تحديث النظام المصرفي

الأستاذ كوستي شحلاوي*

سيداتي وسادتي،

من دواعي سروري أن أعرض لكم بعض الأفكار والملاحظات حول تحسين النظام المصرفي في سورية. هذه الأفكار مستمدة من خبرتي المصرفية في الخارج ومن المناقشات الكثيرة التي دارت بيني وبين المصرفيين السوريين والمسؤولين الرسميين خلال السنوات الماضية.

إنه من المؤكد أننا جميعاً نتفق على أن النظام المصرفي السوري يحتاج إلى التحديث الذي يجب أن يسبق أي إصلاح في القطاعات الأخرى للدور الرئيسي الذي تلعبه المصارف في تمويل النمو الاقتصادي بغض النظر عن النظام الاقتصادي المعمول به، فهي العصب الحساس للنمو في أس بلد من البلدان.

وبما أن النظام المصرفي له التأثير الكبير على الحياة اليومية للمؤسسات الحكومية والشركات والصناعات والمواطنين، فإنه من الضروري لأي نظام تحديث للقطاع المصرفي أن يكون مستمر التطور، متلائم مع احتياجات البلد في كل مرحلو من مراحل النمو الاقتصادي. ويجب الاستفادة والتعلم من تجارب الدول الأخرى التي قامت بتحديث نظامها المصرفي في السنوات الأخيرة.

هل أن عملية التحديث المصرفي المطلوبة هي بسبب إحداث مصارف جديدة في سورية؟ ربما يكون ذلك أحد الأسباب الفورية لهذا التحديث.

ومن ناحية أخرى يجب علينا دراسة القطاع المصرفي بتفصيل واسع للتمكن من إجراء التعديلات الضرورية مهما كانت كبيرة.

إن المطلوب فعلاً هو تجديد شامل للنظام المصرفي لكي تصبح المصارف السورية مؤسسات تمويل حقيقية تقدم الخدمات التجارية والاستثمارية.

إن من أهم المشاكل التي تعاني منها المصارف السورية هي إيجاد طريقة للعمل بكفاءة عالية لتواكب القرن الواحد والعشرين والتصدي لمنافسة القادمين الجدد للسوق المصرفية. ومن المسلم به أن المصارف المتخصصة لن تتأثر في بداية الأمر بهذا التحديث مثل تأثر المصرف التجاري. وفي الحقيقة يحتاج هذا المصرف إلى اهتمام خاص لكي يكون قادراً على المنافسة في ظل النظام المصرفي المقترح. ومن الضروري أن يتبنى القطاع المصري مهمة تطبيق التكنولوجيا في كافة أعمال المصرف.

يتمتع المصرف التجاري السوري بالعديد من المزايا التي تمكنه من المنافسة والتي يصعب على المصارف الأخرى أن تتغلب عليها، ومن أبرز هذه المزايا:

-         أن المالك له هو الدولة.

-         حجم أعماله.

-         انتشار فروعه في كافة أرجاء القطر.

مثل تأثر المصرف التجاري. وفي الحقيقة يحتاج هذا المصرف إلى اهتمام خاص لكي يكون قادراً على المنافسة في ظل النظام المصرفي المقترح. ومن الضروري أن يتبنى القطاع المصري مهمة تطبيق التكنولوجيا في كافة أعمال المصرف.

يتمتع المصرف التجاري السوري بالعديد من المزايا التي تمكنه من المنافسة والتي يصعب على المصارف الأخرى أن تتغلب عليها، ومن أبرز هذه المزايا:

-         أن المالك له هو الدولة.

-         حجم أعماله.

-         انتشار فروعه في كافة أرجاء القطر.

وفي مقابل هذه المزايا سوف تتأثر حجوم الإيداعات لديه وتتعرض لبعض المخاطر على اعتبار أن المصارف الجديدة سوف تكون منافساً اجتذاب هذه الودائع أو جزءاً منها.

فإذا لم يتمكن المصرف التجاري السوري من المنافسة بتقديمه خدمات مصرفية ذات كفاءة عالية مماثلة لتلك التي سوف تقدمها المؤسسات الجديدة ستتأثر إيداعاته بشكل كبير وجدي.

إ من الضروري النظر إلى أي مصرف بأنه مؤسسة مكتفية ذاتياً تهدف إلى تحقيق الربح، وهذا يتطلب إدخال إصلاحات ذات أهمية على القطاع المصرفي لتحريره من البيروقراطية السائدة في التعامل بالنظام القديم وتحويله إلى مؤسسة مالية قادرة على تقديم آخر ما توصلنا إليه من الخدمات المصرفية. ويمكن الوصول إلى هذا الهدف إذا تعاملت كافة الأطراف يداً بيد لتحقيق الهدف المنشود.

