تطوير القطاع الخاص
(من العائلة إلى المؤسسة)
محمد غسان القلاع*

أولاً :  القطاع الخاص واقتصاد السوق - تعريف ودلائل.

ثانياً:   نشوء وتطور القطاع الخاص في سورية (مرحلة العائلة).

ثالثاً:   الواقع الراهن للقطاع الخاص.

رابعاً:  الآفاق المستقبلية لتطور القطاع الخاص (مرحلة المؤسسة).

 

 

            إنها ليست المرة الأولى التي يُتاح لي المشاركة في هذه الندوة الاقتصادية الهامة، إلا أنها المرة الأولى التي أخوض فيها في موضوع هامٍ وشائكٍ ومثيرٍ للجدل بنفس الوقت والحديث عنه ذو شجون، وفي اعتقادي أنه سيكون موضوع الساعة وتحدي المرحلة المقبلة من التطوير والتحديث.

        ولا أملك إلا أن أقول إنني حاولت تسليط الضوء على بعضٍ من الوضع الراهن للقطاع الخاص والتحديات التي تواجهه والمسؤوليات الوطنية التي ينتظرها الجميع منه، ولن تكون الورقة التي سأقدمها سوى مدخلاً للحوار والنقاش وتبادل الآراء.

        إن موضوعنا سيتناول القطاع الخاص بجميع نشاطاته التجارية والصناعية والزراعية والخدمية.

        سوف تطرح هذه الدراسة جملة من التساؤلات وتثير مجموعة من القضايا التي تحتاج لأجوبة واضحة وصريحة بعضها منَّا والقسم الأكبر من الحكومة.

        فما هو المقصود فعلياً بالقطاع الخاص؟.

        وهل انتقال دور الدولة من اقتصاد الأوامر إلى اقتصاد القواعد كفيلٌ بتشجيع القطاع الخاص؟.

        وهل يحتاج تطوير القطاع الخاص لرجال أعمال أم رجال مال؟.

        وهل مرحلة العائلة التي مرَّ بها هذا القطاع كانت خياراً حراً له أم أنها وليدة الظروف التي صاحبت ولادته وتطوره؟.

        وما هو المناخ العام الذي يعيشه حالياً؟ وهل تم استكمال ظروف ولادته من جديد؟.

        وهل وجود القطاع الخاص ضرورة أم مجرد صيغة تكميلية؟.

        وما هي الصعوبات التي تعترض مسيرة تطوره؟.

        وما هو الشكل القانوني الأمثل لمواكبة هذا التطوير؟.

        وهل سياسة التشجيع الخجولة كفيلة بخلق قطاع خاص قوي وفاعل؟.

        هذه كلها تساؤلات مطروحة للبحث والحوار وكل واحد منها يشكل بحثاً بحد ذاته.

أولاً : القطاع الخاص واقتصاد السوق - تعريف ودلائل:

من الأهمية بدايةً أن نحاول وضع تعريفٍ واضحٍ وشاملٍ لمفهوم القطاع الخاص، فإذا كان القطاع العام هو كل ما تعود ملكيته للدولة وتديره بمعرفتها ووسائلها وبالتالي تكون ملكيته لكافة المواطنين مجتمعين، فإن القطاع الخاص هو كل ما يملكه المواطنون متفرقين ويديرونه بمعرفتهم ووسائلهم وتحت مظلة سلطة الدولة ورقابتها، وعليه فإن كل من يعمل في جميع القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية وجميع المهن الفكرية والعلمية كلها تنتمي من وجهة نظري للقطاع الخاص، الذي لا يتقاضى أفراده دخلاً أو إيراداً من خزينة الدولة، بل يعملون بوسائلهم وطرقهم لكسب معيشتهم وتحسين دخلهم وتطويره بعيداً عن المال العام، وباختصار شديد القطاع الخاص الذي أعنيه في هذه المحاضرة هو كل الشرفاء من أصحاب الأعمال والمهن الحرة في هذا الوطن.

هذا من ناحية الملكية والإدارة، أما من ناحية الأهداف فإنَّ كلَّ عملٍ اقتصادي سواء كان عاماً أو خاصاً يهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تعزيز عملية التنمية فهو قطاع اقتصادي وطني منتج ينبغي تشجيعه ودعمه.

بالإضافة إلى أن القطاع الخاص الوطني الذي نحن بصدد الكلام عنه هو جزءٌ لا يتجزأ من الطبقة الوسطى، التي تعتبر الحاضن والحامل لجزء كبير من المجتمع في وطننا، تلك الطبقة التي يجب إعادة بنائها مترافقة مع نهوض القطاع الخاص، وتوسيع قاعدتها وشموليتها في كافة أرجاء الوطن.

إن زيادة دور القطاع الخاص ليست مطلوبة لذاتها، وإنما لما تحققه المنافسة والكفاءة من ترشيد في استخدام الموارد الاقتصادية، كما أن قيام القطاع الخاص بدوره لا يعني فقط السماح له بفرص جديدة ومزايا خاصة وإنما يعني أن يتحمل مسؤوليته كاملة.

وإتاحة الفرص لدور أكبر للقطاع الخاص لا يعني إطلاقاً إزاحةً لدور الدولة، ولكنه تطويرٌ لأسلوب تدخل الدولة بحيث يغلب التدخل عبر السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية على التدخل بالأوامر والتنفيذ المباشر.

لقد أثبتت الوقائع والتجارب أنه لا وجود لاقتصاد السوق إلا في حاضنة دولة قوية، ومعيار قوتها ليس بكثرة أو حجم تدخلها وإنما بفاعليتها. واقتصاد السوق لا يعني بأي حالٍ من الأحوال الفوضى، فالسوق يتطلب وضع الشروط والأوضاع التي ينبغي على المتعاملين احترامها.

وليس صحيحاً أن نظام السوق هو عودة إلى القرن الثامن عشر عندما ساد شعار (دعهُ يعمل، دعهُ يمر) (LAISSEZ FAIRE, LAISSEZ PASSER) بل لعله سيكون المدخل الأهم للقرن الجديد، ففي عالم يعيش ثورة هائلة من المعلومات فإن كفاءة النظام الاقتصادي تتحدد بقدرته على وضع أكبر قدر من المعلومات الصحيحة تحت تصرف متخذي القرارات.

