الركود في الاقتصاد السوري
أسبابه وسبل تجاوزه

الدكتور نبيل مرزوق*

 

تسلط هذه الورقة الضوء على مسألة الركود في الاقتصاد السوري؛ في محاولة للتعرف على sأسبابه واستشراف سبل تجاوزه؛ وذلك في اطار الهدف العام للندوة وهو «تفعيل مسيرة الاصلاح الاقتصادي».

يتسم الاقتصاد العالمي اليوم بالركود؛ نتيجة الركود في مراكزه الرئيسية؛ الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي واليابان، ويتجلى ذلك بتقلبات اقتصادية ومالية في أسواق عدة وكساد نسبي وبطالة متزايدة مع ما يرافق ذلك من اتساع نطاق الفقر والاضطرابات الاجتماعية، ويتبين من التجربة الدولية في هذا المجال: أن الدول الصغيرة والفقيرة الأكثر انفتاحاً على الخارج والمرتبطة بصادرات أولية؛ قد كانت الأكثر تأثراً بالتباطئ الاقتصادي في المراكز الرأسمالية المتقدمة، حيث انعكس انخفاض الطلب العالمي على أسعار صادراتها وبالتالي ايراداتها بشكل عام.

وفي الواقع السوري تتجلى هذه الانعكاسات بشكل واضح، حيث تمثل الصادرات النفطية 68% من اجمالي الصادرات عام 1999 وتمثل الخامات المختلفة ما يقارب 75% من اجمالي الصادرات؛ لذلك يتأثر الاقتصاد وبشكل كبير بأوضاع السوق العالمية، وينعكس عليه الركود العالمي بشكل مباشر، لما تمثله الايرادات النفطية من أهمية بالنسبة للموازنة العامة والاستثمار الحكومي (ما يقارب 60% من اجمالي ايرادات الموازنة خلال السنوات الأخيرة). مع ذلك فإنه لا يمكن تفسير ظاهرة الركود في الاقتصاد السوري استناداً إلى التأثيرات الخارجية فقط؛ إنما هنالك عوامل داخلية موضوعية مرتبطة بالسياسات والاستراتيجيات، والتي نعتقد أنها المسؤول الرئيسي عن الظواهر المعيقه للنمو والمسببه للركود؛ وهذا ما سنحاول التركيز عليه في هذه الورقة: انطلاقاً من فكرة أن السياسات والاستراتيجيات المتبعة قد تقوم بضبط وتخفيف الآثار السلبية القادمة من السوق العالمي، أو أنها تقوم بدور مساعد لمفاقمة هذه الآثار السلبية وتعميقها؛ ومن هنا يطرح التساؤل ما هو الدور الذي قامت به السياسات الاقتصادية المتبعة في سورية خلال السنوات الماضية؟ وما هو دور الدولة بشكل عام؟

لذلك سيتم التركيز على تبيان أسباب الركود في سورية، والدور المطلوب من الدولة القيام به للخروج من هذا الركود والحؤول دون تحوله إلى أزمة شاملة.

من أجل تحقيق أهداف البحث، سوف نعتمد التحليل والمقارنة للمعطيات الاقتصادية الرسمية (المجموعات الاحصائية السنوية الصادرة عن المكتب المركزي للاحصاء في دمشق)*، في عدد من القطاعات والمجالات، بعد تحديد مفهوم للركود يصلح أن يكون مفهوماً مشتركاً يوحد المصطلح والرؤية في هذه الورقة وفي النقاش الذي سوف يدور حولها سوف نقوم بمناقشة المسائل المطروحة من خلال العناوين التالية:

1ـ ما هو الركود الاقتصادي؟

2ـ مظاهر الركود في الاقتصاد السوري.

3ـ أسباب الركود الداخلية.

4ـ سبل تجاوز حالة الركود.

