ملفات اقتصادية
الصناعات النسيجية . . الواقع و الآفاق
تقدمة : رجل الأعمال محمد صباغ شرباتي

 

أسجل شكري سلفا لحضوركم الكريم, معلنا عرفاني وتقديري لجمعية العلوم الاقتصادية رئيسا وأعضاء ومشاركين, هذه الجمعية  الفاعلة في إحداث الوعي الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال طرحها الموضوعي لمسائل اقتصادية معاصرة .

ويسعدني أن أكون اليوم واحدآ من المشاركين في ندوة الصناعات النسيجية واقعآ وآفاقآ , نظرا لما تتمتع به هذه الصناعة من تاريخ متأصل عبر الماضي ممتداً للحاضر  واعداً بمستقبل زاهر بظل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس بشار الأسد .

أود بداية أن أشير إلى النشاط الصناعي الذي نباشره منذ خمسة و عشرين عاماً في شركات عدة ساهمت بتوفير المادة الأولية من الأقمشة لصناعة الملابس الجاهزة  ، كما  ساهمت في تحفيز العديد من الصناعيين على تطوير منشآتهم بدافع المنافسة وامتد ذلك إلى القطاع العام ,  و ما كان ممكنآ أن تقوم إلا في ظل الانفتاح والتعددية الاقتصادية التي قادتها  الحركة التصحيحية المباركة وهي :

- شركة جودي للنسيج المحدودة المسؤولية .

- شركة حلب للغزل المحدودة المسؤولية .

- مؤسسة نور لصناعة الغزل و النسيج و معالجة النفايا .

و لا بد لي قبل الدخول في صلب الموضوع من العودة إلى الماضي و إعطاء نبذة تاريخية عن تطور هذه الصناعة في قطرنا الغالي :

تعد سورية منذ القدم من أهم الأقطار المصدرة للأنسجة  و أطلقت تسمية البروكار  و الدامسكو لأصالة إنتاج هذه الأصناف في حينها .

و استمر هذا التطور لحين قدوم الثورة الصناعية و دخول عصر الآلة إلى سورية فتأسس بين عامي 1930 و1950 العديد من الشركات التي لا زالت لتاريخه قائمة نذكر منها الشركة السورية و الشركة الأهلية و الخماسية و المصابغ في كل من حلب و دمشق و حمص . حيث كانت مدينة حلب منذ ذلك التاريخ تحتل الصدارة الصناعية و كانت حينذاك شركات مساهمة أسسها بعض من رواد الصناعة نذكر منها عائلة شبارق و صائم الدهر و الحريري و المدرس و الدبس ....و غيرها الكثير .

و قد تميزت تلك الشركات بنجاحها وتطورها و استراتيجيتها المنفتحة حيث أتاحت أنظمتها لمن يدخر المال أن يستثمره عبر أسهم في تلك الشركات و كان الوعي العام مدركا ً لأهمية الدور الصناعي في التنمية وكان حديث المجتمع المقارنة بين الشركات و إدارتها و معدلات ربحها و أسهمها و آفاق تطورها و امتصت معظم الأموال المتوفرة بين أيدي الشعب عبر تداول أسهمها حتى أصبح مهر بعض الزوجات يحدد بعدد من الأسهم في إحدى هذه الشركات الوطنية . كذلك لا بد من التذكير بجهود العديد من رجال الأعمال السوريين المختصين بهذه الصناعة الذين قاموا بتأسيس مثل هذه الشركات في بعض الدول العربية و الأجنبية فكانوا رواد الصناعات النسيجية في العالم العربي بلا منازع, و منهم عائلة الشوربجي و السباهي و العوف و عبد الدايم و قباني و ططري و هو أكبر شاهد على هذا الدور الرائد .