والحق يُقال إن اقتصاد السوق يمثل نبذاً لاقتصاد الأوامر الذي أثبتت التجارب قلة فاعليته وتحولاً لاقتصاد القواعد، الذي يعني فيما يعنيه أن تُترك الحرية للأفراد والمشروعات للعمل في إطار قواعد عامة للسلوك متفق عليها، وهذا ما دفع العالم الاقتصادي النمساوي شومبتر للقول (إن رجل الأعمال هو المحرك الأساسي للنمو)، لأنه هو الذي يستطيع خلق مشروع جديد أو يطور سلعة معينة أو يفتح منفذاً جديداً للتسويق، وهو الذي يحول دون دخول الاقتصاد الكلي في سباتٍ وجمودٍ.

ومن هذا المنطلق أود التمييز بين رجال الأعمال المنتسبين إلى القطاع الخاص التقليدي الوطني، وبين رجال المال الذين كسبوا ثرواتهم من خلال ظروفٍ استثنائيةٍ وأوضاعٍ غير متكافئة مرَّت بها سورية والمنطقة، وهم في جميع الأحوال لن يجازفوا باستثمار ثرواتهم كاملةً في أرض الوطن، رغم أنها اكتسبت من هذا الوطن. وكل ما أقوله وأتحدث عنه في هذه الندوة يصب في خانة رجال الأعمال المنتمين إلى القطاع الخاص الحقيقي والوطني، والذي يميز بين الحلال والحرام وبين ما يجوز ومالا يجوز ولا يستحل المال العام، والذي يمارس العمل التجاري والصناعي بأرباحٍ طبيعيةٍ معتادةٍ، ولما يمارس التهريب ولم يشجع عليه ولم يكن مروجاً لنشاطاته، ولم يدخل في علاقات مشبوهة أو صفقات مريبة، وهذه ليست دعوة لانكماش القطاع الخاص بل تأكيد على أن القطاع الخاص المطلوب تفعيله هو الذي عاش ونما في تربة خصبة من النزاهة والاستقامة.

ثانياً :  نشوء وتطور القطاع الخاص في سورية (مرحلة العائلة):

لم تتوفر للقطاع الخاص السوري الظروف التاريخية المناسبة لينمو ويتطور ويأخذ دوره التنموي بصورة ملموسة. فقد صاحَبَ نشأته تغلغل نظام الامتيازات الذي نعم به الأجانب في ظل الدولة العثمانية، كما جاءت ظروف الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية العالمية ومرحلة الانتداب الفرنسي وما صاحب ذلك من احتكارات أجنبية إلى بقاء هذا القطاع ضمن الإطار الفردي والحرفي، ولم تشهد سورية استثماراً وطنياً كبيراً إلا في مطلع الثلاثينات، عندما بدأ أصحاب الأراضي وبعض التجار بنقل جزء من مدخراتهم إلى الميدان الصناعي، وقبل ذلك وفي عام /1922/ تم تأسيس شركة مساهمة حصلت على مقاولة من بلدية دمشق لجر وتوزيع مياه عين الفيجة إلى دمشق، وكانت برئاسة (لطفي الحفار الذي كان يشغل منصب نائب رئيس غرفة تجارة دمشق ورئيساً للوزراء)، بعد ذلك تم إنشاء معمل إسمنت دمر كأول المشاريع التي شهدت شكلاً من أشكال شركات الأموال، ثم تلا ذلك إنشاء معمل الجوخ السوري عام /1929/، ثم شركة الكونسروة والصناعات الزراعية السورية في شباط /1932/، وشركة المغازل والمناسج في أيلول /1937/، بالإضافة إلى عدد من معامل الأقمشة وحياكة التريكو والسكاكر والمربيات والأدوية والألبسة والبلاط والمطرزات والجوارب والزجاج والدخان. بالإضافة إلى ولادة مصارف محلية عديدة كمصرف سيوفي وصباغ ومصرف ارنست صباغ وبنك زلخة ومصرف اصفر وسارة وشركاه.

ويمكن القول إن انتقال النشاط الاقتصادي في سورية من الزراعة إلى الانتاج الصناعي جاء نتيجة موقع سورية الجغرافي، الذي جعلها تنقطع عن العالم بسبب الحروب خلال الحكم العثماني والحربين العالميتين الأولى والثانية، مما دفع المستثمرين المحليين إلى استدراك الحاجة المحلية للسلع المستوردة من خلال إقامة صناعات بديلة عن المستوردات.

ويمكن إيجاز المراحل التي مرَّ بها القطاع الخاص الصناعي في سورية بالتالي:

1 - مرحلة ما قبل الانتداب الفرنسي (قبل عام 1919):

تشير الإحصاءات إلى أنه في عام /1880/ كان يوجد في سورية حوالي /60/ مصنعاً بلغ عدد العمال فيهم (5200) عامل، أما صناعة الغزل القطني الحديث فدخلت سورية خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، تبعتها مباشرة صناعة التريكو والجوارب (مستخدمة الطاقة البخارية)، حيث وصل عددها عام /1913/ إلى حوالي (8000) آلة في مدينتي دمشق وحلب، كما توسعت صناعة الزيوت والصابون والطحين والتبغ، ولم تكن الظروف المحلية والدولية آنذاك لتساعد على تطور الصناعة السورية بصورة أوسع، نتيجة التركة العثمانية الثقيلة والمصالح الاستعمارية التي حاولت تطويع الاقتصاد السوري وفق رؤيتها.

2 - مرحلة الانتداب الفرنسي 1920- 1947:

تعتبر هذه المرحلة من حياة سورية الاقتصادية امتداداً لمرحلة الامتيازات الغربية التي أصبحت تمارس استغلالاً اقتصادياً مباشراً، حيث تشير البيانات إلى أنه خلال الفترة من 1928-1945 كان في سورية /12/ شركة مساهمة برؤوس أموال وصلت إلى /22.5/ مليون ليرة سورية، شملت عدة مصانع للغزل والنسيج والإسمنت والمعلبات، وكان أغلب تلك الصناعات يتسم بالطابع الحرفي والملكية العائلية، كما ان طبيعة الانتداب الفرنسي والاضطرابات الداخلية جعلها عاجزة عن التطور ومنافسة الصناعة الأجنبية، في ظل المصلحة الفرنسية في إبقاء سورية سوقاً لتصريف منتجاتها.

