![]() |
الشركات المساهمة
وأهميتها في تجميع المدخرات
وتحريك عجلة
الاستثمار
الأستاذ:
محمد مصطفى الشاش*
قبل
الحديث من الشركات المساهمة وعن الدور الذي تلعبه في تجميع المدخرات الوطنية وفي
تحريك عجلة الاستثمار، تجدر الإشارة في بضع دقائق إلى الأهداف المنشودة من تشجيع
الادخار والاستثمار بشكل عام وهي باختصار:
أولاً ـ
تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية ومتوازنة.
ثانياً ـ
خلق فرص عمل جديدة ومجدية للذين ينضمون إلى سوق العمل كل سنة.
ثالثاً ـ
تحسين مستوى معيشة المواطن ـ كل مواطن ـ.
هذه
الأهداف الجميلة وتلك الأماني الحلوة لاتتحقق بمجرد صدور قرار أو مرسوم، وإنما
بتفاعل عوامل عديدة وبتضافر جهود مضنية ومخلصة ابتداء بـ:
1
ـ توعية المواطن حول أهمية الادخار ومن ثم تشجيعه عليه.
2
ـ بخلق قنوات مشروعة ومتنوعة لتجميع المدخرات ومن ثم توجيهها نحو مجالات استثمار
مدروسة ومجدية.
3
ـ وبالقضاء على كل أشكال الهدر في الزمن، وفي العمل أي في العنصر البشري، وفي
استعمال كل مدخلات الانتاج وأدواته وعناصره في المشروعات والادارات الموجودة أو
القائمة.
4
ـ وكذلك في السعي إلى استغلال كل الطاقات الموظفة في هذه المشروعات لأقصى درجة
ممكنة، أو بعبارة أخرى السعي إلى الانتفاع الكامل بها، والقضاء على كل أشكال
البطالة المقنعة التي تشاهد هنا وهناك، وهذا بحد ذاته يساعد على زيادة وتحسين
مستوى أجور العاملين فعلاً في هذه المشروعات، أي أجور العاملين الذين
ستحتفظ بهم تلك المشروعات، على أن يصاحب ذلك من طرف آخر تنفيذ استثمارات جديدة توفر
فرص عمل للفائضين عن الحاجة في تلك المشروعات والادارات القائمة. وهذا بدون شك
يحتاج إلى قرارات جريئة وتعاون فعَّال بين الدولة والمسؤولية عن تلك المشروعات،
أصحابها وادارتها حسب الحال.
5
ـ وأخيراً وليس آخراً ـ العمل المستمر على تأهيل وتدريب كل موظف وكل عامل على
العمل المناط به، وعلى كل جديد في طريقة أدائه له ليرتفع باستمرار مستوى جودة عمله
فتزداد إنتاجيته ويتحسن بالتالي مروده وأجره ودخله، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على
القوة الشرائية المتاحة له، فيساهم استعمال الزيادة فيها في تحريك الطلب الفعَّال
على المعروض من المنتجات وبالتالي في تنشيط الدورة الاقتصادية بمزيد من الاستثمار
ليطابق المعروض من الانتاج المطلوب منه للاستهلاك (مكرر الاستثمار) وهذا بدوره
يخلق فرص عمل جديدة لاستيعاب الفائض الناجم عن القضاء على البطالة المقنعة من جهة
والتزايد المستمر في عرض القوة العاملة الناجم عن تزايد عدد السكان بنسب مرتفعة.
ماهية
الشركات المساهمة وخصائصها وما يميزها عن غيرها في مجال الادخار والاستثمار:
أولاً ـ الشركات المساهمة هي أهم أشكال الأموال. وشركات
الأموال هي التي تكون علاقة أصحابها بها علاقة مالية بحتة تتحدد بمقدار قيمة الأسهم
التي يملكونها.
ـ
في شركات الأموال وخاصة في الشركات المساهمة /إذا استثنينا المؤسسين/ لا يفترض
وجود علاقة أو معرفة شخصية بين الشركاء المساهمين فيها، فهم شركاء بالمال يتغيرون
ويتبدلون باستمرار، وقد يتجاوز عددهم في معظم الأحوال بضعة آلاف.
