![]() |
استراتيجية الإصلاح الاقتصادي في سوريا
الدكتور عصام الزعيم
ودون التقليل من أهمية الجهود التي بذلت لدفع مسيرة الإصلاح الاقتصادي خطوات إلى الأمام، فإن هناك من يقترح أن النتائج هي غير مرضية. ولعل غياب الرؤية الاستراتيجية الواسعة والشاملة في بعض الخطوات التي اتخذت، كان بين الإجراءات التي لم تساعد أو قللت من تأثير الخطوات المتخذة.
هذا ما دعانا إلى أن نبدأ هذه الدورة بموضوع استراتيجية الإصلاح الاقتصادي في سوريا والتوجه إلى السيد الدكتور عصام الزعيم للخوض في هذه المسألة. وكما هو معروف، فالدكتور عصام الزعيم هو من بين الاقتصاديين القلائل في سوريا الذين يمتلكون رؤية استراتيجية في مجال الإصلاح ويؤكدون في كل حين على ضرورة أن تأتي عملية الإصلاح والخطوات المتخذة في إطار برنامج وطني متكامل.
يسرني أن أرحب بالدكتور عصام الزعيم وأتشرف بدعوته لإلقاء المحاضرة.
شكراً جزيلاً للأخ العزيز عبد القادر النيال. أود بادئ ذي بدء أن أحييكم جميعاً.
مساء الخير أيها السيدات والسادة، وأيها الأصدقاء. لا أستطيع إلا أن أذكر في هذا المكان صديقنا وزميلنا الدكتور كمال شرف، الذي قاد هذه الندوة سنوات طوال، وقاد الجمعية سنوات طوال، وما أتاح مساحة هامة من الحوار العائلي المفتوح. وكما تعلمون فإن الحوار وإن تجاوز تارة أو أخرى حدوده، وأصاب أو جانب الصواب في نتائجه أو جوانبه، فإن الفضل كل الفضل طبعاً للجمعية الاقتصادية السورية في تنشيط الفكر الاقتصادي والتعريف بالفكر الاقتصادي. ولهذا كان واجباً علي أن أحيي الجمعية و… زملائي، وأن أستذكر بامتنان واعتزاز زميلنا الدكتور كمال شرف الذي أصبح سفيرنا الآن في ماليزيا. وكما تعلمون في مرات سابقة، شرفتني وكرمتني الجمعية بأن أفتتح موسمها السنوي، وككل مرة وضعتني اليوم أمام التحدي، فإضافة إلى تحدي الموضوع، هناك تحدي موقع المسؤولية. ولكنني سأجتهد كعادتي وسأقول رأيي، وهناك من سيأخذ علي ما سأقول، ومن يكتب ما أقول، وتلك قواعد اللعبة. وغايتي في هذا كله أن أشجع على الحوار وأن أطرح الأفكار وأن أستفيد من الانتقادات والملاحظات.
إن معالجة أية مسألة حيوية، وأية مسألة معاصرة تتطلب الاجتهاد، فلابد لنا من الاجتهاد ولابد عند الاجتهاد من المغامرة والخطأ. وانطلاقاً من هذا، كنت أود ألا أتكلم اليوم لأن الحكومة الجديدة تشكلت مؤخراً، تغيرت مواقع المسؤولية فيها، وكنت أتمنى أن آخذ الوقت لأتبادل الرأي مع زملائي ولاسيما مع القطاعات الاقتصادية، ولكن الجمعية لها مواعيدها والتزاماتها، وما كان لي إلا أن أنصاع.
أريد أن أتحدث اليوم في عودة على بدء في موضوع طرحناه من قبل، لكنه لا يخلو من فائدة أن نعود إليه، وأن نمعن النظر مجدداً فيه. أين الحاجة للإصلاح الاقتصادي؟ فإن من الواضح أنه بدون الحاجة إلى الإصلاح فأنه لا مشروعية للإصلاح ولا مبرر لوجوده. فمن يقول بأن كل شيء كان على ما يرام، يفقدنا مشروعية المجهود الذي نقوم به. لم يكن كل شيء على ما يرام. ولم تكن المسألة مسألة تأقلم وحده. لاشك أن التأقلم بعد هام من أبعاد التغيير، ولكن أيضاً كانت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية كانت تقلق في السنوات التي سبقت هذا القرن. وكان هناك خلاف في الرأي حول هذه المسألة، ورواد الجمعية يعرفون جيداً أننا في هذا المكان قد تبادلنا الرأي وتحادثنا بشأن تقييم الأداء الاقتصادي والواقع الاقتصادي والاجتماعي في النصف الثاني من سنوات التسعين. وكنا وما زلنا نعتقد أن الوضع كان يتجه اتجاهاً مقلقاً في السنوات الأخيرة من سنوات التسعينات. وبدون أن أحاول تحميل المسؤولية لأية جهة كانت. فإن التطور السلبي للمؤشرات الاجتماعية كان يبعث على القلق ويدعو إلى التغيير. وليس من قبيل المصادفة أن رئيس الجمهورية اليوم السيد بشار الأسد، حضر إحدى هذه الندوات قبل أن يتسلم المسؤولية. وقد ألقيت فيها محاضرة هنا، وبعد الحديث قال لي: "كنت مصيباً، ولكنك كنت دبلوماسياً، فالواقع أكثر سلبية مما وصفته". وأقول هذا، لأنني أحياناً أصادف صعوبة عندما أعرض بعض المظاهر السلبية. وأعتقد أن التطور الإيجابي الهام، والإنجاز الكبير الذي تحقق في سوريا خلال عقود، انتهى في نهايات القرن إلى ظروف مستجدة، تغير العالم، تغيرت المعطيات وظهرت مصاعب في التنمية. الزيادة السكانية مثلاً، كان مقدراً أن تعتمد سوريا استراتيجية سكانية بدأت تعد لها منذ عام 1994. ولكنها انتهت في عام 1999 دون أن تعد شيئاً. والمؤتمر الوطني للسكان الذي انعقد في شهر تشرين الثاني، أقرننا المشروع الوطني بإقرار استراتيجية يجري إعدادها.
