![]() |
حول اصلاح النظام
المصرفي
د. راتب الشـــلاح(*)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أبدأ حديثي
في هذه الأمسية بتسجيل شكري وتقديري لجمعية العلوم الاقتصادية رئيساً وأعضاءً
وحضوراً ومحاضرين. لقد لعبت الجمعية دوراً فعالاً ومؤثراً في إبراز أهمية التطوير
الاقتصادي بجميع مجالاته وأبعاده ومعطياته، ومنحته الحوار الفكري والرأي العملي
واستكشفت شروط ومتطلبات التطوير والنجاح. كما أسجل شكري لهذه الفرصة التي منحتها
لمشاركتكم هذه الأمسية وبشكل خاص مع الزميل الأخ والاستاذ الكبير محمد الأطرش.
ولا أنسى بهذه المناسبة
مبادرات وجهود وعطاءات العديد من المفكرين والباحثين والأساتذة، من مسؤولين
وغيرهم، بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن مؤسساتهم لما ساهموا به من جهود ودراسات
ومذكرات ومحاضرات أغنت وأضاءت مسيرة النمو والتطوير في هذا القطر. (طبعاً لا
يفوتني أن أنوه، من باب التذكير وليس من باب الدعاية، وأشيد بمساهمات اتحاد غرف
التجارة وغرف التجارة والصناعة في سورية).
حقيقة
لا يسعنا إغفالها، يعرفها الداني والقاصي، بدءاً من الأوساط الشعبية وانتهاء
بالمحافل العلمية والرسمية، ألا وهي الأفق والبعد والدعم الذي أعطاه سيادة الرئيس
بشار الأسد لعملية الحوار الحر المفتوح التي انطلقت وتنطلق منها عملية الدراسة
والبحث لما تشهده سورية من تشريعات وإجراءات وسياسات تهدف الى تحقيق النمو
والازدهار. ولربما أفضل شكر يسعد سيادة الرئيس هو حسن وسرعة تحقيق هذه الأهداف
والتمنيات.
تشهد
سورية منذ فترة طويلة نمواً سكانياً كبيراً. ويدخل سنوياً ما بين 200 الى 300 ألف
نسمة جدد الى سوق العمل، بالإضافة الى وجود عدد مماثل من العاطلين عن العمل
حالياً، وبطالة مقنعة يصعب تقديرها بدقة. ويعني ذلك أن هناك حاجة لتأمين وتوظيف
معدلات مرتفعة جداً من الاستثمار تتراوح ما بين (24 و 36%) من الدخل القومي لتحقيق
معدلات من النمو تتراوح بين (4 و 8%) مع الإبقاء على معدلات مقبولة من التضخم لا
تتجاوز الـ (6%). في حين أن المعدل الحالي للاستثمار لا يتجاوز الـ (18%) من الدخل
القومي. كل ذلك يعني ضرورة تهيئة مصادر التمويل اللازمة لهذه الاستثمارات.
هذا
ولا يمكن الحديث عن النمو الاقتصادي بمعزل عن دراسة مصادر التمويل التي تلبي حاجات
القطر المالية التي أشرنا إليها والتي تقدر بأكثر من /200/ مليار ليرة سورية
سنوياً. وتتركز أهم المصادر المالية على مصدرين رئيسيين هما الملكية والقروض،
وسواء كانت المصادر وطنية أو خارجية، فهي تتم عادة عن طريق الأسهم (الملكية) أو
السندات (القروض).
تشمل
عملية التنمية الاقتصادية في جوهرها مجالات عديدة متشابكة ومتلاحمة، كالعلوم
والثقافة والصحة والتنمية البشرية والقضاء والإدارة، بالاضافة الى المالية
والتسويق والمصارف والضرائب إلخ … لذلك فإن الحديث عن أي من هذه المواضيع، وفي وقت
قصير محدد يبقى حديثاً انتقائياً وجزئياً. وخوفاً من الضياع في متاهات العموميات
سأحاول حصر ملاحظاتي في هذا الأمسية بموضوع الاصلاح المصرفي والتي تشمل المصارف
التجارية والمصارف المتخصصة ومصارف الاستثمار والصناديق الاستثماريه ومؤسسات
الإقراض الأخرى.