3 - مرحلة الاستقلال الوطني من عام 1947- 1958:

شهد الاقتصاد الوطني خلال هذه الفترة نمواً صناعياً واسعاً، حيث تمتعت سورية بنظام ليبرالي أعطى الحرية الكاملة لعمل القطاع الخاص، وقد أسهم هذا القطاع في النمو الاقتصادي بصورة واضحة، فتم خلال هذه المرحلة إنشاء حوالي /130/ شركة مساهمة، بلغ مجموع رأسمالها نحو /316/ مليون ليرة سورية، شملت صناعات كالغزل والنسيج والزجاج والإسمنت والزيوت والسكر والمعلبات والصابون والتريكو والألبسة، وفي تلك المرحلة صدر تشريع هام لتشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها، وهو المرسوم التشريعي /103/ لعام 1952، الذي كان أكبر مشجع لنمو الاستثمار الصناعي ومازال معمولاً به حتى اليوم، حيث تشير الإحصائيات إلى أن الصناعة ساهمت عام /1942/ بـ 10% من الدخل القومي، وارتفعت في عام /1954/ إلى 13% ، حيث نما الناتج الصناعي سنوياً بنحو 12% ، ووصل النمو الاقتصادي إلى 8%، وكانت تلك المعدلات من أعلى معدلات النمو التي شهدتها سورية حتى تاريخه.

وقد اتسمت هذه الفترة ببروز الشركات المساهمة كنوع جديد من شركات الأموال وكبديل عن شركات الأشخاص (التضامنية والتوصية البسيطة)، التي لم تستطع آنذاك أن توفر التمويل اللازم لإقامة صناعات حديثة وكبيرة.

كما أن القطيعة الاقتصادية التي قامت بين سورية ولبنان دفعت بالتاجر السوري إلى ارتياد الأسواق الخارجية والاتصال معها مباشرة بدون وسطاء واستيراد البضائع، ومحاولة تصنيع بعضها محلياً مستفيداً من الحماية الجمركية التي وفرتها التشريعات في حينه، الأمر الذي انعكس على ثقافة القطاع الخاص تجارياً وفكرياً وإنتاجياً، واستفاد من احتكاكه بالأسواق الخارجية، وتعلم اللغات الأجنبية وبدأ دخول السوق استيراداً وتصديراً، وكانت معظم المحاصيل الزراعية السورية تصدر عن طريقه (كالحبوب والأقمشة والخضار والفواكه) إلى الأسواق التقليدية في البلاد العربية.

كما لابد من التنويه إلى أن كثيراً من أبناء القطاع الخاص الذين دفعهم أهلهم لمتابعة تعليمهم، قاموا بالتخصص في الجامعات الأجنبية بالإدارة والصناعة على اختلاف مهنها، وبدؤوا بتطوير معاملهم وإنتاجهم ورفعه إلى المستوى اللائق.

4 - القطاع الخاص الصناعي في الفترة من 1958 - 1970:

في هذه الفترة وفي ظل نظام التخطيط الاشتراكي تم تأميم حوالي /115/ شركة صناعية خاصة عام /1965/، حيث تعتبر المؤسسات المؤممة كبيرة نسبياً، إذ بلغ متوسط عدد العمال في الشركات التي أممت كلياً ما يزيد عن /260/ عاملاً، بينما بلغ المتوسط (مئة) عامل في كل شركة تم تأميمها بنسبة 90%، وحوالي /50/ عاملاً في الشركات المؤممة بنسبة 70%، حيث تولى القطاع العام ما نسبته 64% من مجموع رأس المال المستثمر في الصناعة، وانكفأ القطاع الخاص ضمن صناعات صغيرة محدودة المجال، تم تحديدها في الخطط الخمسية الأولى والثانية التي وضعت على عاتق الدولة تنفيذ 95% من الاستثمارات الصناعية، وتلازم الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية مع التأميم في انكماش الاستثمار الصناعي الخاص.

وفي هذه المرحلة عادة المشاريع الفردية والشركات العائلية الصغيرة للظهور، كشكل جديد قد لا يطاله التأميم على حساب شركات الأموال التي تم تأميمها، كما أدى انكماش مصادر التمويل الشخصي والمصرفي وفترة الركود التي رافقت تلك المرحلة إلى انكماش القطاع الخاص وبقائه في حدوده الضيقة، وكان صغر حجم المشاريع وتشتتها ومصاريفها الإدارية عاملاً مهماً في ارتفاع تكاليف الإنتاج وانحسار السلع المحلية من الأسواق الخارجية ليحل محلها سلع دول أخرى استطاعت أخذ مكان السلعة السورية.


5 - فترة السبعينات 1970 حتى الوقت الحالي:

بعد اعتماد نظام التعددية الاقتصادية عام 1970 مطلع الحركة التصحيحية، برزت أهمية استقطاب القطاع الخاص وإشراكه بصورة أكثر فاعلية في العمل الاقتصادي، حيث تم إفساح المجال للعمل الصناعي الخاص ضمن صناعات محددة، فبدأت المشاريع الصناعية الخاصة بالتوسع، حيث ارتفع عدد المنشآت الصناعية من /8495/ منشأة عام 1970 إلى /22057/ منشأة عام 1985.

وابتداءً من منتصف الثمانينات بدأت الحكومة تطبيق سياسة إصلاحية معتمدة فيها على قدرة نظام التعددية على التجدد عبر الاستفادة من آليات اقتصاد السوق في تطوير النظام الاقتصادي، حيث ساهمت هذه الإصلاحات في مجال التجارة الخارجية والاستثمار والقطع الأجنبي إلى خلق أرضية أكثر ملاءمة لتوسع نشاط قطاع الأعمال الخاص، الذي بدأت تزداد حصته في تكوين رأس المال الثابت من 47% عام /1986/ لتسجل أعلى نسبة شهدتها وهي 64.6% عام /1993/، ثم لتعود فتسجل حوالي 38% عام /2000/، وليرتفع عدد المنشآت الصناعية الخاصة إلى /37774/ منشأة عام /1995/، ونلاحظ تلازم تطور الاستثمار الصناعي وإقامة المنشآت بتطور الإنتاج الزراعي الذي شهد توسعاً كبيراً أيضاً، مترافقاً مع أسعار تشجيعية وقروض مصرفية ميسرة.

