقات الاقتصادية التي تحدثها، وتأثيرها باتجاه الهبوط على الطلب الفعّال في السوق الداخلية مما قاد في السنوات الأخيرة إلى ظهور انكماش وكساد في الأسواق لدينا بشكل واضح لا لبس فيه. فتثبيت كتلة الرواتب والأجور في العقود الماضية وفي الوقت الذي كان يزداد فيه الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، بسبب التضخم وبسبب التنمية يعني وبكل بساطة تجيير كافة الزيادات المتحققة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أصحاب الأرباح والريوع. يضاف إلى ذلك أن انخفاض الأجور كما يقول الخبراء أدى إلى التقاعس والفساد والتستر عن الخطأ وعدم المحاسبة بسبب الوضع المعاشي للمقصرين، كما زاد ( خلافاً لما هو منتظر ) من كلف المشاريع، لأن انخفاض الأجر عن المستوى اللازم لتغطية النفقات الأساسية والضرورية لأصحابه، ينعكس مباشرة على سوية الإنتاج والإنتاجية، كون زيادة الإنتاج ورفع مستوى الإنتاجية يرتبط إلى حد كبير بمستوى الأجور وارتفاعها كما يؤكد ذلك كل الاقتصاديين الجدّيين. ففي عام 1968 ووفقاً للمجموعة الإحصائية لذلك العام، كان عدد العاملين في القطر / 450/ ألف عامل وعاملة وكانوا يشكلون 30 % من مجمل العاملين في القطر، وينالون 43 % من الدخل القومي. أما الآن فإن عدد العاملين بأجر هو في حدود 60 % من مجمل العاملين لدينا ولا ينالون أكثر من 25 % من الناتج المحلي الإجمالي. علماً أن هذه النسبة تصل إلى ما بين 50 – 70 % في معظم دول العالم، وأن إيجاد حل هذه المسألة أصبح ضرورة ملحّة لأن الوضع الحالي يصعب الاستمرار فيه دون المساس بمستوى أداء العاملين بأجر سواء لدى الدولة أو لدى القطاع العام أو في إطار المجتمع بأكمله. ودون المساس بعدالة التوزيع التي اعتمدها مجتمعنا ووطننا واعتبرها أحد الأساسيات التي يقوم عليها نظامنا الاقتصادي والاجتماعي.
وبكلمة أخيرة :
هل من الممكن الاستمرار بهذا المستوى من الرواتب والأجور قياساً على ما هو قائم في البلدان المجاورة وغير المجاورة ؟! ولماذا يستطيع بلد كلبنان أو الأردن أو تونس أو المغرب وهي جميعاً بلدان عربية غير بترولية، وضع سياسة للرواتب والأجور معقولة تحافظ على حقوق أصحاب قوة العمل في مواجهة أصحاب رأس المال ولا نستطيع نحن القيام بذلك ؟؟؟ هل لأن هذه البلدان ذات نظم تقدمية وشعبية أكثر مما هو قائم لدينا ؟ !! وهل الآثار الاقتصادية الإيجابية لسياسة تثبيت الرواتب والأجور هي أكبر من النتائج السلبية الاجتماعية المدمرة والاقتصادية الجائرة في نظر المدافعين عنها ؟ !! أليست هذه السياسة في الحقيقة هي النتيجة المباشرة لضعف مواردنا العامة وعجزها وقصور وعجز الإدارات التي أنيطت بها هذه المهام ؟ !! وهل انتهى عهد ترديد المعزوفة القديمة بأن كل زيادة للأجور تؤدي إلى تحريض الظاهرة التضخمية، في ظل غياب زيادة الإنتاج ؟؟؟
من الرجوع إلى الوراء نلاحظ ، أن الرواتب والأجور في بلدنا لم تكن في يوم من الأيام مسؤولة عن التضخم، بل في كل مرة كان يعمد لزيادتها كان يتم ذلك للحاق بركب الأسعار المتزايدة ولمحاولة تصحيح الغبن والوضع الذي تردى. هذا إذا لم نردد مع بعض الإصلاحيين الذين يتساءلون ما إذا كان على أصحاب الرواتب والأجور وحدهم مهمة مكافحة التضخم وهم أول ضحاياه، وذلك من أجل أن تنتفخ ثروات أصحاب الأرباح والريوع..