إذاً تلاحظون أن هناك مشاكل ملحة قائمة, التطور العام الذي كان اتصف باتجاه النمو إلى التخافض والانحدار والتذبذب، وأحياناً كان ينزل دون مستوى الصفر. وفي العام 2000، وفقاً للدراسات التي أجرتها وزارة الدولة لشؤون التخطيط في حينه، تبين لنا أن معدل النمو كان صفراً. وأنه في العام 2001، ارتفع معدل النمو إلى 2.5%، وإذا استبعدنا عوائد النفط، فسيكون 1%، أتكلم بالأسعار الثابتة طابعاً. هذا يعني أن هناك ركود. المؤشرات الاقتصادية الحالية تبين أن هناك خروجاً من حالة الركود، ولكنه خروج بطيء، ويحتاج إلى تنشيط. لكن المسألة تتجاوز الاعتبارات الظرفية. سوريا بلد يتصف بأنه آخر بلد عربي يمكن أن يوقع اتفاقية مع إسرائيل. وهو أكثر بلد عربي تمسك بالسياسة المبدئية الثابتة، فرفض الحلول الجزئية، ووقف ضد اتفاقية أوسلو وتمسك بحقوق العرب الشرقية، وربط بين جلاء القوات الإسرائيلية، جلاءاً تاماً غير مشروط عن أراضيه، وإحقاق الحقوق الأساسية للشعب العربي الفلسطيني، وإقرار إسرائيل بمسئوليتها التاريخية تجاه الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية، والحصول على حل عادل يقبل به العرب. ودفعت ولا تزال تدفع ثمن هذا الموقف. هذه معطيات أساسية، وليس الكلام هنا من قبيل الدعاية أو التضليل على الإطلاق. هذا أمر موضوعي، فإذا أخذنا مثال مصر التي وقعت اتفاقية كامب ديفيد وهي لم تعد في حالة حرب مع إسرائيل من الناحية القانونية، وتتلقى أكثر من مليار دولار سنوياً كمعونات عسكرية. والأردن وقعت اتفاقية وادي عربة، أما سوريا فهي تتحمل أعباء عسكرية ولا أحد يعطيها معونة.
إذا كانت سوريا ترفض الاستسلام والخضوع للشروط الإسرائيلية، فإنها مقابل هذا تتخذ ما يلزم من مواقف وتفرض خيارات. ما هي هذه الخيارات؟ أعتقد أن أهم هذه الخيارات هو أن دور الدولة- إذا وضعنا الاقتصاد جانباً- وأنا أقول هذا… أي عملية إصلاح في سوريا، دور الدولة يتأكد، وينبغي أن يتأكد، من منطلق استراتيجي وأمني أولاً. فإذا كان باراك يعلن بأنه سيقوم بالهجوم على سوريا، ثم يأتي أليعازر ويعلن هذا مرتين، ويأتي شارون ويهدد بدوره، فإن سوريا لا يمكن إلا أن تأخذ هذا كله محمل الجد. وبالتالي فإنها تحتاج أن تتحكم في لحظة الأزمات والأزمات لا تختارها. أن تتحكم بالماء(المياه)، بماء الشرب، بالكهرباء، بالطاقة، والوقود إجمالاً، بالخبز وبالمواصلات والاتصالات. وتشكل كلها مجموعة من المرافق الحيوية هي عناصر القطاع العام، لا بد في الدولة أن تتحكم فيه. وهذا اعتبار استراتيجي لا نجده في دول أخرى، ولا نجده في الدول العربية الشقيقة. ولكن المسألة ليست فقط استراتيجية وأمنية، فهناك شروط تاريخية تحكم التغيير والتطوير والتحديث والتوسع الاقتصادي في أي بلد. ونحن في بلادنا شهدنا تأميم المصالح الخاصة في النصف الأول من سنوات الستين بعد عقدين من تأميم المصالح الأجنبية. ومرت بنا عقود عدة قامت من خلالها الدولة بقيادة الاقتصاد الوطني مستبعدة القطاع الخاص من التجارة الخارجية والمصارف والمال والتأمين وإعادة التأمين والصناعة الثقيلة والمياه، الخ. في سنوات الثمانين وقبل أن يتغير العالم، خضعت سوريا لضغوط فظة، وهنا نجد علاقة بين السياسة والاقتصاد. ففي بداية سنوات الثمانين اتخذت سوريا موقفها المعروف والمبدئي من النزاع العراقي الإيراني. ثم بعد ذلك بعقد موقفها المعروف من أوسلو وفي الحالتين عوقبت على هذه المواقف بقطع المعونات العربية الاقتصادية في معظمها. وفي عام 1986 انخفضت أسعار النفط بشكل مريع، والنفط هو مصدر الدخل الأول في سوريا. عقبت هذا موجة جفاف شديدة امتدت لعدة سنوات كانت سوريا خلالها مضطرة لأن تستورد في سنوات القحط ما يزيد على المليون طن من القمح سنوياً. كل هذه المعطيات دفعت بتطور نحو فتح المجال للقطاع الخاص المحلي، فكانت تمويل القطاع الخاص باتجاه الاستيراد، وكان فتح مجال الصناعة التحويلية أمام القطاع الخاص. وكان دخول القطاع الخاص إلى النقل داخل المدن. هذه التطورات هي المقدمات العامة للتغير الذي تشهده السنوات اللاحقة.
هذه التطورات أحلتها الظروف الاقتصادية والسياسية. ولكن نلاحظ أيضاً مسألة في غاية الأهمية بالنسبة للقطاع الاقتصادي اليوم. وهي أن سوريا طولبت في تلك السنوات العجاف علانية من قبل البنك الدولي ومن قبل قوى أوربية بإعادة جدولة ديونها الخارجية. ولم يكن دين البنك كبيراً، حوالي الـ 450مليون دولار. ولكن هذا الضغط جاء في وقت كانت فيه سوريا في صعوبة كبيرة. غير أن الرئيس حافظ الأسد رفض الانصياع للضغوط الغربية وقرر ألا يقبل بأي إعادة جدولة للديون. وكان هذا القرار تاريخياً لأنه يحدد شروط الإصلاح والتطوير اليوم في سوريا. وهو أمر شديد الأهمية وجدير أن يؤخذ بأهميته التاريخية. اتجهت سوريا بعد ذلك إلى معالجة ديونها ديناً ديناً وبصورة ثنائية. ولم يبق إلا الدين الروسي، وديون ثانوية أخرى هي الآن قيد المفاوضة والتسوية. ولم تجد سورية أية صعوبة في خدمة ديونها.
في بداية التسعينات يحصل انقلاب عام علني، ينهار نظام الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي الدولي، ويعود العالم من جديد في طريق اقتصاد السوق. ولأول مرة منذ ثورة أكتوبر البلشفية، يعاد تقسيم العالم على أساس اقتصاد السوق، وتصبح هناك أيديولوجية مهيمنة في العالم يراد فرضها على الشعوب جميعاً.