وقد كانت المحطة الأساسية في تعميق هذه التجربة تتمثل في إصدار قانون تشجيع الاستثمار رقم /10/ عام /1991/، الذي أعطى دفعة جديدة لرؤوس الأموال الخاصة وأتاح لها بصورة تدريجية دخول أغلب الصناعات ولم يعد محصوراً بالقطاع العام سوى الصناعات الاستراتيجية.

ورغم ذلك التطور فلم يستعد القطاع الخاص شكله المؤسساتي المتمثل في شركات الأموال وبقي أسير الإطار العائلي والفردي، رغم بعض المحاولات لإقامة شركات مساهمة مشتركة سياحية وزراعية كانت ومازالت دون مستوى الطموح.

ثالثاً:   الواقع الراهن للقطاع الخاص.:

المناخ العام:

يعمل القطاع الخاص السوري حالياً في ظل الأجواء التالية:

أ  - عدم الوضوح في تصور دوره في عملية التنمية الاقتصادية.

ب - غياب دوره في الخطط الخمسية السابقة والمتوقعة.

ج - غيابه عن الكثير من المشاريع التي كان من المحظور عليه مباشرتها كونها محصورة في القطاع العام.

د - تركز أغلب التشريعات الاستثمارية في قناة استدراج رؤوس الأموال الخارجية المغتربة والعربية على حساب رأس المال الوطني، ويبقى المرسوم رقم /103/ الصادر عام /1952/ هو المشجع الوحيد لرؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة، رغم كل القيود التي أحيط بها من تعليمات تنفيذية وتطبيقية واجتهادات وزارية كادت تفرغه من مضمونه ومن الغاية التي صدر من أجلها.

هـ– غياب المناطق والمدن الصناعية ذات البنى التحتية والخدمات المتكاملة.

و - غياب التمويل المصرفي متوسط وطويل الأجل بضمانة المنشآت نفسها.

ز - غلبة المؤسسات الفردية وشركات الأشخاص على حساب شركات الأموال وبخاصة المساهمة منها.

ح - غياب خريطة استثمارية واضحة صادرة عن وزارة الصناعة تتضمن توزيع المنشآت المستهدفة حسب:

-                                            توافر المواد الأولية المحلية والأسواق الرئيسية.

-                                            المنطقة الصناعية المناسبة.

-                                            دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع المفترضة والتي ينبغي أن تقدم بدون مقابل.

-                                            نسبة الدعم والإعفاءات المتعلقة بالمناطق السورية النائية غير المصنعة.

ط -  عدم توافر الخدمات الأساسية للمشاريع الصناعية والزراعية ومنها:

-                                            الكهرباء المنتظمة بدون انقطاع أو انخفاض أو ارتفاع، وبخاصة أن أغلب الآلات الصناعية الحديثة يدخل فيها الكمبيوتر بشكل أو بآخر الأمر الذي يوجب تدفق التيار بدون انقطاع أو تذبذب.

-                                            المواصلات اللازمة والمنتظمة من مناطق التجمع السكاني إلى المنطقة الصناعية وبالعكس.

هل وجود القطاع الخاص ضرورة أم مجرد صيغة تكميلية؟

لم يكن الجواب الصريح والواضح الذي لا لبس فيه ولا غموض بضرورة وجود القطاع الخاص ودوره الرئيسي في الحياة الاقتصادية بهذه السهولة، فقد مرَّ وقتٌ طويلٌ كان يُنظر فيه للقطاع الخاص على كونه قطاعاً ثانوياً متمماً لدور القطاع العام في المجالات التي لا يرغب في دخولها. أما اليوم ومن خلال تغير الظروف والاحتياجات فقد تأكد أن كل مجتمع اقتصادي متوازن لابد من وجود كافة القطاعات فيه، ولكلٌ دوره، ولا بد من إطلاق المبادرات الفردية وتحفيزها على اختلاف أشكالها وأنواعها، ومن خلال نظرة بسيطة إلى المجتمعات الأخرى التي سبقتنا في التجربة نجد أنها أعادت النظر في التركيبة الاقتصادية، وأساليب الإدارة وغيرها.

ولعل من أبرز خصائص القطاع الخاص التي تجعله ضرورة تنموية، هو سرعة اتخاذه القرار وتنفيذه واستدراك لوازمه دون المرور في قيود الروتين وأساليبه المعقدة، مما يساهم في إنجاز العمل الاقتصادي بدرجةٍ كبيرةٍ من الفاعلية والكفاءة، وهذا ما يعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني. كما أنني أدعو لإزالة الروتين والعمل الإداري المعتمد من طريق القطاع العام أيضاً.

أما السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع فيتمثل في دورِ القطاع الخاص في عملية التنمية؟ والواقع أن للقطاع الخاص دوراً أساساً وفاعلاً إذا تم وضعه على السكة الصحيحة والواضحة، وفي ظل رعاية الدولة وتشجيعها، دون أن نتركه ينمو بصورة عشوائية بدون أهداف محددة وواضحة.

وقبل أن نقيِّم تجربة القطاع الخاص وما الذي استطاع فعله خلال العقود الماضية دعونا نتساءل، ماذا فعلنا للقطاع الخاص وخاصة المقيم، سواء في التخطيط أو في تحديد الأهداف المستقبلية؟ ، وأين كانت حصته من خطط التنمية التي تم وضعها، وكيف نقيِّم قطاعاً بقي لفترة طويلة مهمشاً وثانوياً، وكان يُنظر إليه على كونه قطاعاً مستغلاً غير منتج ‍‍!! .

إننا بحاجة لإجراء مسح كامل وشامل للصناعات القائمة في القطاع الخاص بغية معرفة واقعها الفعلي، واستدراك النواقص وترخيص غير المرخص منها دون عوائق إدارية وتنظيمية ووقف ترخيص المشاريع التي زادت عن الحاجة، أو تلك التي ليس لها أسواقٌ تصديرية تمكنها من التوسع مستقبلاً، وبعد ذلك نتساءل هل كان القطاع الخاص موضع اهتمام البعض بالشكل الذي يجب أن يكون عليه، أم أننا كبلناه بالقيود الإدارية والترخيصية والمالية والضريبية وحرمناه من شرايين حياته التمويلية، ثم طلبنا منه بكل بساطة أن يوضح لنا دوره ومجالات مشاركته في عملية التنمية، بل إننا تركناه وهو بهذه الحالة من التشتت أن يواجه الشراكات العربية والأوروبية واتفاقات التجارة العالمية ومتطلبات العولمة بكل تحدياتها وانعكاساتها، وهذا ما ينطبق عليه ما تعلمناه صغاراً (ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء).