خاتمة :
لذلك وبعد كل ما عرضناه ، وحتى لا يذهب التحليل والعرض الذي قدمناه مذاهب الترف الفكري والاستعراضي فأننا نقترح خطة للإصلاح المالي تهدف إلى صياغة وتطبيق سياسة مالية تتيح :
1- زيادة موارد الدولة الدائمة الضريبية وغير الضريبية بحيث تستطيع تغطية نفقاتها العامة المتصاعدة ( الجارية والاستثمارية).
2- توفير أدوات تدخل مالية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية إيجابية تتصل بتحفيز وتشجيع الاستثمار وإعادة توزيع الدخل القومي.
وذلك من خلال نظام ضريبي متطور وفعال يتصف بالشمولية ويحقق العدالة في التكاليف والوفرة في الموارد، ومن خلال سياسة إنفاق جارية واستثمارية ترفع طاقة الدولة في خلق المنافع العامة وتلبي احتياجات الوطن على الصعيد الأمني والخدمي والاقتصادي والاجتماعي.
على صعيد النظام الضريبي والواردات :
تقوم رؤيتنا على اتخاذ إجراءات وتدابير على جبهتين متوازيتين :
أولاً : على صعيد التشريع الضريبي.
ثانياً : على صعيد الإدارة الضريبية.
ثالثاً : الواردات غير الضريبية .
أولاً : على صعيد التشريع الضريبي .
1- الانتقال من التشريع الضريبي الحالي الذي يشتمل على أحكام إجرائية كثيرة ويفتقر إلى الوحدة في التشريع. والمؤلف من مجموعة من الضرائب القديمة وغير المتجانسة على الدخل والثروة والاستهلاك. إلى نظام ضريبي عصري وحديث يتصف بالفعالية والعدالة، بحيث يتساوى أمام موجباته كافة المواطنين وفقاً لمقدرتهم التكليفية. مع الأخذ دائماً بعين الاعتبار بأن الضريبة لا يمكن أن تدفع إلا من الفائض الاقتصادي : وهو بالتعريف المالي : الفرق بين الدخل الحقيقي والنفقات الأساسية لإعالة المواطن وأسرته.
2- اعتماد الأجر أو الدخل الحقيقي والقيمة الحقيقية في تحديد كافة المطارح الخاضعة للضريبة، وذلك عند تطبيق كافة الضرائب التي تطول الدخل أو الاستهلاك أو رأس المال أو الثروة، والانتهاء من كافة الأساليب القائمة على التقدير الافتراضي والتخمين المستمر والوهمي في تحديد قيم المطارح الضريبية وذلك خلال ثلاث سنوات من بدء العمل بهذا المشروع.
3- إحداث ضريبة عامة على الإيراد " الدخل " يبدأ تطبيقها بأسرع ما
يمكن وتشمل كافة مداخيل المكلف ويخضع لها جميع المكلفين الذين يخضعون حالياً
لضريبة الدخل على الأرباح الحقيقية وكافة المكلفين الذين تتجاوز إيراداتهم
أو مداخيلهم
– 240 الف ليرة سنوياً – وتشمل كافة العاملين بالمهن الحرة والعاملين في
الدولة والقطاع العام والخاص ممن يحملون الإجازة الجامعية فما فوق مهما كانت
مداخيلهم. والعمل تدريجياً خلال عشر سنوات على إخضاع كافة فئات المكلفين
بهذه الضريبة.
4- إبقاء الضرائب النوعية على الدخل للمكلفين من غير الفئات المذكورة أعلاه، وذلك بعد تطويرها وتحديثها سواء بما يتصل بمعدلاتها أو تقييم مطارحها أو طرق تحققها وجبايتها وخصوصاً ضريبة الدخل المقطوع وضريبة ريع العقارات وذلك لحين الانتهاء من هذه الضرائب في نهاية الفترة المذكورة في الفقرة السابقة.
5- إحداث ضريبة على المبيعات بمعدلات متدرجة، تحدد وفقاً لمعايير اقتصادية واجتماعية موضوعية تحل محل كافة ومختلف الرسوم والضرائب التي تتناول الاستهلاك بما فيها الرسوم الجمركية وذلك بشكل تدريجي اعتباراً من الآن خلال خمسة سنوات وذلك تبعاً لطبيعة السلعة أو الخدمة والفئات التي تستهلكها أو تتعامل معها أو طريقة دخولها للقطر.
6- ريثما تحل ضريبة المبيعات نهائياً محل الرسوم الجمركية، تجب إعادة النظر في التشريعات الناظمة لهذه الرسوم من حيث الدقة والتحديث في وصف البنود وتحديد القيم وسبل التحقق منها وإعادة النظر في التنظيم الإداري للجهاز العامل في إدارة الجمارك والمتعاملين معه من المخلصين الجمركين وغيرهم. وذلك وفق معايير صارمة ودقيقة وشفافة بحيث تسود ثقافة النزاهة محل ثقافة المصالح والمساعي في التعامل بين مختلف الأطراف.