1ـ ما هو الركود الاقتصادي؟

يستخدم اصطلاح الركود الاقتصادي لتوصيف التقلبات والاضطرابات التي يتعرض له النظام الرأسمالي خلال فترات محددة؛ وتتجلى هذه التقلبات في انخفاض الناتج، مقارنة مع فترات سابقة أو بالمقارنة مع الطاقات الانتاجية المتوفرة أو الكامنة، وبكساد يشمل جميع أو بعض قطاعات الاقتصاد الوطني؛ ويعاني رأس المال خلال ذلك من تدني معدل العائد وتفلس أو تغلق المنشآت الصغيرة والهامشية في الاقتصاد الوطني؛ ويؤدي ضعف مستوى الطلب الكلي والتراجع في القدرة الشرائية، إلى تسريح أعداد متزايدة من العمال وإلى اتساع نطاق البطالة وتدني سوية الأجور في المجتمع ككل.

الظواهر التي يتجلى فيها الركود، هي نفسها التي تتجلى فيها الأزمات الدورية مع فارق أساسي في العمق والاتساع والديمومة؛ حيث تكون الأزمات الدورية أكثر عمقاً وشمولاً وتمتد لفترة أمنية أطول؛ وغالباً ما تكون الأزمة ذات صفة عالمية في حين أن الركود يمكن أن يكون محدوداً في بلد معين أو في مجموعة من البلدان.

في المستوى الحالي من التطور الذي بلغه النظام الرأسمالي، قد أصبح ممكناً ضبط بعض التقلبات والحد من شدتها وعمقها؛ من خلال الدور الذي تمارسه الدولة والمؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى المحلية والدولية؛ مع ذلك فإن التخفيف من حدة الركود وديمومته، لا يلغي الأزمة الكامنة في النظام الرأسمالي، حيث لا تأت الأزمات الدورية وفترات الركود طارئة وخارجة عن النظام «النظام الرأسمالي» بل هي جوهرية فيه (أي أنها داخلية في بنيته)؛ فقوى السوق ومن خلال التجربة التاريخية للرأسمالية، لم تكن قادرة على تحقيق التوازنات الأساسية في النظام؛ ولم تستطع «اليد الخفية» تجنيب السوق أزماتها المتكررة؛ وفي المرحلة الحالية من التطور الرأسمالي، والذي أطلقت فيه الحرية كاملة لرأس المال؛ تزايد التراكم في أسواق المال للمضاربات والانتقال السريع من سوق لآخر دون المجازفة في الدخول في قطاعات ومجالات الانتاج؛ الأمر الذي يتهدد النظام النقدي والمالي العالمي؛ ما يتهدد النظام ككل بأزمة عميقة وشاملة؛ إن اتجاه قطاع الالكترونيات نحو النضج وانخفاض معدلات الأرباح فيه، قد أدى إلى انهيار متسارع في أسعار أسهمه؛ وبدأ رأس المال البحث عن فرص جديدة للربح والاستثمار، وقد يكون خياره قد اتجه من جديد إلى قطاع الصناعات الحربية، والذي كان الخيار الأمثل له خلال فترتين من القرن الماضي جرَّت على البشرية كوارث وويلات ما زالت تعاني من آثارها حتى الآن؛ ولكن هل تسمح البشرية لرأس المال الهروب من أزمته على حسابها ومستقبلها من جديد؟ هذا ما سوف يتضح خلال الأشهر أو السنوات القليلة القادمة.

2ـ مظاهر الركود في الاقتصاد السوري

أشرنا في التعريف للركود أنه يتجلى في انخفاض الناتج والكساد وانخفاض القدرة الشرائية والبطالة، سنحاول فيما يلي تتبع تغيرات هذه المؤشرات وغيرها للتعرف فيما إذا كان هنالك ركوداً في الاقتصاد أم لا.