و بوجود هذه القاعدة الداعمة و النجاحات المتحققة دفع بعض المؤسسين لتلك الشركات إلى التفكير باستراتيجيات تجاوزت الحدود الإقليمية للقطر السوري و نضرب هنا مثلاً خليل المدرس بحلب حينما أسس الشركة السورية  للغزل و النسيج في عام 1933 ألحقها بوجوب زراعة القطن و إدخال أصناف مناسبة لتحديد النوعية و تكامل الإنتاج و تطويره مما دفعه لشراء أراض بمحافظة الرقة لزراعة الأقطان المناسبة كما قام بشراء أراض بمصر في كفر الدوار لزراعة الأقطان الطويلة التيلة لرفد الشركة التي أسسها بحلب بتلك الأقطان و لا تزال لتاريخ اليوم تلك الأراضي هي ملك الشركة السورية للغزل و النسيج .  و لا أريد ذكر العديد من الشواهد فاعتقد أن جميعكم يذكر الكثير منها.

و حتى الستينيات كان التطور متواصلاً لتلك الصناعة  بزخم يشحذه  التسابق الصناعي  فبدأت  تظهر تشكيلة مجتمع صناعي و تجمعات عمالية ضخمة ربما أفرزت بعض الظواهر السلبية في المجتمع رأت في حينها القيادة السياسية أن التأميم سيلغي تلك الظواهر السلبية وهو الذي سيسمح بمشاركة أكبر للطبقة الكادحة من خلال ملـكية الدولة لوسائل الإنتاج .

و لكن النتائج في تلك المرحلة لم تكن كما أرادها صانعوا القرار حيث هاجرت تلك العقول و الخبرات إلى دول أخرى حملت معها الفكر الصناعي و ابتدأت في تلك الدول من جديد و طورت تلك الصناعة في دول عربية أخرى .

و تباطأ بعد ذلك تطور تلك الصناعة نتيجة استلام إدارات لا تتوفر فيها الكفاءة الكافية و لما رافقت تلك المرحلة من أحداث سياسية مضطربة .

و في عام 1970 حصل التصحيح الذي قاده الرئيس الخالد حافظ الأسد و ولدت معه المقدرة الحقيقية في إصلاح المجتمع وفي مقدمتها الإصلاح الاقتصادي, فكانت فكرة  التعددية الاقتصادية لبناء الاقتصاد السوري على ركائز ثلاث العام و الخاص و المشترك , تلك التوجهات أخذت فترة من الزمن لإعادة الثقة لدى القطاع الخاص في العودة  للمشاركة في البناء الاقتصادي عبر صناعات نسيجية جديدة .

و بدأت الصناعة النسيجية بالتطور من جديد في محورين العام و الخاص و شهدت شركات القطاع العام ثورة حقيقية في إدخال آخر التقنيات و تحديثها  , و كان لا بد للقطاع الخاص من أن يبدأ عملية البناء و التطوير أيضاَ .  وعلى الرغم من التحضير و الإعداد لحرب تشرين التحريرية التي أعادت الكرامة للأمة العربية كانت المصانع و الشركات تبني و تحدًث في الجانب الآخر, حيث أنه من أهم نتائج البناء التي تحتاج إليها عملية التطوير هي بناء الإنسان و الثقة بالذات التي تحتاج الزمن و لا يمكن إيقاف حركة التطوير و البناء لمصلحة دون أخرى فالكل يجب أن يتطور في انسياق متناغم .

و لكن ما تركته حرب تشرين من التزامات مادية للاتحاد السوفياتي و ما أسفرت عنه كاتفاقيات المدفوعات و التبادل السلعي أثر سلباً على بنية القطاع العام و الخاص في تلك الفترة فتوسعت و نمت فكرة الربح السريع و بنيت مصانع بكاملها لا تعطي لعنصر الجودة أية أهمية بل أولت الإنتاج الكمي و التسابق نحو تحقيق المزيد من الأرباح الهدف الأوحد لها , و لا تخرج  العقود الإيرانية عن هذا الإطار وترافق ذلك بنقص في  الغزول القطنية كمواد أولية, كان إنتاجها محصوراَ ا في القطاع العام في ذلك الوقت, و تنامت تجارة التراخيص و المخصصات و الأوراق الاستثنائية فبلغ ربح الطن الواحد المستلم من القطاع العام ثلاثة أضعاف قيمته الأصلية المدفوعة للدولة و كان من البدهي أن تظهر في حينها طبقة من الوسطاء و حديثو الثراء لم يدفعوا التكلفة المطلوبة لتلك الثروات التي حصلت نتيجة مرحلة مرت و انقضت و ما حملته من ثغرات أثرت على هيكلية الصناعة النسيجية السورية و الفكر الإستراتيجي في بناء قاعدة صناعية سليمة.

