![]() |
تجري عملية
الإصلاح والتحديث في سورية العربية في خضم مجموعة من التحديات الداخلية والإقليمية
والدولية وفي مجالات عديدة اقتصادية وتكنولوجية وثقافية وسياسية وأمنية وغير
ذلك من المجالات التي تتطلب منا التعامل معها برؤية وموضوعية وتصميم.
فمن sالتحديّات الداخلية يبرز العامل
السكاني بمعدلاته المرتفعة وبما يشكله من ضغوط على الموارد الوطنية. وتشتد
حدة هذه الضغوط في حال تدني وضعف مستوى استغلال واستثمار القدرات الإنتاجية.
وتقل حدة هذه الضغوط عند استثمار مواردنا بصورة جيدة فترتفع معدلات النمو
الاقتصادي ويصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة العامل السكاني وامتصاص
الزيادة السكانية.
وإذا كان السكان
في سورية بمعدلات نموهم المرتفعة يتضاعفون كل عشرين عاماً تقريباً، فقد ترافق
هذا الوضع بضعف استغلال قدراتنا الإنتاجية خلال العقدين الخيرين وارتباك
عملية التنمية بصورة أدت عملياً إلى عدم نمو أهم متغيراتنا الاقتصادية والإنمائية.
فبرغم أن الناتج المحلي الإجمالي بأسعار 1995 الثابتة قد ازداد خلال العشرين
سنة الأخيرة بحوالي 80% فإن متوسط حصة الفرد السوري من هذا الناتج قد انخفض
بحوالي 30% خلال عقد الثمانينات، ولم يسترجع وضعه في عام 1980 لغاية عام
الألفين. أما حصة الفرد في التكوين الرأسمالي فقد انخفضت هي الأخرى 50% ذات
المدة كما انخفضت حصته من الاستهلاك النهائي للشعب بأكثر من ثلاثين بالمئة.
ألا يعني هذا أكثر من الركود الاقتصادي، وأن هذا وضع يمثل تحدياً جدياً أمام
حركة التنمية يتطلب إعادة النظر بهيكلية الاقتصاد السوري وبأسلوب إدارته.
كل هذا يتم
ويحدث في ظل التبدلات العميقة في الاقتصاد الدولي وظهور تحديات من نوع جديد
تواجه اقتصاديات البلدان النامية، جمعيها العربية منها وغير العربية. وتتمثل
هذه التحديات في محاولات الدول الصناعية الرأسمالية وعلى رأسها الولايات
المتحدة الأميركية إحكام سيطرتها على الأسواق الدولية وفرض هيمنتها على العالم
النامي، بل وأكثر من ذلك فإن هذه الدول التي تصرح بأنها تعمل لتحقيق وحدة
الاقتصاد الدولي ولمشاركة الجميع في تحقيق التقدم والازدهار والتمتع بذات
الوقت بنتائج هذا التطور وهذا الازدهار ليصيب الرفاه والرخاء كل الشعوب وكل
الجماعات فإنها، أي هذه الدول تنتظم في تكتلات اقتصادية تتصارع فيما بينها
لاقتسام المكاسب وتحقيق مصالحها على حساب الشعوب الأخرى.
مثل هذا التحول
الجديد على الساحة الدولية يضع البلدان النامية جميعها بما فيها أقطار الوطن
العربي بصورة مجموعية ومنفردة أمام تحديات مصيرية حقيقية لا يمكن لها أو
لأي منها أن يواجهها بصورة منفردة إلا من خلال تضافر قواها وتنسيق جهودها
وتعاونها في معالجة مختلف قضاياها التنموية. أي أنه لابد لهذه الدول أن تجد
لنفسها أشكالاً مواتية من التعاون والتكامل لتطوير اقتصادياتها في ظل هذه
التحديات الدولية الجديدة.
وفي إطار هذه
الظروف الدولية والداخلية تحاول
سورية أن تفعل كل ما بوسعها لتطوير مسيرة الاقتصاد السوري مستفيدة من تجاربها
السابقة على المستويين القطري والعربي، بل جعل هذه المسار ينمو ويترعرع في
محيطه الوطن والقومي بإيمان عميق لا يتزعزع بأهمية ودور العمل العربي المشترك
في تحقيق المصالح القطرية والقومية في آن واحد. وتبادر سورية انطلاقاً من
ذلك بعقد العديد من الاتفاقيات الثنائية مع كل من البلدان العربية الشقيقة،
وتحديث هذه الاتفاقيات في ظل المستجدات الدولية، وبنفس الوقت القيام بكل
ما هو مستطاع لتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى كمقدمة
لإقامة السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية. بل أن من بين
مهام هذه الاتفاقات الثنائية هو تسهيل تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة العربية
الحرة وإنجاح مهامها والانتقال بها إلى مرحلة من التكامل الاقتصادي العربي
أكثر تقدماً وتطوراً. وحقيقة الأمر أن اتفاقية منطقة التجارة الحرة لا تمثل
المحاولة الأولى للتعاون الاقتصادي العربي بل سبقها أشكال متعددة أخرى للتعاون
بعضها يتقدم في مستواه على منطقة التجارة الحرة رغم أنه لم يحقق النجاح المطلوب.
كما أشرنا
لا تمثل إقامة منطقة التجارة الحرة العربية المحاولة الأولى للتعاون والتنسيق
الاقتصادي العربي، بل سبقتها في الواقع محاولات عديدة حتى منذ نشأة الجامعة
العربية. وقد تركزت هذه المحاولات على مدخلين رئيسيين. الأول مدخل تسهيل
التبادل التجاري أو المدخل التبادلي للتكامل وكانت بداياته منذ عام 1953
بتوقيع اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت بين دول الجامعة
العربية، تبعها في عام 1964 صدور قرار السوق العربية المشتركة كأداة لتنفيذ
أحد أهم أهداف اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية مع الإشارة أن جميع الدول
العربية قد سبق ووقعت على هذه الاتفاقية، إلا أنها كانت مترددة في التوقيع
على اتفاقية السوق العربية المشتركة أداة التنفيذ، ولم يوقعها آنذاك سوى
سبع دول. وفي عام 1981 جرى التوقيع مرّة أخرى على اتفاقية لتسهيل التبادل
التجاري بين الأقطار العربية في اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي. والآن
وبعد سبعة عشر عاماً تعود الأقطار العربية إلى محاولة تفعيل هذه الاتفاقية
من خلال اتفاقية إقامة منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى. وقد ترافقت تلك
الاتفاقيات مع مجموعة من الاتفاقيات المساعدة مثل اتفاقية استثمار رؤوس الأموال
العربية وانتقالها التي عقدت في نطاق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والاتفاقية
الموحدّة لاستثمار الأموال العربية المعقودة في نطاق الجامعة العربية، والاتفاقية
الموسعة العربية لضمان الاستثمار، إلى جانب اتفاقية الصندوق العربي للإنماء
الاقتصادي والاجتماعي واتفاقية صندوق النقد العربي وتهدف هاتان الاتفاقيتان
إلى تأمين رؤوس الأموال العربية لتمويل مشاريع التنمية.
وكانت الفلسفة
خلف اتفاقيات تسهيل التبادل التجاري تقوم على أهمية الدور الفاعل لآلية السوق
وقدرتها بعد تحرير التجارة على إعادة تشكل تقسيم العمل العربي على نحو يؤدي
إلى زيادة درجة التخصص لكل منها وزيادة حجم التبادل التجاري، علاوة على أن
السوق الواسعة بحدِّ ذاتها تؤدي إلى زيادة فرص الاستثمار.
وحقيقة الأمر
أن جميع هذه الاتفاقيات لم تنفذ بالمستوى المطلوب ولم تؤد إلى زيادة حجم
التبادل التجاري 6% لا بين دول السوق العربية المشتركة، ولا بين مجموع الدول
العربية، حيث كانت نسبة التبادل أقل من 6% بين الدول الموقعة على السوق العربية
المشتركة وبين 8 ـ 10% فقط من إجمالي التجارة الخارجية العربية وذلك برغم
تقليص الحواجز الجمركية وإقامة العديد من الاتفاقيات الثنائية التي كانت
مسؤولة إلى حد بعيد عن ارتفاع حجوم التبادل التجاري بين بعض البلدان العربية
خاصة المتجاورة منها، كالوضع بين لبنان وسورية، وسورية والأردن، والأردن
ولبنان، ومصر والسودان والمغرب وتونس والجزائر.
ونظراً لعدم
تحقيق هذا المدخل التجاري أي تطور ملحوظ في حجم التبادل التجاري بين الأقطار
العربية وعجزه عن دعم هدف التكامل الاقتصادي العربي، وبحجة عدم نجاح هذا
المدخل فقد جرى التأكيد على مدخل بديل أو مكمل وهو مدخل المشاريع العربية
المشتركة باعتبار أن هذا المدخل يستطيع أن يعمق وينوع القاعدة الإنتاجية
العربية وبالتالي يمكن أن يزيد من
حجم التجارة البينية، إضافة أن التركيز على المشاريع الإنتاجية المشتركة
يؤدي إلى تكامل فروع الإنتاج وزيادة التشابكات القطاعية فيما بين الاقتصاديات
العربية وبما يمهد لاحقاً لتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية، والواقع أنه
وفقاً لهذا المدخل تم إحداث نحو 391 مشروعاً بتكلفة تفوق العشرين مليون دولار
في الزراعة والصناعة والسياحة وغيرها بفضل الفوائض المالية العربية وبخاصة
الفوائض النفطية.
وبدوره فإن
مدخلٌ المشاريع العربية المشتركة لم يكن قادراً على تغيير واقع الحال وتطوير
الاقتصاديات العربية وزيادة حجم التبادل التجاري البيني، لأن هذا المدخل
لم يستند وبخاصة من حيث التنفيذ، على استراتيجية متكاملة للتنمية والتصنيع.
وعلى سبيل المثال أن المؤسسة العربية للتنمية الصناعية قد وضعت استراتيجية
للتنمية الصناعية، كما أعدت الدراسات اللازمة للمشاريع التي موّل جزءاً منها
الصندوق العربي، إلا أن الاختيار في التنفيذ كان بعيداً عن مبدأ الترابط
الاستراتيجي المطلوب.
هذا من جهة،
ومن جهة أخرى فإن النجاح المحدود لهذا المدخل يعود عملياً إلى ضآلة وزن هذه
المشاريع المشتركة في مجمل الاقتصاد العربي وبالتالي عدم استطاعتها لعب دور
هام في تطوير الواقع الاقتصادي وزيادة حجم التجارة البينية، لقد تركزت غالبية
المشاريع الصناعية المشتركة على مشاريع الصناعة المشتركة على مشاريع الصناعة
التحويلية الخفيفة وكانت نوعية المنتجات مشابهة للمشاريع القطرية القائمة
(كمثال الشركة السورية السعودية للإنتاج الزراعي والصناعي، والشركة السورية
الليبية)، وتمثل لذلك إضافة عددية عليها. بمعنى أن مثل هذه المشاريع لم تستطع
إحداث تطوير في القاعدة الإنتاجية القطرية ولم تؤد إلى تعميق التشابك القطاعي
حتى على المستوى القطري، وكانت بالتالي تمثل توسعاً أفقياً قطرياً أكثر من
كونها تكاملاً بين فروع الإنتاج على المستوى العربي.
وبرأينا أن
أسباب عدم نجاح مدخل المشاريع المشتركة هي ذاتها المسؤولة أيضاً عن عدم نجاح
مدخل التبادل التجاري من حيث أولاً عدم تبني الدول العربية سياسات مالية
واقتصادية وبرامج وإجراءات مواتية صحيحة لتأمين الشروط المساعدة لنجاح أي
من المدخلين المشار إليهما أو نجاح كليهما معاً. وثانياً غلبة أسلوب التنمية
القطرية وتقديمه، أي إعطائه الأولوية على التنمية المجموعيّة العربية، وكثرة
التناقضات الاقتصادية العربية، وتغليب الخلافات السياسية وتقديمها على المصلحة
الاقتصادية المشتركة، وضعف الالتزام، والانفصام بين القول والعمل أي بين
المصادفة على الاتفاقية والالتزام بتنفيذها، والضعف العربي العام أمام التدخلات
الخارجية وثالثاً، التبعية الاقتصادية للخارج ـ وقد تعززت هذه الظاهرة إبان
الحقبة النفطية وعجز العرب اقتناص هذه الفرصة، أي فرصة تزايد الفوائض المالية
النفطية واستخدامها للصالح الاقتصادي العربي، بل وازدياد اندماج الاقتصاد
العربي بالاقتصاد الرأسمالي العالمي إبان وعقب حرب الخليج. وهكذا يمكن القول
أن الأسلوب الجوهري لفشل التكامل هي واحدة بغض النظر عن المداخل التكاملية
من تحرير التجارة إلى المشروعات المشتركة. إن المسألة تبدو لنا أنها ليست
بالأداة بقدر ما هي بالإرادة العربية للتكامل والتعاون. إن تفضيل المصلحة
القطرية الآنية على المصلحة العربية وما ترافق مع ذلك في سياسات وإجراءات
تقييديّة تمثل برأينا العامل المعوق الأكبر لتطوير أسس العمل الاقتصادي العربي
المشترك، وذلك بالرغم عما يقال من دور تشابه الهياكل الاقتصادية العربية
والتباين في مستويات النمو فيما بين البلدان العربية.