تبين المعطيات الاحصائية؛ أن الوسطي السنوي لنمو الناتج المحلي بالأسعار الثابتة خلال الفترة 1980-1985 كان بمعدل 1.79% سنوياً، وقد تحول هذا المعدل خلال الخمسية التالية أي 1986-1990 إلى نمو سلبي يقدر بـ ـ 2.82% سنوياً، وفي السنوات  1991-1995 كان وسطي معدل النمو 3.76% سنوياً، وكان الوسطي للسنوات الخمس 1996-2000 يقارب 2.08% سنوياً؛ وبالمقارنة مع وسطي معدل النمو السكاني للفترة 1980-2000، يتبين أن وسطي معدل النمو في الناتج لكامل الفترة قد كان أدنى من معدل النمو السكاني الذي كان يقارب 3.35% سنوياً للسنوات 1980-1990 ونحو 3.34 للفترة 1991-1995 ونحو 2.69% للفترة 1996-2000.

إن نمو الناتج بمعدل أدنى من معدل النمو الطبيعي يدل على وجود طاقات فائضه غيرمستخدمة سواء في قوة العمل أو في رأس المال؛ ويبين الجدول رقم (1) التغيرات في حصة الفرد من الناتج الاجمالي وحصته من الاستهلاك النهائي للشعب؛ حيث يتضح أن مستوى دخل الفرد بالأسعار الثابتة لعام 1995 قد تراجع خلال كامل الفترة تقريباً عن مستواه في النصف الأول من الثمانينات من القرن الماضي؛ وهذا ما ينطبق أيضاً عن حصة الفرد من الاستهلاك النهائي؛ الأمر الذي يعكس ضعف الطلب الكلي؛ والذي انعكس على الناتج الصافي للصناعة التحويلية التي نمت بمعدل وسطي وفق المعدلات التالية:

 

وسطي السنوات

1980-1985

1986-1990

1991-1995

1996-1999

معدل نمو وسطي سنوي للناتج الصافي بالأسعار الثابتة

5.24%

ـ 7.62

5.28

ـ 0.3

معدل نمو وسطي سنوي للقطاع العام التحويلي

-

2.74

2.63

ـ 7.22

يتضح من معدلات النمو أن القطاع الصناعي التحويلي لم يحقق نمواً فعلياً خلال السنوات الماضية حيث مر بمرحلتين من تراجع الناتج الصافي في الوقت الذي كان فيه معدل النمو متوسطاً خلال الفترتين الأخريين؛ في حين نجد القطاع العام التحويلي الذي كان ينمو بمعدلات ضعيفه وطفيفه نسبياً قد عانى من تراجع كبير خلال السنوات 1996-1999، وقد ترافق هذا التراجع في الناتج بتراجع في انتاجية العمل والتي بلغت خلال نفس الفترة ـ5.97% سنوياً ووسطياً؛ بعد أن حققت زيادة إيجابية خلال السنوات 1991-1995 بما يعادل 2% سنوياً وما يعادل 2.6% سنوياً خلال الفترة 1986-1990.

يفسر هذا التراجع في الانتاجية لقوة العمل بوجود طاقات انتاجية معطلة في القطاع العام التحويل حيث يعمل بعضها بما لا يزيد عن 30% من طاقته والبعض الآخر لا يتجاوز 70% من الطاقات المتاحة؛ ومن الأسباب التي أدت إلى ضعف الاستخدام للطاقات الانتاجية؛ تراكم المخزون وبلوغه في بعض الشركات والمؤسسات إلى ما يزيد عن اجمالي الانتاج السنوي أو المبيعات السنوية للشركة مثل شركة المحركات الكهربائية وشركة الأخشاب وشركة الكبريت وزيوت دمشق وكونسروة جبلة ودرعا وادلب والميادين والحسكة، والمؤسسة العامة للصناعات النسيجية (حصيلة مجمل شركاتها التابعة)( [1] ).





لقد أدت هذه الوضعية من ضعف الطلب الكلي والركود، إلى أحجام الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية عن التوظف في الاقتصاد السوري؛ رغم صدور قانون تشجيع الاستثمار (رقم 10) لعام 1991 ومنح المستثمرين العديد من المزايا والاعفاءات الجدول التالي رقم (2) يبين التغيرات في رأس المال الثابت والناتج المحلي في الاقتصاد السوري خلال عقدي الثمانينات والتسعينات.