كل ما تم عرضه أيها السيدات و السادة يعطينا فكرة تاريخية عن واقع الصناعات النسيجية حتى بداية التسعينيات حيث صدر قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 و ما حمله من تكريس و تشجيع الاستثمار و خاصة للقطاع الخاص في كافة أنواع الاستثمارات .

 

 

 

 

 

كما هو ملاحظ في الجدول الذي يظهر أمامكم على الشاشة

          الأعوام                       المنشآت النسيجية                 الحرف النسيجية

       1970- 1978                    1840                            514

      1979 – 1992                    4870                            1410

      1993 – 2000                    4918                            5154

كما بلغ عدد مصانع الغزل و النسيج و الملابس في سوريا عام 1990 / 16683 / مصنعاً و ارتفع هذا العدد ليصل في عام 1996 إلى / 26383 / مصنعاً و هذه الدراسة صادرة عن منظمة الاسكوا التابعة للأمم المتحدة و طبعاً هذه الزيادة في عدد المصانع هي من القطاع الخاص لأن عدد شركات الغزل و النسيج العامة هو / 26 / شركة فقط .

و على الرغم من هذا النمو المتزايد إلا أن الحاجة لمزيد من الاستثمارات في هذا المجال  أكبر بكثير , و المبررات على ذلك كثيرة أهمها  :

1- توفر الذهب الأبيض ( القطن ) محلياً و الذي يعتبر الثروة الوطنية المتجددة بعد النفط و غير المهددة بالنضوب .

2- توفر الخبرات المتوارثة لهذه الصناعة عبر عهود متتابعة .

3- استثمار تلك الثروة يحقق تشغيل نسبة 25 % من القوى العاملة في القطر في هذا المجال بمؤثرات خلفية و أمامية عبر زراعة و حلج و غزل و نسيج  و حياكة و صباغة و تفصيل و خياطة بالإضافة إلى مصانع الزيوت لبذور القطن و ما يلحق بها من خدمات  في كافة المراحل .

4-استثمار تلك الثروة يحقق القيمة المضافة التي تصل إلى ما بين ستة إلى عشرة أضعاف قيمة القطن المحلوج و كامل هذا الفرق يعتبر دخلاً إضافياً , فمثلاً بلغت كميات الغزول و الأقطان التي تصدر تقريباً ب 225 ألف طن بقيمة تقريبية 250 مليون دولار و لو حولت هذه الكمية إلى منتجات أكثر تطورا ألبسة أو أقمشة كمنتجات نهائية لوصلت القيمة المضافة إلى ستة أضعاف كحد أدنى و هي تعادل مليار و نصف دولار أي ربع الموازنة العامة ناهيك عن تشغيل 25% من العمالة , بماله من تأثير هام على معدلات البطالة و هذه الأرقام هي أقل بكثير مما تصدره دول عربية أخرى انتهجت سياسة تطوير تلك الصناعة مثل تونس و المغرب العربي .

و هنا  السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الخطوات العملية التي يجب انتهاجها لتحقيق الغاية المنشودة.

1- دعم كل من القطاعين الخاص و العام على حد سواء , دون إعطاء أية ميزة تفضيلية أو حصريه لجهة دون أخرى و ذلك لتفعيل التسابق الوطني و المنافسة في تحقيق الهدف المنشود .

2- تخصيص هذه الصناعة بنسب ضريبية منخفضة نسبيا غير المعمول بها حالياً بحيث لا تتجاوز ال 20% عن صافي الأرباح كحد أقصى لما لهذه الصناعة من أهمية في محوريين هامين :

     أ- اعتبار هذه الصناعة كثيفة العمالة .

   ب- استخدام مواد أولية محلية ذات منشأ زراعي .