7- معالجة موضوع التقادم الضريبي وجعله ثلاثي السنوات أو خماسيها على الأكثر. وذلك حتى لا يبق المكلف تحت رحمة الإدارة الضريبية، ولا تدفع مدة التقادم الطويلة الإدارة الضريبية للتقاعس في القيام بواجباتها.
8- تكليف الثروة ورأس المال عبر ضريبتين :
آ- ضريبة سنوية عامة على الثروة بمعدل 1 % يكلف بها أصحاب الثروات التي تتجاوز قيمتها 20 مليون ليرة سورية، ولا يدخل في حساب الثروة الأموال المستثمرة في منشآت صناعية أو زراعية أو تجارية أو قيم العقارات المؤجرة أو الأموال المودعة في المصارف. وذلك لتشجيع الاستثمار ومكافحة الإنفاق الترفي والاكتناز بقيم غير منتجة اقتصادياً.
ب- ضريبة ظرفية عند انتقال المال من يد إلى يد بدون عوض"الهبات التركات " وذلك بتكليف المستفيد أو الوارث بضريبة " عما آل إليه " تصاعدية لا يقل معدلها عن 5 % ولا يزيد عن 20 % وهي المعدلات المعمول بها والمتسامح بتطبيقها في عدد كبير من دول العالم على أن يؤخذ بالقيم الحقيقية عند تحديد المال الخاضع للضريبة. وعادة النظر بالإعفاءات المتصلة بها بما يحقق الهدف الاجتماعي والاقتصادي من فرضها، ويحفظ حقوق الخزينة يوفر قدر أعلى من العدالة والمساواة بين المكلفين بها.
9- إعادة النظر بالإعفاءات الضريبية واعتماد أسس موضوعية اقتصادية اجتماعية تقوم عليها هذه الإعفاءات وذلك وفقاً للمعايير والضوابط الآتية :
آ- إلغاء كافة الإعفاءات الضريبية الدائمة وتقييد أي إعفاء بفترة زمنية محددة.
ب- تخفيض حجم الإعفاءات الضريبية القائمة حالياً والتي تشمل 50 – 60 % من الناتج المحلي الإجمالي وذلك بإلغاء بعضها كلياً أو جزئياً وتخفيض المدة الزمنية لبعضها الآخر، ووضع سقوف لبعض المداخيل أو الثروات المعفاة وذلك بشكل تدريجي وخلال 5 سنوات بحيث لا تشمل الإعفاءات الضريبية في نهاية هذه المدة 20 % من الناتج المحلي الإجمالي.
ج- منح إعفاءات ضريبية تساوي الحد الأدنى للأجور ولأصحاب الدخل المحدود. وذلك وفقاً للمبدأ المالي الأساسي القائل : بأن الضريبة لا تدفع إلا من الفائض الاقتصادي الذي أتينا على ذكره سابقاً.
ثانياً : على صعيد الإدارة الضريبية :
1- إعادة النظر كلياً بتنظيم الإدارة الضريبية وأساليب عملها وتقنياتها، باتجاه التحديث والعصرنة والعمل على وجه الخصوص بإحداث إدارة للاستعلام الضريبي، يختار لها أفضل العاملين المتمتعين بالنزاهة والكفاءة. وأخرى للشرطة الضريبية على غرار ما هو قائم في العديد من البلدان العربية والأجنبية.
2- إحداث محاكم داخل وضمن النظام القضائي العادي السوري ، مختصة بالقضايا الضريبية لحل المنازعات الضريبية بين المواطنين والدولة. وإلغاء كافة اللجان المالية التي تقوم بهذه المهمة حالياً.
3- إحداث معهد للضرائب يتبع لوزارة المالية لإعداد كوادرها. يتمّ فيه قبول وتأهيل الطلاب والموظفين من حملة الشهادة الثانوية لمدة عامين. والطلاب والموظفين من حملة الإجازة الجامعية لمدة عام. يتخلل الدراسة فيه فترات تدريب عملية. ويتم قبول الطلاب في كلا الدراستين بعد اجتياز المرشح لفحص قبول جدي وحقيقي، كما يتم التخرج بعد اجتياز امتحانات حقيقية.