عدم إيجاد فرص جديدة للعمل وضعف الطلب على المنشآت القائمة؛ ولد مشكلة البطالة المتفاقمة والمتزايدة باستمرار حيث نمت البطالة وفق المعدلات الرسمية مما يعادل 4.8% من قوة العمل عام 1981 إلى ما يقارب 8.5% من قوة العمل عام 1993 وإلى نحو 9.5% من قوة العمل عام 1999 أي أن معدل البطالة قد كان ينمو خلال الفترة كاملة بمعدل وسط سنوي يقارب 3.86% وهو معدل مقارب لمعدل الزيادة في القوة البشرية خلال تلك السنوات والتي بلغت 3.95% سنوياً خلال السنوات 1981-1995 وأصبحت نحو 4.86% خلال السنوات 1995-2000، الجدول التالي رقم (3) يوضح هذه الزيادات في قوة العمل وفي البطالة.

يتضح من جملة هذه المؤشرات والمعطيات أن الاقتصاد السوري يعاني من أزمة تنمية فعلية، ومن ركود طويل الأمد، بدأت ظاهرة بالبروز منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، ولم تفلح السياسات الترقيعية والمحدودة التي اتبعتها الحكومات السابقة في كسر هذا الركود والانطلاق في التنمية من جديد، ولكن ما هي الأسباب الكامنة خلف هذا الركود المديد؟ هذا ما سنحاول استيضاحه في الفقرة التالية:

3ـ أسباب الركود الداخلية:

تتداخل الأسباب الخارجية والداخلية لأزمة الركود في الاقتصاد السوري نتيجة ضعف وصغر حجم الاقتصاد الوطني وانفتاحه الشديد على الخارج، ويفاقم من هذا الضعف اعتماد الاقتصاد السوري على مادة أولية وحيدة مصدرة تشكل ما يقارب 68% من صادراته الاجمالية، ونحو 50 إلى 60% من ايرادات الموازنة العامة؛ وبالتالي فإنه يتأثر بشدة بالمتغيرات الخارجية وينعكس عليه الركود في النظام الرأسمالي العالمي بقوة؛ وهذا ما يدعو البعض للقول: «ألاَّ حول ولا قوة لنا في مواجهة الركود فهو عالمي وخارجي ولا يرتبط بنا بالدرجة الأولى؛ وسياستنا الاقتصادية صائبة ورشيدة بدليل أن الأزمة لدينا ليست كما هي الحال في الدول الأخرى مثل الأرجنتين ومصر وتركيا».

إن العامل الخارجي على أهميته لا يمكن أن يمارس تأثيره وفعله، دون وجود أرضية ملائمة ومشجعة لتفعيل هذه التأثيرات؛ وهذا ما يدفعنا إلى التركيز على الأسباب والعوامل الداخلية والتي يأتي في مقدمتها السياسات الاقتصادية المتبعة وخاصة منذ النصف الثاني من الثمانينات من القرن الماضي.

بدأت الحكومة الأسبق منذ عام 1986 برنامجاً للاصلاح الاقتصادي، ولكن أحداً خارج حلقة صغيرة من الوزراء الاقتصاديين وبعض المتنفذين؛ لم يعلم بهذا البرنامج؛ كما أن أهداف البرنامج ومراحله ما زالت غير معلنة؛ وإذا كنا لا نملك حق مناقشة هذا البرنامج لعدم توفره، فإننا سوف نناقش ونستنتج من خلال تنفيذه وما قطعه من مراحل.

كانت الأولوية في البرنامج الحد من التضخم المتزايد في الاقتصاد الوطني، ومعالجة العجز في الموازنة العامة؛ وقد واجهت الحكومة ذلك بتقليص الانفاق العام؛ من خلال:

ـ تقليص الدعم التمويني والغاء الدعم لبعض المواد الأساسية ـ الغاء الدعم عن الزيت والشاي وتقليص الحصة التموينية من السكر والرز ورفع سعر الخبز.