تواجه سوريا هذا التغيير وبسرعة تتحول إلى قبول مفاوضات مدريد، وعلى الصعيد الاقتصادي يصدر القانون رقم 10 في عام 1991. ويبدأ استجرار الرساميل المغتربة بشكل خاص. هذا التغيير أدى إلى إضافة كبيرة لصالح انفتاح القطاع الخاص وفتح المجال أمامه ولكن في النصف الثاني من سنوات التسعين تباطأ النمو مجدداً وتضاءل الاستثمار بينما كانت الدولة قد قررت أن تحد من استثماراتها. وفعلاً، فإن الاستثمار في الصناعة التحويلية بين العام 1981و العام1999 اقتصر على بضعة مئات من الملايين في صناعات الغزل. ومع هذا لم يجر أي استثمار ذي شأن في الصناعة التحويلية. ولكن من جهة أخرى حصل أيضاً تغيير هام، هذا التغيير كما تعلمون تم في القطاع الزراعي. فضبط الأسعار الزراعية، أيضاً تحت ضغط الأسباب الاستراتيجية، أدى إلى نقل سوريا مجدداً من حالة التبعية الغذائية إلى حالة الوفرة الغذائية والقدرة على التصدير. وهذا أمر في غاية الأهمية أيضاً. وهو يؤكد حيوية القطاع الخاص في الزراعة. ونحن نعلم طبعاً أن هناك دعماً للزراعة، وأن هناك حاجة لضغط التكاليف، ولكن هذه قضايا يمكن بحثها في مجال آخر.
ما هو مهم الآن هو أن نجد معالم التغيير التي سبقت قبل برنامج التجديد والتطوير.
في بداية هذا القرن، في عام2000، جاءت حكومة جديدة وكان لدي شعور، أن هناك فجوة تزداد في الاتساع بين المنعة الاستراتيجية لبلدنا والمنعة الاقتصادية. وأن هناك حاجة لسد هذه الفجوة وتعزيز الواقع الاقتصادي وبلادنا. ينبغي أن نفصل بين أي الظواهر وبين السياسات التي كانت معتمدة في الميدان الاقتصادي. فخلال العقود التي سبقت هذا القرن (العقد السادس والسابع والثامن والتاسع)، كان التوجه بصفة أساسية نحو الإحلال محل الاستيراد. ولا أدلي هناك بجديد فالاقتصاديون هنا يعرفون جيداً هذه المسألة. نحن كنا نستورد لكي نحل إنتاجاً وطنياً محلياً محل الاستيراد. وهذا التوجه أدى إلى انغلاقنا إلى حدٍ كبير عن التطورات العالمية. وكانت هناك مفارقة، من جهة نحن منفتحون كل الانفتاح من خلال تصدير النفط والقطن والفوسفات وسلع أخرى، واستيراد السلع النهائية والوسيطة.
هذا هو الانفتاح، من ناحية ثانية كان هناك توجه داخلي للإحلال محل الاستيراد فيما يخص التصنيع. وهذا التطور أدى إلى أن تحكم المواد الأولية (صادراتنا) السلع النهائية وتكون أهمية التكنولوجيا ضعيفة للغاية ولا تأخذ حيزاً هاماً لدينا. وليس من باب المصادفة أننا لم ننجز حتى الآن استراتيجية للتكنولوجيا رغم أن المسألة على وشك النضج. ولكن هذا تم في فترة تحولت فيها دول عديدة نحو سياسات استراتيجية فعالة. في بدء العام 2000، تود الدولة التوجه نحو الإصلاح الاقتصادي. نحن لا نود أن نسمي ما يجري في بلدنا إصلاح اقتصادي. ليس رغبة منا في التزويد، ولكن التغيير الذي يتم في بلدنا يختلف حقيقة عما تم في القطاعات الاقتصادية في الأقطار الأخرى. هناك عوامل متشابهة ومتماثلة، ولكن هناك نقاط مميزة مختلفة نوعياً بشكل واضح. على سبيل المثال، يرتبط تغيير القطاع الاقتصادي في الدول العربية والنامية إجمالاً بانكماش اقتصادي وبازدياد البطالة وتفاقم الفقر، وضعف الاستثمار. هذه سمة مميزة لكل ما تم من إصلاح في الأقطار الأخرى إذا نظرنا إلى الأقطار العربية المجاورة، نجد أن المشكلة العامة هي مشكلة النمو. قامت إصلاحات هيكلية وفق وضعة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكنها لم تستطع حتى الآن أن تنطلق في النمو وأن تحقق ما يسمى بالنمو المتواصل. وتلك مسألة تحتاج إلى تعليل، ولكن ما هو مهم هنا، هو أن سوريا قد قررت وسعت وتسعى لأن تربط بين النمو والتنمية من جهة والتغيير الهيكلي وتغيير السياسات من جهة أخرى. وهذا التحدي صعب وكبير. ولكن أعتقد أنه بالإمكان مواجهته بنجاح.
إذا نظرنا إلى عناصر السياسات الاقتصادية في سوريا ماذا نجد؟ نجد مثلاً أننا قررنا مؤخراً. إدخال تعديل قانون التأمينات الاجتماعية يعني زيادة الخدمات الاجتماعية. واعتمدنا برنامج القضاء على البطالة يعني إيجاد فرص العمل والحد من البطالة وقررنا ألا تخصص القطاع العام، وهذا يعني أننا لن نزيد العاطلين عن العمل، ولن نخفض من دخولهم. هذه التوجهات كلها تناقض التوجه الذي كان ولا يزال سائداً في حالات الإصلاح الاقتصادي الأخرى. وبالطبع هناك توجيه سياسي واضح وهناك قيادة سياسية، والسيد رئيس الجمهورية أدلى بعدة تصريحات دولية معروفة. تكلم فيها بشكل محدد عن رفع الدخل هذان التوجهان يعبران عن بعد اجتماعي في السياسة الحكومية يتناقض مع ما يتم عادة في الإصلاح الاقتصادي. لماذا يتم الأمر خلاف هذا في الدول الأخرى؟ أعتقد أن منطلق الإصلاح الاقتصادي- وهذه نقطة تحدثنا عنها مراراً في المرات السابقة- هو وجود اختلال في النشاط الاقتصادي، وأن هذا الاختلال في توزيع الموارد يعود إلى سياسات غير اقتصادية، سواء في التسعير أو في الدعم.