تعالوا إلى دراسة متأنية حول الواقع الراهن للقطاع الخاص، وموقعه الحالي وما يجب أن يكون عليه حاله في الاقتصاد الوطني.

إننا نعتقد أن إزالة جميع العقبات من أمامه ليس تسهيلاً لعمله فقط وليس تفريطاً في حق الدولة، وإنما دفعاً لعملية التنمية ليشارك بها كل قادر عليها، ويسهم بذلك في توفير فرص عمل للسواعد التي تنزل يومياً إلى سوق العمل ويضيع نشاطها وجهدها في اتجاهات هامشية غير منتجة وتعتبر عالة على المجتمع وليس حاملاً له، أو تتقاذفها أبواب الهجرة الخارجية.

حجم مشاركته وخصائصه الرئيسية:

يساهم القطاع الخاص السوري حالياً بالنسب والمعدلات التالية:

في المجال الصناعي:

-                    تشكل مساهمته في الإنتاج الصناعي بما يقارب 35.4% عام /2000/، كما بلغت مساهمته 57.6% من إجمالي الصناعات التحويلية التي تشكل 6.9% من إجمالي الإنتاج الصناعي في سورية.

-                    تشكل صناعات الغزل والنسيج 25% من إنتاج الصناعات التحويلية وسجلت مشاريعها المنفذة عام /2000/ حوالي 36.7% من إجمالي المشاريع الصناعية، وهي قد جاءت في المرتبة الثالثة من حيث رؤوس الأموال المستثمرة، وهذا ما يشير إلى أنه في مقابل تزايد عدد المشاريع في هذا النشاط من خلال توافر المواد الأولية من القطن والصوف والخبرات الصناعية إلا أنها مازالت تعتمد على الورشات والمصانع الصغيرة والمتوسطة الحجم، بالإضافة لضعف التقانة الناجم أساساً عن ضآلة التمويل المحلي الخارجي.

-                    شكلت الصناعات الغذائية التي تمثل 25.4% من إجمالي الصناعات التحويلية للقطاع الخاص، شكلت مشاريعها المنفذة عام /2000/ ما يقارب 20.6% من إجمالي المشاريع الصناعية، وهي قد جاءت في المرتبة الثانية في مجال رؤوس الأموال المستثمرة فيها وهذا ما يعكس استخدام التقانة الحديثة فيها.

-                    أما الصناعات الهندسية التي تأتي في المرتبة الرابعة من حيث عدد المشاريع المنفذة منها فقد سجلت 17.2% عام /2000/ وفي المرتبة الثالثة من حيث رؤوس الأموال المستثمرة فيها، وهذا ما يعكس انخفاض مستوى التقانة المستخدمة فيها رغم حاجة تلك الصناعات لها.

-                    أما الصناعات الكيميائية التي تشكل 8.1% من إجمالي إنتاج الصناعات التحويلية الخاصة فقد سجلت المرتبة الثانية في عدد المشاريع المنفذة حيث وصلت إلى 25.2% ، اما رؤوس الأموال المستثمرة فيها فتشكل 39.5% من مجموع رؤوس الأموال، وهذا ما يعكس حاجة تلك الصناعات للتقانة والتوسع في إقامتها من قبل القطاع الخاص.

في مجال تكوين رأس المال الثابت:

سجلت مساهمة القطاع الخاص 38% من مجمل تكوين رأس المال الثابت عام /2000/، متراجعة عما حققته في عام /1992/  وهي نسبة 67% ، ويعود هذا التراجع إلى حالة الجمود التي تعاني منها السوق المحلية منذ سبع سنوات، وتراجع معدلات تصريف الفائض من المنتجات المحلية داخلياً وخارجياً بالإضافة لجمود قطاع التشييد والبناء، مما أدى لتقلص تلك المساهمة بكشل واضح.

في مجال الاستهلاك والاستثمار:

سجل الاستهلاك الخاص ما قيمته (407693) مليون ليرة سورية أي ما يقارب 82.9% من إجمالي الاستهلاك عام /2000/، في حين سجل معدل استثمار القطاع الخاص 38.4% ، ورغم تزايد معدلات الادخار الخاص نتيجة انخفاض معدلات التضخم إلى ما دون معدلات الفائدة الرسمية فإن هذه الادخارات لم تتحول لاستثمارات منتجة، نتيجة حالة ضعف الطلب والركود التي تخيم على السوق المحلية وهذا ما فاقم أيضاً من حالة ضعف النمو.


في مجال التجارة الخارجية:

يشارك القطاع الخاص حالياً بحوالي 17.2% من إجمالي الصادرات السورية عام /2000/، وبحوالي 54% بدون النفط حيث تشكل المواد الخام 48% منها، بينما يساهم في المستوردات بنسبة 75.6% تشكل المواد المصنوعة ونصف المصنوعة 81.6% منها.

في مجال ودائعه وتسليفاته:

بلغت نسبة ودائع القطاع الخاص في المصرف التجاري الصناعي والزراعي ما يقارب 47.6% من إجمالي الودائع، في حين بلغت نسبة التسليفات المقدمة له من المصارف المذكورة 8% فقط، في حين لا تتجاوز التسليفات المقدمة له من المصرف التجاري السوري 2,2% من إجمالي القروض المقدمة، رغم أن ودائعه في هذا المصرف تصل إلى 48.5% من إجمالي الودائع.

في مجال الناتج المحلي:

بلغت مساهمته في إجمالي الناتج المحلي حوالي 61% ، موزعة على النحو التالي: الزراعة 24.5% الصناعة 7.3% ، وباقي القطاعات 29.25% .

ماذا يمكن الاستنتاج من هذه الأرقام والمعدلات؟

-          لم يحظَ القطاع الخاص بالتمويل المصرفي المطلوب لإقامة وتوسيع مشاريعه، ومزال المستثمر السوري يعتمد بصورة شبه كلية على التمويل الذاتي عبر الملكية، رغم أن المزيج الأمثل لرأس المال ينبغي أن لا يزيد فيه التمويل الذاتي عن 50-60% من مجموع التكاليف الاستثمارية مقابل 40-50% للتمويل الإقراضي.