4- إعادة النظر بوضع العاملين في وزارة المالية بمن فيهم العاملون في مديرية الجمارك العامة. وذلك من خلال اختبارات ومقاييس دقيقة تبقي فقط على من يتمتع بالأهلية والكفاءة والنزاهة، وتحويل من لا يتمتع بهذه الشروط للعمل في مؤسسات أخرى لا يتطلب العمل فيها ما تفتقده هذه الفئة من مؤهلات والاستعاضة عنهم بتعيينات جديدة بعد تأهيل أصحابها في معهد الضرائب. وذلك في فترة لا تتجاوز 5 سنوات من هذا التاريخ.
5- المنع منعاً باتاً ولأي سبب كان: كافة العاملين في وزارة المالية ومديرياتها وسائر أقسامها من العمل لدى المكلفين، أو ممارسة مهنة المحاسبة ومسك الدفاتر المحاسبية والتجارية لدى المواطنين المكلفين والشركات.
6- معالجة ظاهرة التهريب الضريبي القانوني وغير القانوني وذلك عبر :
أ- من خلال إجراءات وقائية تتصل بشمولية ووضوح ودقة التشريعات الضريبية وتعليماتها التنفيذية، وعقلانية وواقعية المعدلات والتعريفات . وتقييد الصلاحيات التقديرية في لجان الفرض وغيرها تقييداً موضوعياً للحيلولة دون تعسف الإدارة الضريبية أو تواطئها مع المخلين بالتزاماتهم الضريبية، كما يحقق ذلك حماية وتحصين للإدارة الضريبية من الوقوع بالخطأ أو التعرض للضغوط التي قد تمارس عليهم للإخلال بواجباتها.
ب-إعمال النص الجزائي في ملاحقة ومعاقبة التهرب الضريبي، كما هو الحال في كافة بلدان العالم المعاصر. شريطة أن ينال الدرجة الأولى كبار المتهربين ومن يساعدهم من محاسبين أو موظفين وصولاً إلى صغارهم لاحقاً وذلك من خلال وضع تشريعات ومعايير متدرجة في مؤيداتها الجزئائية وفقاً لمستويات التهرب الضريبي وطبيعته.
ج-تبسيط الإجراءات في علاقة المكلف بالإدارة الضريبية والاستعاضة عن التعقيد بالإجراءات الناجمة أو تعديل التشريع إذا لزم المر.
ثالثاً : على صعيد الواردات غير الضريبية :
1- العمل على تطوير موارد القطاع العام الذاتية وزيادة فوائضه الاقتصادية وذلك من خلال دعم وارداته وتأهيلها وتذليل العقبات المالية التي يواجهها.
2- التوقف عن أخذ أو اعتبار فائض السيولة لدى شركات ومؤسسات القطاع العام كموارد عامة وإبقائها تحت تصرف هذا القطاع لتغطية حاجاته في مجال تحديث وتبديل الآلات، الأمر الذي يؤدي إلى دعمه وتطوير فوائضه.
3- إبقاء ما يحوّل حالياً من قبل مؤسسة التأمينات الاجتماعية ومؤسسة التأمين والمعاش من مبالغ إلى الموازنة العامة للدولة لدى هذه المؤسسات لأن هذه المبالغ ليست إيراداً للدولة. بل اقتطاعات لها استخداماتها المحددة بالقانون ويجب تشغيلها في مؤسسات إنتاجية لتنميتها، وللحفاظ على حقوق العاملين والموظفين المتقاعدين.
4- إعادة النظر وبشكل مستمر بإيرادات الوحدات الإدارية المحلية، بما يحقق زيادتها بشكل مطرد يتناسب مع الزيادات العامة للأسعار والأجور وبما يوفر لها الوسائل المالية اللازمة للقيام بما أنيط بها من مهام.
رابعاً – على صعيد الموازنة العامة للدولة ونفقاتها :
1- العمل على استقراء المستقبل وليس الاقتصار على استقراء الماضي عند وضع وتقدير الإيرادات والنفقات في إعداد الموازنة العامة. والعمل بكافة الأساليب على زيادة الأنفاق العام، الجاري، والاستثماري على أن يؤخذ بعين الاعتبار حجم الموارد المتاحة وإمكانية التمويل بالعجز في حدود النسب المتسامح بها اقتصادياً ومالياً.
2- الاستمرار في إصدار الموازنة العامة للدولة في مواعيدها المقررة دستورياً. وتحديد النفقات العامة وخصوصاً الاستثمارية منها في ضوء القدرة الفعلية على الإنفاق.
