الاقتصاد السوري ومتطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية

د. محمد غسان الحبش*

          تقدمت حكومة الجمهورية العربية السورية في شهر تشرين الثاني الماضي بطلب رسمي للانضمام كعضو كامل العضوية إلى منظمة التجارة العالمية. ويندرج هذا الطلب في إطار تفعيل مسيرة الإصلاح الاقتصادي التي تنتهجها الحكومة السورية منذ أكثر من عامين تحت قيادة سيادة الرئيس  بشار الأسد .

          وحسناً فعلت الحكومة السورية بتقديم هذا الطلب الذي يأتي ليسد ثغرة كبيرة خلقها غياب سورية لأكثر من نصف قرن عن المشاركة في النظام التجاري الدولي والمساهمة في إرساء قواعده ، خاصة وأن سورية كانت واحدة من الدول القليلة المؤسسة لهذا النظام الذي ابتدأ بناؤه بتوقيع الاتفاق العام للتعرفات والتجارة أو ما يعرف باتفاقية الغات في عام 1947 .

          إلا أن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بعد هذا الغياب الطويل يتطلب جهوداً جبارة على صعيد الإصلاح الاقتصادي لتجنيب الاقتصاد السوري منعكسات غير مرغوب بها ويمكن تداركها بل وعكس اتجاهاتها بحيث تنقلب إلى منافع هامة وعديدة . ولإثبات ذلك يتعين علينا بادئ ذي بدء إعطاء لمحة سريعة عن تطور النظام التجاري الدولي منذ إنشاء الغات لغاية قيام منظمة التجارة العالمية ، ومن ثم بيان شروط وآلية الانضمام إلى هذه المنظمة ، والبحث في مسوغات ومنعكسات هذا الانضمام على الاقتصاد السوري لنخلص إلى بحث متطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهو موضوع بحثنا اليوم .

أولاً- تطور النظام التجاري الدولي :

          لقد تطور النظام التجاري العالمي على مدى أكثر من نصف قرن منذ توقيع الاتفاق العام للتعريفات والتجارة (الغات) في عام 1947 مروراً بالعديد من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف التي عقدت في إطار الغات والتي توجت الجولة الثامنة منها والتي تعرف بجولة الأوروغواي بإنشاء منظمة التجارة العالمية في مراكش في عام1994 .

          لقد كان اتفاق الغات بمثابة إطار قانوني لتيسير المعاملات التجارية الدولية بين الأطراف المتعاقدة التي بدأت بـ 23 دولة مؤسسة منها سورية وانتهت بعدد كبير من الدول فاق الـ 123 دولة .

وقد اعتمد اتفاق الغات على عدد من المبادئ أهمها :

تحرير التجارة الدولية ، وذلك بتخفيض التعرفة الجمركية وتخفيف أو إزالة القيود غير الجمركية .

عدم التمييز في المعاملات التجارية بين الدول الأعضاء ، أو ما يعرف بمعاملة الدولة الأكثر رعاية .

تحديد قواعد السلوك في المعاملات التجارية الدولية ، وذلك بوضع ضوابط لتجنب سياسات الإغراق ودعم الصادرات واعتماد التعرفة الجمركية كوسيلة وحيدة محتملة للحماية وعدم اللجوء إلى القيود غير التعريفية كنظام الحصص (الكوتا) .

مبدأ المعاملة الوطنية والذي بموجبه تلتزم الدول الأعضاء بمعاملة السلع المستوردة ذات المعاملة الممنوحة للسلع المنتجة محلياً فيما يتعلق بالضرائب والرسوم وغيرها .

منح الدول النامية معاملة أكثر تفضيلاً لزيادة معدلات التنمية بها .

وقد عقدت في إطار الغات ثمان جولات من المفاوضات المتعددة الأطراف . تركزت الجولات الخمس الأولى منها على تحرير التجارة العالمية . أما في جولة كنيدي فقد تطرقت المفاوضات فيها إلى مكافحة الإغراق . وفي جولة طوكيو تم التوصل إلى تسع اتفاقيات هامة شملت العوائق الفنية أمام التجارة وقواعد التقييم الجمركي والإجراءات الخاصة بتراخيص الاستيراد وإجراءات مواجهة الإغراق والدعم والإجراءات المضادة والمشتريات الحكومية والتجارة في الطائرات المدنية والألبان واللحوم .

          ورغم نجاح الغات في تخفيض العوائق التجارية وتخفيض متوسط التعرفة من 40% إلى نحو 4% ، فإنه تجدر الإشارة إلى أن تحرير التجارة الدولية في إطار الغات بقي مقتصراً على السلع الصناعية باستثناء المنسوجات والملابس التي تملك الدول النامية فيها ميزة نسبية في إنتاجها . وفضلاً عن ذلك ، غالباً ما بقيت التعرفات الجمركية في الدول الصناعية مرتفعة على ما يخص صادرات الدول النامية من السلع التي يتم انتاجها بعمالة كثيفة مثل المصنوعات الجلدية والأثاث والسجاد وغيرها.