ولا نعتقد أنه يكون من الإنصاف والعلم أن نقول أن ما يقوله البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لغط مطلق. هناك الكثير من الحقيقة فيما يقوله البنك الدولي وصندوق النقد الولي فيما يخص الحرص على حسن توزيع الموارد الاقتصادية، والمستوى الاقتصادي الكلي.
الحرص مثلاً على تحقيق توازن الموازنة، ولكن نحن لا نوافق إطلاقاً على ما يرى أنصار فكر البنك الدولي والمدرسة الأمريكية بأن أي اختلال في الموازنة أمر مرفوض، وأي تدخل من الدولة هو أمر مرفوض. وأن التنمية تتطلب موازنة ينخفض فيها العجز ليقترب من الصفر. وأن الدولة تتخلى عن دورها إلى القطاع الخاص. فهناك في التاريخ الاقتصادي أمثلة عديدة عن التنمية بالعجز، ولكن التنمية بالعجز لا ينبغي أن تصبح ثابتة. وإلا تنقلب على صانعيها. والتنمية بالعجز تكون مقبولة إذا استهدفت الاستثمار بالدرجة الأولى. وإذا أحسنت تفعيل الاستثمار.
ففي هذه الحالة يعود الاستثمار بمنافع يمكنها أن تعيد كثيراً من التوازن للموازنات. وإلا فإننا نقع في أزمة عجز تأمين الموازية بكثرة مع مترتباته المالية والاجتماعية والنقدية. وإذا أخذنا موضوع أسعار الصرف نجد أيضاً أن توحيد أسعار الصرف فترة صحيحة إلى حد كبير والتوجه في سوريا نحو توحيد أسعار الصرف ولكن ينبغي أن ندرس المشكلة بعناية فائقة لأن السؤال ليس توحيد أسعار الصرف ومن باب أولى أن ندخل إلى تعويم العملة. فالتجربة المصرية مخيفة. أصبح اليوم سعر صرف الجنيه المصري يزيد عن خمس جنيهات للدولار، وهناك اقتراح على ما يبدو من صندوق النقد الدولي لاعتماد سعر جديد هو 7.5 جنيه للدولار. وهذا يعني طبعاً كارثة اجتماعية في مصر، إضافة لما يعنيه من نتائج اقتصادية. ما أقوله هنا، هو أنه ينبغي أن نستفيد مما يدعو إليه البنك والصندوق، ولكن أن نأخذ هذا بعين النقد والتمحيص، ولا نأخذه كما هو. وأصبحنا نقول نأخذ مصر، حيث وصلت مصر. وكنا قبل التطورات الأخيرة المقلقة في مصر نقول بنقل التجربة المصرية. أما الآن صرنا أكثر يقظة وصرنا نقول نأخذ مصر حيث وصلت مصر.
الخصخصة هي عملية تمت في كل الدول التي أخذت بوصفة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لمجرد التذكير: الخصخصة في مفهوم الصندوق الدولي والبنك الدولي هي كما تعلمون من جهة التثبيت النقدي والمالي، ومن جهة أخرى إعادة الهيكلة بصفة أساسية. ويقصد بالتثبيت النقدي والمالي تحقيق الموازنة المالية في النفقات العامة مقابل الواردات العامة. والموازنة النقدية هي أيضاً تجنب تضخم الكتلة النقدية واعتماد سعر صرف واحد يعبر عن القيمة الاقتصادية للسوق. تستهدف المعونة توجيه الاقتصاد نحو التصدير وإعطاء الأولوية للأنشطة التي تستطيع بلوغ التصدير، وتحويل المبادرة إلى القطاع الخاص، واستبعاد الدولة من مجموع الصناعات التحويلية. هذه هي بشكل عام الوصفة، ولكن إذا نظرنا بالتفصيل إلى الإصلاح المالي في الدول التي تخضع لبرنامج البنك الدولي والصندوق الدولي، تقوم الدولة بتخفيض موازنتها بصفة عامة. وتقوم بتخفيض نفقاتها. وطبعاً أي تخفيض للعجز يكون بإيجاد إيرادات لتخفيض النفقات، وإذا كانت زيادة الإيرادات صعبة، فإن تخفيض النفقات هو قرار يتخذ على حساب الناس. هناك عدة حالات:
- حالة أولى: تسرح نسبة عالية من العاملين في الدولة 30-40%، إذا أخذنا حالة سوريا، لدينا 7500 عامل وعاملة في قطاع الصناعة التحويلية التابع لوزارة الصناعة. وإذا أضفنا الصناعات التي تدعم الاقتصاد الوطني، بشكل خاص حلج الأقطان. وإنتاج السكاكر، وصناعات أخرى نصل إلى ما يقرب من 100.000عامل . إذا نظرنا إلى القطاع الإنشائي نجد فيه مائة ألف عامل. في القطاع العام الصناعي والإنشائي هناك إذاً مائتا ألف عامل.
أي هناك مليون شخص على الأقل يعيشون من خلال العمل في قطاع الدولة الاقتصادي.في بلدان قليلة جداً وجدت حلول. ماليزيا بشكل خاص، أمكنها الخصخصة وأن يكون الطلب على اليد العاملة أعلى من العرض. هذه حالة استثنائية، معدل البطالة في ماليزيا هو 1.5% ، وهناك مليون عامل أجنبي.
ولذلك عندما كانت تتم عملية خصخصة المصانع كان العمال مطلوبون من قبل مؤسسات أخرى وكانت لهم بدائل. وهذا ما لا نجده في أي بلد آخر. القاعدة العامة هي إعطاء تعويضات للعمال بشكل أو بآخر. ثم يسرحون ويبقى الكثيرون خارج العمل. نحن نقول بالطبع بالخصخصة، هذا بعد آخر خاص بسورية، هو الربط بين التنمية وبين الإصلاح والتغيير إلى جانب الربط بين التنمية والبعد الاجتماعي. إذا أخذنا حالة القطاع العام الصناعي، نعتقد أن إصلاح القطاع العام الصناعي مسألة ملحة في غاية الإلحاح. وقد أوكلت إلي مسؤولية كبيرة في عملية قيادة إصلاح القطاع العام الصناعي الهام. وعلي أن أقوم بها بالتعاون مع زملائي وإخواني في الوزارة، إلى جانب من سأتعاون معهم من خارج الوزارة وبدعم السلطات السياسية. هذا العمل ينبغي أن يتم بأسرع الآجال. وأعتقد أننا تأخرنا قليلاً فيه، ولكننا مطالبون الآن بإنجازه. ثلث هذا العمل يمكن أن يتم بتغيير النظام الإداري والقانوني وفقاً ما هو محدد في إصلاح المهام. القيادة السياسية اتخذت قراراً بأن يتم إصلاح القطاع العام على أساس أن يصبح اقتصادياً في أدائه، وأن يصبح قادراً على تحقيق الربح من خلال التوجه نحو السوق. وهذا الأمر يتطلب طبعاً تغييراً، ولكن التغيير من الداخل لا يكفي.