ـ تجميد الرواتب والأجور في القطاع العام والحكومي.

ـ اصدار قرارات بعدم التعيين في الدولة والقطاع العام إلا على شاغر.

ـ تقليص الدعم لمؤسسات وشركات قطاع الدولة.

ـ تقليص الانفاق العام الاستثماري إلى حدود دنيا.

الجدول رقم (4) يوضح هذا الترجع في الانفاق العام بالنسبة للناتج المحلي الاجمالي

جملة هذه الاجراءات تندرج في إطار برامج التثبيت الاقتصادي التي تقترحها المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي؛ وإلى جانب هذه الاجراءات لجأت الحكومة إلى اصدار قرارات وتشريعات بغرض تشجيع دور رأس المال الخاص المحلي والأجنبي وقد تجلى ذلك: بـ

ـ الغاء الحصر والتقييد لعمل القطاع الخاص في مجالات صناعية محددة كانت حكراً على الدولة والقطاع العام.

ـ السماح للقطاع الخاص بالاستيراد المباشر ودون السؤال عن مصدر القطع الأجنبي.

ـ تقليص تدريجي لدور مؤسسات التجارة الخارجية الحكومية؛ والتنازل عن مهامها الرئيسية للقطاع الخاص.

ـ اصدار قرارات ومراسيم تشجيع الاستثمار ـ مرسوم خاص بالقطاع السياحي، وآخر للقطاع المشترك الزراعي ومرسوم (رقم 10) لعام 1991 لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.

وتندرج جملة هذه الاجراءات في اطار »نصيحة« صندوق النقد والبنك الدوليان، والقائلة بتشجيع رأس المال الخاص واعطائه الدور الرئيسي في عملية التنمية والنشاط الاقتصادي؛ وقد ترافقت هذه الاجراءات بالتوقف عن التوسع في القطاع العام الصناعي والتركيز في استثمارات الدولة على اقامة البنية التحتية والخدمات المختلفة.

ترافقت هذه الاجراءات والسياسات، بسياسات مالية نقدية صارمة، فبالاضافة إلى تقليص حصة الانفاق العام من الناتج المحلي، تراجعت حصة الديون الممنوحة للقطاعات الاقتصادية.




من جملة موجودات المصارف حيث تراجعت من نحو 84% من اجمالي الموجودات المصرفية عام 1980 إلى نحو 38.36% من هذه الموجودات عام 1999؛ في نفس الوقت الذي نمت فيه ودائع الدولة لدى المصرف المركزي بما يقارب 12.38% سنوياً خلال سنوات الثمانينات وبما يقارب 15.96% سنوياً في التسعينات. أي أن كتلة نقدية متزايدة قد سحبت من التداول، مما يعني تقليص حجم السوق بما يقابل حجم هذه الكتلة ومضاعفها، الجدول رقم (5) التالي يبين معدلات الزيادة في الموجودات المصرفية.

لقد تم الحفاظ على سعر صرف رسمي للعملة الوطنية بما يعادل 3.92 ل.س/ الدولار حتى أواسط الثمانينات وقد عجزت الحكومة عن ايقاف التدهور المتسارع في قيمة العملة المحلية مما أدى إلى تحديد سعر جديد للصرف عام 1988 يعادل 11.225 ل.س / الدولار وقد وصل هذا السعر مؤخراً إل 46 ل.س للدولار؛ وقد انعكس ذلك بتدنٍ للقدرة الشرائية للأجور والمعاشات وبتحويل لمداخيل متزايدة إلى فئة التجار والمستثمرين؛ وفي الظروف التي تعاني فيها البلاد من البطالة والتدني في مستوى الدخل لفئات واسعة تظهر الحسابات القومية معدلات متزايدة من الادخار الداخلي لم يسبق أن حققتها سورية في أي فترة من الفترات السابقة: حسب الادخار وفق المعادلة التالية:

الادخار الداخلي = الانتاج الاجمالي ـ (الاستهلاك الوسيط + الاستهلاك النهائي)

السنوات

معدل الادخار الداخلي

(نسبة مئوية)

السنوات

معدل الادخار الداخلي

(نسبة مئوية)

1970

0.66%

1994

12.43%

1975

1.82%

1995

11.9%

1980

2.11%

1996

13.2%

1985

5.14%

1997

14.59%

1986

5.91%

1998

15.36%

1987

0.36%

1999

15.77%

1988

1.51%

2000

14.88%

1989

1.7%

 

 

1990

0.47%

 

 

1991

3.29%

 

 

1992

3.74%

 

 

1993

5.82%

 

 

الجدول رقم (6) يبين التغيرات في الادخار والاستثمار كنسبة الناتج




ويتضح أنه رغم الزيادة الكبيرة في الادخار الداخلي منذ أوائل التسعينات فإن معدلات الاستثمار قد انخفضت وبشكل كبير منذ 1994، رغم الزيادة الملموسة في الاستثمار العام منذ أوائل التسعينات، أي أن المدخرات الخاصة لم تتحول إلى استثمارات، وما زالت الفجوة بين الاستثمار الاجمالي والادخار المحلي تموّل بالقروض الخارجية والتي تشكل 16ـ18% من اجمالي الاستثمار؛ كما شكلت الاستثمارات العربية نحو 1623 مليون دولار امريكي خلال السنوات 1985-2000( [2] ).

النظرة السريعة على الواردات الاجمالية تبين حالة الركود في الاقتصاد السوري، حيث انهار حجم اجمالي الواردات في أوائل الثمانينات ووصل إلى مستويات دنيا في أواخر الثمانينات والزيادة والانتعاش في الواردات مع أوائل التسعينات وصدور قانون تشجيع الاستثمار الذي حول جزءاً هاماً من المدخرات إلى واردات مختلفة كان أهمها السيارات، أما بالنسبة للواردات من الآلات والمعدات وهي الواردات الرأسمالية فإنها لم تنم بالقدر والمعدل المتناسب مع الزيادة في الواردات، وكانت الزيادات الأكبر في السلع الاستهلاكية النهائية والوسيطة؛ أي أن التسهيلات والاعفاءات والانفتاح المتزايد على الخارج من خلال قرارات السماح بالاستيراد، قد حولت التحسن النسبي في الناتج المحلي جراء تحسن أسعار النفط العالمي، قد حولت هذا التحسن في الدخل إلى طلب على السلع المستوردة، عوضاً عن تحوله إلى طلب داخلي؛ وهذه أحد المظاهر السلبية لعملية الانفتاح على السوق العالي قبل أن تتم عملية الانتعاش الاقتصادي بالنسبة للسوق والانتاج الداخليين؛ الجدول التالي رقم (7) ـ يوضح التغيرات في الواردات الاجمالية.

هذه باختصار الاتجاهات الرئيسية للسياسات الاقتصادية المتبعة منذ 1986؛ ويتضح أنها ناجمة عن رؤية اقتصادية واجتماعية محددة وهي الليبرالية الاقتصادية الجديدة؛ التي تطالب الدول النامية بالتخلي عن دورها الاقتصادي والاجتماعي التنموي والتي تعتبر الحل الوحيد لمختلف المشكلات والأزمات يكمن في اطلاق آليات السوق ورفع الضوابط والقيود عنها؛ ولكن تجربة ما يزيد عن 15 عاماً لهذه الوصفة في الاقتصاد السوري، قد جعلته أكثر هشاشة وضعفاً وجعلته يرزح في ركود مديد؛ آثاره المستقبلية أكثر كارثية على بنى الاقتصاد والمجتمع السوريين، إذا لم يتم العمل الفوري والحاسم لوقف هذا التدهور ولتعطيل آليات السوق المزعومة، بتدخل فاعل ومدروس من قبل الدول، وهذا ما يدعونا لتحديد أهم سبل تجاوز أزمة الركود.