أولاً ـ دور
المصارف الحالي وأداؤها:
من
الاحصائيات التي يقيم الأداء المصرفي من خلالها هي حجم الموجودات المصرفية
والودائع والتسهيلات الائتمانية والتداول النقدي، وتقاس تلك الارقام عادةً بالنسبة
إلى الناتج المحلي الاجمالي، نورد فيما يلي الارقام والنسب التي حصلنا عليها لعام
1999 لعدد من الدول العربية التي تتشابه بوضعها الاقتصادي مع وضع الاقتصاد السوري
وهي كالاتي:
|
نسبة
التداول النقدي في الجهاز المصرفي إلى التداول النقدي |
نسبتها
إلى الناتج المحلي الاجمالي |
التسهيلات
الائتمانية مليار دولار |
نسبتها
إلى الناتج المحلي الاجمالي |
اجمالي
الودائع مليار دولار |
نسبتها
إلى الناتج المحلي الاجمالي |
اجمالي
الموجودات مليار دولار |
|
|
82% |
94.6% |
7.1 |
110.7% |
8.3 |
217.3% |
16.3 |
الاردن |
|
96.8% |
172.1% |
28.4 |
208.4% |
34,4 |
244.8% |
40.4 |
لبنان |
|
84.4% |
59.6% |
12.4 |
41.8% |
8.7 |
94.2% |
19.6 |
تونس |
|
85.5% |
73.7% |
65.6 |
83.2% |
74.1 |
128.1% |
114.0 |
مصر |
|
61.5% |
39.7% |
6.6 |
40% |
6.7 |
84.5% |
14.2 |
سورية |
يلاحظ
من تلك الأرقام أن سورية تأتي وبشكل واضح في المرتبة الاخيرة بين الدول العربية
ويلاحظ أيضاً أن الفارق بين افضل نسبة عربية والنسبة السورية كبيرة جداً.
فمثلاً: الفرق في نسبة اجمالي الموجودات إلى
الناتج المحلي الاجمالي (الذي هو 217% في الاردن و 84.5% في سورية هي في الاردن
حوالي ثلاثة أضعاف ما هي عليه في سورية.
والفرق
بنسبة إجمالي الودائع إلى الناتج المحلي الإجمالي (الذي هو 208.4% في لبنان و 40%
في سورية أي حوالي خمسة أضعاف ما هي عليه في سورية بينما الفرق بين التسهيلات
الائتمانية التي تشكل في لبنان 172.1% وفي سورية 39.7% هو اكثر من أربعة أضعاف.
أما
نسبة التداول في الجهاز المصرفي فهي لا تزيد عن 61% في سورية في حين تصل هذه
النسبة إلى 96.8% في لبنان و 84.4% في تونس و 85.5% في مصر، وهذا دلالة واضحة على
ضعف أداء الجهاز المصرفي السوري فرغم الدور الوطني الهام الذي لعبته المصارف
الرسمية خلال الفترة الماضية، يلاحظ أن العمل المصرفي الحالي في سورية لم يستطع
مواكبة احتياجات تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة والقيام بالخدمات المصرفية
الأساسية، مما ألقى بظلال سلبية، بل وحتى معرقلة أحيانا، لعملية التنمية. ونشير
بإيجاز لأهم هذه النقاط موضحين مسبقاً أن تقاعس وضعف أداء الجهاز المصرفي كان
نتيجة أسباب وظروف وشروط عمل أكثرها كان خارج نطاق وإرادة ومسؤولية الجهاز المصرفي
نفسه.