قد يثير أي
منا التساؤل التالي: إذا كانت محاولات التكامل الاقتصادي العربي السابقة
بأشكالها المختلفة، لم تحقق النجاح المطلوب، فلماذا يجري الآن، تبني صيغة
للتجارة الحرة العربية وسيلة لإقامة التنسيق والتكامل بين الاقتصادات العربية
ـ رغم أن هذه الصيغة تحتل مستوى أدنى من الصيغ السابقة.
أولاً لابد
من التأكيد أن المسألة ليست بصيغة التعاون بقدر ما هي بالإرادة العربية للتعاون
والتكامل، إضافة أن طبيعة الصيغة لا تشكل برأينا عائقاً أمام تطوير أشكال
ومستويات التعاون، فيما إذا ما توفرت القناعة والإرادة، إن الأكثر أهمية
هو وصول العرب الآن إلى قناعة بضرورة العمل العربي المشترك في وقت تسارعت
فيه الأحداث العالمية وبرزت إلى الوجود متغيرات دولية أضحت تشكل تحديات جدية
لجميع الدول النامية انطلاقاً من تعاظم دور التكتلات الاقتصادية الدولية
أكثر من أي وقت مضى ومحاولاتها.
الهيمنة على
الدول النامية وتهميشها، وإقامة منطقة التجارة الدولية /WTO/ والتي تعمل جميعها لإزالة كل أشكال القيود
أمام الإنتاج الرأسمالي وأمام حركة رأس المال العالمي. في مثل هذه الظروف
التي تتعرض فيه اقتصاديات البلدان النامية والعربية إلى مزيد من الانكشاف
وإلى مزيد من التهديد وجدت الأقطار العربية نفسها في حاجة ملحة إلى الحماية،
يمكن أن توفرها لها مشاريع التكامل الاقتصادي العربي وأن أعداداً متزايدة
من الدول العربية قد تقدمت بطلب الانضمام إلى منطقة التجارة العالمية وإلى
اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. ووجدت أن التعامل مع هذه الأوضاع الجديدة
يمكن أن يتحقق بصورة افضل في إطار التفاوض المجموعي مع هذه المنظمات واتخاذ
المواقف المشتركة لتأمين المصلحة العربية، أو على الأقل تقليص حجم المنعكسات
السلبية لمظاهر العولمة الاقتصادية الجديدة. وتبقى آفاق واحتمالات نجاح منطقة
التجارة العربية الحرة الكبرى متاحة عملياً بمبادرات العرب إلى تفعيل هذه
الاتفاقية وتطويرها صرفها إلى سوق عربية مشتركة أو اتحاد جمركي عربي.
لقد دخلت منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى مرحلة التنفيذ منذ مطلع عام 1998(
[2]
). بتطبيق البرنامج التنفيذي لها من خلال تفعيل
اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية. وقد صادق على هذه
الاتفاقية تسع عشر دولة عربية حيث تتيح المادة السادسة والمادة السابقة من
الإتفاقية إقامة مثل هذه المنطقة بين الدول العربية الأعضاء في الاتفاقية.
هذا من جهة ومن جهة أخرى تنسجم إقامة هذه الاتفاقية مع التوجهات العالمية
المتمثلة بإقامة تكتلات اقتصادية كبيرة بحيث تستطيع التعامل مع المستجدات
الاقتصادية على الساحة الدولية المترافقة مع انفتاح الأسواق العالمية على
بعضها البعض بعد إقرار إنشاء منظمة التجارة الدولية وبإتباع غالبية الدول
العربية إجراءات تزيد من تبنّيها لاقتصاد السوق وتقاربها في أسلوب إدارة
اقتصاداتها الوطنية.
وقد نص البرنامج
التنفيذي على أن يتم خفض الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل
بنسبة 10% في السنة من تلك التي كانت سائدة في 31/12/1197 بحيث تصل هذه الرسوم
والضرائب إلى مستوى الصفر في عام 2007 ليتحقق معها التحرير الشامل للسلع
ذات المنشأ العربي من أية رسوم وضرائب عند دخولها الأسواق العربية، ولكي
تعامل هذه السلع معاملة السلع الوطنية المماثلة. كما نص البرنامج التنفيذي
على الإزالة الفورية لكافة القيود غير الجمركية المفروضة على السلع العربية
كالقيود الإدارية والكمية والنقدية. كما أتاح البرنامج التنفيذي للدول الراغبة
بالحصول على استثناءات لبعض السلع من تطبيق التخفيض التدريجي من الرسوم والضرائب
ذات الأثر المماثل أو فرض قيود غير جمركية عليها وذلك في حدود ضيقة ولفترة
زمنية لا تتعدّى الأربعة سنوات، على أن تتقدّم تلك الدول بطلب يثبت إمكانية
وقوع ضرر اقتصادي عليها كاحتمال حدوث خلل واضح في ميزان المدفوعات أو ضرر
بالنسبة لتشغيل الأبدي العاملة، أو إحتمال تعريض الصناعة الناشئة إلى أخطار
فعليه إلى أخطار فعلية وتتم متابعة حالات الاستثناء من قبل لجان مختصة تشارك
فيها. وبحلول 1/1/2002 يجب أن تكون التخفيضات قد وصلت إلى 50% من إجمالي
الرسوم والضرائب التي كانت سائدة في 31/12/1997، وهناك إقرار لتعجيل فترة
التخفيض بحيث تلغى كافة هذه القيود عام 2005 بدلاً من عام 2007، والنظر بصورة
جدّية لتطوير منطقة التجارة الحرة الكبرى إلى اتحاد جمركي وسوق عربية مشتركة.
ومن أجل تسهيل
تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى تبادر الدول العربية إلى إقامة
اتفاقيات ثنائية فيما بينها تؤكد على رفع نسب التخفيض الجمركي وهذا ما تحقق
فعلاً في الاتفاقات الثنائية التي عقدتها سورية مع الأقطار العربية الشقيقة
العراق والأردن والسعودية ولبنان وسواها. وفي إطار اتفاقية الأخوة والتعاون
والتنسيق مع لبنان تم إلغاء جميع الضرائب والرسوم بين البلدين الشقيقين وأصبحت
البضائع اللبنانية تعامل بمثل ما تعامل به المنتجات السورية. كما يجري الإسراع
أيضاً بتعجيل خفض الرسوم الجمركية بين سورية والبلدان العربية الأخرى في
إطار الاتفاقيات الثنائية المعقودة وبصورة تسهل كما أشرنا إنجاح تنفيذ اتفاقية
منطقة التجارة الحرة العربية.
أولاً: لا بد من التأكيد من أن الفوائد التي يمكن أن
تحققها إقامة منطقة التجارة الحرة العربية لا تمثل فقط مكسباً للصالح العربي
العام ولكنها تحقق فائدة مباشرة لكل من الدول العربية المشاركة، أي أن الفوائد
التي تتحقق لسورية مثلاً جراء عضويتها في منطقة التجارة العربية هذه يصب
مباشرة في صالح وإلى جانب برنامج الإصلاح والتطوير والتحديث الذي يؤكد عليه
القطر العربي السوري في أيامنا هذه.
ثانياً: إنّ تعامل سورية مع موضوع تعزيز العمل العربي
المشترك يتم على جانبين أساسيين في وقت واحد الأول الدور السوري في إطار
منطقة التجارة الحرة الذي يؤكد على الالتزام بكل بنود البرنامج التنفيذي
والعمل على تعجيل تنفيذه في عام 2005 بدلاً من 31/12/2007، وبذات الوقت مبادرة
القطر إلى عقد اتفاقيات لإقامة مناطق تجارية حرة تستهدف من بين ما تستهدف
تعزيز تنفيذ برنامج منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من اختصار المدة
الزمنية لإزالة القيود الجمركية وغير الجمركية. وعلى سبيل المثال المادة
الثانية من اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين سورية والأردن قد نصت على أن
يبدأ اليوم الأول لتنفيذ الاتفاقية بتخفيض نسبة 60% من الرسوم الجمركية والرسوم
ذات الأثر المماثل، وبحيث يصل التخفيض إلى 100% في بداية عام 2005 بدلاً
من استمراره لمدة 10 سنوات كما هو حال منطقة التجارة الحرة العربية. وما
يماثل ذلك قد تضمنته الاتفاقيات الثنائية للتجارة الحرة بين سورية والعراق
وسورية والسعودية وسورية ولبنان وغير ذلك من الدول العربية الشقيقة.
ثالثاً: أن الفائدة الأكثر أهمية لسورية ولكل من الأقطار
العربية المشاركة في اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى وفي الاتفاقيات
التجارية الثنائية، تتمثل برأينا في تعريض الإنتاج السوري والصناعي منه وغير
الصناعي على مناخ المنافسة بعد فترة زمنية طويلة من تحصن هذه الصناعة بالحماية
الجمركية وتحقيقها لمكاسب غير قليلة دون أن تضطر لبذل جهود إضافية لتطور
نوعية الإنتاج واكتساب المقدرة على مواجهة ومنافسة الإنتاج الأجنبي. إضافة
أن تعويد الإنتاج القطري على المنافسة يمثل مرحلة انتقالية من الممارسة وشدّ
الركب لمواجهة الإنتاج الأجنبي بعد انضمام سورية أو أي قطر عربي آخر إلى
منظمة التجارة الدولية (wto) أو بعد التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد
الأوروبي. هذا إلى جانب مجموعة من الفوائد والمكاسب التالية:
1 ـ يؤدي إقامة التجارة الحرة العربية الكبرى بما تتيحه من فتح
الأسواق العربية على بعضها البعض إلى توسيع حجم السوق الداخلية. ذلك أنه
قبل إقامة مشروع الشراكة يكون حجم السوق محدوداً ومقيداً بالدرجة الأولى
بالقوة الشرائية المحلية التي قد تكون من الصغر بحيث لا تسمح بإقامة المشروع
على أساس الحجم الأمثل، أي المشاريع ذات الحجم الكبير التي تتميز باقتصاديات
الحجم (Economies of Scale) وبانخفاض مستوى تكلفة الإنتاج، بمعنى أن توسيع
السوق الوطنية يصبح شاملاً لأسواق جميع الدول العربية المشاركة يؤدي إلى
زيادة حجم الطلب الفعال وزيادة القدرة الإنتاجية للمشاريع القائمة التي تستطيع
الآن تشغيل كامل طاقاتها وتخفيض مستوى التكلفة الحدية والتكلفة المتوسطة
للإنتاج. وإذا كان ضيق السوق المحلي قبل إقامة منطقة التجارة الحرة يمثل
السبب الأهم في صغر حجم المشاريع الإنتاجية وانخفاض إنتاجية العمل فإن أتساع
حجم السوق بما يوفره من إمكانات لإدخال التقنيات الجديدة فإنه يعمل على زيادة
إنتاجية العمل والتشجيع على نقل التكنولوجيا في فروع الإنتاج القائمة والفروع
الإنتاجية الجديدة وبالتالي يساهم بصورة فعالة في زيادة معدلات النمو ورفع
مستوى المعيشة.
2 ـ يؤدي توسيع السوق الداخلية بنتيجة انفتاح الأسواق على بعضها
البعض إلى إمكانية مضاعفة القدرات والإمكانيات العربية المجتمعة المادية
والمالية والبشرية والتكنولوجية التي تتجاوز كثيراً القدرات المنفردة لأي
من هذه الدول كل على حدة. وما من شيء أن تعاظم هذه القدرات يساعد على إقامة
العديد من الصناعات الجديدة وتحقيق زيادات ملموسة في الإنتاج تساعد بالضرورة
على نموّ حجم المبادلات التجارية البينية بل زيادة حجم التجارة العربية مع
الدول الأجنبية. إن حدوث مثل هذه التحولات ستشجع على زيادة حجم الاستثمارات
بل وجذب الاستثمارات من الأسواق الخارجية وبخاصة الاستثمارات ذات التقنيات
المتقدمة.