          إلا أن التطور العام في النظام التجاري الدولي جاء بنتيجة الجولة الثامنة للمفاوضات المتعددة الأطراف التي امتدت إلى سبع سنوات بدأت في الأوروغواي في عام 1986 واعتمدت نتائجها في 15 نيسان 1994 في مراكش التي شهدت ميلاد منظمة التجارة العالمية.

          وهكذا وبالإضافة إلى تحرير تجارة السلع التي أصبحت تشمل تجارة المنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية ، امتدت الاتفاقيات الموقعة في إطار منظمة التجارة العالمية لتشمل تحرير الخدمات والجوانب التجارية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية Trips  والجوانب التجارية المتعلقة بإجراءات الاستثمار Trims. كما تم استحداث آلية هامة لتسوية المنازعات .

          ومنذ إنشاء منظمة التجارة العالمية فإن عدد الدول الأعضاء فيها ما فتئ يتزايد حتى وصل حالياً إلى 144 دولة معظمها من الدول النامية ، يضاف إليها نحو 30 دولة تقدمت بطلبات للانضمام إليها . وبقيام سورية بتقديم طلب رسمي للانضمام إلى هذه المنظمة ، أصبح عدد الدول العربية المنضمة أو التي تقدمت رسمياً بطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية  15 دولة عربية ولم يبق خارج هذه المنظمة من الدول العربية المهمة سوى العراق الشقيق .

ثانياً- شروط وآلية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية :

          تحكم المادة (12) من اتفاق مراكش المتعلق بتأسيس منظمة التجارة العالمية ، قواعد الانضمام إلى هذه المنظمة . ويمكن إيجاز شروط الانضمام في ثلاث نقاط رئيسة ، وهي :

قبول الاتفاقيات الموقعة في إطار المنظمة كحزمة واحدة . ويبلغ عدد هذه الاتفاقيات 24 اتفاقاً تحكم التجارة في السلع والخدمات والجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية والجوانب التجارية للاستثمار .

تقديم التزامات محددة يجري التفاوض حولها مع الدول الأعضاء في المنظمة في مجال التجارة في السلع (التثبيت الجمركي) .

الاتفاق على التزامات محددة في مجال الخدمات ، والتي تقضي بفتح قطاعات الخدمات وإخضاعها لشروط النفاذ إلى الأسواق والمعاملة الوطنية ، وذلك بالاتفاق مع الدول الأعضاء في المنظمة .

ويوزع طلب الانضمام على جميع الدول الأعضاء في المنظمة . ويقوم المجلس العام للمنظمة بالنظر في الطلب وينشئ مجموعة عمل خاصة من الدول الأعضاء الراغبة بالتفاوض مع الدولة طالبة الانضمام . كما يقوم المجلس العام بفحص طلب الانضمام طبقاً للشروط المرجعية ومدى مطابقته للمادة (12) . ويطلب من الدولة طالبة الانضمام التقدم بتقرير حول السياسة التجارية التي تتبعها . ويعكس هذا التقرير مدى اتساق تلك السياسة مع اتفاقيات التجارة العالمية . ويمكن للدول الأعضاء في المنظمة طرح أسئلة وطلب إيضاحات مكتوبة حول هذا التقرير .

          وتقوم مجموعة العمل المشكلة من الدول الراغبة بذلك  بالتفاوض مع الدولة طالبة الانضمام حول النفاذ إلى الأسواق على السلع والخدمات وغيرها من الموضوعات . وتعتبر جداول التنازلات والالتزامات سواء فيما يتعلق بالسلع أو الخدمات ، المقدمة من قبل الدولة طالبة الانضمام أساساً في المفاوضات . وتكون هذه المفاوضات ثنائية وشاقة وتحتاج إلى خبرات فنية على مستوى عال حتى يمكن أن تحقق هدفها الرئيسي في التوازن بين ما تقدمه الدولة من التزامات مع ما تحصل عليه من حقوق ومزايا مقابل هذا الانضمام . وانطلاقاً من هذه المفاوضات الثنائية تحصل بقية الدول الأعضاء في المنظمة وفقاً لمبدأ الدولة الأكثر رعاية على ذات الامتيازات التي حصلت عليها أي من الدول المفاوضة .

          وبنتيجة هذه المفاوضات يتم إعداد جدول التنازلات والالتزامات للسلع وجدول الالتزامات المحددة للخدمات . ويتم مراجعة هذه الجداول في إطار متعدد الأطراف . وتلحق هذه الجداول بمسودة البروتوكول الخاص بالانضمام كجزء مكمل له .