ثانياً ـ هذا مع العلم بأنه يمكن أن تؤسس شركة
مساهمة من خمسة أشخاص أو أكثر بقليل
ولا تعرض أسهمها على الاكتتاب العام، وقد حدث هذا في بلادنا ويحدث يومياً، ومن أهم
أمثلة على ذلك الشركة الخماسية (قبل التأميم) والشركة العربية المتحدة للصناعة،
وهي شركة عائلية وكانت تعرف باسم شركة الدبس.
ـ
ولكنه على وجه العموم تتكون الشركات المساهمة عادة من عدد كبير من المساهمين، وقد
يفوق عددهم في بعض الأحيان عدد العاملين في الشركة على اختلاف اختصاصاتهم وفئاتهم،
ففي شركة أسمنت دمر مثلاً كان عدد المساهمين فيها قبل التأميم يقرب من عشرة أضعاف
عدد العاملين فيها. وفي الشركات المنشأة حديثاً أمثلة مشابهة كثيرة.
ثالثاً ـ تنشأ الشركات المساهمة عادة لتنفيذ
مشروعات كبيرة /طبعاً هنالك استثناءات/ وذلك لامكانية تجميع رساميل كبيرة وبأشكال
متعددة، حيث يمنح القانون عادة هذه الشركات صلاحية إصدار أسهم متعددة الأشكال ـ
فمثلاً بالإضافة إلى الأسهم العادية المعروفة يمكنها إصدار أسهم ممتازة لها نسبة
محددة من الربح يتقاضاها حملّها قبل توزيع باقي الأرباح على جميع المساهمين من
حملة الأسهم العادية والممتازة، وقد تخصص هذه الأسهم الممتازة للمؤسسين أو لبعض
المساهمين الذين قدموا للشركة براءات اختراع أو غير ذلك من الخدمات المميزة التي
تساعدها على تحقيق أهدافها وجني مزيد من الأرباح ـ كما تمنح قوانين التجارة
وقوانين الشركات عادة الشركات المساهمة حق إصدار سندات دين بأشكال مختلفة تعرضها
على الاكتتاب العام بشروط تحديد في وثائق اصدارها. وبهذه الميزات تكون الشركات
المساهمة قادرة على تجميع المدخرات من فئات متعددة من الأفراد والمنشآت، فتشبع
بذلك رغبات مختلف فئات المدخرين والمستثمرين المحافظين منهم والمغامرين
والمعتدلين، وهي بذلك أقدر من غيرها من الأشكال القانونية لمشروعات الأعمال على
تجميع المدخرات بأقنية مشروعة من أكبر عدد من المدخرين الكبار والصغار على حد
سواء، وعلى توجيه هذه المدخرات نحو الاستثمار المباشر المدروس.
هذا من جهة القدرة على تجميع المدخرات، كما أن أسهم هذه
الشركات بصفتها أوراقاً تجارية أو مالية للتداول، ولا سيما في حال وجود سوق منظمة
لحركة وتداول الأوراق المالية، يجعل من الشركات المساهمة وتكاثرها عاملاً فعَّالاً
في تحريك عجلة الاستثمار، مما يساعد المدخر والمستثمر على حد سواء على اتخاذ
الاجراء الذي يلائم مصالحة الخاصة متى شاء دون أن يعتبر ماله المستثمر في شركة
معينة أو شركات معينة أشبه بمال الوقف لا يستطيع تحريكه ولا التخلص منه عند الحاجة
إليه أو عند الرغبة في تبديله لاستثمار آخر دون التعرض لابتزاز أو القبول بالسعر
الذي يعرضه عليه المشتري الجديد لتلك الأسهم، وهذا ما يتعرض له كثير من المساهمين
الصغار حالياً.
رابعاً ـ أوراق الشركات المساهمة وسجلاتها المالية
والمحاسبية مكشوفة وخاضعة للتدقيق الخارجي، وميزانياتها وحساباتها الختامية تنشر
للجمهور، وبذلك يمكن القول بأنها تتمتع بشفافية أعلى من أي شكل آخر من الأشكال
القانونية للمشروعات، وخاصة في حال وجود سوق منظمة للأوراق المالية. واستناداً لهذه
الميزة كان القضاء السوري يلجأ إلى استثمار أموال القاصرين واليتامى في أسهم
الشركات المساهمة ذات السمعة الجيدة والتي حصلت على ثقة المجتمع لكفاءة واستقامة
اداراتها.