3 ـ إن حسن تنفيذ بنود اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى وبما يمكن أن يوفره ذلك من الاستقرار الاقتصادي على مستوى الوطن العربي
سيعمل في ظل الظروف الدولية المستجدة واحتمال تعرض العالم إلى أزمات اقتصادية
وبخاصة بعد أحداث 11 أيلول وما جلبته من اضطرابات سياسية واقتصادية في مواقع
عديدة من العالم، سيعمل على جعل المنطقة العربية منطقة جاذبة للإستثمارات
ويشجع على عودة جزء من الرساميل العربية العاملة في الخارج، بل وعودة أعداد
متزايدة من العلماء العرب العاملين في الخارج للمساهمة في تطوير جهود البحث
العلمي العربي والمساهمة في حل مشكلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة
العربية. وما من شك أن مثل هذه التوقعات التي نتمنى تحقيقها مرتبطة بمقدار
الجهود التي ستبذلها الأنظمة العربية وبل القطاع الخاص العربي لتنفيذ برنامج
هذه الاتفاقية بصورة جدية، بل والارتقاء بها إلى مستوى الاتحاد الجمركي والسوق
المشتركة وصولاً لاحقاً إلى الوحدة الاقتصادية العربية.
4 ـ إمكانية تطوير وإعادة هيكلية الإقتصادات العربية وتنويع
القاعدة الإنتاجية بفضل تعاظم القدرات المشتركة وتنوع الموارد الطبيعية والمصادر
من الحاجات. ويحقق توفر مثل هذه المقومات في حال توفر برامج تنموية مشتركة
إلى زيادة إطار التشابك والترابط بين فروع الإنتاج قطرياً وإقليمياً وتحسين
مستوى استثمار الموارد وتحقيق الوفورات الاقتصادية. هذا إلى جانب أن انفتاح
الأسواق على بعضها بعضاً سيعزز من إمكانات التخصّص وفقاً لمبدأ الميزة النسبية
خاصة وأن الالتزام بهذا المبدأ لا زال محدوداً في الوطن العربي ومقيداً بتطبيق
سياسات الحماية ذات الأجل الطويل. لقد أدى هذا الأخير إلى قيام بعض الأقطار
العربية بإنتاج سلع ليس لها أية ميزة مقارنة، أي إنتاجها بتكلفة مرتفعة تتجاوز
بصورة واضحة أسعار السلع المشابهة المستوردة من الخارج .
5 ـ وأخيراً فإن إقامة منطقة التجارة العربية الكبرى تشكل في
ظل المستجدات الدولية المعاصرة وتعاظم دور التكتلات الاقتصادية الدولية بصورة
لم يسبق لها مثيل، وإقامة منظمّة التجارة الدولية وبما تشكله هذه من تحديات
للإنتاج العربي وبخاصة الإنتاج الصناعي العربي داخل الأرض العربية وخارجه، تشكل ملاذاً
للاقتصادات العربية تتحصن فيه وتحتمي فتقلّل إلى أكبر حد ممكن من المنعكسات
السلبية للتحديات العالمية الجديدة. إن تحول العالم إلى مجموعة من التكتلات.
يفرض بالضرورة أن يواجه العرب هذه التكتلات بتكتل عربي يمكن أن يصون المصلحة
العربية ويحميها من مزيد من محاولات السيطرة والتهميش. إن تكوين تكتل اقتصادي
عربي يزيد من القدرات التفاوضية للمنطقة العربية ويحقق لها مجموعة من المكاسب
يعجز أن يحققها أي قطر عربي بمفرده. ومما لا شك فيه أن رفع القدرة التفاوضية
العربية تمثل مطلباً ملحاً وعلى غاية من الأهمية في وقت يحاول تكتل الاتحاد
الأوروبي إقامة نوع من الشراكة مع الأقطار العربية وبخاصة المتوسطية منها،
كما أن حاجة العرب إلى مزيد من القدرة على تصليب المواقف الجماعية هي حالة
يستوجبها أيضاً الدور المتعاظم لمنظمة التجارة الدولية وما تفرضه من تحديات
في منافسة المنتوجات العربية داخل وخارج المنطقة العربية.
بلغ عدد الدول
التي انضمت لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى 14 دولة عربية وذلك بعد
إبداعها لهيكل التعرفة الجمركية الساري لديها حتى 31/12/1997، وموافقة مجلس
وزرائها على البرنامج التنفيذي والتوجيهات الصادرة بذلك إلى كافة منافذها
الجمركية بتطبيق التخفيض الجمركي بنسبة 10% على السلع العربية (
[3]
). ويشكل حجم التجارة الخارجية لهذه الدول حوالي
90% من إجمالي التجارة العربية لعام الـ 2000، ونسبة 89% من التجارة العربية
البينية. وفيما يتعلق بالرزنامة الزراعية فقد أتاح البرنامج التنفيذي إمكانية
استثناء بعض السلع الزراعية من تطبيق التخفيض التدريجي وذلك بحدود عشر سلع
زراعية كحدّ أقصى ولفترات لا تتعدَّى 40 شهراً للسلع العشر. وعملياً فقد
بلغ عدد السلع الزراعية المدرجة في الرزنامة الزراعية 30 سلعة زراعية لإحدى
عشر دولة عربية.
وبالرغم من
التزام الدول الأعضاء بمبادئ الروزنامة الزراعية إلا أنه تحدث بعض التجاوزات
في إطار الاتفاقات الثنائية إذْ يتمّ منع استيراد عدد من السلع الزراعية
لكامل أو لبعض الوقت وبما يخالف قواعد الروزنامة الزراعية العربية التي تجيز
وقف التخفيض المتدرج على الرسوم الجمركية خلال فترة مواسم الإنتاج التي لا
يجوز أن تتجاوز مدتها العشرة أشهر. وكما تمنع أحياناً بعض السلع غير الزراعية
من الاستيراد في إطار الاتفاقات الثنائية في حين أنها غير واردة في قائمة
الإستثناءات المتفق عليها بين الدول أعضاء المنطقة.
كما أتاح البرنامج
التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة استناداً للمادة /15/ من اتفاقية تيسير وتنمية
التبادل التجاري من شرط تطبيق التخفيض التدريجي من الرسوم الجمركية والرسوم
والضرائب ذات الأثر المماثل عليها أو فرض بعض القيود الجمركية في حالة تهديد
بوقوع ضرر اقتصادي عليها نتيجة تحريرها شريطة أن يقبل وتوافق عليها الدول
الأعضاء ولفترة زمنية محددة أيضاً. وقد حصلت ست دول عربية هي الأردن وتونس
وسورية ولبنان ومصر والمغرب على إستثناءات لعدد من السلع التي تنتجها. وحالياً
فإن الحد الأقصى لإنتهاء مدة هذه الإستثناءات هو 16/9/2002. ولا تشكل هذه
الإستثناءات أهمية خاصة في إرباك حجم التجارة البينية باعتبارها محدودة بفترة
معينة كما لا تتجاوز القيمة التصديريّة لهذه السلع 6% من قيمة الصادرات للدول
العربية الأعضاء.
أهم عقبات
التطبيق: برغم أهمية إزالة الحواجز الجمركية أمام انسياب السلع والبضائع
بين الأقطار العربية فلا بُدّ من إجراءات إضافية لإزالة العديد من العقبات
التي تعيق حركة السلع ومنها:
1 ـ غياب الشفافية والمعلومات حول التعامل التجاري: حيث تتّخذ
بعض الدول الأعضاء في المنطقة إجراءات لمواجهة حالات إغراق، وتحدث بعضها
تغيرّات في عملية التقييم الجمركي لغايات حمائية ويقوم بعضها بعقد اتفاقات
اقتصادية وتجارية ثنائية ولا يتم إعلام الدول أعضاء المنطقة بهذه الإجراءات
والسياسات برغم تأثيرها على عمليات المبادلات التجارية البينية.
من جهة أخرى
فهناك ضرورة لتوفير المعلومات حول الأسواق العربية والأسعار التبادلية والإمكانات
الإنتاجية للسلع الصناعية ومواصفاتها وغير ذلك من المعلومات التي يجب توفيرها
والتي لا زالت غير متوفرة وهي بالتالي غير متاحة للقطاع الخاص كي يتمكن منا
الاستفادة من الفرص التصديرية والإستيرادية.
وهذا جانب
يجب إيلاؤه الإهتمام اللازم من قبل الدول الأعضاء ومثل هذا الإنضمام لا زال
غير كاف ولا يلبي المطلوب.
2 ـ التمييز في المعاملة الضريبية: كأن تفرض ضريبة على السلع
المستوردة تختلف نسبها عن النسبة المفروضة على المنتج المحلي مثل ضرائب المبيعات
أو ضرائب الإنتاج أو الاستهلاك أو القيمة المضافة التي قد تفرض بنسب متفاوتة
عن المنتج المحلي تؤدي إلى إحداث معاملة تمييزية وتقلل من فرص المنافسة.
أو أن تفرض رسوم أخرى كرسوم مطابقة للمواصفات أو رسوم الكشف المخبري تختلف
في قيمتها عما يفرض على المنتج المحلي المشابه. وقد تطبق بعض الإجراءات التعسفية
على المستوردات أو منع دخولها بحجة عدم مطابقة المواصفات مما يضعف مفعول
المنافسة ويمثل شكلاً إضافياً للحماية.
3 ـ القيود غير الجمركية: التي لا تزال تشكل العقبة الرئيسية
أمام تفعيل منطقة التجارة العربية بعدم إزالة كافة القيود الإدارية أو النقدية
أو الكمية أمام حرية انتقال السلع. ويتطلب التغلب على هذه القيود مزيداً
من الشفافية والإلتزام وتعاوناً
مخلصاً من قبل مختلف الأطراف ذات العلاقة لإزالة مثل هذه القيود. وهناك مجموعة
من القيود الفنية واشتراطاتها وهي مجموعة القيود الناتجة عن التشدد في تطبيق
المواصفات والمقاييس المحلية على السلع المستوردة وتعقيد الحصول على شهادات
الكشف والمطابقة. والواقع أن مثل هذه القيود قد انتشر العمل بها في مختلف
دول العالم وليس الدول العربية وحدها. وقد نص البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة
الحرّة العربية الكبرى على لزوم تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية على السلع المستوردة
من الدول الأعضاء وذلك فيما يتعلق بالمواصفات والمقاييس الأمر الذي ينسجم
مع الاتفاقات الدولية.
قبل دراسة
وتحليل التجارة البينية العربية لا بد من ملاحظة حقيقتين اثنتين: أولهما
أن جميع الأقطار العربية قد تبنت سياسة تطوير بدائل المستوردات واتخذت مجموعة
من السياسات والإجراءات الحمائية تعزيزاً لتطوير هذه الصناعات، وثانيهما
أن جزءاً هاماً من إنتاج هذه الصناعات بل ومن الإنتاج الوطني موجه بالأساس
لتأمين احتياجات السوق الوطنية على حساب التصدير وعليه فقد كان ذلك أحد أسباب
انخفاض نسب المبادلات السلعية البينية إلى إجمالي التجارة الخارجية العربية.
هذا إذا ما استثنينا مادة النفط. التي تتمتع بظروف مختلفة عن بقية الصادرات
العربية. والجدول التالي يبين حركة التجارة البينية العربية.
|
البيان |
القيمة مليار (دولار) |
معدل النمو السنوي % |
||||||||
|
|
1996 |
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
1996 |
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
|
التجارة العربية
البينية |
27.1 |
28.5 |
26.8 |
27.7 |
33.5 |
12.0 |
5.0 |
-5.7 |
3.2 |
20.9 |
|
الصادرات العربية
البينية |
14.7 |
15.7 |
13.9 |
14.1 |
17.9 |
12.4 |
6.7 |
-11.7 |
1.6 |
27.5 |
|
الواردات العربية
البينية |
12.4 |
12.8 |
13.0 |
13.6 |
15.6 |
12.6 |
2.9 |
1.5 |
4.9 |
14.6 |
حيث يلاحظ
التذبذب في معدّل نمو التجارة العربية البينية للفترة أعلاه 1996 ـ 2000
إذا انخفض بمقدار 1.4 مليار دولار بين عامي 1996 و1997 ثم تنخفض بنسبة 5.7%
بين 1997 و 1998 ثم تعود فترتفع بـ 3.2% عام 1999 وبنسبة 20.9% بين عامي
1999 و 2000حسب التقديرات الأولية. وذات الظاهرة تنطبق أيضاً على كل من الصادرات
والواردات العربية البينية. لقد ارتفعت قيمة الصادرات البينية بين عامي 1996
و 1997 بمليار دولار فقط وبنسبة 6.7% ثم انخفضت بين عامي 1997 و 1998 بـ
1.8 مليار دولار وبنسبة 11.7%. وفي عام 1999 ازدادت الصادرات فقط بـ 200
مليون دولار عن عام 1998 وبنسبة 1.6%. أما تقديرات عام 2000 فتشير إلى زيادة
مقدرة بـ 27%. أما الواردات البينية فقد ارتفعت في عام 1997 فقط بـ 400 مليون
دولار عن عام 1996 وبنسبة 2.9% ثم ازدات بـ 200 مليون دولار في عام 1998
بالنسبة لعام 1997 وبنسبة 1.5%، ثم نمت بنسبة 4.9% عام 1999 وبـ 14.6% عام
2000 كنسبة مقدره. وهكذا نلاحظ أولاً ضآلة قيمة التجارة العربية البينية
صادرات ومستوردات، ويمثل تجاوز قيمة الصادرات العربية الإجمالية بنسبة 43.1
لعام الألفين، لقيمة الصادرات البينية والبالغة 27% لذات العام انعكاسا لارتفاع
وزن الصادرات النفطية في إجمالي الصادرات العربية وارتفاع أسعارها في عام
الألفين.