          وتقوم مجموعة العمل برفع تقرير حول أعمالها مرفقاً به مسودة قرار وبروتوكول الانضمام إلى المجلس العام أو المؤتمر الوزاري للمنظمة. ويتطلب الموافقة على مسودة القرار المعد وبروتوكول الانضمام من قبل المنظمة الحصول على غالبية ثلثي الأصوات . ويدخل بروتوكول الانضمام حيز التنفيذ بعد 30 يوماً من تاريخ موافقة الدولة طالبة العضوية على بروتوكول الانضمام .

ثالثاً- مسوغات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية:

تنبع مسوغات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية من اعتبارات كثيرة سياسية وتجارية وتنموية ، نذكر منها :

على الصعيد السياسي والدولي،حيث لا توجد في رأينا أية مبررات سياسية لوجود سورية خارج منظمة التجارة العالمية ، فقد كانت سورية واحدة من بين الدول الـ 23 المؤسسة لاتفاقية (الغات) في عام 1948 و كان انسحاب سورية من هذه الاتفاقية في بداية الخمسينات بسبب انضمام دولة إسرائيل إليها . إلا أن وزارة الخارجية عادت و أكدت موافقتها السياسية و القانونية لعودة سورية إلى الغات . ذلك إن بقاء سورية خارج منظمة التجارة العالمية يعني الانكفاء و الانعزال عن الساحة الدولية و لن يحول دون تأثرها بكافة الاتفاقات التي عقدت أو ستعقد في إطاره . كما إن بقاءها خارج هذا النظام أصبح غير ممكن مع هذا العدد الكبير للدول المنضوية تحت لوائه والذي لم يكن لهذه الدول أن تنضم إليه لو لم تجد فيه تحقيق مصالحها وجني منافع هامة منه.  وعلى هذا فإن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية سيمكنها من الاضطلاع بالدفاع عن مصالحها وقضاياها على الساحة الدولية والمساهمة في صياغة و بناء النظام التجاري الدولي  الجديد ، و ضمان أن هذا النظام سوف لن يتم بغيابها و لن يكون على حساب مصالحها .

ولا شك في أن بقاء سورية خارج منظمة التجارة العالمية أصبح غير واقعي في إطار السياسة  الحالية  باتجاه إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى و المفاوضات التي تجريها سورية مع الاتحاد الأوروبي لإقامة منطقة تجارة حرة بين سورية و بلدان الاتحاد الأوروبي ، خاصة وأن أحكام منظمة التجارة العالمية لا تتعارض مع إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي اعتمدت في قواعدها وأحكامها القواعد والأحكام الناظمة لمنظمة التجارة العالمية ، فضلاً عن أن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي الجاري التفاوض حوله ينص صراحة على الالتزام بقواعد وأحكام هذه المنظمة .وأخيراً فإن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية لن يحول دون إمكانية استمرار سورية بموجب أحكام منظمة التجارة العالمية في تطبيق أحكام المقاطعة العربية ضد إسرائيل . 

وعلى صعيد سياسة التجارة الخارجية ،سيتعين على الجانب السوري بعد تقديمه طلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية إرفاق مذكرة توضيحية حول سياسة التجارة الخارجية في سورية. ومن المنطقي لأية دولة ترغب بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية أن تعلن في هذه المذكرة التوضيحية عن التزامها بمبادئ هذه المنظمة والاتفاقات التي انبثقت عنها وسعيها لتطبيقها وفق الشروط التي سيتم التفاوض عليها مع فريق العمل الذي سيشكل لهذه الغاية . وهذا يعني التزام سورية بالسعي لتحرير تجارتها الخارجية من العوائق والإجراءات التقييدية المختلفة واستبدالها بتعرفة جمركية مناسبة ، وذلك وفق برنامج تجري مراجعته دوريا بين منظمة التجارة العالمية والجهات المعنية في سورية في إطار آلية مراجعة سياسة التجارة (TPRM) . ومن المعروف أن تحرير التجارة الخارجية لا يتم بمعزل عن برامج التصحيح الاقتصادي الهادفة إلى تحرير الاقتصاد الوطني من القيود والإجراءات غير الملائمة .

وقد خطت حكومة الجمهورية العربية السورية خطوات هامة في طريق تحرير تجارتها الخارجية عندما شرعت بتفعيل النشاط الاقتصادي في سورية وتحريره من القيود والإجراءات التي كانت تعيق مسيرته.  وليس انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية سوى التزام بمتابعة هذه المسيرة وتعميقها وتسريع وتائرها.هذا مع العرض بأن متطلبات منظمة التجارة العالمية في هذا المجال لا تختلف عن متطلبات إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي تقوم سورية بالوفاء بها ومتطلبات الشراكة التي تجري الحكومة السورية مفاوضات حولها مع الاتحاد الأوربي .