وفيما يلي عرضٌ موجزٌ
لهذا الواقع:
1 ـ في مجال
جذب الودائع بالعملة الوطنية:
إن الخدمات الرديئة
والبطيئة التي تقدمها المصارف وبتكاليف عالية قد أفقدتها القدرة على جذب واستيعاب
مدخرات المواطنين. بل ساهمت بإبقاء كتلة نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي وشجعت
على الاكتناز الذي كان من أسوأ نتائجه كارثة جامعي الأموال وما سببته من معاناة
ومآسي لعدد كبير من المواطنين.
2 ـ في مجال
جذب الودائع بالعملات الأجنبية:
هذا
المجال كان مهملاً كلياً، ولم يقم الجهاز المصرفي بالدور الممكن والمتاح والمطلوب
لجذب هذه الأموال وبخاصة – وكبداية – جذب الأموال المكتنزة بالعملات الأجنبية ضمن
الحدود السورية. منذ عدة سنوات أصدرت الحكومة السورية قراراً يسمح للمواطنين
والأجانب على السواء فتح حسابات جارية أو حسابات توفير لدى المصارف المعتمدة وذلك
دون سؤالهم عن مصادر هذه الأرصدة ودون تحديد مجال استعمالها وتحريكها ونصت على أن
تعطيهم الفوائد المعقولة والمنافسة على تلك الودائع. ومع ذلك لم تتعد هذه الودائع
الأرقام المتواضعة جداً ولم يقم الجهاز المصرفي بأية حملة توعية جدية لترويج
وتطمين هذه الودائع وجذبها.
وبقيت
حاصلات التصدير التي فرض النظام إعادتها لتمويل استيرادات متقابلة هي العنصر
الرئيسي في مجموع الأموال المودعة لدى المصارف الرسمية بالعملات الأجنبية.
وللتوضيح نبين أن أرصدة قطع التصدير لدى المصارف قد تجاوزت الـ 300 مليون دولار
طيلة الأعوام الأثني عشر الماضية ولم تكن المصارف تدفع أي فوائد عليها. ولو أن
المصرف التجاري السوري وفر واحتفظ بهذه الفوائد لوحدها لكانت كافية الآن لتمويل
تأسيس وإنشاء عشر مصارف جديدة بالقطع الأجنبي !!
3 ـ تمويل
التجارة الخارجية:
يوفر
الجهاز المصرفي السوري نسبة منخفضة جداً من التسليفات لتمويل التصدير ويبنى نظام
التسليف على سياسة متحفظة وضيقة، وتستند بشكل كبير على موجودات المصدر وملاءته
المادية الثابتة. والحديث عن التسهيلات الائتمانية التي يمنحها المصرف التجاري
للتصدير لم يعد يعني مقدار القروض التي يقدمها المصرف الى المصدر، بل أصبح يعني
الحدود العليا لما يمكن للتاجر تصديره لقاء تعهد لإعادة القطع دون أن يدفع قيمتها
بالقطع الأجنبي مقدماً. ورغم اعتماد سياسة مرنة في الفترة الأخيرة إلا أن هذه
التسهيلات بقيت في حدودها الضيقة والمحدودة.
أما
عمليات تمويل الاستيراد التي يقدمها المصرف السوري فهي منخفضة أيضاً وتخضع لشروط
وآليات معقدة وبطيئة. أما تمويل الاستيراد عن طريق فتح الاعتمادات المستندية فما
زال بعيداً عن تمويل المصرف، إذ أنه لا يفتح الاعتماد المستندي إلا بعد أن يغطي
المستورد كامل هذا المبلغ وبنسبة 102% تكون مودعة ومحجوزة بالقطع الأجنبي لدى
المصرف التجاري.