وتمثل قيم
كل من الصادرات والواردات البينية
العربية نسباً منخفضة من إجمالي الصادرات العربية حيث تتراوح بالنسبة للصادرات
بين 9.9% عام 1998 و7.3% عام 2000 وهي في اتجاه هبوط تدريجي بعد عام 1998،
وبالنسبة للواردات فهي بين 8.6% عام 1998 و10.2% عام الألفين وتتذبذب بين
عام وآخر حول نسبة 9% كما هو مبيّن في الجدول التالي:
مساهمة التجارة
البينية في التجارة العربية الإجمالية بالنسبة المئوية
|
|
1996 |
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
|
نسبة الصادرات
البينية إلى الصادرات العربية الإجمالية |
8.3 |
8.8 |
9.9 |
8.3 |
7.3 |
|
نسبة الواردات
البينية إلى الواردات الإجمالية العربية |
9.0 |
9.1 |
8.6 |
9.4 |
10.2 |
المصدر: التقرير الاقتصادي
العربي للعام 2000
ويلاحظ هنا
تدني التجارة البينية إلى إجمالي التجارة العربية بحيث تقل عن 10% من إجمالي
التجارة العربية مع ملاحظة ميل نسبة الصادرات البينية للانخفاض بعد عام 1998
مقابل ميل الواردات البينية للارتفاع بعد عام 1998 أيضاً بصورة طفيفة.
وتنخفض قيمة
الصادرات السلعية العربية بصورة ملحوظة إذا ما أخرجنا منها قيمة الصادرات
النفطية، وهذا يدل دلالة واضحة على انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في البلدان
العربية واستخدام الجزء الأهم من الإنتاج لأغراض الإستهلاك المحلي وليس لأغراض
التصدير. وعليه فإن آفاق تطوير التجارة الخارجية العربية بما فيها التجارة
العربية البينية مرتبطة إلى حد بعيد بزيادة حجم الإنتاج الوطني ورفع معدلات
نموه، ذلك أن ضآلة الإنتاج تفرض بالضرورة ضالة في التبادل التجاري على الصعيد
العربي والدولي والعكس صحيح أيضاً.
من ناحية أخرى
فإن الأرقام والبيانات الإحصائية لا تشير إلى حدوث تحسن واضح وملحوظ في حجم
التجارة البينية العربية بعد إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى،
أو بعد إقامة مناطق التجارة الحرة الثنائية أو الإقليمية عدا عام الألفين.
والواقع أن هذه المناطق الحرة لا زالت حديثة للغاية ومن المبكر إعطاء تقييم
موضوعي لأدائها في ضوء محدودية وقصر الفترة. وتبقى التجارة العربية بمجملها تشكل نسبة ضئيلة من التجارة العالمية حيث تبلغ
الصادرات العربية إلى الصادرات الإجمالية حوالي 3% مع ملاحظة ميل تدريجي
لإنخفاض هذه النسبة من 3.2% عام 1996 إلى 2.9% عام الألفين، وبالنسبة للواردات
فهي أقل من 3% من الواردات العالمية وتشكل وسطياً حوالي 2.6% للفترة 1996
ـ 2000 ولو درسنا هيكل التجارة البينية العربية فنرى بالنسبة لعام 1998 أن
قيمة الصادرات تبلغ حوالي 14 مليار دولار وقيمة المستوردات اقل من ذلك بحدود
1.2 مليار دولار بمعنى أن الميزان التجاري البيني العربي يتمتع بفائض يبلغ
حوالي 10% من قيمة الصادرات. ويتصف هيكل هذه التجارة بأن حصة المواد الخام
والوقود المعدني تتجاوز نصف قيمة كل من الصادرات والمستوردات البينية، مقابل
أن نسبة الآلات ومعدات النقل متدنية للغاية وتشكل فقط حوالي 5% للصادرات
البينية و 4% بالنسبة للمستوردات البينية. أما باقي التجارة البينية فتتكون
من منتجات الصناعة الخفيفة والمنتجات الزراعية التي تشكل حوالي 13 ـ 14%،
ومن المواد الكيماوية 16%. إن هذه الصورة لهيكل التجارة البينية العربية
بل والتجارة الخارجية العربية تعكس عملياً حال هيكل الإنتاج العربي الذي
يشير إلى انخفاض واضح للصناعة التحويلية في إجمالي الناتج المحلي العربي
بحيث لا تتجاوز الـ 1.3% من هذا الناتج يقابلها انخفاض حصة الزراعة أيضاً
في الناتج إلى ما بين 12.3% و 12.7% خلال الفترة 1990 ـ 1999.
خلاصة هذا
الكلام أن الجهود الإنمائية العربية القطرية منها أو القومية كانت ولا زالت
قاصرة إلى حد بعيد ولم تستطع إحداث تطوير واضح في الهيكل الإنتاجي العربي.
بمعنى أن جهود العمل الاقتصادي العربي المشترك بكل مظاهره ومحاولاته ومداخله
لم تتمكن من إحداث تطوير عميق في البنية الإنتاجية العربية، وبقيت هذه الاقتصادات
أكثر اعتماداً على الصناعات الخفيفة والصناعات الإستخراجية بالدرجة الأولى،
وعليه فإن متطلبات التطوير والتحديث تستوجب القيام بجهود إضافية مكثفة على
المستويين القطري والعربي لرفع دور الصناعة التحويلية إلى الناتج الإجمالي.
إن هذا يعني
أيضاً أن مدخل الاعتماد على تلقائية إنسياب السلع والمنتجات في إطار منطقة
أو مناطق التجارة الحرة لا يلبي احتياجات التطوير والتحديث، ولا بد لذلك
من جهود تدخلية لتعبئة عناصر الإنتاج وتوجيهها وفق أولويات تحقق المصلحة
العربية والقطرية في آن واحد. أي أن المطلوب عملياً هو أن يجري تطوير الجهد
الإنمائي للأقطار العربية على مستويين إثنين في آن واحد: الأول يتمثل بزيادة
الإهتمام بتحسين الواقع الاقتصادي القطري ووضع البرامج لتحقيق التعبئة الأفضل
للموارد الوطنية المادية والمالية والبشرية وتطوير القاعدة الإنتاجية للبلاد
وتنويعها وتحديد هدف أو مجموعة أهداف استراتيجية تعمل الدولة والمجتمع على
تحقيقها، أي ضرورة رسم مسارات للتنمية واضحة المعالم تتحدد الأولويات بناء
عليه. ونرى أن هذه التوجيه يتطلب دوراً هاماً للسياسات التدخلية للدولة،
إلى جانب محافظة الدولة على دورها الاجتماعي خلافاً لتوجيهات صندوق النقد
الدولي والبنك الدولي. أما خلاف ذلك فالنتيجة هي مزيد من البطالة والتهميش
والفقر. إن إدخال منجزات العلم والتكنولوجيا أمر هام للغاية إلا أن هذا يجب
ألا يسمح له بضرب مصالح فئات واسعة من أصحاب الدخل المحدود.
ثانياً: المطلوب
أن تقيم البلدان العربية وحتى النامية مشاريع التكامل الاقتصادي فيما بينها
واعتماد مجموعة من السياسات التي تتضمن نجاح مشروع التكامل.
لقد بينت التجربة
أن العديد من مشاريع التكامل بين الأقطار العربية وبين الدول النامية كان
مصيرها الفشل وعدم النجاح بسبب الاعتماد على عمل آلية السوق وتوقع تدفق السلع
بين الدول بصورة تلقائية بمجرد إزالة العوائق الجمركية ولأن مشاريع إقامة
المناطق الحرة لم تترافق بسياسات وإجراءات واستراتيجيات تدخلية تدعم النشاط
التكاملي وتساعد على تعبئة الموارد وإعادة هيكلة الاقتصاد العربي بصورة موضوعية.
إن المطلوب
من الأقطار العربية العمل على الإستفادة من التجارب السلبية والتجارب الإيجابية
للدول النامية والمتقدمة على السواء.إن الإطلاع مثلاً على تجربة التكامل
الإنمائي لمجموعة دول الأندين بين بوليفيا ـ البيرو ـ تشيلي ـ الأكوادور
ـ كولومبيا في عام 1969 تمثل تجربة ناجحة بل وتعد مثلاً في استخدام التكامل
وسيلة فاعلة لتحقيق التنمية.
لقد قدّمت
هذه التجربة نموذجاً حقاً للدول النامية مبنياً على الوعي أن التكامل هو
وسيلة للتنمية وأن التنمية ليست تبادلاً تجارياً فحسب، بل إنه لا يوجد خير
كثير يرجى من النشاط التجاري ومن خفض الضرائب إذا لم يكن هناك بناء مشاريع
صناعية وزراعية ومشاريع بنى أساسية تعمل معاً على إقامة قاعدة إنتاجية صلبة.
والواقع أنه ـ انطلاقاً من هذا المبدأ فقد اتخذت المجموعة مدخل المشروعات
المشتركة وتبني برامج للتنمية الصناعية والزراعية منهجاً معتمداً لوضع استراتيجية
التنمية، لقد قدمت هذه التجربة نمطاً جديداً في التكامل الاقتصادي، وتم وضع
وتحديد إيديولوجية جديدة تهدف إلى إقامة تنمية مترابطة على نطاق واسع وألا
تترك عملية التنمية قاصرة على الجهود الإنمائية المنفردة أو لمبادرات القطاع
الخاص بمفرده.
لقد جرى وضع
نظام قانوني يتضمن صيغاً جديدة تتلاءم مع الظروف الاقتصادية والسياسية للمنطقة
مع إعطاء أهمية خاصة للتنمية العادلة والمتوازنة بين الدول الأعضاء، بمعنى
أنها راعت توازن المصالح الوطنية والقطرية والمصالح الجماعية في آن واحد.
ومن أهم أهداف اتفاقية الأندين:
ـ وضع وتنفيذ خطة تنمية مشتركة للمجموعة على أن تتوافق مع خطط
التنمية الوطنية.
ـ العمل على إنشاء مشروعات كبيرة واستراتيجية للسوق الموسعة
بغية التخلص من التبعية الأجنبية.
ـ تقديم المعونة الفنية وبالأخص للدول الأعضاء الأقل نمواً من
خلال هيئة الأندين للتنمية.
ـ الإعتراف بالدور الإيجابي للاستثمارات الأجنبية وفق نظام خاص
للاستثمارات بحيث تحدد قطاعات معينة يستبعد فيها الاستثمار الأجنبي إلا إذا
حصل المستثمر الأجنبي على الترخيص إذا كان تدخله يؤدي إلى خلق مشروعات جديدة
في القطاعات التي تعدّ ذات أولوية للدول الأعضاء على أن تتنازل هذه الشركات
عن هذه المشاريع بعد مدة 15 ـ 20 عاماً، وغير ذلك من النواظم والاشتراطات
التي تقبلها المستثمرون الأجانب.
وقد استطاعت
دول الأندين أن تكون لها خاصيّة تقوم على الاستقلالية والكفاءة، واستطاعت
أن تأخذ قرارات وإجراءات هامة في إنجاز المشروعات المشتركة والبرمجة القطاعية
وترشيد وتطوير الزراعة والصناعة والتحكم برؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.
ويمكن للأقطار
العربية في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أن تستفيد أيضاً حتى من تجارب
التكامل الاقتصادي بين الدول الصناعية المتقدمة كتجربة الاتحاد الأوروبي،
بعد الأخذ بالاعتبار الخصوصيات الإقليمية والمحلية. ومن أهم الجوانب التي
يمكن الاستفادة بها من تجربة الاتحاد الأوروبي هو استقلالية عملية إدارة
شؤون الاتحاد الأوروبي الاقتصادية وفصلها عن إدارة الشؤون الداخلية لأي من
دول الاتحاد. وقد تطلب ذلك إحداث مجموعة متكاملة من الأجهزة والإدارات المسؤولة
عن إدارة شؤون الاتحاد بصورة مستقلة، دون أن تخضع لتأثيرات أي من الدول العضوة.