وعلى صعيد النشاط الاقتصادي ،لا شك في أن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية وتحرير التجارة الخارجية الذي سيستتبعه سيكون ذو تأثير إيجابي على مجمل النشاط الاقتصادي في سورية  . هذا ما تقول به النظرية الاقتصادية وما أثبتته تجارب الدول النامية التي أعادت النظر في الإجراءات والقيود التي كانت تكبل اقتصادياتها ومنها الإجراءات التي هدفت إلى تحرير تجارتها الخارجية .

          وقد كان دافييد ريكاردو أول من دعا في بداية القرن التاسع عشر إلى حرية المبادلات التجارية . ووفقاً لنظريته ، فإن لكل بلد ميزة نسبية مقارنة مع غيره من شركائه . ويمكن لكل بلد بموجب هذه النظرية، أن يربح من المتاجرة مع غيره حتى ولو لم يكن يتمتع بأية ميزة إنتاجية في أي مجال مقارنة بشركائه تماماً كما لو كان يملك المزايا الإنتاجية كلها في كافة المجالات .

          ذلك أن تأثير تحرير التجارة الخارجية على النمو الاقتصادي هو تأثير أكيد وإيجابي. فتحرير المستوردات يؤدي إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وتطويرها وتحديثها عن طريق توفير وسائل الإنتاج الضرورية ، الأمر الذي يؤدي إلى خفض الأسعار . كما أن تحرير المستوردات يؤدي إلى تحفيز الإنتاج الوطني وذلك بدفع المنتجين المحليين إلى قبول التحدي الذي تمثله المنتجات الأجنبية المنافسة لمنتجاتهم سواء في السوق المحلية أو في الأسواق الخارجية. وللوصول إلى مستوى المنافسة المطلوبة لا بد للمنتجين المحليين من ترشيد استثماراتهم وتخفيض النفقات ورفع مستوى الإنتاج وتحسين جودته . ومن المعلوم أن كافة هذه الشروط هي حيوية للاقتصاد السوري سواء أكانت سورية في إطار منظمة التجارة العالمية أم خارجه، إذ أن رفع مستوى الإنتاج وتحسين نوعيته أصبح شرطاً لازماً للولوج إلى الأسواق الخارجية .

          كما أن من شأن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية دفع الإنتاج الوطني إلى الأعلى نتيجة توفير الأسواق الخارجية للمنتجات السورية و تمكينها من الاستفادة من معاملة الدولة الأكثر رعاية(MFN) وبالتالي تحرير الصادرات السورية من العوائق التقييدية والجمركية التي تفرضها الدول الأعضاء في المنظمة على صادرات الدول غير الأعضاء . ولا شك في أن  هذه الميزة هي هامة جداً للصادرات الصناعية السورية التي ستشكل عصب الصادرات السورية المستقبلية وأمل سورية الوحيد لتوفير العملات الأجنبية بعد نضوب ثرواتها النفطية التي تشكل حالياً نحو 70% من مجمل الصادرات السورية .

         

أيضاً أن التزام سورية بحماية الملكية الصناعية نتيجة انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية يؤدي إلى تحسين شروط نقل التكنولوجيا إلى سورية نتيجة اطمئنان الشركات العالمية المتقدمة صناعياً. ويؤدي ذلك بالتالي إلى تخفيض تكلفة المستوردات السورية من الآلات والتجهيزات وطرق الإنتاج المتقدمة . كما يؤدي هذا الالتزام كذلك إلى تحسين المناخ الاستثماري في سورية وذلك بإعطاء إشارة واضحة لقطاع الأعمال السوري والعربي والعالمي بأن سورية ملتزمة بقواعد ثابتة وشفافة، ويدفع هذا القطاع بالتالي إلى الاستثمار في سورية.وفي كلا الحالتين سيتأثر النشاط الاقتصادي العام في سورية بصورة إيجابية وملموسة.

وعلى صعيد المتحصلات الجمركية ، ورغم أنه لا يمكن تحديد المنعكسات المالية لانضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية بصورة دقيقة إلا بعد انتهاء المفاوضات التي ستجريها سورية مع الدول الأعضاء في هذه المنظمة ، فإنه من المعلوم بصورة عامة أن الالتزام المطلوب من الدول النامية يقتصر في المدى المنظور ، على التعهد بعدم اللجوء إلى رفع المستوى الحالي لتعرفتها الجمركية والمحافظة على مستوى التعرفة الجمركية الذي يتم الالتزام به نتيجة هذه المفاوضات . و فضلاً عن ذلك ، فإن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية سوف يؤدي إلى ارتفاع في محصلاتها الجمركية نتيجة تحرير التجارة الخارجية واستبدال الإجراءات التقييدية المفروضة حالياً على المستوردات بتعرفه جمركية مناسبة توفر  حماية الصناعة الوطنية وتراعي وضع  ميزان المدفوعات . كما سينجم عن ذلك أيضاً زيادة ملموسة في المتحصلات الضريبية الأخرى نتيجة نمو النشاط الاقتصادي الناجم عن تحرير التجارة الخارجية . أيضاً يمكن لسورية فرض أنواع أخرى من الضرائب غير الضرائب الجمركية تحل محلها بل ويمكن أن تفوقها مثل ضريبة القيمة المضافة VAT التي تفرض على المنتجات الوطنية و المستوردة دون تمييز .