4 ـ التمويل
الداخلي:
يلاحظ
أن التسليفات الداخلية وخاصة التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص كانت منخفضة بشكل
كبير ولا تتناسب مع احتياجات هذا القطاع. وفي مقابل ذلك يلاحظ أن التسليفات
الممنوحة لمؤسسات القطاع العام تعاني من ضخامتها وعدم استنادها لشروط تسليف مبنية
على أسس سليمة. كما أنها تعاني من بعض المخاطر من حيث تركيزها على عدد صغير من
المؤسسات.
وعلى
سبيل المثال نبين أن نسبة تسليفات المصرف التجاري السوري للقطاع العام والمشترك
تستأثر بحوالي 2ر98 % من مجموع التسليفات، بينما تحصل مؤسستان عامتان على أكثر من
50% من مجموع هذه التسليفات، في حين لا يتجاوز نصيب القطاع الخاص عن 8ر1./. فقط.
5 ـ سعر
الفائدة، نوع وحجم التسليف والسياسة المالية:
تحدد
أسعار الفائدة التي تعتمدها الأجهزة المصرفية عادة كلفة القروض. كما أن اعتماد
أكثر من سعر واحد للفائدة، واعتماد نسب تسليف مختلفة مبنية على جهة استعمال هذه
القروض. كل هذا يشكل أداةً فعالة ومؤثرة على السياسة النقدية والائتمانية حيث
بموجبها يتم توجيه القروض نحو التوظيف الأفضل والمرغوب.
أما
في سورية فيبدو أن هذه الأداة وهذا الأسلوب لم يجرِ استعمالهما ولم تطبقا لفترة
طويلة، حتى أن معدلات الفائدة لدى المصرف التجاري السوري ما زالت مثبتة منذ عام
1981.
6 ـ المصارف
المتخصصة:
نشير
بإيجاز وبشكل خاص الى المصرف الزراعي التعاوني والمصرف الصناعي ونجد أنهما استنفذا
قدرتهما على التسليف رغم زيادة رأسمال المصرف الصناعي مؤخراً، وهما يعانيان من
قروض قد منحت بناء على أسس لم تكن مدروسة أو شفافة بالقدر المطلوب. وهما الآن شبه
عاجزين عن تحصيل ديونهما، وبالتالي فهما غير قادرين على أن يلعبا دوراً فعالاً في
توفير مبالغ كبيرة …. إلا إذا خصصت لهما الحكومة أرصدة جديدة.
ثانياً ـ
خيارات الإصلاح:
نود
أن نبين بإيجاز أن الجهاز المصرفي السوري يتمتع بوضع احتكاري كامل منذ أكثر من 35
عاماً، وهي مدة طويلة كانت كافية لأن توفر لهذا الجهاز تراكمات هائلة من الخبرة
والقدرة المالية التي تجعله لاعباً رئيسياً قادراً على القيام بدور طليعي وهام في
تمويل ودعم مسيرة التطوير والتحديث والتنمية التي تشهدها سورية حالياً.
إلا
أنه عوضاً عن ذلك يلاحظ تراجعه النسبي وتحوله الى جهاز إداري حكومي مثقل بالأعباء
ومقيد بالقرارات الوصائية التي تمنع عنه مرونة العمل والحركة. يشكو من نقص الكوادر
والكفاءات المؤهلة … لم يستطع تهيئة هذه الكفاءات عن طريق التدريب والتأهيل
داخلياً، ولم يكن قادراً على جذبها من الخارج لعدم وجود الحوافز الكافية. ويخضع
لرقابة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، التي تفرض العقوبات عادة بعد وقوع
الخطأ، بدلاً من اتباع أسلوب التوجيه والتصويب الذي يفضل انتهاجه قبل حدوث الخطأ
أو فور وقوعه.
هناك
عدة مدارس فكرية حول السبيل الأمثل لتطوير وتحديث المصارف:
المدرسة الأولى: تعتبر أن المصارف
الحكومية تتمتع بمزايا هامة وعديدة لا تتوفر لدى المصارف الخاصة، وهي تتبوأ مركزاً
هاماً يولد فائضاً اقتصادياً كبيراً ترفد منه ميزانية الدولة، وتستعمله الدولة
كلياً أو جزئياً في تمويل التنمية الاقتصادية.