خامساً ـ في الشركات المساهمة يمكن تحقيق مبدأ
انفصال الإدارة عن الملكية أكثر من أي شكل آخر من الأشكال القانونية للمشروعات.
وهنا
سأسمح لنفسي بأن أتكلم عن هذا الشعار أو المبدأ كما يسميه البعض بشيء من التفصيل.
لقد
سبق أن ذكرت بأن الشركات المساهمة يمكن أن تتكون من خمسة أشخاص كحد أدنى وبعدد غير
محدود من الأشخاص كحد أعلى، فمثلاً في الشركات التي يملكها القطاع العام مالك
الشركة الشعب بأكمله، وفي شركات القطاع المشترك يمتلك القطاع العام جزءاً منها
ويمتلك القطاع الخاص الباقي ـ وفي شركات القطاع الخاص يمكن أن يصل عدد المساهمين
المالكين لها بضعة عشرات الآلاف واكثر أو أقل إذن كيف يمكن والحالة هذه أن يباشر
مالكو الشركة /عامة كانت أم خاصة أم مشتركة/ إدارة أعمالها وتسيير أمورها؟ طبعاً
القانون حدّد للهيئات العامة التي تضم نظرياً كل المساهمين، ولمجالس الإدارة التي
تمثلهم صلاحيات وواجبات نحن هنا لسنا في معرض بحثها ونقاشها وتتركها لرجال
القانون.
إن
شعار انفصال الإدارة عن الملكية لا يعني استغناء المالكين عن مشروعهم للإدارة، كما
لا يجوز أن يكون حبراً على ورق، مجرد شعار نردده.
الإدارة
أيها السادة كلمة محدودة بحروفها الخمسة ولكنها شاملة جامعة بمدلوها ودورها
ومهامها. أنها في نظري سر النجاح وسر الفشل ليس فقط في مشروعات الأعمال، بل في كل
نشاط انساني /اقتصادياً كان أم اجتماعياً أم رياضياً أم غير ذلك. الإنسان منذ وجد
وبدأ بتحمل مسؤولية حياته يديره عقله، هذا الجهاز العصبي في مخ الإنسان هو الذي
يحرك كل أجهزته ويتحكم من نشاطها، وكل خلل يصيبه ينعكس على نشاط باقي الأجهزة وعلى
إمكانياتها في تحقيق ما هو مطلوب منها.
كل
نشاط يقوم به الإنسان إذا أريد له النجاح يجب أن يكون مدروساً وله هدف معلوم، هدف
مرحلي وهدف بعيد، ومتى عرف الهدف وتم اختيار البديل الأفضل للوصول إليه أمكن
التحرك بخطى محددة لاختيار مستلزمات تنفيذه ولتنظيم طريقة التنفيذ وتدريب المنفذين
وتوجيههم ومراقبة أدائهم أولاً بأول للتأكد من الحصول على الهدف المنشود بالوقت
المحدد وبالجودة المطلوبة والكلفة المرسومة دون أي انحراف يذكر.