وعلى صعيد حماية الصناعة الوطنية الناشئة ، وكما تعلمون فإن اتفاقية منظمة التجارة العالمية لا تشترط  إلغاء حماية المنتجات الوطنية ، وإنما تنص على أن مثل هذه الحماية يجب أن تتم عبر فرض تعرفة جمركية مناسبة دون غيرها من الإجراءات الحمائية كالتقيدات الكمية على المستوردات وغيرها من الإجراءات التجارية .

          لكن وكما يدل عليها اسمها فإن  "الصناعة الناشئة" لا تظل ناشئة إلى ما لا نهاية واستمرار حمايتها إلى ما لا نهاية سيؤدي إلى استمرار حاجتها إلى الحماية إلى ما لا نهاية لاعتمادها عليها . ولا بد لأية صناعة تبغي البقاء والدوام من تعرضها باستمرار ، بعد فترة معقولة من الحماية الضرورية ، إلى تحدي المنافسة الخارجية . وهذا ما جربته وخبرته كافة الدول المتقدمة صناعياً والسائرة في طريق التصنيع . لهذا لا يمكن اعتبار تعرض المنتجات الوطنية للمنافسة الخارجية من مؤشرات الخسائر الناجمة عن الانضمام إلى المنظمة ، بل يتوجب اعتباره حافزاً ضرورياً لتطوير المنتجات الوطنية وتحسين نوعيتها وتخفيض كلفها . ولا يخفي على أحد أن الذي يدفع تكاليف الحماية هو المستهلك الوطني الذي يعتبر الشريحة الأكبر في أي بلد كونها تضم كل سكانه

وعلى صعيد الميزان التجاري ،فإنه من المتوقع أن تزداد المستوردات السورية نتيجة تحريرها من القيود الكمية التي تخضع لها حالياً . لكن هذه المستوردات سوف لن تتحرر نهائياً من القيود إذ سيتعين على المستوردين السوريين تسديد الرسوم الجمركية الجديدة التي ستحل محل القيود الكمية الآنفة الذكر . كما أن قراءة سريعة لمعدلات الرسوم الجمركية المطبقة حالياً في سورية تظهر أن المستوردات من السلع الغذائية والمواد الأولية والتجهيزات والآليات ، وهي التي تشكل جزءاً كبيراً من المستوردات السورية ليست مثقلة بالرسوم الجمركية ولن يتغير وضعها الجمركي نتيجة انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية  ، وبالتالي فإن المستوردات من هذه السلع سوف لن تزداد بصورة كبيرة . وتبقى المستوردات من السلع المصنعة والسلع الكمالية وغير الضرورية ، وهي المستوردات التي ستتأثر بتحرير المستوردات ويتطلب وضعها دراسة متأنية . فالسلع المصنعة المستوردة ستشكل كما رأينا تحدياً كبيراً للصناعات الوطنية . ويمكن لسورية في هذه الحالة فرض رسوم جمركية مناسبة وفق الحالة لحماية صناعتها الناشئة الأمر الذي يحد من حجم هذه المستوردات ويعطي الصناعة السورية الوليدة الحماية المناسبة إلى حين تمكنها من منافسة المنتجات المماثلة المستوردة . وفيما يتعلق بالمستوردات من السلع الكمالية ، فيمكن لسورية ، إضافة إلى الرسوم الجمركية ، فرض ضريبة مناسبة على الكميات المستهلكة منها في سورية سواء المستوردة منها أو المصنعة محلياً . ومثل هذه الرسوم مهما ارتفعت معدلاتها ، مسموح بها في إطار منظمة التجارة العالمية لأنها رسوم غير تمييزية وليست موجهة ضد المستوردات بالذات .

          في مقابل الزيادة المتوقعة للمستوردات ،ستطرأ زيادة على الصادرات السورية من السلع المصنعة ونصف المصنعة نتيجة تمتع هذه الصادرات بمعاملة الدولة الأكثر رعاية في أسواق الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية . وهذه المعاملة هي ميزة هامة جداً لأنها تشكل شرطاً لابد منه لدخول هذه المنتجات إلى الأسواق الخارجية . لكن هذه الميزة وإن كانت تشكل شرطاً الزامياً إلا أنها غير كافية لولوج هذه الأسواق نظراً للمنافسة الشديدة التي ستواجهها المنتجات السورية فيها والشروط القاسية التي يتوجب عليها توفيرها ومراعاتها للنجاح في مسعاها هذا . الأمر الذي يجعل إنشاء مراكز لتشجيع الصادرات وتوفير المعلومات للمصدرين حول الفرص المتاحة في الأسواق الخارجية موضوعاً حيوياً.