في
حين ترى هذه المدرسة أن المصارف الخاصة تحول جزءاً كبيراً من فوائضها الى أصحاب
المصارف. وأن المصارف الحكومية تبتعد عن سياسة المغامرة والمضاربات السيئة، وبذلك
تجنب البلاد مخاطر الإفلاسات والأزمات المالية. بالاضافة الى ذلك تعتبر هذه
المدرسة وجود الخلل والقصور في دور وأداء الجهاز المصرفي السوري حالياً مجرد
صعوبات يمكن للمصارف الحكومية نفسها أن تعالجها وتتجاوزها، كما أنها ترى أن تأمين
الكفاءات البشرية وإحداث تغيير جذري في دخولهم، مع إعادة تكوين سياسات واضحة
وتوصيف سليم للدور والمهمة عن طريق إعادة تفعيل مجلس النقد والتسليف ومفوضية
الحكومة لدى المصارف.
كل
ذلك يكفي لتصحيح المسار ومعالجة تجاوز مشاكل الجهاز المصرفي. وبالتالي فإن هذه
المدرسة لا تؤيد إحداث مصارف خاصة لأنها ليست بالضرورة أكثر كفاءة من المصارف
الحكومية، وهي غير قادرة على تفادي الأزمات المالية ومخاطر الإفلاسات، كما أنها في
نظرهم ستبني ازدهارها على حساب استدراج الكفاءات والكوادر الجيدة التي تعمل حالياً
في المصارف الحكومية.
هناك مدرسة ثانية تنظر الى أداء الجهاز
المصرفي الحالي على أنه قد فشل في أداء دوره والقيام بواجباته. فالخدمات التي كان
يجب أن يقوم بها قد أصبحت تتم خارج نطاق الجهاز المصرفي بل وحتى خارج الحدود
السورية كلياً. كما أن الجهاز المصرفي الحالي بنظرها قد فشل في تكوين فوائض مالية
حقيقية ذاتية، ولم يساعد الآخرين على تكوين هذه الفوائض. إن هذه المدرسة تستبعد
قدرة الجهاز الحالي على تحقيق الإصلاح والتحديث والتطوير بالعمق المطلوب والشمولية
الضرورية والسرعة الملحة.
أما المدرسة الثالثة فهي تدعو الى أن
تتواكب عملية تطوير المصارف الرسمية الحالية بدخول المصارف الخاصة للعمل جنباً الى
جنب مع المصارف الحكومية. ويبدو أن هذا التوجه الرسمي يحظى بتأييد كبير من الفئات
المعنية. ويرى هؤلاء أن تأسيس مصارف خاصة سيحقق فوائد كثيرة منها:
1
ـ خلق المنافسة المطلوبة والمهذبة للخدمات المصرفية، بل وخلق توافق فكري PERCEPTION عن جدية التطلع إلى ديناميكية اقتصادية جديدة.
2 ـ جذب الأموال الخارجية المطلوبة لتأسيس
المصارف الجديدة وتوفير مصدر هام وجيد لتمويل عمليات الاستثمارات الكبيرة التي
تحتاج إليها التنمية الاقتصادية.
3 ـ جذب أموال إضافية من قبل المستثمرين نتيجة
ثقتهم بوجود هذه المصارف.
4 ـ إدخال نظام حديث ومتطور في الإدارة.
5 ـ إدخال خدمات مصرفية جديدة حديثة ومتطورة.
6 ـ جذب كوادر وكفاءات بشرية ستغني وترفع مستوى
العمل المصرفي الذي يشمل القطاعين العام والخاص معاً، وهذا يعني تنمية ولاء
الموظفين واستقطاب الكفاءات الوطنية وفي حسن تدريبهم وتأهيلهم عن طريق تأسيس
المعاهد المختصة وربطها باحتياجات الجهاز المصرفي.