4ـ سبل تجاوز أزمة الركود.

كنا نود الاطلاع على برنامج الحكومة الجديدة للتعرف على السبل والآليات التي اختارتها لتجاوز الركود في الاقتصاد الوطني؛ إلا أن الحكومة كما يتضح لم تحسم أمرها بعد بشأن الاختيارات والتوجهات المستقبلية.

لقد كتب الكثير خلال السنوات الأخيرة عن الاصلاح الاقتصادي وناقشت الندوات المختلفة هذا الموضوع؛ وقد عبر كل ذلك عن اجماع وطني عام حول ضرورة الاصلاح الاقتصادي؛ مع ذلك فإنه، لم يتوفر حتى الآن وثيقة رسمية تعتمد برنامجاً محدداً للاصلاح، وبغض النظر عن شعبية أو فاعلية هذا البرنامج. لقد أشرنا أعلاه إلى أن الحكومة الأسبق قد تبنت برنامجاً غير معلن، ونتيجة عدم وجود برنامج محدد في إطار نص معتمد؛ كانت الاجراءات والقرارات متنافرة وغير منسجمة في العديد من الحالات، مما أدى إلى تشويه وتعطيل أو إضعاف نتائج بعض الاجراءات، في المحصلة افتقدت السياسة الاقتصادية للوضوح حتى بالنسب لبعض راسميها، وافتقد الخطاب الرسمي الرؤية الموضوعية؛ وقد لعب ذلك دوراً مهماً ليس فقط في فقدان المواطن العادي الثقة بالحكومة وإنما المستثمر المحلي والأجنبي؛ الذي لا تتضح له السياسة الاقتصادية الآنية أو المستقبلية؛ وهذا ما يفسر أحد جوانب فشل قانون تشجيع الاستثمار لعام 1991؛ وأن ما نخشاه الآن أن تسير الحكومة الحالية على نهج الحكومة السابقة في التجريب والانتقاء، ودون وضع أسس واضحة ومنهجية محددة للاصلاح الاقتصادي الشامل.

اعتماد برنامج للاصلاح يشكل الخطوة الأولى والأساسية في محاولة الخروج من الأزمة ويتوقف نجاح هذه المحاولة على طبيعة البرنامج ومنهجيته؛ هل يستهدف البرنامج استئناف عملية التنمية؟ أم أنه يستهدف ادماج الاقتصاد السوري بشكل أكبر في السوق العالمية عبر زيادة انفتاحه والغاء ما تبقى من ضوابط وقواعد ساعدت الاقتصاد الوطني حتى الآن على التماسك وتجنب الانهيار؟

لقد أقرت الحكومة الأولى للدكتور ميرو عدداً من القرارات ومشاريع القوانين والتي لا تخرج عن اطار التوجهات العامة لسياسة الحكومة السابقة، وهي تسهم في تحقيق المزيد من الانفتاح المتسرع والاضعاف لدور الدولة التدخلي والرقابي، مثل قرار تحرير الأسعار والتعديلات على قانون تشجيع الاستثمار التي أضافت المزيد من الاعفاءات على القانون، وقانون احداث المصارف الخاصة في المناطق الحرة؛ وقرارات عدة بالسماح بالاستيراد، وقانون للمصارف الخاصة وغيرها من القرارات الساعية إلى تحقيق المزيد من الانفتاح على الأسواق الخارجية وعلى رأس المال المحلي والأجنبي؛ أي أن الحكومة لم يكن لديها رؤية واضحة للآثار السلبية التي نجعت عن السياسات المطبقة؛ وواجهت الأزمة بمزيد من الليبرالية الاقتصادية، وبمزيد من الاعتماد على رأس المال الخاص المحلي والأجنبي؛ وهذا مؤشر لا يدعو للاطمئنان إلى امكانية الخروج من الأزمة دون التعرض إلى مزيد من الصعوبات.