أنها
الإدارة سر النجاح وسر الفشل، فالمشروعات التي يملكها القطاع العام التي نجحت لم
يكن نجاحها نتيجة الامكانات اللامحدودة التي يملكها القطاع العام وإنما لكون
الإدارات المسؤولة عنها كانت ادارة ناجحة، والمشروعات التي فشلت بسبب إدارتها التي
ادارتها بعقلية الدوران والروتين. وكذلك الحال في مشروعات القطاع الخاص والقطاع
المشترك ـ وفي كل الأحوال يجب أن لا ننسى أن مسؤولية الادارة عن النجاح أو الفشل
تتوقف على عدة عوامل وأهمها:
1
ـ حسن اختيار المالكين للادارات التي تتولى إدارة مشاريعهم، هل تم اختيار هذه
الإدارات ممن لهم مواهب قيادية وإدارية؟ هل تم اختيارهم من الذين درسوا علوم
الإدارة ومبادئها؟ هل تم اختيارهم ممن مارسوا العمل الإداري وتدرجوا فيه فصقلت
مواهبهم ودراساتهم بممارسات عملية ناجحة؟
2
ـ الصلاحيات الفعلية التي تمنح لهم، فعلى قدر الصلاحيات تتحدد المسؤوليات، ومن
الهام جداً أن تمنح الإدارات الصلاحيات اللازمة التي تمكنها من اختيار كل عناصر
الإنتاج ومستلزماته، بما في ذلك العنصر البشري، والصلاحيات التي تعطيها حق التشغيل
والتطور والمكافأة والمحاسبة والاستغناء عن الخدمة.. الخ، فلقد أصبح من المتعارف
عليه اليوم أن تمنح القيادات والإدارات كل الصلاحيات الضرورية لإدارة المشروع
المسؤولة عنه باستثناء بعض صلاحيات اقرار الخطط العامة العريضة والتصديق على
النتائج النهاية التي تبقى بيد من هو أعلى من المشروع، أي من هو أقرب إلى
المالكين، إن لم تكن المالكون أنفسهم، وهذا هو ما يعرف بمبدأ /الإدارة بالاستثناء/
أي أن الإدارة مسؤولة عن كل شيء باستثناء ما تم ذكره، ولكي تتحمل الإدارة هذه
المسؤولية الكبيرة لها الحق في الحصول على الصلاحيات الكاملة التي تمكنها من اداء
الأمانة وحمل الرسالة وقيادة المشروع إلى شاطئ السلامة. وهذا هو جوهر مقولة أو
شعار فصل الإدارة عن الملكية.
3
ـ الحوافز التي تمنح للإدارة، التي يستحسن أن تكون معقولة وغير مبالغ فيها،
ولاسيما إذا كانت نسبة من الأرباح الصافية، كي لا تلجأ بعض الإدارات التي لا تتمتع
بأخلاقيات المهنة العالية إلى تعظيم تلك الأرباح على حساب أمور هامة بل وعلى غاية
من الأهمية بالنسبة لسمعة المشروع ومستقبله.
المدير
أيها السادة في دائرة عمله قائد، والقائد يجب أن يكون قدوة، قدوة في كل شي ولا
سيما في سلوكه وانضباطه.
ومبادئ
الإدارة التي أتيت على ذكر بعضها في بداية حديثي لا تتغير من حيث الجوهر مع اختلاف
نشاط المشروع ولا مع اختلاف مشكلة القانوني ـ كما أنها لا تختلف جوهرياً باختلاف
الأنظمة الاقتصادية. حتى في بين كل واحد منا وفي دائرة نشاطه الخاص هو بحاجة
لادارة ناجحة ليحصل على حياة سعيدة، لا هدر فيها ولا ضياع، وعلى السيدات في هذا
المجال عبء هام في حسن إدارة موازنة الأسرة وتنظيم صرفها ـ وهكذا أفهم معنى فصل
الإدارة عن الملكية، إنه تعظيم لدور الإدارة لمصلحة الجميع، ولمصلحة المشروع، عاملين
فيه ومالكين له، متعاملين معه ومستهلكين لانتاجه، وللبيئة التي يعيش فيها والمجتمع
الذي ينتمي إليه.
أيها
السادة ـ هذا ما أردف استعراضه معكم في هذه الأمسية وأرجو أن أكون قد وفقت في
إيصال ما أريد، كما أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم فيها لا تريدونه.
وفي
الختام أترك بين يديكم تساؤلاً واحداً ألا وهو: هل من المصلحة وضع حد أعلى لتملك
المساهم في الشركات المساهمة؟ هل يمكن تحقيق ذلك محلياً ما دام بإمكانه تسجيل ما
يملكه من أسهم بأسماء كثيرة من أهله وأصدقائه؟ هل من خطر في ذلك على مصالح باقي
المساهمين الصغار؟ وكيف يمكن تدارك ذلك في حال وجوده؟
وشكراً
لكم مرة أخرى على حسن إصغائكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.