دعونا ننظر سوية إلى المجالات المختلفة التي تحتاج إلى الاهتمام:

1-   الطاقات البشرية:

وسأبدأ بهذا الموضوع لأنه أكثر أهمية، فالمصرف يكون جيداً بقدر ما يتمتع به موظفيه من الخبرة والمعرفة، وأنا متأكد أن هناك عدد من العاملين الممتازين ممن كرسوا حياتهم لعملهم ولفائدة مستخدميهم.

ومن الملاحظ أن مصارفنا متخمة بالموظفين، مما يشكل عبئاً على العاملين الناشطين، لذلك أرى من الضروري إعادة النظر في عدد الموفين الذي يحتاج إليهم كل قسم أو فرع لنضمن سير العمل بشكل أكثر فاعلية والاستفادة من فائض العمالة في مجالات أخرى. وهذا يتطلب إيقاف سياسة التوظيف بالواسطة، وإنصاف العاملين الجيدين بتقديم التعويضات التي يستحقونها واتباعهم لدورات تدريبية محلية مستمرة حسب دراساتهم ومؤهلاتهم، كما يجب إرسال الأكثر كفاءة منهم إلى الخارج لاتباع دورات تدريبية.

إن الأجر والتعويض المناسب المعطى إلى الموظف الكفؤ سوف يغنيه عن البحث عن عمل إضافي لتأمين حاجاته وحاجة عائلته.

والخبرة تؤكد بأنك تستطيع الحصول على إنتاجية عمل أفضل من العاملين الذين تكفيهم رواتبهم مما يمكنهم من تخصيص كل طاقاتهم واهتماماتهم لعملهم.وأنا على يقين بأن الزيادات في الرواتب سوف تؤدي إلى خلل كبير في سلم الرواتب المعمول به حالياً في القطاعات المختلفة.

ومن ناحية أخرى هناك العديد من الطرق لمكافأة الموظفين الجيدين، كما أعتقد بأن المصارف سوف تدفع رواتب أعلى مما هو معمول به في الوقت الحاضر.

وإذا لم يتم تعديل سلم الرواتب فمن الصعب على المصارف القائمة حالياً الاحتفاظ بموظفيها لأنه سوف يتم اجتذابهم للعمل في هذه المصارف الجديدة ويبقى الموظفون الأقل كفاءة في المصارف الحكومية.

2-   التكنولوجيا

ولتقدم الخدمات المصرفية الجديدة لا بد من استعمال الوسائل والطرق العلمية الحديثة. ومن الملاحظ أن أبسط خدمة مصرفية كسحب مبلغ من حساب شخص تتطلب إشغال عدو موظفين ووقت طويل. وفي الحقيقة فإن هذه العملية يجب أن لا تتطلب أكثر من دقائق معدودة إذا استعمل أمين الصندوق الكمبيوتر الذي يوضح رصيد حساب المتعامل لدى المصرف.

فإذا توفرت مثل هذه الخدمات السريعة يلجأ معظم الناس إلى إيداع مدخراتهم في المصرف عوضاً عن إبقائها في المنزل أو المكتب. وهذا المثال البسيط المعروف لدى كل منا يبرهن على ضرورة وأهمية تحسين الخدمات المصرفية.

إن وضع آلات صرف النقد داخل أو خارج الفروع من شأنه تقديم مساعدة كبيرة للجميع. كما أن اعتماد نظام إلكتروني متكامل لإدارة المصرف من شأنه مساعدة الإدارة والعاملين والزبائن.

وهناك استعمالات أخرى متعددة للتكنولوجيا يمكن الاستفادة منها وعلى علمي هي قيد البحث حالياً.

3-   نظام المقاصة:

إن الطريقة المتبعة حالياً لإجراء المقاصة بين فروع المصرف تحتاج إلى عدة أيام لتنفيذها وتطول هذه المدة أو تقصر حسب مكان الفرع المسحوب عليه.

كما أن تصحيح خطأ في إرسال حوالة إلى حساب في فرع ما، تستغرق عدة أيام حتى ولو اكتشف الخطأ في حينه.

وهذه الحالة غير مقبولة في الوقت الحاضر ويجب اعتماد طريقة تحتاج إلى وقت قصير لإجراء المقاصة المطلوبة.