ومن هذه الأجهزة والإدارات البرلمان الأوروبي، ومجلس وزراء الاتحاد ومصرف
التنمية الاتحادي والمفوضية الأوروبية التي ترعى شؤون الاتحاد في الخارج.
وأعتقد أن هذا هو ما تحتاجه جهود التكامل الاقتصادي العربي: إدارات وأجهزة
مستقلة ترعى المصلحة العربية، وأن تكون القرارات والسياسات ترعى المصلحة
العربية الكلية ومستقلة عن نفوذ أي قطر من الأقطار العربية، وأن تكون القرارات
والسياسات المنبثقة عن هذه الأجهزة ملزمة لكافة الدول العضوة. صحيح أن البرنامج
التنفيذي لإتفاقية المنطقة الحرة العربية الكبرى قد أوجد آلية معينة للمتابعة
والتنفيذ وفض المنازعات واعتبر أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو جهة الإشراف
على تطبيق البرنامج يساعده عدد من اللجان وهي لجنة التنفيذ والمتابعة، ولجنة
المفاوضات التجارية، ولجنة قواعد المنشأ العربية.. وكذلك الأمانة الفنية
التي لها حق الاستعانة بالمنظمات العربية المتخصصة، فإننا نعتقد أن مثل هذه
الآلية لا تعوّض عن ضرورة وأهمية تكوين مجموعة من الأجهزة القومية المتكاملة
التي يجب أن تكون لها الإستقلالية وسلطة اتخاذ القرارات التنموية وأن تكون
هذه القرارات ملزمة وتتقدم على الأنظمة القطرية. وأن من أهم المهام التي
يجب أن تتصدى لها هذه الأجهزة هو:
1 ـ وضع برنامج أو ما يمثل خطة قومية للتنمية العربية يستند
إلى الأولويات الاقتصادية والإنمائية العربية التي يتوجب تحديدها والعمل
على تحقيقها.
2 ـ الاهتمام بتحقيق التنمية العادلة بمعنى إعطاء اهتمام خاص
بتسريع معدلات نمو الدول العربية الأقل نمواً، والتشجيع على توجيه كتلة استثمارات
ملائمة إلى هذه الدول. ومن أجل كل ذلك ضرورة وضع السياسات المحفزة على استثمار
الأموال العربية داخل الوطن العربي.
3 ـ قيادة عملية التفاوض مع التكتلات الاقتصادية الأوروبية كالاتحاد
الأوروبي، بما يؤدي إلى جذب الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة العربية وبخاصة
الاستثمارات ذات التقنيات المتقدمة ويحقق المصلحة المشتركة للطرفين.
4 ـ العمل على تحقيق الأمن القومي العربي ومنه الأمن الغذائي
العربي، والأمن الاقتصادي العربي وغير ذلك.
إن مثل هذه
المهام تتجاوز مهام إزالة الحواجز الجمركية لتشمل مقومات عملية التنمية العربية
بصورة تستطيع تحييد الآثار السلبية الناتجة عن الخلافات السياسية العربية،
وتتطلب بالضرورة تطوير صيغة مشروع منظمة التجارة الحرة العربية الكبرى إلى
مستوى الاتحاد الجمركي والسوق العربية المشتركة التي تتيح حرية انتقال عوامل
الإنتاج من ورأسمال وغير ذلك من عناصر الإنتاج.
بهذه الصورة
نعتقد أن التعاون الإقتصادي العربي يأخذ كامل أبعاده الإنمائية وتصبّ نتائجه
مباشرة في تحقيق الإصلاح والتطوير والتحديث لكل من الأقطار العربية منفردة
أو مجتمعة وتتفق تماماً مع جهود التنمية القطرية.
من ناحية أخرى
فإن الاتفاقيات الثنائية لإحداث مناطق للتجارة الحرة بين بعض البلدان العربية
المتجاورة تشكل عاملاً مساعداً لإنجاح منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
برغم بعض منعكساتها السلبية، وقد يجدها البعض الصيغة الأكثر قبولاً من قبل
بعض الأقطار العربية الأمر الذي يستدعي معالجة هذا الجانب وبيان أهميته.
يمكن القول
أن إحدى سمات التجارة العربية البيئية أنها تتميز بظاهرة التركيز الجغرافي
على شريك أو شريكين وذلك بالنسبة لكل من الصادرات والواردات. يشير اتجاه
الصادرات البيئية لضمان أنها تتركز مثلاً في دولة واحدة هي الإمارات العربية
المتحدة بنسبة 64% كما تتركز الصادرات البيئية لكل من البحرين وقطر في دولتين
هما السعودية والإمارات بنسبة 53% و49% على التوالي، وتتركز الصادرات البيئية
للسعودية في دولتين هما الإمارات والبحرين بنسبة 27% و24% على التوالي، وللأردن
في اتجاه السعودية والعراق بنسبة 22% لكل منهما، كما تتركز الصادرات البيئية
لسورية باتجاه لبنان والسعودية بنسبة 30% لكل منهما، والسودان في اتجاه السعودية
بنسبة 59% وتونس باتجاه ليبيا بنسبة 57%. وبخصوص الواردات البيئية لعام 1998
تبلغ نسبة تركيز واردات عمان في الإمارات بحولي 84%، كما يأتي قرابة نصف
الواردات البيئية بالنسبة للإمارات العربية من دولة واحدة هي السعودية، والبحرين
من السعودية، وتونس من ليبيا، والسودان من السعودية، ومصر من السعودية ومورتيانيا
من السعودية أيضاً(
[4]
).
ومن هنا نلاحظ
أن السوق السعودية أهم سوق تصدير للدول العربية حيث شكل ما يزيد عن نصف الصادرات
البيئية لكل من البحرين والسودان والصومال وحوالي ربع الصادرات البيئية لكل
من سورية والأردن ولبنان وقطر واليمن، وذات الوضع بالنسبة للواردات حيث تعتبر
السعودية أهم مصادر للواردات البيئية، وتأتي نصف الواردات البيئية لكل من
مصر والمغرب والكويت والسودان والصومال والإمارات والبحرين من السعودية بالنسبة
للعام 2000.
ونخلص من معرفة
اتجاهات التجارة العربية البيئية، إلى تبيان الدور الهام الذي يمكن أن تلبيه
الاتفاقيات التجارية الثنائية بين البلدان العربية إلى جانب مشاريع التكامل
الشاملة. واستناداً لذلك وبالإضافة لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
فقد عقدت سورية العديد من الاتفاقيات الثنائية لإقامة مناطق تجارة حرة مع
العديد من الدول العربية كلبنان والعراق والأردن والسعودية، بأمل أن يساهم
ذلك في تسهيل تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى وتعظيم حجم المبادلات
التجارية وتطوير وأساليب التعاون الاقتصادي بين سورية والبلدان العربية وبما
يفيد كافة الأطراف.
وقد عقدت هذه
الاتفاقيات بالانسجام مع أحكام ومبادئ البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى المقر بتاريخ 19/2/1997 من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي
العربي، وتطويراً لإتفاقيات تجارية سبق أن عقدتها سورية مع البلدان العربية.
تتفق بنود هذه الاتفاقيات الثنائية لإقامة مناطق التجارة الحرة مع الإعفاءات
وشروطها المشملة في منطقة التجارة الحرة الكبرى، وذلك بالنسبة للسلع والمنتجات
ذات المنشأ الوطني المتبادلة بين سورية والدولة العربية ذات العلاقة مع استثناء
سلع المناطق الحرّة.
والنقطة الهامة
الأخرى هو إهتمام هذه الاتفاقيات الثنائية بتقليص فترة وزمن التخفيض الجمركي
والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل إلى ثلاث أو أربع سنوات بدلاً
من عشر سنوات كما هو حال البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة العربية الحرة
الكبرى، بحيث تصل نسبة التخفيض الأولى إلى 50% من الرسوم الجمركية فما فوق
ثم نسبة بين 15 ـ 30% لكل من السنتين التاليتين. وفي تنفيذ تلك النسب المشار
إليها في مدة ثلاث أو أربع سنوات تكون مناطق التجارة الحرة هذه قد عجلت عملية
إلغاء كامل الرسوم والضرائب على السلع المتبادلة ذات المنشأ العربي ومهدت
بذات الوقت لاعتبار الإلغاء الضريبي والجمركي في منطقة التجارة الحرة العربية
قد تحقق، أو أن بعضه قد تحقق قبل أوانه بعدة سنوات. وهذا بالضبط ما يشجع
على تقليل المدة المحددة لإلغاء الضرائب والرسوم وما شابهها في البرنامج
التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية إلى سبع سنوات بدلاً من عشر سنوات.
كما اهتمت
اتفاقيات المناطق التجارية الحرة الثنائية بتشجيع المؤسسات والشركات للقطاعين
الخاص والعام في البلدين المتعاقدين على المشاركة في المعارض والأسواق الدولية
التي تقام في الدولة الأخرى كما تسمح كل منهما للأخرى، بإقامة المعارض المؤقتة
أو المتخصصة على أراضيها.
إن إقامة مناطق
التجارة الحرة الثنائية تساعد بصورة كبيرة التبادل التجاري بين البلدين المتعاقدين
خاصة وأنهما متجاورين في أغلب الأحيان ويعرفان طبيعة أسواق بعضهما البعض
واحتياجات هذه الأسواق واتجاهات تطورها المستقبلي، وبالتالي فإن إقامة مثل
هذه المناطق التجارية الحرة الثنائية يمكن أن يدفع إلى زيادة حجم التبادل
التجاري بين البلدين بصورة ملحوظة.
وفي حال الإنتقال
إلى مستوى الاتحاد الجمركي أو السوق المشتركة والسماح بانتقال جميع عوامل
الإنتاج، يصبح من السهل والمفيد جداً التعاون في إقامة المشاريع المشتركة
وبناء المشاريع الاستراتيجية التي يتشارك فيها أكثر من بلد عربي.
وهذا ما يمكن
أن نسميه بالتكامل الإنتاجي العربي الذي يجعل الاقتصادات العربية تسند بعضها
البعض في إطارٍ من زيادة التشابكات القطاعية للصناعات العربية.
وقد أولت اتفاقيات
إقامة مناطق التجارة الحرة العربية مهمة متابعة التنفيذ إلى لجنة تشكل من
قبل الوزيرين المختصين ويناط بهما مهمة متابعة تنفيذ إلتزامات الطرفين المتعاقدين
ودراسة الإجراءات التي تتخذها إحدى الدولتين المتعاقدتين لتطبيق مبدأ معاملة
السلع المتبادلة معاملة السلع الوطنية في الدولة المستوردة، وذلك فيما يتعلق
بقواعد المنشأ والمواصفات والمقاييس والاشتراطات الوقائية الصحية والأمنية
والرسوم والضرائب المحلية. هذا إلى جانب دراسة الخلافات الناشئة واقتراح
آلية تسويتها.
انفردت اتفاقية
التعاون والتنسيق الإقتصادي والاجتماعي بين لبنان وسورية لعام 1993 بعدد
من الإضافات النوعية على اتفاقيات إقامة مناطق التجارة الحرة الثنائية التي
بين سورية وبعض البلدان العربية الأخرى حيث تضمنت المادة الأولى من هذه الاتفاقية
بالإضافة إلى حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية حرية انتقال الأفراد
وحرية الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي وحرية انتقال الرساميل بين
البلدين وحرية النقل والترانزيت وحرية التملك والإرث والإيصاء في إطار القوانين
والأنظمة في كل من البلدين. كما تضمنت الاتفاقية ضرورة تنسيق السياسات الزراعية
والتنسيق والتعاون في المجالات التقنية وفي البحوث العلمية التطبيقية، والتنسيق
أيضاً في السياسات المشجعة للنشاط الصناعي وإقامة المشاريع الصناعية المشتركة
ذات الفائدة الحيوية للبلدين، وكذلك التعاون والتنسيق في مجالات الطاقة الكهربائية
والمائية والنفطية وإقامة المشاريع المشتركة في هذا المجال، كما تضمنت هذه
الاتفاقية تشكيل لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ويؤازرها عدد من اللجان
الفرعية الزراعية والصناعية والسياحية والنقل والمواصلات، ولجنة النقل والمواصلات
ولجنة الطاقة ولجنة الصحة والشؤون الإجتماعية والعمل واختصاصات عمل كل من
هذه اللجان، كما أعفت الاتفاقية إجازات الاستيراد للمنتجات المتبادلة ذات
المنشأ الوطني والاستعاضة عنها باستثمارات إحصائية واعتماد شهادة المنشأ
العربية المعدّة وفق اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين البلدان العربية.