إن الاصلاح الاقتصادي المطلوب، يجب أن يستند إلى استراتيجية وطنية للتنمية، تحد من تبعية سورية لسلعة خام مصدرة؛ وتفعل الطاقات الكامنة في الاقتصاد والمجتمع السوريين، وتعيد التوازن لبنية المجتمع من خلال اعادة توزيع الثروة وتوفير قدر مقبول من العدالة في توزيع الثروة والدخل، وهذه الاصلاحات لا يمكن أن تتم بفعل قوى السوق وحدها، وتتطلب تدخلاً وفعلاً من قبل الدولة التي يجب أن تستعيد دورها التنموي دون أن تلغي دور القطاع الخاص كقطاع وطني يعمل في اطار خطة وطنية شاملة. أي أن الاصلاح يجب أن ينطلق من الاحتياجات الموضوعية آخذاً بالاعتبار التطورات السابقة وتجارب الشعوب الأخرى؛ التي أكدت جميعها أن وصفة الليبرالية الجديدة لم تحقق لها الازدهار المنشود؛ وإنما دفعتها إلى مزيد من الصعوبات بل والكوارث الاقتصادية والاجتماعية أحياناً مثل بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية وبعض دول امريكا اللاتينية وافريقيا؛ أي أن الاصلاح يجب أن يكون على الطرف النقيض من هذه الوصفة.

يقول تقرير البنك الدولي عن التنمية في العالم لعام 1997 «.. الدولة النائية المنعزلة والتي لا تكشف ما يدور فيها من مداولات يكون الأرجح أن تسقط في الحلزون الهابط للتصرفات التحكمية ونقص الكفاءة»( [3] )؛ وليس كافياً الكشف عما يدور في الحكومة إذ يتطلب الأمر مشاركة فاعلة وحقيقية؛ والشرط الأساسي للاصلاح إذا كان هناك الرغبة الحقيقية في الاصلاح هو العلنية والمشاركة؛ وبدون هذه العلنية والمشاركة لا يمكن تحقيق الاصلاح أو القضاء على الفساد أو الغاء الامتيازات والمكاسب الخاصة؛ ويتضح من جميع ذلك؛ أن الخطوة الحاسمة في الاصلاح الاقتصادي؛ هي الاصلاح السياسي الذي يجعل من برنامج الاصلاح الاقتصادي برنامجاً مجتمعياً قادراً على تجاوز حالة الركود الاقتصادي والاجتماعي الحالية.

 

 

الدكتور

نبيل مرزوق


جدول رقم (1)

حصة الفرد من الناتج ومن الاستهلاك النهائي ل.س.

 

جدول رقم (2)

التغيرات في الناتج المحلي وفي رأس المال الثابت

 

جدول رقم (3)

مقارنة الزيادة في قوة العمل والنمو الاقتصادي

 

جدول رقم (4)

حصة الانفاق الاجمالي من الناتج الجاري

 

جدول رقم (5)

التغيرات في الناتج والانفاق

 

جدول رقم (6)

حصة الادخار والاستثمار من الناتج

 

جدول رقم (7)

الواردات الاجمالية م.د.

 



* باحث اقتصادي.

* جميع الأرقام والجداول الواردة في هذه الورقة مصدرها المجموعات الاحصائية للسنوات السابقة لذلك لن يتم الاشارة إليها إلا في حالة وجود مرجع آخر سيصار إلى ذكره مباشرة.

( [1] ) المصدر: المعلومات مستقاة من الاستمارات المعدة من قبل المؤسسات والشركات خلال العام 2000 بناء علىطلب من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي والاتحاد العام لنقابات العمال.

( [2] ) مصدر: مناخ الاستثمار في الدول العربية 2000- المؤسسة العربية لضمان الاستثمار – دولة الكويت 2001 جدول رقم (7) ص40-41.

( [3] ) مصدر: تقرير عن التنمية في العالم 1997 ـ البنك الدولي للانشاء والتعمير واشنطن الولايات المتحدة الامريكية ـ حزيران 1997 ـ ص31.