7 ـ تثقيف وتوعية العملاء حول الخدمات المتاحة
ومزاياها وفوائدها.
8 ـ لا يختلف اثنان على أهمية العمل للمصرفي
كفعالية قائمة بذاتها. إنها تستقطب افضل الادمغة والكفاءات ويشكل دخل افرادها اكثر
من 15% من الناتج المحلي الاجمالي، اضافة لذلك يقوم الجهاز المصرفي بدور هام في
تكوين وتحريض وتنشيط الاقتصاد الوطني، إن استقرار النظام المالي والمصرفي وتحسين
كفاءته وتحسين نظام ادارة المخاطر وتخفيض كلفته سيؤدي إلى تضييق الهامش على
الفائدة بين الودائع والاقراض وإلى المحافظة على موجودات ذات نوعية عالية.
ولتحقيق
مسيرة متوازنة ومتوازية، لا بد من اعتماد نظام جديد لمصارف الحكومة يتيح لها فرصة
العمل والقدرة على الحركة والتحرر من القيود والروتين والعوائق والبيروقراطية. ومع
تقارب الميزات والأنظمة وشروط العمل بين المصارف العامة والخاصة يبقى للمصارف
الحكومية ميزات عديدة وكبيرة لا تتاح للمصارف الخاصة وهي:
1 ـ ستبقى مصارف الحكومة هي الأقوى والأقدر
مادياً ومؤسسياً، فهي تملك شبكة واسعة وكبيرة من المراكز والفروع والموجودات وتغطي
جميع أنحاء القطر. ومهما بلغت مزاحمة أي مصرف جديد فلن تشكل أي منافسة حقيقية ولن
تؤثر في بقاء واستمرار المصرف الحكومي رائداً وعملاقاً على الخارطة المصرفية المرتقبة.
إن حجم وملاءة وانتشار الجهاز المصرفي الحكومي يعطيه أفضلية على أي مصرف أو كتلة
مصارف خاصة قادمة وتنسجم مع الحاجة الى اندماجات مصرفية وتواكب نظام تدويل الأسواق
وتعاظم المنافسة وتضخم المخاطر.
2 ـ ستبقى المصارف الرسمية مصارف الدولة، وستبقى
ضمانة الدولة لها عنصراً هاماً لا يتوفر للمصارف الخاصة، وحتى في حال اصدار قانون
جديد لضمان الودائع في المصـارف الخاصة.
3 ـ ستبقى مصارف الحكومة هي المعتمدة لدى القطاع
العام وستبقى أعماله محصورة بالمصارف
الرسمية.
4 ـ لا خوف على المصارف الحكومية من فقدان
كفاءاتها البشرية الحالية، فهي قادرة على تنفيذ برامج تأهيل ذاتية (ابتدأت بالفعل
بعدة اتفاقات لتنفيذ برامج تأهيل وتدريب مع عدة دول صديقة)، وهي قادرة على جذب
واستدراج كفاءات جديدة من خارج النظام.
5 ـ لا يوجد مبرر للخوف من تحول الفوائض
المصرفية بعيداً عن التنمية. فالموضوع ينحصر
في جعل الاستثمار السوري مرغوباً ومفيداً وجذاباً لجميع القطاعات.
6 ـ لا يوجد مبرر للتخوف من انزلاق المصارف
الخاصة في مغامرات هوجاء. إن ضمان نجاح عملية التطوير والتحديث يبقى منوطاً
باعتماد نظام جديد للرقابة والمحاسبة يعتمد على:
آ
ـ الشمولية. وأن يطبق على القطاعين معاً.
ب
ـ استشراف الخطأ والنجاح في تفاديه قبل وقوعه، وتطبيق نظام صارم للمحاسبة.
ج
ـ تطبيق مبدأ الحوافز والتشويق.