في اعتقادي أن الحكم على القطاع العام ليس مقتصراً على ما هو ظاهري، وليس مقتصراً على البعد المالي والنقدي وعلى الأداء الاقتصادي. هناك ضعف بنيوي في القطاع العام، ينبغي ألا نهمله، وهو أنه قطاع يتصف بالجزئية من حيث البنية الصناعية. قطاع مجتزأ، فروعه مجتزأة وليست متكاملة. وأنه يحمل ضعفاً تكنولوجياً بصفة عامة، رغم عمليات التجديد التي تمت في بعض مرافقه. حتى يكون القطاع العام الاقتصادي على النحو المطلوب، أي أن يتغير ليصبح قادراً على الأداء الاقتصادي وعلى مجاراة السوق، لا يكفي أن نغيره إدارياً ومالياً وتنظيمياً. لا بد أن ندخل فيه عناصر جديدة. وهذه العناصر هي التي تعطيه مزيداً من التكامل الصناعي الرأسي. أن تكون العمليات الصناعية المتاحة فيه أكثر مما هي عليه في الفروع الرئيسية، ولا بد أن ندخل عناصر جديدة من التقانة ترفع إنتاجيته مما يتيح له القدرة على تحسين الاقتصاد. وبالتالي فإن إصلاح القطاع العام مرتبط بتحديثه وتجديده إنتاجياً وتكنولوجياً. طبعاً هناك من يعتقد أن القطاع العام قد كلف ما كلف وآن الأوان للتوقف عن هدر الأموال فيه. ولكن الأحكام تتغير بتغير الأحوال فإن تغيرت الأحوال في القطاع العام، تتغير الأحكام بشأنه. وإذا كان القطاع العام قد حقق ربحاً في مصانعه، ومني بخسارة في مصانع أكثر عدداً، فإن هذا لا يعني أنه محكوم عليه بأن يبقى خاسراً. أنا لا أعتقد إطلاقاً بما يقال أن الدولة تعني الفساد وأن القطاع العام يعني الخسارة. وأن القطاع الخاص يعني الربح. فهناك أمراض اقتصادية تنتاب القطاع العام، وأمراض اقتصادية تنتاب القطاع الخاص، ونحن نعاني من هذه وتلك، وليس من هذه وحدها أو تلك وحدها.
وإذا نظرنا إلى المؤسسات الدولية، وقلنا هذا من قبل، فإن الشركات المتعددة الجنسية لا يديرها مالكوها، بل يديرها موظفون عينوا وانتدبوا في خدمتها وإدارتها. الفرق بين هذه المؤسسات وبين ما كان سائداً لدينا حتى الآن ، أو في عدد من البلدان النامية الأخرى، هو المحاسبة.
في الشركات المتعددة الجنسية من يحقق الربح يعطى مكافأة مجزية تصل إلى ملايين الدولارات، ومن يخطئ فأضعف ما يفعله هو أن يستقيل، وإنما أقرأ هذا في وسائل الإعلام دائماً. ولو طبقت هذه السمة في المحاسبة، سيتحسن القطاع العام كثيراً. وقد قررت الدولة هذا بالضبط، أن تكون هناك مبادئ منظمة، ناظمة لعمل القطاع العام وهي الشفافية والمحاسبة والاستقلالية. هذه الشروط لا بد منها ولكنها لا يمكن أن تتحقق بمجرد التغيير المالي والنقدي كما قلت. لا بد أيضاً أن نربط هذا بتغيير التكنولوجيا الإنتاجية، تكلمت عن هذا البعد في القطاع العام، وأريد أن أشير إلى جانب آخر من الإصلاح وهو العلاقة بين تعريف الموارد وبين التغيير الاقتصادي.
نريد لبرامج التطوير الذي نسعى إليه أن يكون أوسع أفقاً من الإصلاح الاقتصادي والإداري. ونسعى أن نضيف إليه البعد السكاني. أي أن نربط بين الإصلاح في السياسات السكانية وبين التنمية الاقتصادية. وخلال المؤتمر الوطني الأول للسكان الذي انعقد خلال تشرين الثاني الماضي في دمشق، طرح مفهوم الموائمة بين التنمية السكانية وبين التنمية الاقتصادية. ومفهوم الموائمة يعني أن هناك عدة معدلات يمكن أن تحقق من خلالها موائمة أو تناسق بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي.
ويمكن لدرجة معينة من الرفاهية أن تقترن ببعد معين من النمو السكاني، وذلك خيار سياسي اجتماعي. ولكن من المؤكد أن التنمية السكانية، - ولا أتحدث عن النمو- أقصد بالتنمية السياسة المبرمجة الواعية لظاهرة طبيعية هي النمو السكاني. والمقصود بذلك التخطيط للنمو السكاني والتدخل في العملية السكانية وليس بالأوامر الإدارية، وإنما خلال عملية الإعلام والوعي ومساعدة الناس على اتخاذ القرار بحرية على أساس منطقي. وهذا التوجه من شأنه المساعدة على الربط بين التطور السكاني والتطور الاقتصادي. وهذه الفكرة أكد عليها السيد رئيس الجمهورية من خلال مؤتمر السكان. وأعترف أنني عندما واجهت في بداية الأمر قضية النمو السكاني، كنت مأخوذاً بالدرجة الأولى برفض الانصياع وراء الدعوات الغربية. لا فقد عشت في الأمم المتحدة ولسنوات طوال المجهود الكبير الذي تقوم به وكالة الأمم المتحدة للسكان من التخطيط السكاني. وكنت أتخوف دائماً من السقوط في الداروينية الجديدة: المشكلة هي النمو السكاني. لا ليست المشكلة هي النمو السكاني. في الحقيقة ليس هناك بلد في العالم حقق انطلاقته الصناعية وتطور حتى أصبح متقدماً بدون نمو سكاني، والعكس تماماً.
ولكن الإنسان أيضاً ينبغي أن يعرف ألا يذهب وراء الاكتفاء فقط وحده هناك حاجة للتحكم في الموارد، عندما تكون هناك حاجة للتحكم في المصائر، ولا يعني ذلك التحكم في الآخرين. وهي سياسة عامة للدولة تهدف إلى إعطاء المواطنين الأدوات التي تسمح له بممارسة حقهم الطبيعي في تحديد شروط نموهم وتوفير سياسات للدفع في هذا المسعى.