لقد كان هذا
الاتفاق الذي تبنى مبدأ تحرير التبادل التجاري تدريجياً مبنياً على معاهدة
الأخوة والتعاون والتنسيق لعام 1991.
كما نص الاتفاق
حول إنشاء منطقة التبادل الحر للسلع الصناعية عل خفض تدريجي للرسوم الجمركية
بنسبة 25% كل عام ابتداء من عام 1999.
ومنذ بداية
عملية تنفيذ اتفاقية التبادل الحر للسلع الصناعية لاحظ المعنيون عدداً من
العوائق التي تتطلب الحل مثل:
أولاً: الاختلاف بين البلدين في تصنيف السلع حيث كانت
الجمارك اللبنانية قد بدأت منذ عام 1996 بتطبيق اتفاقية النظام المنسق المعتمدة
وفي دول العالم منذ عام 1985، في حين أن الجمارك السورية كانت ما تزال تعتمد
اتفاقية بروكسل لعام 1950.
ثانياً: وجود بعض المواد المستثناة من التخفيض الجمركي
وبالتالي مستثناة حكماً من تطبيق أحكام الاتفاقية مثل التبغ ومشتقاته والمشروبات
الروحية، والألبسة المستعملة والبورسلان والرخام، والسيراميك والمكثفات والمشروبات
الغازية.
ثالثاً: ضرورة الاتفاق على كيفية العمل بشهادات المنشأ
والتي لم يجر الاتفاق حول مكوناتها بصورة نهائية.
وبعد مرور
أكثر من عام على الشروع بتنفيذ الاتفاقية وتخفيض الرسوم بحوالي 50% وجد أن
حركة التجارة المتبادلة كانت لا زالت متواضعة جداً بمعنى أن الاتفاق لم يؤد
إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، ويرى المصدرون اللبنانيون أن من
أهم الأمور المعيقة:
1 ـ حصر الجانب السوري استيراد العديد من السلع بمؤسسات القطاع
العام ومنع استيراد بعض المواد الغذائية، وتأخير إدخال مصنوعات غذائية لإتمام
المعاملات المتعلقة بها واعتماد الادارات السورية نظماً مالية معيقة، وإجراءات
إدارية متعددة تؤخر إتمام الصفقات، وكذلك منع سورية استيراد بعض السلع من
لبنان مع السماح باستيرادها من دول أخرى.
فالجانب السوري
قد حصر استيراد حوالي 35 مادة بالقطاع العام وهما تشكل جزءاً لا يستهان به
من المنتجات اللبنانية مثل الإسمنت والزيوت والمنظفات الكيميائية. والصوف
الموكيت والسجاد الآلي وغيرها وغالبيتها ينتجها القطاع العام السوري، إضافة
إلى أن القوانين السورية والقيود الإدارية وشروط التعاقد مع القطاع العام
تعيق دخول المنتجات اللبنانية إلى السوق السورية هذا إلى جانب بطء المعاملات
المالية مصل إضطرار للقطر.
المستورد السوري
فتح اعتماد بقيمة الصفقة بالعملة الصعبة وإخضاع السلع المستوردة للقطر لتحاليل
مطولة وإلزام المصدرين إبراز شهادات متعددة.
وتشكل قضية
المواصفات والمقاييس للسلع المتبادلة مشكلة أخرى حيث يلعب الاختلاف بين البلدين
في المواصفات والمقاييس لبعض هذه السلع، وعدم وجود مواصفات للبعض الآخر منها
دوراً معيقاً للتبادل، هذا إلى جانب شهادة المطابقة التي يجب أن ترفق بالسلع
المصدرة إلى سورية وهي وثيقة يحصل عليها المصدرون من المؤسسات ذات العلاقة
تؤكد مطابقة المنتجات المعدّة للتصدير للمواصفات المعتمدة في البلد الآخر
ويشكو المصدرون اللبنانيون أيضاً من الإبقاء على الرسوم ذات الأثر المماثل
للرسوم الجمركية مثل الرسم الموحّد على إجازات الاستيراد الذي يستوفيه الجانب
السوري أو رسم الترخيص بالاستيراد أحد هذه الرسوم وتبلغ قيمته 2% من قيمة
البضائع المصدرة، وهناك رسم الطابع، ورسوم مقطوعة تستوفي على بعض السلع مثل
الرسم الذي كان يستوفي على الواردات من الزيوت النباتية.
أما رجال الأعمال
السوريون فقد أشاروا إلى صعوبة تخليص البضائع السورية المصدرة إلى لبنان،
وإخضاعها للعديد من الإجراءات وعدم إعطائها الأفضلية، عدا نسبة التخفيض الجمركي
عليها، وطالبوا بتبسيط شروط الاستيراد في لبنان وحصر الشهادات المطلوبة على
هذا الصعيد.
ومن أجل معالجة
هذه المقومات، فقد تم تقليص عدد السلع الـ 35 المحصور استيرادها بالقطاع
العام بإعطاء القطاع الخاص السوري حق استيراد 17 مادة منها وإبقاء 18 مادة
غير مشمولة بهذا الإجراء.
وفيما يتعلق
بالمعاملات المالية جرى اعتماد إجراءات جديدة في مجال التسهيلات الائتمانية
شملت فتح خطوط تسليف مباشرة بين المصرف التجاري السوري وعدد من المصارف اللبنانية
والسماح للمستورد السوري باعتماد بوالص شحن برسم التحصيل كوسيلة تسديد للمدفوعات.
وبالنسبة لموضوع
المواصفات والمقاييس فقد شهد عام الألفين توقيع الاتفاق التنفيذي الخاص بتبادل
الإعتراف بشهادات المطابقة بين وزارتي الصناعة في البلدين ـ وكان اتفاق عام
1994، قد نصَّ على اعتماد المواصفة السورية للسلع المتبادلة حيث لا يوجد
مواصفة لبنانية والمواصفة اللبنانية عندما لا يوجد مواصفة سورية(
[5]
).
قدرت قيمة
ما استورده لبنان من سورية في عام 1996، 308 مليون دولار، مثّلت المنتجات
الصناعية 17% منها، وقد مثل هذا المبلغ 4.1% من قيمة الواردات اللبنانية
و6.9% من مجموع الصادرات السورية لذات العام.
لو أخذنا كامل
فترة 1994 ـ 1996 فقد قدرت حصة لبنان من إجمالي التجارة الخارجية السورية
بحوالي 5% فقط، وحصة سورية من إجمالي التجارة الخارجية اللبنانية حوالي 6.8%
خلال ذات المدة مع ملاحظة تواضع حصة السلع المصنعة من إجمالي قيمة السلع
المتبادلة بين البلدين.
ولابد من التنويه
هنا أن الحجم الفعلي للتبادل يتجاوز الأرقام المذكورة بسبب من الانتقال غير
النظامي للمنتجات بين لبنان وسورية إضافة إلى السلع والمشتريات الخاصة التي
لا تخضع للتصريح الجمركي.
أما في الفترة
التي تلت تنفيذ إتفاقية التبادل الصناعي فقد بلغت حصة سورية من المستوردات
اللبنانية 4.4% فقط وفقاً لإحصاءات عام الألفين، و4.07% من الصادرات اللبنانية،
وهذه النسب هي أقل من الفترة التي سبقتها، وهذا ما يشير إلى معوقات هيكلية
إلى جانب المعوقات والقيود التي سبق الإشارة إليها.
فالإنتاج في
البلدين موجه بالأساس لتلبية الطلب الداخلي وليس معداً للتصدير، وكان هذا
من نتيجة اعتماد وتطبيق سياسة تصنيع بدائل المستوردات مع الأخذ بالاعتبار
الطلب الداخلي، أي حجم السوق الوطنية بالدرجة الأولى، وليس الاحتمالات المستقبلية
للتصدير، وعليه فإن الرد الملائم على تلك السياسة وما تبعها من منعكسات غير
إيجابية على التبادل السلعي بين البلدين أو حتى على واقع التجارة البينية
العربية، هو باعتماد سياسات وتصنيفيّة إنتاجية تأخذ بالإعتبار البعد العربي،
السوق العربية، بمعنى ضرورة الإنتاج لأغراض التصدير مع كل ما يتطلبه ذلك
من اهتمام بخفض تكاليف الإنتاج وتطوير نوعية ومواصفات المنتج وبالتالي زيادة
القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية الصناعية منها وغير الصناعية في الأسواق
الوطنية والأجنبية على السواء.
لقد استوجب
اعتماد سياسات بدائل المستوردات تبنّي مجموعة من السياسات الجماعية للمنتج
الوطني مما جعل الإنتاج حاهزاً فقط لتلبية المستهلك المحلي أولاً وغير جاهز
للتصدير، أي الخروج خارج النطاق المحلي مما كان عاملاً هاماً في تحديد حجم
الإنتاج الجاهز للعبور، أي للتصدير، ومثل هذه السياسة يجب أن تخضع للتطوير،
وأن يجري تعديلها باتجاه تلبية الطلب الخارجي وفقاً لخصوصيات ذلك الطلب من
حيث التوعية والمواصفات والسعر والأذواق.
إن اعتماد
مثل هذه السياسة تمثل برأينا جهداً مناسباً لتطوير عملية التحديث والتطوير
التي يصر عليها النهج الإقتصادي والتنموي للقطر العربي السوري في الوقت الحاضر،
وهو يعني في مضمونه تعديلاً للهيكلية الإقتصادية والإنتاجية للبلاد.
وتتقدّم عملية
الإصلاح والتحديث بالتأكيد على إقامة المشاريع الإنتاجية المشتركة والتي
يساهم فيها كل من الطرفين لبنان وسورية، أي أن يساهم كل منهما ببعض مراحل
الإنتاج وفقاً للميزة النوعية لكل منهما وبما يؤدي إلى تكامل العمليات الإنتاجية
بين البلدين الشقيقين، ويزيد من التشابك القطاعي.
وتأخذ العملية
كامل أبعادها فيما إذا ما طبق هذا المبدأ على المستوى العربي وليس على مستوى
التكامل الثنائي فحسب.
لقد أكدت الزيارة
التي قام بها السيد رئيس الجمهورية إلى القطر اللبناني منذ الوقت القريب
على الأهمية البالغة لتعميق أواصر التعاون والتنسيق بين القطرين وعلى ضرورة
إزالة كل المعوقات والقيود بما يدعم الجهد الإنمائي المشترك للمصلحة القطرية
والقومية على السواء. كما أن مبادرات السيد الرئيس لتطوير العمل الاقتصادي
العربي تمثل جهوداً حقيقية لتعميق التعاون والتكامل الإقتصادي العربي.
تحكم العلاقات
الإقتصادية والمبادلات السلعية بين سورية والبلاد العربية مجموعة من الاتفاقيات
التجارية الثنائية ويجري دائماً العمل على إحداث تطوير في هذه الإتفاقيات
التي توّجب في السنوات الأخيرة بإقامة عدد من مناطق التجارة الحرة، كما أشرنا
سابقاً، وهناك عدد آخر من مشاريع الإتفاقيات الثنائية التي تجري دراستها
مع عدد من البلدان العربية الأخرى لإقامة مناطق للتجارة الحرة مع الكويت
والسودان، وتونس وجمهورية مصر العربية وغيرها بهدف تنشيط التبادل التجاري
وتطوير أفق التعاون الإقتصادي بين سورية والأقطار العربية، ونبين هنا مجموعة
من العلاقات التي تبرز موقع التجارة السورية بالنسبة لتجارة الوطن العربي.
فإذا كان إجمالي
الصادرات العربية قد ارتفعت من 151.7 مليار دولار في عام 1995 إلى 170 مليار
دولار عام 1999 وبمعدّل نمو سنوي يقدر بـ 2.9% سنوياً، فقد انخفضت الصادرات
السورية الإجمالية من 3.9 مليار دولار عام 1995 إلى 3.8 مليار دولار عام
1999، وبمعدّل انخفاض سنوي لذات الفترة. ب ـ 0.5%، وبنتيجة ذلك فقد انخفضت
الصادرات السورية في إجمالي الصادرات العربية من 2.6% عام 1995 إلى 2.2%
عام 1999 و2.1% عام 2000.
أما موقع الواردات
السورية في إجمالي واردات الوطن العربي نلاحظ أنها انخفضت بدورها من 3.6%
إلى 2.6% للفترة 1999 ـ 2000 وهذا يعني بالضرورة انخفاضاً عاماً للتجارة
الخارجية السورية في إجمالي التجارة الخارجية للوطن العربي، أي إن دينامية
قطاع التجارة الخارجية للقطر السوري تتحرك بصورة أبطأ من حركة هذا القطاع
لكامل الوطن العربي، بل أنه يزداد ضموراً مع مرور الوقت على الأقل خلال النصف
الثاني من عقد التسعينات.