3- تطبيق مبدأ وحدة الموازنة وشمولها من خلال تخصيص الاعتمادات اللازمة في الموازنة العامة للدولة لتغطية جميع العجوز والالتزامات مهما كانت طبيعتها.
4- معالجة موضوع العجز التمويني وعجز المشتقات النفطية، وفق آليات وتدابير تحول دون الهدر وبما يضمن الهدف الأساسي الذي تسعى لتحقيقه وذلك في ضوء توجهات اقتصادية واجتماعية دقيقة تقررها القيادة السياسية في القطر.
5- متابعة الجهات العامة والوزارات متابعة صارمة للقيام بإنفاق كامل الاعتمادات المرصّدة في بنود الموازنة الاستثمارية، وذلك لزيادة خلق المنافع العامة وتنفيذ المشاريع في مواعيدها لتفادي الآثار السلبية والخسائر الناجمة عن الإنفاق الجزئي للاعتمادات المرصدة، سواء على صعيد زيادة الكلف والأسعار أو سواء على صعيد فوات الربح بسبب التأخر في التشغيل.
6- اعتماد سياسة دورية ودائمة في زيادة الرواتب والأجور بحيث تؤدي إلى زيادة فعلية في قوتها الشرائية لا تقل عن 10 % سنوياً. وتقود خلال فترة زمنية معقولة إلى إعادة الاعتبار لقيمة قوة العمل في مواجهة قوة راس المال ولإعادة التوازن الذي اختل خللاً كبيراً في السنوات العشرين الماضية بين كتلة الرواتب والأجور وكتلة الأرباح والريوع في الناتج المحلي الإجمالي.
7- ترشيد الإنفاق الجاري والاستثماري بالدولة بحيث يستبعد تماماً كامل وجود الإنفاق الترفي، وتضييق بنود مهمات السفر والضيافة والمآدب وتقليص عدد السيارات الخاصة الموضوعة تحت تصرف المسؤولين والموظفين بالدولة على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول المجاورة وغير المجاورة.
8- إعادة النظر بأنظمة المناقصات والشراء والصرف باتجاه التخفيف من المعوقات البيروقراطية وإتمام العمليات في مواقيتها دون المساس بالشروط والضوابط الموضوعية الناظمة لهذه المسائل.
وكلمة أخيرة إن هذا الوضع المالي الذي عرضناه، والذي يعاني مما يعاني ، أعطى فرصة غير نزيهه للنقادين ، بان يمارسوا نقدهم الجارح وشكواهم التي تتستر بغطاء الموضوعية ولكنها مع الأسف تفتقر إلى الأفكار الخلاقة، والجديدة، وتعالج اوضاعاً مالية مستجدة بأفكار واردات تحليل قديمة ومتكررة.
إلا أننا نقول لهم أنه خلل وضعف يمكن معالجته، إذا توفرت الإرادة السياسية، وهي متوفرة بأعلى درجاتها، وإذا توفرت وعبئت الكفاءات والكوادر النزيهة، والقادرة ، وإذا تماسكت القوى الحية والواعية في المجتمع وان نستذكر مع كبير المؤرخين توينبي أن تقدم الشعوب يرتبط بقدرتها على مواجهة التحديات.
والسلام عليكم23/9/2003
[1] على صعيد الوقائع العملية، كان هذا التوازن مع الأسف ظاهريا ومحاسبياً، وقد تحقق عبر ممارسات تمثلت على صعيد النفقات بعدم رصد الاعتمادات الكافية اللازمة للقطاع العام ، ودفعه للإستدانة من المصارف المتخصصة، حيث بلغت ديونه أكثر من 170 مليار ليرة نهاية عام 200100 والقيام بتسديد العجوزات التموينية من خارج الموازنة عبر الاستدانة من المصرف المركزي. وهذا خروج على مبدأ وحدة وشمولية الموازنة العامة . بالإضافة لتدوير بعض الديون إلى سنوات مقبلة دون أن يرصد لها أي بند في الموازنة . واللجوء في المقابل على صعيد الواردات إلى احتساب فائض السيولة لدى شركات ومؤسسات القطاع العام وقسم من أموال التأمينات الاجتماعية وأموال التأمين والمعاشات كمورد من موارد الموازنة خلافاً للمنطق والأغراض التي وجدت من أجلها.
[2] المصدر الدكتور كما ل غالي/ الاقتصاد المالي – الطبعة الثالثة / جامعة دجمشق 1968.
[3] راجع ملحق الإعفاءات الضريبية المرفق بالنص