هذا البعد مهم بالذات في المجهود الذي تقوم به سوريا، هناك بعد اجتماعي وهناك بعد سكاني، وهناك أيضاً بعد يرتبط بالمشروع التنموي. تحدثت قبل قليل عن الحرص على توفير فرص العمل وعلى زيادة الدخول. ولكن الحرص على زيادة فرص العمل يقترن أيضاً لدينا بالحرص على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، أي زيادة النمو الاقتصادي وهذا جوهر الخطة التي تنتهي تقريباً من إعدادها لتعرض على السلطات السياسية. الخطة الخمسية التاسعة تقوم أساساً على فكرة الجمع بين التغيير الهيكلي والنمو الاقتصادي. وهو تغيير في الحالة السورية الذي سيعطيها سمة أساسية تميزها عن غيرها. كل حالات الإصلاح الاقتصادي الأخرى ارتبطت بتراجع النمو، ونحن نريد أن نحقق النمو دون أن نغامر في هذا المسعى.
عندما قدمنا للمجلس الأعلى للتخطيط إطاراً ضمن الخطة الخمسية اقترحنا أن يكون هناك نمو في حدود 2.7% خلال السنوات الثلاث الأولى من الخطة، ومعدل النمو السكاني في سوريا هو حالياً 2.4%. يعني وضعنا النمو بما يزيد قليلاً عن النمو السكاني، وهذا يعني ما يشبه المحافظة في الحد الأدنى أو التحسين بشكل طفيف في دخل الفرد خلال السنوات الثلاث الأولى. وخلال السنوات الرابعة والخامسة تتوسع الأمور ويصل معدل النمو إلى 3%. ووجه المجلس الأعلى للتخطيط بأن يكون النمو بمعدل 3% في المرحلة الأولى و4% في المرحلة الثانية وهذان الهدفان قابلان للتحقيق إذا ما نجحنا في تحقيق سياسات جريئة وفعالة لرفع القدرة الاستيعابية لاقتصادنا الوطني. نحن في سوريا نعاني، وتلك إحدى أهم المؤشرات لتراجع النمو، من انخفاض معدل الاستثمار نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في نهاية سنوات التسعينات.
وفي العام 2000، كان معدل الاستثمار في سوريا لا يصل إلى 18% منها ما يزيد على 11% من القطاع العام، والباقي في القطاع الخاص. هذا المعدل منخفض جداً، ومن شأنه أن ينخفض أكثر. وفي الواقع أننا نملك المقدرة على رفع معدل الاستثمار من حيث الادخار والاستثمار، ولكننا نحتاج إلى تفعيل قنواتنا الادخارية الاستثمارية. ويجري هذا المسعى من خلال إصلاح القطاع المصرفي. هناك طبعاً خطة للأسواق المالية، والخيار الأساسي للتفعيل هو توجيه المدخرات إلى الشركات والمؤسسات والمشاريع الصناعية والإنتاجية. التوجه نحو النمو في سوريا في ظل التغيير الهيكلي أمر ليس يسيراً. فعندما تكون الدولة في صدد تغيير سياساتها ينتظر القطاع الخاص ويترقب ولا يقوم باستثمارات كبيرة ريثما تستقر السياسات والتغييرات الهيكلية. هذا هو الموقف العام. وحتى بالنسبة للمستهلك المحلي. بالإضافة إلى هذا فإن التغيير الهيكلي وتغيير السياسات يستهدف تحسين قدرة القطاع الخاص على الاستثمار، فإنه يكون كتحصيل حاصل أن الاستثمار الخاص لن يكون كبيراً في فترة الإصلاح نفسها. وبالتالي فمن الناحية الموضوعية يصعب تحقيق النمو في السنوات الأولى. إلا أنه يمكن إذا كانت الدولة نشيطة في الاستثمار، وإذا كانت الإصلاحات تتصف بالحيوية المطلوبة، وإذا كانت التدابير والسياسات المتخذة قادرة على إيجاد أسباب النمو، يمكن تحقيق هذا الهدف. النمو الأدنى حتى تعطي عملية التغيير نتائجها. على سبيل المثال، ننظر إلى الموازنة في سوريا. ما يميز الإصلاحات الاقتصادية في الدول الأخرى هي أن الموازنة بالإجمال تقلص، وأن الموازنة الاستثمارية تقلص بشكل خاص، ثم الإنفاق. هذا تقليص لدور الدولة، وليس فقط الموازنة الجارية، فالموازنة الجارية تقلص بتقليص النفقات وتقليص النفقات يتم بتقليص النفقات الجارية في إطار إصلاح الخدمة المدنية، والإصلاح الإداري، وإصلاح القطاع العام .
ماذا نجد في سوريا؟ منذ عام 2000 نجد اتجاهاً مناقضاً لما ساد في بداية سنوات الـ90. وهو زيادة مطردة ومتزايدة ومتسارعة في نطاق الاستثمار العام.