وفيما يتعلق بمحصلة هذه التأثيرات على الميزان التجاري ، ورغم أن هذه المحصلة ستتأثر بنتيجة المفاوضات التي ستجريها سورية مع منظمة التجارة العالمية حول التعرفة الجمركية والامتيازات التعريفية التي ستقدمها سورية مقابل انضمامها إلى هذه المنظمة ، فإنه من المتوقع بصورة إجمالية ازدياد المستوردات بصورة أكبر من زيادة الصادرات على المدى القصير . لكنه من المتوقع أيضاً تضاؤل هذا العجز التجاري في مرحلة لاحقة مع ازدياد قابلية المنتجات السورية للمنافسة في الأسواق الخارجية .

ومع ذلك ورغم كل ما أوضحناه ، فإن انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية لن يحول دون إمكانية لجوء سورية إلى إجراءات الوقاية التي أقرتها منظمة التجارة العالمية في حال حدوث حالات طوارئ تخل بميزان المدفوعات.

وعلى صعيد المنتجات الزراعية ، فإن منظمة التجارة العالمية تسعى لتخفيض الدعم الحكومي لقطاع الزراعة ولاسيما في الدول المتقدمة . وقد تم الاتفاق في جولة الأورغواي على تخفيض مبالغ دعم الإنتاج الزراعي الوطني بمقدار 20% ودعم التصدير ب 36% من حيث القيمة و21% من حيث الحجم. كما تم الاتفاق كذلك على تحويل كافة التقييدات الكمية وغيرها على المستوردات الزراعية إلى تعرفة جمركية اتفق أيضاً على إنقاصها بمقدار 31%.

ورغم أن إلغاء هذا الدعم كان مطلباً ضمن مطالب الدول التي قاومتها الدول الغنية المصدرة حتى أخر لحظة ، فإن الدول الفقيرة منها المستوردة للسلع الغذائية سوف تعاني على المدى القصير من ارتفاع أسعار مستورداتها من هذه السلع نتيجة رفع الدعم عنها من قبل الدول المصدرة لها. إلا أن هذه الدول الخاسرة على المدى القصير يمكن أن تستفيد على المدى الأطول من ارتفاع أسعار السلع الزراعية المستوردة  لزيادة الإنتاج الزراعي المحلي.

وفي سورية ، فإن ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق الدولية وانعكاس ذلك على أسعار هذه المنتجات في سورية ، سيوفر للمزارعين السوريين حوافز هامة لزيادة الإنتاج . كما أن سورية ستستفيد من خفض الدعم الحكومي المقدم للإنتاج والتصدير الزراعي في الدول الغنية المصدرة للمنتجات الزراعية . ذلك أن مثل هذا الخفض سيدعم مقدرة المنتجات الزراعية السورية للتنافس في المرحلة الأولى في أسواق الدول المستوردة، وفي مرحلة لاحقة في أسواق الدول المصدرة ذاتها عندما يتمكن المنتجون والمصدرون السوريون من تلبية الشروط الإنتاجية والفنية والصحية المطلوبة في عمليات تصدير هذه المنتجات .

وعلى صعيد المنازعات التجارية، إن انضمام سورية وهي الدولة الصغيرة إلى منظمة التجارة العالمية سيمكنها بموجب نظام تسوية المنازعات التجارية في إطار هذه المنظمة ، من مقاضاة وملاحقة الدول حتى الكبيرة منها التي تفرض قيوداً كمية وجمركية وإدارية على الصادرات السورية أو تمنح صادراتها دعماً يضر بالصادرات السورية أو تمارس سياسات إغراقية تجاه المنتجات السورية سواء في السوق السورية أو في أسواق الدول الأخرى .

وقد يتطلب هذا الموضوع جهوداً كبيرة وتكاليف مالية باهظة ومعرفة فنية متخصصة واسعة من أجل تمكين سورية من الدفاع عن مصالحها في إطار نظام تسوية المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية ، إلا أنه لا سبيل آخر لسورية في هذا المجال من سلوك هذا الدرب الوعر والشائك . وأن نبدأ متأخرين خير من أن لا نبدأ أبداً ، حيث أن دولاً نامية أخرى استطاعت رغم ضعف إمكانياتها الدفاع عن مصالحها وفق هذا الأسلوب .