إن دراسة هذه المشكلة واتخاذ الخطوات المناسبة لحلها من شأنه تحسين الأداء المصرفي بشكل ملموس. وعلى المدى الطويل يكون الحل باعتماد نظام إلكتروني كامل للتحويلات والتقاصي الآلي واستخدام الوسائل الحديثة لشبكات الاتصال بين المصرف وفروعه.

وعلى سبيل المثال فإن إجراء حوالة مصرفية من فرع في دمشق إلى فرع في حلب يتم خلال ثواني.

وسوف يأخذ نظام المقاصة الآلية أبعاد جديدة عند افتتاح مصارف خاصة في القطر مما يسهل عمليات المقاصة أيضاً بين المصارف المختلفة وليس بين المصرف وفروعه فحسب.

4-   المعهد المصرفي

يشكل إنشاء المعهد المصرفي عنصراً هاماً ومساعداً في تدريب وتأهيل الجهاز المصرفي. ويجب على المؤسسات المصرفية والمالية إنشاء هذا المعهد لتثقيف وتدريب العاملين في المصارف على مواضيع مختلفة. وهذه المعاهد تقوم بتدريس النظم المصرفية التقليدية مثل فتح الاعتمادات وعمليات القطع الأجنبي بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة.

كما أقترح إدراج مناهج إدارة الأعمال ضمن برامجها حيث يمكن للمشاركين في هذه الدورات التدريبية اختيار مادة أو مادتين للدراسة في كل دورة ويمنح الشهادات العلمية للمشاركين فيه.

كما نقترح أن تتألف الهيئة التدريسية لهذا المعهد من المدرسين المحليين والعرب أو الأجانب عندما لا تتوفر الخبرات المطلوبة محلياً، وهذا يضمن حصول الطلاب على مستوى متقدم من المعرفة والعلم المصرفي. إلا أنه حين تتوفر هذه الخبرة محلياً يُحتمل حينئذٍ أن تصبح غالبية الجهاز التعليمي من العناصر الوطنية. وحتى لا يقضي موظفو المصارف أوقات الوظيفة في المعهد، تقام جميع الدورات خارج أوقات عمل المصرف.

إن الملاحظات السابقة حول تطوير جهاز المصرف التجاري السوري قابلة للتطبيق على المصارف المتخصصة الأخرى العاملة في القطر. فأعتقد أن تحديثها سيكون أسهل من تحديث المصارف التجارية وبوقت أقل.

كما أنه يتوجب على جهاز المراقبة المصرفية الاستفادة من هذه النظم المتطورة في أداء عمله لحماية حقوق المودعين والمتعاملين مع المصارف.

وهذه الناحية الأخيرة لم تصبح إلى الآن مشكلة نظراً لامتلاك الدولة لجميع المصارف واضطلاعها بموضوع ضمان الودائع.

وبما أن سورية مقدمة على إنشاء سوق للأوراق المالية، يتوجب علينا اختيار أفضل السبل لتنظيم الاستثمار المصرفي.

هل يجب أن تكون المصارف الاستثمارية منفصلة عن المصارف التجارية أم مندمجة معها؟

إن هذا في الحقيقة موضوع يحتاج إلى دراسة وعناية خاصة. فمن وجهة النظر الحكومية من المفضل دمج الاستثمارات والأعمال التجارية المصرفية ضمن مؤسسة واحدة لتسهيل الرقابة. كما أن هذا ضروري لأغراض تنمية أعمال المصرف.

وإذا كان ذلك غير قابل للتطبيق فإن نوعاً من التعاون والمشاركة بين الناشطين يجب أخذه بعين الاعتبار.

وفي الختام لا بد لي أن أؤكد على أهمية التحرك إلى الأمام في تطوير وتحديث النظام المصرفي وأن نجعل هذا التطور الفني متوفراً لدى كافة قطاعات الاقتصاد.

ولتعطي الجهود المبذولة نتائجها، يجب إصدار القوانين والتشريعات الداعمة للمرحلة المصرفية الجديدة. وعلى كل منا أن يؤدي دوره، وليس هناك من دور أهم من دور الحكومة التي تساعد على نجاح مثل هذا المشروع الهام في تطوير الاقتصاد السوري.

أخيراً وليس آخراً، أشكر جمعية العلوم الاقتصادية التي أعطتني الفرصة لأكون معكم اليوم، وأيضاً أشكركم على حضوركم المميز لهذه المحاضرة.

والسلام عليكم ورحمة الله

أ. كوستي شحلاوي



* مستشار مصرفي/ لندن