-          يتصف النسيج الصناعي السوري بطابعه العائلي وتشتت مناطق توضعه، حيث لا يزيد عدد المنشآت التي تستخدم (10) عمال فأكثر عن (2444)، حوالي 3% من إجمالي عدد المنشآت - كما لا يزيد عدد المنشآت التي تستخدم من (6-9) عمال عن (5054) منشأة أي حوالي 6%، أما 91% الباقية فإنها تضم من (1-5) عمال فقط.

-          ما تزال صادرات القطاع الخاص ضئيلة حيث لا تزيد الصادرات الصناعية عن 52% من الإجمالي، مما يؤكد الحاجة لدعم الصناعات التصديرية لتقوية مركزها التنافسي في الأسواق الخارجية.

-          أغلب صناعات القطاع الخاص التحويلية تركزت على بدائل المستوردات التي استفادت من فترة الحماية التي عاشتها تلك الصناعة، أما بعد تحرير التبادل التجاري وبخاصة مع الدول العربية فإن تلك الصناعات ستكون موضع خطر يتطلب معه إعادة تأهيلها ورفع كفاءتها وتحويل ميزاتها النسبية إلى ميزات تنافسية، وهنا نجد أن دعم الدولة وتوجيهها ضروري جداً.

الصعوبات التي تعترض مسيرة تطوره:

سوف نشير بصورةٍ موجزةٍ لأهم الصعوبات التي تواجه عمل القطاع الخاص الصناعي ومنها:

1 - الصعوبات المتعلقة بطبيعة عمل المنشآت الصناعية:

آ  -    ضعف الإدارة الصناعية العلمية بمفهومها المعاصر نتيجة سيطرة الفكر الفردي على حساب شركات الأموال، وانعكاس ذلك على الأداء الاقتصادي لهذه المنشآت.

ب -   ضعف استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة نتيجة العمل بوردية واحدة في أغلب الصناعات الخاصة، رغم تعدد الأسباب المؤدية إلى ذلك ومنها الطاقة الاستيعابية للسوق المحلية وتطبيق نظام المخصصات الصناعية حتى فترة قريبة قبل إلغائه.

جـ-   صعوبة الحصول على التقانات الحديثة والمتطورة والشروط التي تفرضها الشركات الموردة للآلات والتي تنعكس على مواصفات السلع المنتجة وصعوبة عمليات الصيانة والتدريب.

د  -   هامشية التقيد بالمواصفات والمعايير الدولية، رغم الخطوات التي تم قطعها خلال السنوات الثلاث الأخيرة على صعيد تأهيل الشركات السورية للحصول على شهادة الايزو، مما ينعكس على القدرة التنافسية للسلع السورية.

هـ- الافتقار لنظم التدريب والتأهيل المستمرة للقوى العاملة الفنية والإدارية وانعكاس ذلك على الكفاءة الإنتاجية ومجالات التحديث والتطوير.

و -    كما أن صغر حجم المشاريع يحملها عادة أعباءً ماليةً وإداريةً تزيد من تكلفة المنتج.

2 - الصعوبات المتعلقة بالتشريعات والأنظمة الاقتصادية:

أ  -    محدودية التمويل المحلي المتاح للمنشآت الصناعية الخاصة وبخاصة من المصرف الصناعي في سورية الذي يعاني من إمكانياته المالية المتواضعة حيث لا يتعدى رأسماله /250/ مليون ليرة سورية المدفوع منها /208/ مليون ليرة سورية بينما تحتاج المشاريع الصناعية لطلبات تمويل تصل إلى /300/ مليار ليرة سورية.

ب -   وجود أعباء ضريبية من الرسوم والضرائب المختلفة والتي تنعكس على تكلفة السلع المنتجة وقدرتها على المنافسة الخارجية، ومن هذه الضرائب يمكن ذكر:

-                                   ضريبة ريع الآلات المفروضة على الريع السنوي بنسبة 80% من قيمة آلات المنشأة الصناعية التي يطبق عليه ضريبة تصاعدية على لوائح تماثل ضريبة ريع العقارات.

-                                   ضريبة دخل الأرباح التجارية والصناعية، فرغم صدور القانون رقم /20/ لعام /1991/ الذي تم فيه تعديل الشرائح والنسب التي كانت سائدة في ظل قانون ضريبة الدخل السابق بهدف تخفيضها إلا أنها مازالت تشكل عبئاً على العمل الصناعي كونها تصل- بعد الضمائم- في شريحتها العليا التي تتجاوز مليون ليرة سورية إلى 60.3% في دمشق و 63% في محافظة ريف دمشق (وذلك حسب رسم الإدارة المحلية) ، في حين تسجل نسبة 13.4% للشريحة الأولى التي تقل عن (20) ألف ليرة سورية، وتعتبر هذه النسب بالنسبة لشركات الأشخاص والأفراد هي الأكثر ارتفاعاً على مستوى العالم، وبخاصة الدول المجاورة لنا مثل لبنان والأردن التي لا تزيد النسبة الأعلى من الضريبة على الأفراد عن 30%، في حين لا تتعدى على الشركات الصناعية والخدمية عن 15%.

-                                   نسب الرسوم الجمركية على المواد المستوردة الداخلة في الصناعة المحلية والتي مازالت تصل بعد الإضافات إلى نسب تتراوح بين 7-30% للمواد شبه الأولية، وتصل في بعض المواد كالأقمشة إلى 70%.

ج -    عدم توفر تجمعات صناعية كبرى تتوفر فيها جميع الخدمات الأساسية للعمل الصناعي، حيث ما زال يقتصر العمل على مناطق صناعية صغيرة محدودة التوسع لا تلبي الحاجات المتزايدة للصناعات المتطورة.

د  -   استمرار وجود العديد من التشريعات والأنظمة التي لا تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة من تشجيع الاستثمار وبخاصة في مجال التجارة الخارجية والأنظمة المالية والنقدية والمصرفية.

هـ-   عدم توفر بنوك معلومات صناعية مرتبطة بشبكات المعلومات العالمية، تستطيع أن ترفد الصناعي بما يحتاجه من معلومات إنتاجية وتسويقية.