الموازنة الاستثمارية للعام 2002 تبلغ 184 مليار ليرة سورية وهي تفوق بكثير الموازنة الجارية، إن لم تخني الذاكرة 154مليار ليرة. فإذاً الإنفاق أغلبه استثماري، وهذا الاستثمار يسعى لتعويض ضعف الاستثمار الحالي وضعف استثمار القطاع الخاص. وإن زيادة الاستثمار في إطار الموازنة الاستثمارية من شأنها أن تساعد على رفع معدلات الاستثمار. وإذا تمكننا من زيادة الاستثمار في هذه السنوات، يمكننا ردع الاتجاهات الانكماشية للاقتصاد الوطني. هناك سياسات تدخلية لابد من القيام بها في السنوات القادمة، وتهدف إلى زيادة الاستثمار، وزيادة فرص العمل ضمن الاقتصاد الوطني. ويمكن التفكير في ما فعلت بريطانيا أيام كينز، وما فعلت أمريكا أيام ، وما فعلت دول عديدة وتفعل. تذكرون أن بوش وضع 70 مليار دولار في خدمة الاقتصاد الأمريكي. فتدخل الدولة هو ليس كما يشاع، وإنما هو تدخل من المطلوب أن يكون رشيداً، وإنمائياً، وليس تدخلاً إدارياً وبيروقراطياً. لذلك من المهم تطوير مفهوم التدخل بجانب تأمين هذا التدخل. إذا نظرنا إلى هذه المسألة، نلاحظ أن سوريا تحاول إعادة هيكلة اقتصادها وفق شروط جديدة، دون أن تتبع النموذج المتبع في الدول الأخرى، ودون أن تعرض المجتمع إلى هزات اجتماعية. هذا لايعني أننا لا نواجه صعوبات، ولا يعني أننا في واقع وردي. علينا أن نقر بأننا نواجه مشاكل، منها في المرتبة الأولى انخفاض القدرة الشرائية، نواجه مشاكل تتعلق باستخدام الطاقات الإنتاجية المتاحة في القطاع العام الصناعي. هناك الكثير من المشاكل نواجهها ولابد من إعطائها الأولوية. مسعانا هو أن نعطي العملية في سوريا سمات مميزة، تأخذ بعين الاعتبار حاجاتنا، حاجات سوريا وإمكاناتها، وتتجاوز بالتالي الصيغ الجاهزة، هذا هو التحدي. هناك نقاط في الإصلاح الاقتصادي تتطلب تأولاًَ وتعمقاً، وبصراحتي كالعادة أقول أن هناك مثلاً تساؤل مشروع حول العلاقة بين التحرير المالي وبين متطلبات الأمن الاستراتيجي. وهناك ضرورة للربط بين تعزيز القطاع المصرفي الوطني وإتاحة المجال أمام القطاع المصرفي الجديد. ذكرت فيما سبق أننا نملك حرية اختيار الإصلاح الاقتصادي، ولكن الحرية هي ليست حرية فقط، هي دائماً حرية ومسؤولية. وطالما الحرية المسؤولية، فهي حرية ومغامرة في صنع القرار أيضاً. ولانقصد المغامرة كما في الأفلام، لكن أخذ القرارات مسألة فيها شيئ من المغامرة، لأننا لانستند بالضرورة إلى مثال سابق واضح. عندما نقول نحن نملك حرية القرار، نعني أننا نصنع إصلاحنا بأنفسنا. ولكن من يصنع الإصلاح ؟ يصنعه المكلفون به حالياً. هل نملك نحن تجربة مسبقة في الإصلاح الاقتصادي ؟ بكل موضوعية، نحن لانملك كبلد تجربة سابقة وشاملة في مجال الإصلاح الاقتصادي؛ هذه أول مرة نواجه فيها المسألة. نحن نملك القدرة وعلينا أن نتعلم من أشقائنا العرب وممن سبقنا أيضاً. ولكن هناك تجارب عديدة طبعاً، هناك مثلاً التجربة المصرية، والتجربة الجزائرية، وهناك أيضاً التجربة الصينية، والتجربة الكورية والتجربة الماليزية. هذا الاطلاع على التجارب الأخرى ضروري، واستخلاص الدروس من هذه التجارب ضروري أيضاً. وبالتالي أن الاستعجال في الإصلاح من شأنه أن يحول من أن نستخلص الدروس الأخرى ونأخذها بعين الاعتبار. كما أن التلكؤ والبطئ من شأنه أن يعيق إتجاز العملية ويضعف من فرصة تجاوز الصفات الملازمة لعملية الإصلاح الاقتصادي، وهي الجنوح نحو الركود الاقتصادي. لذلك نقول أننا نواجه أيضاً قضية المعونة الخارجية. أريد أن أفتح المجال هنا أيضاً لنكون على دراية أكثر فيما يدور بشأن الاصلاح الاقتصادي. إذا قلنا أننا لا نملك خبرة وطنية كافية في الإصلاح الاقتصادي. أعتقد هذا دون التقليل من كفاءتنا، فلدينا كفاءات وطنية، سواء في الدولة بصفة أساسية، وخارج الدولة أيضاً وبالتحديد في الجامعات. وأقصد بالدولة المقومات الإدارية للدولة، ولكن هذه الكفاءات كلها قليلة الدراية بمفهوم اللإصلاح الاقتصادي. أنا أعتقد أن هذه حقيقة موضوعية، نأمل ألا نتجاهلها. وإذا نظرنا إلى جانب البحث الاقتصادي، فلدينا خبرات اقتصادية مؤكدة، في الواقع مختلفة. لدينا اقتصاديون ذوي ذكاء كبير كفاءة كبيرة. ولكن كم من الاقتصاديين في بلادنا أتيحت لهم دراسة الظواهر المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، وفي شروط علمية لائقة؟ نحن لانمتلك مؤسسات للبحث العلمي الاقتصادي التطبيقي والنظري. وبالتالي فإن خبراتنا يمكن أن تشحذ، ولكن لاتوجد خبرات جاهزة لمجابهة المشاكل المطروحة. لذلك أعتقد أن هناك حاجة للاستفادة من خبرات أخرى، وهنا تظهر المشكلة. فإذا كنا نملك حرية الخيار، أفلا نضيع هذه الحرية بالاستفادة من خبرات أخرى. طبعاً ليس المقصود التخلي عن مسؤولية الإصلاح فتلك مسؤولية سورية، وهي مسؤولية إعداد مناهج الإصلاح بكل مكوناته تحت مسؤولية القيادة السياسية ووفقاً لتوجيهاتها. لكن هناك أيضاً موضوع الاستفادة من التجارب الأخرى، وهي تعرض علينا من جهات خارجية، وانطلاقاً من مفهوم سائد هو أن للإصلاح الاقتصادي في العالم نمط وحيد متماثل في نهاية المطاف. نحن لا نعتقد بهذا الرأي على الإطلاق. نحن نعتقد بأن العالم حالياً يمر بمرحلة انتقالية، هو حالياً عالم أحادي القطب، ولكنه سيتحول في غضون عشر سنوات أو خمس عشرة سنة إلى عالم متعدد الأقطاب. وبالتالي ستتغير المفاهيم، ولن تصبح مدرسة شيكاغو