وعلى مستوى
المبادلات السلعية البينية فإذا كانت الصادرات البينية العربية تشكل ما بين
8.7% من إجمالي الصادرات العربية عام 1995 و10% عام 1998، و7.3% عام الـ
2000، فإن حوالي ربع الصادرات السورية يتجه إلى داخل الوطن العربي خلال الأعوام
1995 ـ 1998 وتميل هذه النسبة إلى الإنخفاض بشكل حاد بين عامي 1999 وعام
2000 إلى 19.1% و13.7% على التوالي(
[6]
).
أما بالنسبة
للمستوردات فإن واردات القطر البينية تشكل حوالي 8.2% من إجمالي وارداته
ارتفعت إلى 10.3% عام 2000، وتتقارب هذه النسبة مع مثيلها للواردات العربية
حيث تشكل الواردات البينية حوالي 8.4% ما بين عالي 1995 ـ 1999 ارتفعت إلى
10.2% عام 2000.
هذه المقارنات
تشير مرة أخرى إلى انخفاض الوزن النوعي للتجارة البينية العربية في إجمالي
التجارة الخارجية للوطن العربي، ولا يختلف الوضع بالنسبة للقطر السوري خاصة
فيما يتعلق بوارداته، بينما تظهر الأرقام توجه جزء هام من صادرات القطر إلى
داخل الوطن العربي تقارب ربع قيمة الصادرات، برغم بروز ميول انخفاضه واضحة
خلال السنتين الأخيرتين من عقد التسعينات من القرن الماضي، الأمر الذي يعني
أيضاً أن الصادرات السورية تواجه صعوبات متزايدة في الأسواق العربية. وبصورة
عامة فإن انخفاض هذه النسب تعكس طبيعة البنية الإنتاجية الضعيفة للإقتصادين
السوري والعربي، وانكشافهما أمام الأسواق الخارجية. وإذا كان الأمر كذلك
فيمكن القول أن هناك مجال واسع للعمل وللتطوير وإجراء تحويلات تقدمية وجذرية
في هذه الاقتصادات وعلى كل المستويات القطرية والقومية.
نقطة أخرى
يمكن إضافتها هنا أنه في حال إخراج النفط من التجارة الخارجية السورية والعربية
فإن المبادلات السلعية البينية سترتفع قيمتها في إجمالي المبادلات السلعية
إلى ما بين 35 ـ 40% واستكمالاً لهذه الصورة من المناسب بيان العلاقات التجارية
الثنائية بين سورية وبعض الأقطار العربية.
يعتبر كل من
لبنان والمملكة العربية السعودية أهم البلدان العربية بالنسبة للصادرات السورية
يلي ذلك جمهورية مصر العربية والأردن والكويت، وبالنسبة لمستوردات القطر
من الوطن العربي، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى يلي ذلك
مصر ولبنان والأردن والكويت، ويميل الميزان التجاري السوري إلى تحقيق فائض
لصالح القطر السوري مع كل من هذه البلدان.
مع القطر اللبناني
يتمتع القطر السوري بوجود فائض لصالحه في الميزان التجاري قدر بـ 506% عام
1993 و596% عام 1998، وقد شكلت الصادرات السورية إلى لبنان عام 1999 18.8%
من الصادرات السورية للدول العربية وحوالي 7.2% من إجمالي المستوردات السورية
من الدول العربية، كما شكل حجم التبادل التجاري بين البلدين بذاك العام حوالي
15.3% من إجمالي حجم التبادل التجاري مع البلدان العربية.
وقد سبق أن
درسنا واقع التبادل التجاري بين البلدين في هذه الدراسة، مع ملاحظة ميل صادرات
القطر إلى التراجع بعد عام 1997، وميل مستوردات القطر من لبنان إلى التراجع
اعتباراً من عام 1993.
تحتل المملكة
العربية السعودية موقعاً مهماً في تجارة القطر السوري مع الأقطار العربية
حيث تشكل الصادرات السورية إليها حوالي 40% من حوالي 31% من إجمالي المستوردات
السورية من البلدان العربية، وتتميز علاقاتنا مع السعودية بوجود فائض في
الميزان التجاري بصورة دائمة يصل إلى أكثر من 700% في بعض السنوات كعام 1999
ويتجاوز عدة آلاف بالمئة في سنوات أخرى كأعوام 1998، و1995، 1991.
ويحكم العلاقات
التجارية بين البلدين في الوقت الحالي ـ اتفاقية ـ إقامة منطقة تجارة حرّة
بين البلدين تمّ التوقيع عليها في عام 2001، بصورة تنهي فيها الرسوم الجمركية
والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل على المنتجات المتبادلة بين البلدين خلال
مدة ثلاث سنوات فقط ويصبح التخفيض بنسبة 100% اعتباراً من 1/1/2003.
وقد التزمت
ـ اتفاقية ـ إقامة منطقة التجارة الحرة بين البلدين بأحكام ومبادئ البرنامج
التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، واستهدفت توسيع وتنمية وتحرير
التجارة بين البلدين إنطلاقاً من أحكام الاتفاق التجاري والاقتصادي الموقع
بينهما عام 1972 الذي كان فيه عدد كبير من السلع الصناعية والزراعية ذات
المنشأ الوطني، المتبادلة معفاة بصورة جزئية.
ونظراً لما
يمثله حجم التبادل التجاري بين سورية والسعودية من أهمية، فإن إقامة منطقة
التجارة الحرة بينهما تشكل عاملاً يمكن أن يساهم بدرجة كبيرة في زيادة حجم
التبادل التجاري وزيادة مجالات التعاون والتنسيق والتكامل بما في ذلك التعاون
في مجالات الإنتاج خاصة وأن لسورية تجربة سابقة مع السعودية في إقامة بعض
المشاريع الإنتاجية المشتركة كمثال الشركة السورية السعودية للإنتاج الصناعي،
كما تمثل هذه الاتفاقية عاملاً مهماً في تعجيل تفعيل اتفاقية منطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى في ظل التحديات الدولية والإقليمية القائمة.
وما يشجع على
تفعيل منطقة التجارة الحرة بين البلدين، ليس فقط ارتفاع نسبة التبادل التجاري
في الصادرات والمستوردات السورية مع البلدان العربية فحسب، وإنما ميل هذا
التبادل إلى النمو مع مرور الوقت حيث ارتفعت صادرات سورية إلى السعودية بأكثر
من 50% خلال خمس سنوات من 2188 مليون ليرة عام 1995 إلى 3260 مليون ليرة
عام 1999، كما ارتفعت مستورداتنا من السعودية من 876 مليون ليرة إلى 1124
مليون ليرة خلال ذات المدة(
[7]
).
والواقع أن
ملاحظاتنا على اتفاقية التجارة الحرة مع السعودية والعوامل التي تعيق التنفيذ
مشابهة إلى حد بعيد مع وضع اتفاقية التجارة الحرة بين سورية ولبنان، أو بين
سورية والأردن، مع الأخذ بالاعتبار عدد من الخصوصيات التي تتعلق بكل من هذه
البلدان.
بتاريخ 8/10/2001
تم التوقيع على ـ اتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة بين سورية والأردن بهدف
دعم وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. ومن أجل توسيع قاعدة
المصالح المشتركة وتعزيز التكامل الإقتصادي بين البلدين بما ينسجم وأحكام
البرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية
لإقامة منطقة تجارة حرة عربية كبرى، وتتفق هذه الإتفاقية في مضمونها مع مضمون
اتفاقيات إقامة مناطق تجارة حرة بين سورية والبلدان العربية الأخرى، من حيث
تحرير السلع ذات المنشأ الوطني المتبادلة بين البلدين بتخفيض كامل الرسوم
الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل، ومراعاة أحكام الرزنامة
الزراعية، وعدم جواز فرض رسوم جمركية جديدة على المنتجات الوطنية المتبادلة
بعد نفاذ الاتفاقية وتطبيق قواعد المنشأ وتطبيق قواعد المنشأ العربية المعتمدة
من قبل الجامعة العربية وعدم شمول منتاجت المناطق الحرة بهذه الإتفاقية ووجوب
مطابقة المنتجات المتبادلة للمواصفات والمقاييس المعمول في بلد الطرف المتعاقد
الآخر وغير ذلك من البنود التي تشجع التعاون الإقتصادي والتجاري بين البلدين
ومشاركة المؤسسات الفعاليات الإقتصادية في المعارض الدولية أو الوطنية التي
تقام في البلد الآخر.
وتشجع هذه
الاتفاقية على إقامة المشاريع المشتركة بين البلدين أو المشاركة في المشاريع
القائمة، وتشجيع القطاع الخاص في البلدين على إقامة المشاريع الاستثمارية
المشتركة في المجالات الاقتصادية المختلفة، وقد حددت الاتفاقية بأن يكتمل
التخفيض الجمركي بنسبة 100% في 1/1/2005، كما فتحت الاتفاقية المجال لانضمام
دول عربية أخرى إلى هذه الإتفاقية.
وتجدر الإشارة
أن هناك مجموعة من المشاريع المشتركة المقامة بين البلدين في مجالات الصناعة
والنقل وغيرها.
وفي دراسة
علاقات التبادل التجاري بين البلدين نلاحظ أن الميزان التجاري يتصف بوجود
فائض مستمر لصالح الجانب السوري.
وتتصف الصادرات
السورية إلى الأردن بميلها للزيادة بعد عام 1990 لتصل إلى حوالي 1200 مليون
ليرة سورية عام 1996 لتعاني بعدها من ميل للإنخفاض للسنوات الثلاث الأخرى
اللاحقة، بحيث انخفضت قيمة الصادرات بأكثر من 700 مليون ليرة سورية بين عامي
1996 و1999.
وذات الاتجاه
يبدو على مستوردات القطر من الأردن من حيث ميلها للارتفاع بين عامي 1990
و1996 ثم تحولها باتجاه هابط بعد عام 1996 حيث انخفضت بأكثر من 80% خلال
السنوات الأربعة الأخيرة، ويمثل حجم المبادلات التجارية بين البلدين بين
5و6% من تجارة سورية مع البلدان العربية.
وأهم الصادرات
السورية للأردن هي: البصل، المياه الغازية والمعدنية، النفط الخام، القطن
الخام، مشتقات البترول والغاز والألبسة الداخلية والخارجية التركيبية والنسج
القطنية، بينما تستورد سوريا من الأردن: الدقيق، المنتجات الكيماوية والعضوية،
والأدوية، والورق والكلس.
وكانت العلاقات
التجارية بين البلدين يحكمها اتفاق التعاون الاقتصادي وتنظيم التبادل التجاري
لعام 1985، وكذلك البروتوكول التجاري الموقع بتاريخ 3/8/1999، والذي ينص
في بعض بنوده على أهمية إقامة المشاريع المشتركة إلى جانب تسهيل إجراءات
التبادل التجاري والتعاون الإقتصادي.
وتأتي أهمية
هذه الاتفاقية مثلها مثل اتفاقيات إقامة مناطق تجارة حرة بين سورية وبعض
البلدان العربية في تفعيل عملية التعاون الاقتصادي ويما يتفق واتفاقية منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى وتسريع تنفيذها.
لاحظنا من
استعراض نسبة التبادل التجاري بين سورية والأقطار العربية الأخرى، أو نسب
التبادل التجاري فيما بين الأقطار العربية، أن هذه النسب لازالت منخفضة ومحدودة
بكل المقاييس وفي عديد من السنوات تميل إلى الانخفاض النسبي أو أنها تعاني
من التذبذب وعدم الاستقرار، وهذا رغم الجهود التاريخية المتواصلة، والمداخل
المختلفة لتطوير العمل الاقتصادي العربي المشترك لمدة تقارب الخمسين عاماً،
مقارنة مع بلدان أخرى استطاعت أن تقطع أشواطاً كبيرة في هذا المجال وإبان
مدة زمنية أقصر بكثير، وقد تطرقنا إلى العديد من العوامل المسببة لهذا الوضع
كما اقترحنا عدداً من الحلول ذات العلاقة.
وبشعور الأقطار
العربية بارتفاع وطأة التحديات الدولية في ظل التكتلات الإقتصادية العالمية
المتنامية التأثير وأدواتها المختلفة، وتنامي الشعور العربي قطرياً وقومياً
بأهمية تمتين أطر التعاون والتكامل الإقتصادي وغير الاقتصادي بين البلدان
العربية. وكان من نتيجة ذلك ولادة اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى ومجموعة كبيرة من الاتفاقيات الثنائية لإقامة مناطق للتجارة الحرة.