و -    ولابد من الإشارة إلى الصعوبات الإدارية المتعلقة بمراجعات المستثمر مع الدوائر الحكومية وتعددها للحصول على الموافقات اللازمة.

3 - الصعوبات المتعلقة بالظروف الخارجية:

        تباطؤ استجابة القطاع الخاص الصناعي لمتطلبات إعادة التأهيل ورفع الكفاءة التي تتطلبها الظروف والمستجدات الدولية، وفي مقدمتها الانفتاح الشامل الذي ستكرسه اتفاقيات التجارة الدولية وحرية تدفق السلع وتخفيض الرسوم الجمركية وتعطيل قوانين الحماية الوطنية، بالإضافة إلى صعوبة مواجهة المنافع الاقتصادية الداخلية الكبيرة التي ستخلقها التكتلات الدولية، والاتجاه المتزايد نحو العولمة الذي سيتيح للشركات الأممية البيئة المثالثة لجعل العالم سوقاً موحدةً حرةً تحكمها المنافسة الكاملة.

رابعاً : الآفاق المستقبلية لتطور القطاع الخاص (مرحلة المؤسسة):

        الدور الوطني المطلوب:

ينبغي التأكيد أولاً أن القطاع الخاص والمنتمين له والعاملين في إطاره هم جزء أساسي من هذا الوطن، لهم كامل الحقوق المتوجبة لكل مواطن وعليهم ذات الواجبات تجاه الوطن، وهم ليسوا جهة مستقلة أو بعيدة عن الأهداف الوطنية، ولا يجوز إبعادهم ولا تجاوزهم عن عملية التنمية ولابد من إشراكهم في كل الأنشطة الوطنية، وإن الشعور النفسي الذي يعيشه المواطن له أكبر الأثر في اندماجه بالمجتمع أو ابتعاده عنه، ومن خلال هذا الدور الوطني فإن الحكومة ينبغي أن لا تضيِّع الوقت بتوزيع الأدوار بين القطاعات الاقتصادية، بل ينبغي أن ينصب اهتمامها على إعطاء المهمة لمن يتمكن من إنجازها بأكبر قدر من الكفاءة والفاعلية بغض النظر عن انتمائه وملكيته.

السياسات والتدابير الضرورية لتفعيل دور القطاع الخاص:

لقد أصبحت الحاجة ملحة لاتخاذ مجموعة من الإجراءات لتنشيط دور القطاع الخاص وبخاصة الصناعي، ويمكن إيراد بعضاً منها بالتالي:

1 -    إعداد مسح شامل للصناعات والمشاريع القائمة تتضمن الطاقات الإنتاجية الفعلية وحجم الصادرات.

2 -    وضع خريطة استثمارية لكل المحافظات حسب ما هو متاح من مواد ويد عاملة خبيرة وأسواق تصريف.

3 -    وضع إحصاءات المكتب المركزي للإحصاء في خدمة عملية التنمية ولحظها لنشاط القطاع الخاص.

4 -    العمل على إزالة العقبات الإدارية والتعقيدات الروتينية من ترخيص، وإقامة المنشأة وتسهيل الحصول على الموافقات الخاصة بذلك من أجهزة ووزارات الدولة قبل الحصول على السجل الصناعي والترخيص الإداري.

5 -    إحداث تشريع ضريبي حديث ومتطور يحل محل التشريع الضريبي القائم، لا يكون هدفه حجم الجباية بل توزيع العدالة الضريبية بين كافة المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم، وتخفيف تحميل السلعة المنتجة وخاصة التصديرية، أي عبء ضريبي وجعل هذه التشريعات محفزة للعمل والإنتاج لا منفرة له، ودون المساس بحقوق الخزينة وبما لا يجعل المستثمر عرضة للابتزاز بكثرة الاجتهادات والآراء.

6 -    إتاحة المجال للحصول على القروض المصرفية بضمانة المنشأة ذاتها وبخاصة متوسطة وطويلة الأجل.

7 -    إصدار تشريع جمركي متناسب تماماً مع الدول المجاورة وتلك التي تنتج سلعاً مماثلة لمنتجاتها.

8 -    إحداث مراكز تدريب تتوافق برامجها مع خريطة المشاريع الاستثمارية المعدة من قبل وزارة الصناعة، بحيث يدخل المتدرب سوق العمل فوراً، ويلبي في نفس الوقت حاجة تلك المشاريع.

9 -    إعادة النظر بالنصوص النافذة في قانون العمل والتأمينات الاجتماعية بحيث يكون هناك توازن بين حقوق العامل والواجبات المطلوبة منه، وكذلك حقوق صاحب العمل والواجبات الملقاة على عاتقه.

10 -  تطوير البنية التحتيه القائمة وتحديثها باستمرار.

11 -  تحديث خدمات المصارف القائمة والإسراع في دخول المصارف الخاصة والمشتركة الجديدة لتساهم في عمليات التمويل المطلوبة.

الشكل القانوني الأمثل:

إن انتقال القطاع الخاص من صيغة شركات الأشخاص التي تعتمد على الجانب العائلي إلى صيغة شركات الأموال التي تمتاز بتنظيمها المؤسسي الذي يتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة، سواء من حيث الحاجة لاستقطاب رؤوس أموال كبيرة أو تطويع واستخدام التقنيات الحديثة وأساليب الإدارة المتطورة، كل ذلك يتطلب اختيار الشكل القانوني الأمثل الذي يتناسب مع تلك الاحتياجات.

حالياً هناك نوعان أساسيان من شركات الأموال:

الأول: وهو الأفضل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وهو شركات التوصية بالأسهم والشركات المحدودة المسؤولية.

والثاني: يخص المشاريع ذات رأس المال الكبير سواء الزراعية أو الصناعية أو السياحية وهي الشركات المساهمة المغفلة.

أما مزايا شركات الأموال، وبخاصة التوصية بالأسهم والمحدودة المسؤولية كبدائل عن شركات الأشخاص فتتركز على طول عمر الشركة والتي لا تنتهي بانتهاء حياة الأشخاص، أو نزاعاتهم الشخصية، بالإضافة إلى تبادل الإدارة حسب الكفاءة، وإمكانية بيع وشراء الحصص وانتقالها إلى الورثة دون المساس بالشكل القانوني للمشروع، وضبط حساباتها وتوزيع أرباحها وغيرها من المزايا.