د
ـ إعطاء العاملين بالمصارف المزيد من الطمأنينة والحماية من الوشايات الكيدية
والمغرضة.
هـ ـ الرقابة وهي الأهم. ونرى أن تتم على ثلاث مستويات:
1 ـ الرقابة الذاتية والداخلية، المستمرة
والمنظمة، مع التقيد بمؤشرات وقواعد واضحة ومبسطة.
2 ـ الرقابة القطاعية. وهي الرقابة الخارجية
المستقلة والمجردة التي تتم من قبل مدققي الحسابات.
3 ـ الرقابة الرسمية والمتمثلة بمفوضية الحكومة
لدى المصارف ومجلس النقد والتسليف.
هذا
ويبدو أن الجدل الذي يدور الآن حول مشروع قانون المصارف الخاصة والمشتركة قد تجاوز
مرحـلة دراسة ومناقشة الخيارات. فقد أقر مجلس الـوزراء المشروع ورفعـه لسيادة
الرئيس وتمـت إحالته الى مجلس الشعب.ومن المتوقع أن يرى قانون المصارف الجديـد
النور قريباً.
وفي
الحقيقة، إن هذا المشروع نال قسطاً وافراً من الدراسة المتأنية كي يحقق أهداف
التنمية وخدمة الاقتصاد الوطني.
وهناك بعض النقاط الرئيسية التي
نجدها هامة وتستحق العناية والدراسة والمعالجة:
1 ـ إن عملية اصلاح وتطوير وتأهيل وإعادة تنظيم
عمل المصارف العامة بمستوى عالٍ من الأداء والفعالية وبنفس مستوى أداء المصارف
الخاصة المنتظرة أصبح ملحاً وضرورياً. نتمنى أن يصدر مشروع مدروس ينظم ويحفز ويصوب
عمل المصارف العامة في وقت يسبق أو حتى يتزامن مع صدور قانون المصارف الجديد.
2 ـ التأكيد على إعطاء التعليمات اللازمة لتنفيذ
أحكام قانون المصارف الجديد مزيداً من العناية والدراسة والتأني تماثل تلك التي
نالها مشروع القانون نفسه.
3 ـ الحاجة الماسة الى توضيح صلاحيات ومهمات
وبنية مجلس النقد والتسليف ومفوضية الحكومة لدى المصارف بشكل أوسع. ومن الضروري
جداً أن يسود التفاهم بين أعضاء مجلس النقد والتسليف رغم أنهم يمثلون وزارات
ومؤسسات مختلفة، وبالتالي يمكن أن تكون لهم مواقف متباينة تعكس آراء وزاراتهم
ومؤسساتهم. كما نتمنى وجود تنسيق منتظم ومتواصل للجهات الوصائية المختلفة، وتحديد
مرجع أعلى لحسن تنفيذ القانون.
إن تطوير
النظام المصرفي لا ينطوي فقط على تفعيل أداء المصارف ولا على تأسيس مصارف جديدة
لتقدم خدمات تقليدية لمهمات تقليدية بأدوات تقليدية والاكتفاء بتحسينها وتفعيلها.
إن المصارف العالمية تقوم اليوم بأعمال جديدة واسعة وكبيرة تتميز بالعمق والشمولية
والمستوى التقني المتطور. هذه الأعمال تشكل العمود الفقري للعمل المصرفي الحديث،
ولا بد من ادراج واعتماد هذه المهام والوسائل لتحقيق النتائج الكاملة التي يقدمها
ويجني ثمارها الجهاز المصرفي والاقتصاد الوطني.
وفيما
يلي نذكر بعضاً منها خاصة تلك التي تساعد على تنمية وتنشيط الاستثمار:
1 ـ مساهمة المصارف في تمويل المشاريع بما فيها
تمويل القروض الصغيرة والكبيرة والريادية ذات درجة المخاطر العالية، وذلك عن طريق
اصدار وتداول الاوراق التجارية واسناد القروض ذات الآجال المختلفة مع اعتماد نظام
تصنيف وتوفير مرجع تسعير لها.