وعلى صعيد تدريب الأطر الوطنية العاملة في المجالات التي تدخل في مهام منظمة التجارة العالمية ، وكما رأينا فإن منظمة التجارة العالمية أصبحت تعنى بمواضيع واسعة وهامة كالتجارة في السلع وفي الخدمات والجوانب التجارية ذات الصلة بالاستثمار وتلك ذات الصلة بالملكية الفكرية . ونتيجة لذلك فقد تعمقت مواضيع فنية وتخصصية وامتدت لتشمل قواعد المنشأ والإغراق ومكافحته والتقييم الجمركي والتعرفة الجمركية المنسقة والمشتروات الحكومية والقيود الفنية وقواعد الجودة وغيرها . وقد أدى غياب سورية عن الغات ومنظمة التجارة العالمية طوال النصف القرن الماضي إلى انقطاع الدوائر والجهات المعنية بهذه المواضيع الفنية والعاملين لديها عن التطورات الهائلة الحاصلة فيها خلال هذه الفترة الطويلة . وبالتالي ضياع الخبرة الأولية التي اكتسبتها سورية في مجال عمل النظام التجاري الدولي في بداية عضويتها في اتفاقية الغات .

          وتستطيع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية طلب المساعدة الفنية من هذه المنظمة في مجالات اختصاصاتها وكافة المواضيع الفنية . كما تستطيع هذه الدول طلب مشاركة بعض المتخصصين لديها في الدورات التدريبية التي تنظمها منظمة التجارة العالمية حول عملها ونشاطاتها .

          لكن الأهم من هذا برأينا هو ما سوف يجنيه العاملون في الوزارات والجهات السورية المختلفة المعنية بالمواضيع التي تدخل في اختصاص هذه المنظمة من فوائد وخبرات خلال متابعتهم لهذه المواضيع مع أجهزة المنظمة وممثلي بعثات الدول الأخرى الأعضاء فيها . وهي خبرات هامة وقيمة لعملية مراجعة القوانين والأنظمة السورية لمواءمتها وفق ما هو معمول به في العالم من تشريعات وقواعد ذات صلة بالمواضيع التي تعالجها منظمة التجارة العالمية .

رابعاً- متطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية :

          لقد شهد العقد الأخير من تسعينيات القرن الماضي تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية هامة تمثلت بانحلال دول الكتلة الشرقية وتراجع التخطيط الاقتصادي المركزي وحدوث ثورات هائلة في قطاعات النقل والاتصالات والمعلوماتية . وقد أدى ذلك إلى انخفاض تكاليف انتقال البضائع والأشخاص والمعلومات عبر أصقاع العالم ، وساهم في تسريع حركة تحرير المبادلات التجارية والخدمات المالية عبر الحدود . وقد إنعكست هذه التغيرات والتطورات على أعمال الجولة الثامنة للمفاوضات المتعددة الأطراف التي جرت في الأوروغواي في إطار اتفاق الغات . وتكللت أعمال هذه الجولة بإنشاء منظمة التجارة العالمية التي اتسعت مهامها كما رأينا لتشمل تحرير تجارة السلع والخدمات والجوانب التجارية المتعلقة بإجراءات الاستثمار والجوانب التجارية ذات الصلة بحماية الملكية الفكرية .

          وقد وعت سورية أهمية هذه التطورات وسعت إلى التكيف معها منذ بدايتها . وبدأت الحكومة السورية بالفعل في تحرير تجارتها الخارجية وتبسيطها وجذب الاستثمار الخارجي وتشجيعه وحمايته والانضمام إلى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والشروع في مباحثات الشراكة مع الاتحاد الأوربي في إطار عملية برشلونة . إلا أن كافة هذه الإجراءات والتدابير لم تكن في إطار استراتيجية شمولية متناسقة تأخذ بعين الاعتبار المزايا النسبية الهامة التي تملكها سورية تجاه شركائها التجاريين في السوق الخارجية وتستفيد منها لبناء اقتصادها الوطني . وكانت هذه الإجراءات والتدابير تأتي مبعثرة وغير متزامنة وفق الحالة وحسب الحاجة . إلا أن الخطاب التاريخي الذي ألقاه سيادة الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب لدى أدائه القسم الدستوري بمناسبة توليه رئاسة الجمهورية ، شكل منعطفاً جديداً في السياسة الاقتصادية السورية حين خصص جزءاً هاماً من خطابه للحديث عن أهمية التصدير للاقتصاد السوري . وقد شكل هذا الخطاب منذ ذلك التاريخ برنامج عمل لحكومة الجمهورية العربية السورية تسير عليه وتهتدي به .

          ولا شك في أن متطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية هي عديدة ومتنوعة نورد فيما يلي أهمها:

يأتي في طليعة هذه المتطلبات بالطبع تحرير قطاع التجارة الخارجية . ويتم ذلك بإلغاء كافة القيود الكمية والفنية والإدارية كالمنع والحظر والتقييد والحصص، والاكتفاء بالتعرفة الجمركية كوسيلة وحيدة لحماية المنتجات السورية وعدم التمييز في المعاملة بين المنتج الوطني والمنتج المستورد بعد تسديد ما يلحقه من الجمارك.

إن تحرير المبادلات التجارية يتطلب كذلك إلغاء الرقابة على القطع الأجنبي وتوحيد أسعار العملة السورية وتعويمها وسن حرية تحويل القطع إلى الخارج بما يعني فك الربط القائم بين عمليتي  الاستيراد والتصدير .