نحن الآن في عالم يتصف بأحادية القطب، وبالختلال أيضاً. ولدينا شواهد مادية على الصعيد الكوني العالمي والإقليمي والوطني على اختلال النظام الحالي. وأهم ما يميز نظام العولمة الحالي الجديد أنه مبني على التجديد التكنولوجي بهدف الربح، والتنافس بهدف الربح، وإهمال البعد الاجتماعي. أهم ما يميز نظام العولمة الجديد هو تصفية المكاسب الاجتماعية وإهمال الأبعاد الاجتماعية للتنمية، والتركيز على الربح في إطار التنافس المتواصل. نحن في هذا النموذج نقول أنه حتى في هذا الوضع الحالي لدينا نموذج الصين، والذي يتميز بتحكم الدولة السياسي في عملية الإصلاح. ويتميز في تطبيق برنامج الإصلاح بصورة انتقائية. ويتميز بإحلال سمات جديدة للعمل الاقتصادي يجب أن نستفيد منها. من أهمها ما يمكن أن نسميه الأخلاقية الجديدة للعمل أو أخلاقية العمل، وأخلاقية الإداء وأخلاقية الإنتاج. وتعني معاداة كل ما هو مرتبط بالمحاباة والفساد. هذا التطوير تم من خلال السلطة السياسية للحزب الشيوعي الصيني والتجربة الاقتصادية التي تذهب بعيداً في التحرر الاقتصادي. وفي قناعتي أن التجربة الصينية، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، هي تجربة انتقالية، أي أنها ستنتهي إلى التغيير. وأنا أرى تغييرين محتملين: الأول هو أن تتحول الصين إلى دولة رأسمالية تماماً، أي أن تعم المناطق الاقتصادية الجديدة منطقة الصين كلها. والثاني أن الصين تشكل كتلة بشرية قادرة على أن تنتج نموذجاً إنسانياً خاصاً بمساحتها وبحجمها. وهو أنه كما قال ماركس وإنغلز بأنه يمكن تحقيق الشيوعية في ظل الرخاء. ولكن ما يعنيني الآن أن التطوير الاقتصادي الخارق الذي تم في الصين، تم بتدخل الدولة المنهجي، وهذا ماتم أيضاً في دول النمور الآسيوية. وأهم ما نريد أن نقوله هنا هو قضية الاقتصاد المختلط. إن النموذج العام العولمة هو الاقتصاد الذي يهيمن عليه القطاع الخاص. وما أراه شخصياً في الأفق التاريخي المنظور هو دولة تقوم على اقتصاد مختلط، يتعايش بها العام والخاص وتقودها الدولة. ولهذا فأنا أعتقد أن مفهوم التعددية الاقتصادية هو مفهوم في غاية أهمية استراتيجية، وهو مفهوم مرشح للتواصل، وقد جرى ويجري تطويره، ومن المهم جداً تبادل الرأي والتدارس بشأن معانيه. ولكنه يعطي مزية فائقة، وهي الإقرار بأهمية الأدوار التي يمكن أن يؤديها القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والقطاع المشترك. هذه المفاهيم التي تبدو مبسطة في رأيي هي في غاية الأهمية ويمكن الاستفادة منها. وبالتالي فإن النموذج الذي يسعى إليه الإصلاح الاقتصادي في سوريا في إطار التطوير والتحديث هو نموذج الاقتصاد المختلط، هذا هو اعتقادي، وأعتقد أنني في هذا أكون منسجماً مع التزام قرار القيادة السياسية التي تقود البلاد.
فيما يخص ما يقال حول أنه لديك البرنامج مكتوباً، بدأنا بالمناقشة، وأعتقد أن المناقشة من العناصر الأساسية للإصلاح، على ماذا يقوم الإصلاح، وما هي المفاهيم الأساسية للإصلاح. هناك قضية أن الموضوع بحاجة دوماً إلى مناقشة. وليس عيباً على الإطلاق ألا يكون لدينا برنامج جاهز للإصلاح الاقتصادي، لأن المسألة تحتاج إلى إنضاج، والإنضاج يحتاج إلى حوار. هناك قضايا تستبين خلال الحوار. حاولنا مثلاً وضع صيغ قانونية لعمل القطاع العام ولم تقرها القيادة السياسية لأنها اعتبرت أن هذه الصيغة لاتتفق مع هدف الحفاظ على القطاع العام. بخصوص التجارة الخارجية يتعرض النموذج السوري لظروف ليست سهلة، فالدول أخذت ببساطة بتحرير تجارتها، ونحن في سوريا حاولنا أن نتأخر في تحرير التجارة. جاءت التغيرات في لبنان، وواجهنا مشكلة التفاوت المتزايد بين السيايات اللبنانية والسياسات السورية. واليوم وبعد إزالة الحواجز الجمركية بين سوريا ولبنان نواجه واقعاً جديداً لا يمكن أن نعيش وإياه ولا بد أن نتجاوزه. هذا التصور بأننا نملك حلولاً جاهزة ليس صحيحاً. إنما نفضل إصلاحاً في ظروف الواقع المتغير، وسوريا جزء من الأمة العربية، ومنطقة التجارة العربية الحرة تدخل موضع التطبيق تدريجياً وسوريا تأخذ بها بحماس، ونحن سعينا لأن نستعجل تطبيقها. وبالمقابل نحن نواجه تحدياً كبيراً، ويشتد مطلب حماية الصناعة. وقد حصل أكثر من لقاء في مسعى دعم القطاع الصناعي الخاص لمواجهة التحديات الجديدة. وتلك أيضاً مسألة تعقد الإصلاح، فمن جهة هناك حاجة لدعم الصناعة الخاصة والعامة، ومن جهة أخرى هناك حاجة لتحرير الصناعة والنشاط الاقتصادي. لذلك أؤكد أننا تأخرنا أيضاً في عملية التطوير. نحن لو بدأنا في حماية الصناعة قبل خمس وعشرين عاماً وبصورة منهجية لكان الوضع أفضل. لكننا لانريد أن نتذكر الماضي، نحن ما نقوله أننا نحتاج اليوم إلى حوار معمق من أجل أن نجد صيغاً تساعد الصناعة السورية على أن تقف على قدميها وأن تطور إمكاناتها وقدراتها، وفي الوقت نفسه نستقبل إزالة الحواجز الجمركية بيننا وبين الدول العربية الأخرى. ينسحب هذا أيضاً على المدى الطويل على علاقاتنا مع الإتحاد الأوروبي ومع منظمة التجارة العالمية. أعتقد في نهاية الأمر أننا في حاجة إلى تفعيل التعددية الاقتصادية. ولو فعَّنا التعددية الاقتصادية بشكل أكبر لعززنا قدرات النمو بالشكل الذي يخدم الاصلاح الاقتصادي. تفعيل القطاع التعاوني ضرورة اقتصادية واجتماعية، وإذا فعلنا هذا القطاع بشكل أكبر فسيساعدنا على تحسين فرص النمو في الاقتصاد الوطني وبالوقت نفسه يمكن أن نواصل عملية الاصلاح الاقتصادي.
هذه هي الأفكار التي أردت أن أتبادلها وإياكم. وكما تلاحظون، فإنني أعالج مسألة نقوم بالتدارس فيها وما زالت في المخاض، وشكراً لكم.