2 ـ تشجيع إنشاء صناديق وشركات استثمارية مع
المساهمة في تفعيل صناديق الادخار
والتقاعد.
3 ـ تحفيز عمليات التداول والتمويل عن طريق
التمويل التأجيريLeasing.
4 ـ اعتماد نظام الكتروني كامل للتحويلات وتشغيل
المقاصة الآلية واستخدام الوسائل الحديثة
بشبكات الاتصال بين البنوك وفروعها ومع المصرف المركزي.
5 ـ تطوير استخدام كافة القنوات الالكترونية
وخاصة شبكة الانترنيت المصرفية INTERNET
BANKING وشبكة الصراف الآلي ATM ونقاط البيع POS.
6 ـ تفعيل وتطوير الخدمات المصرفية الشخصية Private
Banking.
7 ـ الولوج في عمليات الوساطة المالية والتعامل
بالمشتقات المالية كأدوات التحوط Hedging. والعقود المستقبلية والعقود الآجلة.
8 ـ لا بد من اعتماد نظام ضريبي جديد لعملية
المصارف والسوق المالية والاستثمار بعقلية ومفهوم جديد يحقق أهداف القطر في جذب
استثمارات كبيرة وجدية.
لا
بد من الإشارة أخيراً الى القانون /24/ المنظم لعمليات القطع الأجنبي والعقوبات
المفروضة على المخالفات. والى أن الأحداث والمستجدات والتجربة قد برهنت على ما
يلي:
1 ـ إن المبررات والأسباب التي دعت لصدور هذا
القانون قد طويت وزالت.
2 ـ أن الردع والعقوبة لا توقف التهريب ولا تحمي
قيمة العملة الوطنية.
3 ـ إن إخراج وإدخال العملات الأجنبية لم يعد
يتم بالأساليب القديمة والتقليدية، ويصعب جداً إيقاف أو منع التهريب بسبب وجود
أساليب وأدوات حديثة للتهريب غير قابلة للاكتشاف أو المنع.
4 ـ لقد أثبتت الليرة السورية قوتها وثباتها
خلال السنوات العشر الماضية، وذلك نتيجة قوة الاقتصاد السوري وليس بسبب قسوة
القانون /24/ وشدة عقوباته.
5
ـ إن الحكومة السورية نفسها ومن خلال إصدار المرسوم رقم /6/ والقرارات المتعددة
الأخرى قد أفقدت القانون والمرسوم كل مرجعية لتطبيق العقوبة.
6 ـ إن الباحثين والمختصين والمعنيين يعتبرون
هذا القانون سيفاً مسلطاً وعنصراً سلبياً يخيف المستثمرين ويبعدهم. لذلك نتمنى
إلغاء هذا القانون لتصبح القوانين منسجمة مع بعضها، وهادفة الى تشجيع وتنشيط عملية
الاستثمار التي لا بد أن تتحقق في المستقبل القريب.
يعتبر
الجهاز المصرفي ركناً رئيسياً وأساسياً في بناء التنمية وتفعيل الاستثمار. وكغيره
من اللبنات يواجه طريقاً طويلاً وصعباً ويحتاج لحشد العقول والسواعد لعمل مركز
دؤوب ومدروس يتوجب علينا ولوجه فوراً وتفادي الوقوف والتراوح طويلاً في بحيرة
التفكر والتنظير.
شكراً
لإصغائكم الكريم والسلام عليكم.
دمشق في
20/3/2001.
د. راتب
الشلاح
(*)
رئيس غرفة تجارة دمشق ـ رئيس اتحاد غرف التجارة السورية.
دكتوراه
في الاقتصاد وإدارة الأعمال من جامعة بيركللي ـ كاليفورنيا.