-          ما هو المطلوب لتطوير ملكية القطاع الخاص من الملكية الشخصية الفردية أو العائلية إلى نظام المؤسسة؟

1ً -    تطوير الأشكال القانونية لتلك الشركات المطلوب أن تكون رائدة في السوق من خلال الإسراع في إصدار الصيغة الجديدة من قانون التجارة السوري.

2ً -    وضع محفزات ضريبية ومالية خاصة لتشجيع تأسيس تلك الشركات.

3ً -    تطويع العوائق الإدارية وجعلها في خدمة المؤسسة وبخاصة تسهيل إجراءات تأسيس مثل هذه الشركات.

4ً -    حل قضايا التمويل المتوسط وطويل الأجل من أجل تحفيز قيام مثل تلك المؤسسات.

5ً -    تبني وزارة الصناعة (وهي الوزارة المرجع) إجراء تقييم للصناعات القائمة، ووضع جدول للصناعات اللازمة في القطر والتي تعتمد على المواد الأولية المحلية وتطويرها ليصبح منتجها تصديرياً، وإجراء دراسات جدوى اقتصادية أولية لمثل هذه المشاريع وعرضها على القطاع الخاص لتبنيها، مع تقديم كافة التسهيلات اللازمة لها وخاصة التسهيلات التمويلية والإجراءات الإدارية المعقدة، مع تأمين البنية التحتية اللازمة.

6ً -    نحن بحاجة إلى تشريعات جديدة ومدروسة ومتطورة واضحة في النص سهلة في التطبيق، لا تحتاح إلى تفسيرات واجتهادات اطلاقاً، توضع موضع النصوص السابقة القديمة في المالية والتشريعات الضريبية والتجارة الخارجية والداخلية والترخيص الصناعي والإداري وكل محفزات التنمية والتطوير.

        إنني اعتقد أن مستقبلنا واضح، وهو يتمثل في تعاون كل المواطنين في بناء هذا الوطن دون تمييز بين قطاع وآخر، وأن نؤمن بما يجب أن ننفذه جميعاً ليكون الناتج على كل مخلص.

        وفي كل الدول  المتقدمة إنتاجياً وصناعياً، هناك شركات كبيرة، وأخرى صغيرة ومتوسطة تشكل تكاملاً فيما بينها وتقوم بتأمين حاجات بعضها البعض، فمثلاً معامل النسيج الكبيرة بحاجة إلى شركات أخرى أصغر تتخصص بالألبسة والحاجات الكسائية، وما ينطبق على الصناعات النسيجية كمثال، ينطبق على باقي الصناعات وقدرنا ومستقبلنا في تطوير صناعتنا واستعمال موادنا وإيجاد فرص عمل لكل مولود، فقطار التقدم والتطوير يسير سريعاً ولا ينتظر أحداً وويلٌ لمن فاته القطار.

        وقبل أن أختم كلامي قد يتساءل البعض بأننا تحدثنا عن القطاع الخاص الصناعي، ولم نتناول الجانب التجاري من عمل القطاع الخاص بصورة تفصيلية، ولابد من التأكيد هنا أن كل ما قيل عن الصناعة يمكن اسقاطه على التجارة لأنها وفي جميع المراحل كانت تنتعش وتتوسع بانتعاش وتوسع الصناعة، وتنكمش بانكماشها، وكأن هناك علاقة طردية بينهما. هذا من جهة أما من جهة اخرى فقد كان التصدير سواء للمنتجات الزراعية أو الصناعية يتم في معظمه عن طريق القطاع الخاص وبخاصة قبل صدور مراسيم حصر تصدير المنتجات الزراعية بمؤسسات القطاع العام. كما أن القطاع الخاص كان يؤمِّن المواد الغذائية والأولية اللازمة للصناعة ويتابع تواتر ورودها إلى الأسواق وتوفيرها بالكميات والاسعار المناسبة. وكثيراً ما سمعنا (ان صندوق الشاي كان يربح قيمة عبوته فقط) وكذلك بالنسبة للسكر والأرز وغيره من المواد.

        إنني انظر دوماً إلى أن القاعدة الصناعية هي التي تربط الإنسان بأرضه ووطنه كما أوتاد البناء وهي التي تشده إلى تطوير العمل وتحسينه، والتجارة والصناعة نشاطان متكاملان بينهما تلاحم عضوي تام ولا يمكن الفصل بينهما ولا التفريق.

        ومن يمارس الصناعة يمارس التجارة حكماً والصناعة في هذا الوطن قامت على سواعد التجار الذين قاموا ببناء الصناعات الجديدة.

        أخيراً إنني أطالب من على هذا المنبر بضرورة الإعلان عن برنامج وطني واضح للإصلاح الاقتصادي، يحدد المطلوب من كل قطاع والأهداف المطلوب الوصول إليها ضمن برنامج زمني محدد قد يصل إلى عشر سنوات، وهذا البرنامج ينبع من خصوصية الاقتصاد السوري وتركيبته، دون إسقاط أي تجارب أخرى جرت في دول أخرى على تجربتنا الخاصة لتباين الفروقات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية وطبيعة الموارد وكذلك الأهداف المتوخاة.

كما أن القطاع الخاص يطلب من الحكومة نصوصاً قانونيةً واضحةً لتنظيم العمل الاقتصادي سهلة التطبيق واضحة النص عادلة المضمون لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل أو اجتهاد.

فالأمر لم يعد بحاجة إلى المزيد من التأجيل والتردد والغموض، ولا بد من اتخاذ القرارات الجريئة التي تترجم توجهات الحكومة لأن التحديات الداخلية والخارجية لن تنتظرنا لكتابة وصياغة مشروعنا الإصلاحي.

شكراً لحسن إصغائكم وعذراً على الإطالة، وأتمنى ان أكون قد وفيت الموضوع بعضَ حقـهِ.

والسلام عليكم

محمد غسان القلاع


(*) - بكالوريوس تجارة عام /1964/ - جامعة حلب.

-                             عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق منذ عام /1973/ وما بعد.

-                             يشغل حالياً منصب نائب رئيس غرفة تجارة دمشق.

-                             رئيس لجنة الدراسات والإعلام والنشر