3- إلغاء الضرائب عن النشاط التصديري وذلك لدفع وتوجيه النشاط الصناعي نحو الأسواق العالمية بقوة تنافسية.

4- دعوة الأخوة التجار المستوردين إلى تجميع طاقاتهم و تحويل جهودهم و رأسمالهم و خبراتهم و علاقاتهم في الترويج للبضائع  السورية و تصديرها لدول العالم و تشكيل حلقة متكاملة بين وحدات الانتاج و وحدات الترويج و التصدير و تفاعل كامل القوى الوطنية في دعم ثرواتنا المحلية عبر استراتيجيات ترسمها الحكومة لتحويل نشاطاتهم إلى التصدير عوضا عن الاستيراد متمثلين بذلك التجربة اليابانية الناجحة . 

5- تفعيل دور سفاراتنا و ملحقاتها التجارية في دول العالم بإعطاء المزيد من الأهمية للدور الاقتصادي  من خلال البيانات للمنتجات السورية و خدمة رجال الأعمال السوريين في تقديم المعلومات و المساعدات لتسهيل مهمة دعم الصادرات إلى دول العالم .

6- تحديد الحجم الأمثل لكل وحدة صناعية انتاجية في هذا المجال نظرا لارتباط هذه الصناعة بالموضة والمتغيرات الفصلية .

7- تقديم التسهيلات اللازمة لمشاركة رؤوس الأموال العربية و الأجنبية بغاية تسريع الاستثمار في هذا المجال .

8- نشر الوعي لدى طبقات الشعب عن أهمية ثروتنا القطنية و مزايا استخدامها و تأثيرها الصحي على الجسم مقارنة مع الأصناف الصناعية المستوردة و كذلك تكريس هذا الاهتمام في مناهجنا الدراسية بمراحلها المختلفة .

9- الزيادة في الدعم و التطوير لإنشاء الجامعات و المعاهد النسيجية المتخصصة لرفد هذه الصناعة بالكوادر العلمية المتطورة .

كل ما ذكر من خطوات بالتأكيد مترافقة مع ما تنتهجه الدولة مؤخراً من عمليات إصلاح في المجالات التالية :

1- تسريع و دعم و تنشيط دور المصارف العامة والخاصة .

2- تفعيل دور المصرف المركزي بتوجيه الاقتصاد.

3- تخفيض نسبة الشرائح الضريبية على الأرباح الحقيقية .

4- إحداث المحاكم التجارية المستقلة و تكريس قواعد التحكيم التجاري .

5- تصنيف رجال الأعمال وفق قواعد علمية و إعطاء المتميزين منهم فرصة المشاركة في إعداد القرار للاستفادة من خبراتهم.

6- تطوير النظم النقابية لترعى مصالح الأطراف كافة وتعديل قانون التأمينات الاجتماعية ليتماشى مع المتغيرات

7- تبسيط إجراءات التصدير و تشكيل لجان بمشاركة أصحاب الفعاليات لتذليل العقبات الإجرائية و ضغط النفقات دعماً للتصدير .

 

و من الجدير بالذكر أن القرار الحكومي الأخير ببيع الأقطان  و الغزول المنتجة محلياً بالأسعار العالمية لكافة القطاعات الوطنية ( العام – الخاص  و المشترك ) سوف يكون الحافز الأول لانطلاق صناعة قوية متكاملة تنقل المجتمع السوري عبر مدخل الاستثمار في الصناعات النسيجية بالطريقة المثلى إلى مجتمع صناعي مترابط بين زراعة و صناعة و تجارة و تصدير , و سيفتح الآفاق قريباً إلى الأسواق العالمية و يفعل كافة ثرواتنا المادية و البشرية لتوجيه الاهتمامات لمجتمع صناعي أكثر تطوراً عبر مراحل تكاملية .

 

و لا يسعني في النهاية إلا أن أكرر شكري الجزيل للسادة المسؤولين في هذا المجال لإعادة دعم و تفعيل دور القطاع الخاص بالمشاركة في بناء سورية المستقبل سورية الأمل الواعد في ظل دولة العلم و الحرية بقيادة رئيسنا الدكتور بشار الأسد حفظه الله