ورغم أننا
نعتقد أنه من المبكر إعطاء حكم على أثر إقامة مناطق التجارة الحرة المشار
إليها الجماعية أو الثنائية فيها نظراً لحداثتها، فمن الصعب علينا أيضاً
توقع أن يكون لهذه الاتفاقات أدوار متميزة في تعميق التنسيق والتعاون والتكامل
الإقتصادي وتطوير التبادل التجاري البيني بصورة مرموقة في ضوء الآثار المحدودة
للتجارب التاريخية الطويلة الأجل. إن من الصعب توقع حدوث تبدل ملحوظ إن لم
يجر اعتماد وسائل وطرق جديدة ومتجددة تؤدي إلى إحداث تبديل نوعي عميق في
بنية وهيكل الاقتصاديات القطرية والعربية، إن الاقتصادات العربية تعاني من
نقاط ضعف هيكلية يتوجب معالجتها على المستويين القطري والقومي.
سبق أن أشرنا
إلى أنه إذا ما استثنينا إنتاج النفط والصناعة الاستخراجية بصورة عامة، فإن
الصناعات العربية بل والإنتاج العربي موجه بالدرجة الأولى لتلبية السوق الداخلي
وغير معدّ للتصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية.
واستمر هكذا
برغم إزالة العديد من الرسوم الجمركية، وتحرير انتقال السلع والبضائع بين
الأقطار العربية، وذلك حتى قبل إقامة مناطق التجارة الحرة العربية الجماعية
منها والثنائية، بل وهذا يعني أيضاً أن إزالة القيود الجمركية والاعتماد
على آليات تسهيل التبادل التجاري لا تمثل حلولاً كافية.
وتلبية لتطوير
حجم ونسب التجارة العربية البينية وفي تطوير التجارة العربية مع العالم الخارجي
نرى:
1 ـ ضرورة تطوير عملية التنمية القطرية ورفع معدلات النمو وزيادة
حجم الإنتاج بما يتجاوز الاحتياجات المباشرة للسكان، وهذا أمر ضروري حتى
يصبح بالإمكان زيادة حجم التبادل ، ففي إطار محدودية الإنتاج الذي بالكاد
يلبي الاحتياجات المحلية، فمن المستحيل تطويرحجم التبادل التجاري بل وتطوير
التجارة الخارجية بصورة ملحوظة، ومثل هذا الأمر يتطلب التعبئة الأفضل للموارد
الوطنية.
2 ـ إنه بالإضافة إلى إزالة القيود أمام حركة السلع بين الأقطار
العربية وما يتحقق من آثار إيجابية على زيادة حجم السوق وتنويع الموارد وزيادتها،
فهناك حاجة جدية لمضاعفة حجوم الاستثمارات على مشاريع قطرية أو على مشاريع
استراتيجية قومية الطابع، هناك ضعف عام في كتلة الاستثمارات في المنطقة العربية
منها بسبب نزوح جزء هام من مصادر التراكم إلى خارج الوطن العربي، وكذلك بسبب
محدودية وانخفاض نصيب الوطن العربي من الاستثمارات العالمية التي لا تتجاوز
الـ 1% من إجمالي هذه الاستثمارات.
إننا بحاجة
إلى آلية ملائمة لتقليص نزوح الرأسمال العربي إلى الخارج الذي لو توّجه إلى
الداخل لوفر على الوطن العربي الكثير من حاجته لمصادر التمويل الخارجي، كما
أننا بحاجة إلى جذب الرأسمال الأجنبي وخاصة الاستثمارات ذات التقنيات المرتفعة
التي تعمل على تحديث الصناعات القائمة وتساهم في خلق صناعات جديدة.
وإذا كان العديد
من البلدان العربية، قد وقع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ، والبعض
الآخر يطمح للتوقيع، فمن المطلوب أن يكون هناك جهد عربي مشترك لجذب الاستثمارات
الأوروبية ذات التقنيات المتقدمة. وحتى يكون هذا الأمر ممكن التطبيق، فلابد
من:
3 ـ إجراء تحديد لأوليات الاستثمار على المستويين القومي والقطري،
وانتـقاء وتحديد المشروعات التي يجب أن تطبق عليها التقنيات المتقدمة والرفيعة
والمشاريع التي تستخدم فيها التقنيات المكثفة للعمل، أي تلك التي تخلق فرصاً
إضافية لاستخدام القوة العاملة. وأن تتحدد المشروعات في إطار تلك المشروعات
ذات الطابع القومي، أي التي يتعاون لإقامتها بلدان أو ثلاثة بلدان عربية
أو أكثر، ومشاريع قطرية، وأن يؤدى بناء وإقامة هذه المشاريع إلى تكامل الإنتاج
قطرياً وعربياً وسد الفجوات الإنتاجية.
وإذا كان العديد
من المشاريع القائمة موّجه أساساً للداخل، فإن المطلوب التركيز على مجموعة
من المشاريع الموجه إنتاجها أو بعض إنتاجها للتصدير وأن تتعاون البلدان العربية
على مستوى التعاون الثنائي أو ربما الثلاثي أو أكثر، لتأمين كل متطلبات إقامة
عمل هذه المشاريع من تقنيات متقدمة، وخفض تكاليف الإنتاج، وتحسين لنوعية
ومواصفات المنتج النهائي، بحيث تستطيع مواجهة التحديات العالمية والإقليمية
المستجدة في الأسواق الداخلية والخارجية. إن التعاون لإقامة هذه المشاريع
التصديرية القادرة على المنافسة يعوّض إلى حد بعيد من شدّة التحديات التي
ستواجهها بعض صناعاتنا بعد الإنضمام إلى منظمة التجارة الدولية أو إلى الاتحاد
الأوروبي.
4 ـ إن ما نشير إليه أعلاه يتطلب إيجاد نوع من الفصل بين إدارة
التنمية القطرية وإدارة التنمية القومية الطابع، بمعنى أنه لابد من خلق مجموعة
من الهيئات والإدارات العربية الطابع التي يجب أن تكون مسؤولة عن وضع برنامج
التنمية القومية وتنفيذه، بحيث تعمل هذه بصورة مستقلة نسبياً عن تأثير أي
قطر عربي، وأن تكون مخولة باتخاذ قرارات ملزمة التنفيذ على البلدان العضوة
في مشروع التكامل الإقتصادي. ويمكن أن نستفيد من تجارب متقدمة في هذا الإطار
بعد الأخذ بالاعتبار الخصوصيات العربية، والقطرية أحياناً، ومن أحل هذا من
الملائم تطوير صيغة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى إلى اتحاد جمركي
وإلى سوق عربية مشتركة تكفل حرية انتقال عناصر الإنتاج والتعاون في مجال
المشاريع الإنتاجية المشتركة التي تستفيد من إقتصاديات الحجم وتكون قادرة
على المنافسة.
5 ـ إن تطوير الإقتصادات القطرية وجذب الإستثمارات إلى أسواقها
من المصادر العربية أو الدولية، والاحتفاظ بمصادر التراكم الوطنية وتشجيع
الإستثمارات الوطنية بدلاً من نزوحها بتطلب تطوير مناخات الإستثمار الوطنية
وزيادة الكفاءة الإنتاجية للمشاريع الجديدة والقائمة ومثل هذا الأمر يتطلب
المبادرة إلى اعتماد مجموعة من السياسات والإجراءات في المجالات الإقتصادية
والقانونية والمؤسساتية وغيرها. فلو أخذنا مثلاً حالة الإقتصاد السوري فيمكن
أن نتصور عدداً من الإجراءات التي نراها ملائمة:
أ ـ لا بد أن نكون واضحاً أن تطوير المناخ الاستثماري لا يمثل
عملاً فنياً أو قانونياً بقدر ما يمثل العمل على خلق مناخ يزيد من ثقة
المستثمر المحلي والعربي أو الأجنبي، ووصولاً إلى هذه الغاية لا بد من إجراء
تعديل في السياسات والإجراءات والأنظمة القائمة التي تتناقض فيما بينها في
كثير من الأحيان. فكيف نستطيع مثلاً إقناع المستثمر العربي أو الأجنبي بالإقدام
على الإستثمار بوجود أنظمة وإجراءات تتحفظ على حرية استخدام القطع حتى وأن
كانت هذه محصورة بالمواطن السوري.
وكيف نستطيع
إقناعه أيضاً بالإستثمار في حال سيطرة الكثير من التعقيدات والروتين. أن
نظام التحفيز والترغيب يمثل جانباً هاماً ولكن هذه الأهمية تتناقص بصورة
جدّية في ظل عدم وجود الثقة التامة بالمناخ الإستثماري ألا يمثل القانون
رقم 24 والإجراءات الرادعة ذات الطابع الإستثنائي وضعاً يقلص من دور نظام
الحوافز ويضعف من تطور المناخ الإستثماري حتى وإن كانت هذه الإجراءات الرادعة
تطبق في الغالب على المقيمين المحليين.
ب ـ كيف يمكن أن نتصور تشريعاً لعملية التحديث والتطوير والتنمية
في ظل استمرار ظاهرة الهدر الذي يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج
وإضاعة جزء من مواردنا الوطنية.
إننا نعتقد
أن معالجة هذا الأمر يمثل أهمية بالغة. ولذا لا بد من اعتماد نظام يفرض على
كل من المؤسسات والشركات الحكومية منها بشكل خاص لوضع برنامج محدد بزمن معين،
ستة أشهر مثلاً للقضاء أو لتقليص هذه الظاهرة في الشركة أو المؤسسة. وبدخل
ضمن هذا وضع نظام للقضاء على البيروقراطية والروتين وتسهيل آلية العمل داخل
المنشأة أو الإدارة وعلى مسؤولية الإدارة ذاتها.
إننا نعتقد
بصورة حازمة أن ما آلت إليه أحوال القطاع العام مثلاً ليس هو بالضرورة النتيجة
الحقيقية لهذا القطاع، لأنه عام، وإنما هو نتيجة سوء الإدارة وأخطائها وتعدد
الجهات الرقابية وعدم الموضوعية في طريق أدائها.
إن ملكية المنشأة
للدولة لا يبرّر مثلاً تسلط وزارة المالية على أرباح ودخل المنشأة وتقليص
قدراتها على الإستثمار والتطوير والتحكم بسيولتها بصورة عامة. إن مزيداً
من الإستقلالية وحرية الحركة والمبادرة للشركة يضمن الإستخدام الأمثل لموارد
المنشأ، ويزيد من إنتاجية العمل.
ج ـ إننا نؤكد على إبلاء أهمية خاصة لتطوير قطاع التصدير في
سورية وتأمين مستلزمات عمله من حيث مستوى التقانة والعمالة الماهرة وخفض
التكلفة وتحسين المواصفات وبما تتفق مع تطوير الأسواق الخارجية التي يجب
دراستها بطرق وافية والتعرّف على الفرص المتاحة فيها.
د ـ ومن أجل بذل الجهد اللازم للّحاق بالتطور التكنولوجي فمن
الملائم المبادرة لإقامة نوع من الشراكة مع بعض الشركات المنتجة للتقنيات
الحديثة والراقية لإقامة صناعات في سورية تنتج المنتجات التقنية المتقدمة.
ويساهم خلق هذه الصناعات على تأمين إحتياجات مختلف القطاعات من هذه البضائع
وفي استقطاب وتكوين أعداد متزايدة من الكوادر الفنية والعلمية ورفع مستواها
التقني بما يتفق ومتطلبات الحداثة والعصرنة.
هـ ـ إن تحقيق مثل هذه الأهداف يتطلب توفر النظرة الشمولية لتطوير
الإقتصاد الوطني وإحياء جهود التخطيط الإقتصادي والإجتماعي للبلاد، وتطوير
أساليبه باتجاه لا مركزية التخطيط وتفعيل دور السياسات الإقتصادية في توجيه
حركة التنمية وإضفاء المرونة على الخطط الإنمائية.
وأخيراً فإننا
نرى أن تحديث الإقتصاد الوطني وتطويره وزيادة حجم التبادل التجاري البيني،
يتطلب جهوداً ومبادرات تنموية جدّية على الصعيدين القطري والعربي في آن واحد.
ويؤدي تطوير
الإقتصاد القطري وإعادة هيكليته إلى تطوير قاعدة التعاون الإقتصادي العربي
وزيادة حجم التجارة البينية، كما أن إقامة منطقة للتجارة الحرّة العربية
وتطويرها إلى اتحاد جمركي وسوق مشتركة يسرّع من وتائر ومعدلات نمو الإقتصاد
القطري ويزيد من آفق تقدّم هذا الإقتصاد. إنه التكامل بين الكل والجزء وفي
صالح الجزء والكل بآن واحد.
د . عصام خوري
كلية الإقتصاد. جامعة دمشق