إن التحرير المطلوب لا يقتصر على السلع لوحدها بل يمتد ليشمل قطاعات هامة من الخدمات كالمصارف والتأمين وغيرها من الخدمات المالية والسياحة والنقل والاتصالات والمقاولات والدراسات والاستشارات الهندسية وغيرها من القطاعات. ويرتبط مدى التحرير في هذه القطاعات أساساً بنتيجة المفاوضات التي ستجريها سورية مع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. لكن العديد من الدول تجاوزت بنفسها ودون قيود مفروضة عليها من الخارج ما تم الاتفاق عليه في إطار المنظمة ، وذلك لإدراكها أن تحرير هذه القطاعات سيكون لمصلحة اقتصادها ونموها.

إن تحرير المبادلات التجارية والخدمات يستلزم في الحقيقة تحرير كامل الاقتصاد الوطني من القيود التي تعيق مسيرته وتطوره . فلكي يستطيع المنتج السوري المنافسة سواء في السوق الداخلية أم الخارجية ، لابد من أن يعمل في بيئة عمل ملائمة . فلا يمكن لبلد منفتح على الخارج أن يفرض على منتجاته ضرائب وقيود أعلى مما هو مفروض على منتجات شركائه ومنافسيه . وقد وعينا جميعاً ذلك عندما بدأنا بتحرير المبادلات التجارية مع لبنان الشقيق وأدركنا حينما قام هذا البلد بخفض تعرفته الجمركية وخفض الضرائب المفروضة لديه على الأرباح ، أدركنا أهمية أن يحظى المنتج السوري بذات المعاملة، وبالتالي أهمية الإصلاح المالي والضريبي في هذا المجال .

 يتطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمي كذلك مراجعة قوانين تشجيع الاستثمار بما يؤدي إلى إلغاء التمييز بين المنتج المحلي والمنتج الخارجي كأن يتم الاشتراط بأن تكون المواد الأولية المستخدمة في مشروع المستثمر مواد محلية . إلا أن المراجعة التي نقصدها هنا تفوق ما هو مطلوب في إطار منظمة التجارة العالمية . فعندما تقوم سورية في إطار اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي مثلاً بتحرير المستوردات من القيود الكمية والتعريفية، فإنها تدفع ثمناً لا يمكن تعويضه  إلا  عن طريق استثمارات أوربية كثيفة يتم جذبها إلى سورية . ولكي تستطيع المنتجات السورية المنافسة في السوق الداخلية والخارجية عليها أن تنفذ استثمارات ضخمة في الصناعات التي تتمتع فيها بميزة نسبية واضحة كالصناعات الخفيفة والتحويلية والمكونات وغيرها من الصناعات التي تتطلب يداً عاملة ماهرة ورخيصة ومثل هذه الاستثمارات لا يمكن تنفيذها برؤوس أموال سورية لعدم كفايتها وتحتاج سورية بالتالي إلى جذب رؤوس أموال أجنبية للاستثمار في هذه المشاريع .

ويتطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية كذلك حماية الملكية الفكرية في سورية. وقد خطت سورية خطوة هامة بإصدار قانون حماية المؤلف . إلا أننا نبقى مقصرين في موضوع الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقات الدولية الكثيرة النافذة في هذا المجال. فسورية ليست طرفاً إلا في اتفاقية دولية واحدة هي اتفاقية باريس لعام 1863 لحماية الملكية الصناعية . هذا مع العرض بأن سورية انضمت إلى هذه الاتفاقية في عام 1936 خلال فترة الانتداب الفرنسي! وبغية تجاوز ذلك ينبغي علينا دراسة هذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية بعناية وتقرير ما يتوجب علينا فعله تجاهها وذلك في ضوء حقيقة أنه وبمعزل عن منظمة التجارة العالمية فإن الشركات الأجنبية ستحجم عن الاستثمار في سورية طالما أن مبادراتها وحقوقها الصناعية والفكرية غير محمية في إطار القانون السوري.

كما يتطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية مراجعة العديد من القوانين والأنظمة النافذة في سورية كالقانون التجاري وإجراءات العقود والتعاقد المتعلقة بالمشتريات الحكومية وكذلك الاعتراف بقرارات التحكيم الدولية وغيرها من المواضيع ذات الصلة.

أيها السيدات والسادة:

لا تختلف في النهاية متطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في جوهرها كما نشاهد عن متطلبات الإصلاح الاقتصادي وعن متطلبات إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وعن متطلبات الشراكة السورية - الأوربية التي تهدف جميعاً إلى تسريع وتائر النمو الاقتصادي في سورية عن طريق استثمار عوامل الإنتاج في سورية وميزاتها النسبية الاستخدام الأمثل لما فيه مصلحة شعبنا ورفاهيته.

د. محمد غسان الحبش  



* اقتصادي. مدير العلاقات الدولية في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية.