تحديث القطاع المصرفي السوري :

اتجاهات التحديث وقواعده

 

الدكتور مكرم صادر

 

أمين عام جمعية مصارف لبنان


 

يهمني بدايةً أن أؤكد أنني أشارك في هذه الندوة لأنها ندوة حوارية ومطرح للنقاش المفيد في مسألة حيوية لمستقبل الاقتصاد السوري في فترة تتبلور فيها مع القيادة الجديدة للبلاد إرادة واضحة بضرورة تسريع عملية التحديث، وأشارك في الحوار بشأن المسألة المطروحة من موقعي في جمعية مصارف لبنان حيث شاركتُ عن كثبٍ بكل تواضع خلال السنوات العشر الماضية في ورشة تحديث وتطوير القطاع المصرفي اللبناني. وهاتان الورشة والمشاركة مستمرتان طبعاً.

 

أولاً - المصـــارف والنمـــوّ الاقتصــادي.

 

لا يشكّل تطوير وتحديث الجهاز المصرفي والمالي هدفاً لذاته بل بغرض إزالة إحدى العوائق الأساسية للنمو الاقتصادي والتي تتمثّل في تخلّف بنية الوساطة المالية ولجعلها عاملاً مساعداً على النمو. ومعلومٌ ان الناتج الحقيقي للفرد قد تراجع خلال الربع قرن الأخير في المنطقة العربية ومنها سوريا بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي. أي ان النموّ الحقيقي لا يكفي في منطقتنا العربية لموازنة النموّ السكاني خلافاً لمعظم المناطق الجغرافية الأخرى في العالم. وفي أسباب تردّي النموّ ضعف الإدخارات المُتاحة للاستثمار والتنمية. وليس خافياً ما للبنية المالية الملائمة والسليمة من دورٍ إيجابي تؤديه في تعبئة الموارد المالية. ولا تُقتصَر أهمية البنى المصرفية والنقدية السليمة والمؤاتية للنمو على تعبئة الموارد بشكل مدخرات بل تتعداها، وهذا أساسي، إلى تخصيص الموارد على الأنشطة والقطاعات الاقتصادية.  ان تحييد النقد وتقليصه وتغييب الجهاز النقدي والمصرفي يزيد التشويهات الحاصلة في تخصيص الموارد. فتتحكم عندها مصفوفة الأسعار المقررة إدارياً كأسعار القطع والفائدة المتعددة في عملية تخصيص الموارد وتالياً في توزيع المداخيل. وهكذا يُفسّر ضعف بنى الوساطة المالية جزئياً استشراء التوظيفات غير المنتجة والمداخيل غير المرتبطة بأية إنتاجية أو فعالية اجتماعية. 

 

طبعاً ان مسألة تباطؤ أو تراجع أو توقف أو انطلاق النموّ هي على قدرٍ كبير من التعقيد. ولا يعني توفّر بنية مصرفية مالية متطورة شرطاً كافياً للنموّ المستدام. فتضخّم البنية المصرفية المالية قد يُصبح عائقاً أمام النمو. إذ يُحدث بدوره تشوّهاً في تخصيص الموارد ويُعبئها باتجاه التوظيفات القصيرة الأجل والسائلة. ويقتطع من الاقتصاد الحقيقي حصة متزايدة تزيد من كلفته وتخفِّض من قدرته التنافسية.

 

وهكذا لا يعني ضمور القطاع المصرفي والمالي في سوريا وتضخمه في لبنان إمكانية التكامل الآلية. فالتشوّهات التي تقف وراء ضمور الأول وتضخم الثاني لا تسمح باعتقادنا بالتكامل. فالتكامل يبنى على الميزات النسبية الطبيعية والمكتسبة وليس على الاختلالات البنيوية المطلوب تصحيحها في البلدين كمدخل لعلاقات نافعة ومفيدة في الاتجاهين.

 

ثانياً - في ضرورة الإصلاح النقدي والمالي والاقتصادي.

 

تتعلق المجموعة الثانية من الأفكار بمفهوم النقد وبعلاقته بالمصارف، من جهة، وبعلاقة النقد والمصارف بالاقتصاد من جهةٍ اخرى. ومن البديهي القول ان لا نقد في المفهوم الأولي للكلمة دون مصارف أي دون ائتمان. فالنقد والائتمان توأمان لا ينفصلان ويعود ذلك الى كون الائتمان أي التسليف أو الإقراض هو الوجه الآخر للنقد أي للمدخرات والودائع. أي ان النقد أو كتلة النقد تحدد بالعناصر المقابلة كما هو معروف.

 

فوجود النقد يرتبط، من جهةٍ أولى، بوجود المصارف وسلامة النقد لا تكون بغير سلامة الجهاز المصرفي. فالجهاز المصرفي بما هو مصرف مركزي ومؤسسات مصرفية يخلق النقد ويديره. وهكذا فإن تطوير القطاع المصرفي يمر حكماً بوجود مصرف مركزي يتمتع بالمصداقية والاستقلالية الكافية لإدارة النقد والسهر على سلامة المصارف.

أما القول إن قوة النقد أو المصارف هي من قوة الاقتصاد فقولٌ أيضاً صحيح. ذلك ان الإقراض (الائتمان) الذي هو الوجه الآخر للنقد يجب إن يستند إلى تدفقات اقتصادية حقيقية (Real cash flow) يعبّر عنها بالعناصر الثلاثة المقابلة للنقد في ميزانية الجهاز المصرفي وتحديداً : الإقراض للخارج وللقطاع العام وللقطاع الخاص. أما الإقراض للخارج فيتطلب فائضاً في الميزان الجاري للبلد بينما يتم اللجوء إلى الاقتراض من الخارج لتجير هــوة الحساب الجـاري (Current account). فالتوازن في المبادلات الجارية بين البلد وسائر العالم يشكل مع الوقت إحدى دعائم استقرار النقد وسلامة الجهاز المصرفي. ويطل على نظام الصرف واستقراره كذلك. وأما الإقراض للقطاع العام فيستدعي ان يكون للدولة مدا خيل حقيقية أي متأتية عن نظام ضرائبي مستقرّ في مردوده وعادل في تكليف المؤسسات والفئات الاجتماعية. وان يكون للمؤسسات العامة أيضاً تدفقات حقيقية موثّقة بأنظمة محاسبية عادلة في تبيان نتائج المؤسسات. وأما الإقراض للقطاع الخاص فيتطلب بدوره تدفقات حقيقية بشكل أجور وأرباح للأفراد والأُسـر وأن تكون المؤسسات منتجة وقادرة على توليد قيمة مضافة كافية لسداد الديون وفوائدها بعيداً عن الإفادة من التحويلات والريوع غير المتربطة بعملها كمؤسسات أو أفراد بل من موقعها المستفيد من تشوّهات في هياكل أسعار الصرف والفائدة وما إليها. بالإضافة إلى كل ذلك يفتقر قطاع المؤسسات الى محاسبة على أساس القيم وليس الكميات. وان تتجسد القيم بحقوق مالية على البضائع والخدمات والأصول فلا تضطر المصارف إلى التعامل "بالثقة" لغياب الحقوق المالية القابلة للتداول.

 

إننا نورد كل ذلك لنقول إن تطوير المصارف يمرّ حكماً بإصلاح نقدي يخلق سلطة مركزية ورقابية ذات مصداقية واستقلالية ويمر بإصلاح مالي يفضي إلى توفير مدا خيل مستقرة وكافية للدولة من خلال نظام ضريبي فعّال وعادل. وتمرّ أخيراً بإصلاح آليات عمل الاقتصاد بحيث يتكافأ التعامل مع الخارج وبحيث ينشأ قطاع مؤسسات خاصة منتجة وقابلة للمنافسة. الإصلاح المصرفي يمر حكماً بالإصلاح الاقتصادي والإصلاح النقدي والإصلاح المالي. وليست عملية محض تقنية. وهذا لا يعني أن الجوانب التقنية من عملية تحديث المصارف ليست هامة، بل هي هامة جداً وصعبة ومعقدة وتتطلب جهوداً مستمرة ومنتظمة. ويترتب عليها كلفة كبيرة في الوقت والمال.

 

وعليه تجدني مسروراً بتهنئة جمعية العلوم الاقتصادية أي الجهة المنظمة لندوة الثلاثاء إذ أدرجت في برنامجها بتسلسل منطقي مسائل الإصلاح المالي والإصلاح النقدي واليوم موضوع الإصلاح المصرفي. وأردت التأكيد على ذلك وضعاً لمداخلتي حول الجوانب التقنية لعملية تحديث المصارف في إطارها الصحيح.

 

ثالثاً - فــي بعــض الجوانــب العمليــة والمهنيــة.

 

انخرطت الصناعة المصرفية في التطورات التي تشهدها الاقتصادات والأسواق العالمية بوتائر متسارعة منذ مطلع الثمانينات. وما زالت. ففي موازاة انفتاح الأسواق واندماجها بل وبنتيجتها بلورت الجهات الفاعلة وتحديداً بنك الاحتياطي الفدرالي وصندوق النقد الدولي والمجموعة الأوروبية ولجنة بازل ولجنة المحاسبة الدولية قواعد وضوابط ومعايير للعمل المصرفي والمالي. كما أتاحت التطورات التقنية في البلدان التي تنتمي إليها ذات الجهات الفاعلة المذكورة تحولات جذرية في تقنيات ونُظُم العمل المصرفي والمالي خاصةً لجهة جمع المعلومات وحفظها ومعالجتها وبثها بكمٍّ هائل وطاقة كبيرة وسرعة فائقة وبكلفة مخفوضة. وأدى اعتماد هذه المعايير والقواعد من جهة وإدخال التقنيات ونُظُم العمل من جهة ثانية، الى تطوير الهياكل التنظيمية والإدارية للمؤسسات المصرفية والمالية لتتلاءم من جهة مع الأنشطة والعمليات التقليدية والجديدة التي باتت تؤديها ولتتلاءم من جهة ثانية مع حجم ونوعية المخاطر الجديدة المطلوب قياسها ومتابعتها والتصدي لها.

 

وفرضت مجمل هذه المستجدات نفسها على معظم كي لا نقول كل السلطات النقدية والرقابية وعلى كل القطاعات المصرفية المنفتحة أو العاملة في الإطار الدولي. وسأحاول التوقف باقتضاب شديد عند المناحي العامة لهذه التحوُّلات القائمة عالمياً :

 

 1. على صعيد العمليات والأنشطة فقد باتت العمليات التقليدية التي تقوم بها المصارف (حسم السندات والسلــف على البضائــع.. وفي الحســاب الجاري والاعتمادات المستندية والكفالات والقبولات) جزءًا يسيراً من عملها الذي توسع ليشمل تمويل المشاريع (Corporate Finance) والتمويل التأجيري (Leasing) وإدارة الأمــوال والمحافظ (Private Banking) والصيرفة الاستثمارية (Investment banking) والصيرفة الإسلامية (Islamic banking) والوساطة المالية (Brokerage) وعمليات شراء الديون دون حق الرجــوع (Factoring).

وبنتيجة دراسة ميدانية أجراها صندوق النقد الدولي منذ سنوات في أكثر من خمسين بلداً، يتبيّـــن أنه ليس من نمـــوذج موحّد في كيفية تعاطي السلطات النقدية مع توسّع عمل المصارف. ففي بعض البلدان يُسمح للمصارف بأداء معظم هذه الأنشطة الجديدة مباشرةً وفي البعض الآخر من خلال شركات مستقلة تملكها المصارف كاملةً. وفي اعتقادي يفضل في بلداننا، حيث حجم الأسواق صغير نسبياً وتوفُّر العمالة الماهرة والمتخصصة أقرب الى الندرة واقتصاداً في الإدارات والإمكانات المحدودة، يفضّل السماح للمصارف القيام مباشرةً بهذه الأعمال إلا بعضها كالوساطة في البورصات والليزينغ. ويفترض هذا التوجّه في المقابل تقوية أجهزة الضبط والرقابة وفرض معايير ونُظُم للعمل صارمة وقواعد محاسبية دقيقة حفاظاً، ليس فقط على سلامة المؤسسات المصرفية والمالية، بل وهذا الأهم، حفاظاً على مدخرات الناس وأموالهم.

 2. وعلى الصُعُد التنظيمية، يطغى منحى فصل المُلكيّة عن الإدارة. مما يفترض مجالس إدارة مكوّنة من أعضاء فاعلين وقادرين على مواكبة الإدارة الفعلية للمؤسسة ومحاسبتها على تحقيق الأهداف المرسومة والنتائج المرجوة على ضوء السياسات والأنظمة الموافق عليها وأن يتوفر لمجالس الإدارة إطلاع بوتيرة مقبولة على مجريات الأمور من جهة شبه مستقلة عن الإدارة على الأرض. وتضمنت توصيــات لجنة "بازل" إنشاء لجنة تدقيــق (Audit Committee) تابعة لمجلس ترفع إليه تقارير دورية (نصف سنوية على الأقل) عن مدى التزام الإدارة بالسياسات والنُظُم الموافق عليها. وتشدد توصيات بازل كذلك من جهة على فعالية واستقلالية مستويات الرقابــة، ومن جهة ثانية على تعاونها. فأجهزة الرقابة الداخلية هي عين الإدارة على سير العمل ولجان التدقيق عين مجالس الإدارة على الإدارة ومراقبو الحسابات الخارجيين (External Auditors) وهم عين المساهمين على مجالس الإدارات والإدارات، وأخيراً لجنة الرقابة على المصارف لها مهمة السهر على أموال المودعين والحفاظ على المدخرات العامة. وتستدعي ضرورات العمل المصرفي السليم إزاء التشعّب الحاصل في النشاط وإزاء تنوّع الخدمات ورقعة انتشار حجم العمليات وجود أنظمة واضحة للمحاسبة والمعلوماتية واخرى لتقويم المخاطر ومتابعتها والتصدي لها بالإضافة الى أنظمة التسليف. وتتطلب بلورة هذه الأنظمة كلها والإجراءات التي تسمح بوضعها موضع التنفيذ العملي وكذلك استيعابها وتطبيقها من قبل العاملين، تتطلب حيّزاً كبيراً من الوقت والجهد والكلفة.

 3. وفيما يعود للنسب والقواعد الاحترازية  الأساسية (Prudential Ratios) فانها تطاول سبعة مجالات. يتمثل أولهــا بالحد الأدنى لرأسمال المصرف الجديد كما يتبيّن من الجدول المرفق، يبقى الحد الأدنى متدنياً ويتراوح عالمياً بين 2 و10 ملايين دولار. ويكمن ثانيهــا، في معدل كفاية الأموال الخاصة (Capital adequacy ratio) والذي جعلته اتفاقية بازل للعام 1988 عند 8% من الموجودات المرجحة بأوزان المخاطر. وتقترح الاتفاقية الجديدة التي نشرت في كانون الثاني 2001 مقاربــةً أكثر تعقيداً سنعود اليها لأهميتها. ويعود ثالث النسب الاحترازية الى ما يعرف بالمخاطر الكبرى أي الإقراض لعميل واحد (فرداً أم مؤسسةً أم مجموعة مؤسسات مترابطة) وقد رُبِطَ حجم الإقراض هذا بنسبة 25% من الرأسمال الأساسي للمصرف (Core capital) مع ضابط آخر يقضي بعدم تخطّي مجموع المخاطر الكبرى أضعافاً محدودة من إجمالي الرساميل. ويتمثل رابعهــا، بما يُعرف بالإقراض للجهات المقرّبة (Lending to related parties) والتي يتوجب ربطها أيضاً بنسبة محددة من الأموال الخاصة الصافية تتراوح بين 15% و25% على ان لا يتعدى مجموعها 100%. ومن النسب الاحترازية خامسـاً نسبة السيولة والتي تختلف باختلاف مجموعات البلدان. وطبعاً باتت لا تقتصر على معدلات الاحتياطي الإلزامي على العملة الوطنية بل باتت تشمل العملات الأجنبية وطبيعة الأدوات المستعملة وأسعارها السوقية والجهات المصدرة لها وتوافر تسييلها في الأسواق المنظمة. ويكمــن سادسهــا، في المعايير المحاسبية المعــروفة بالـ IAS 32. وأدخلــت الـ IAS 39 تعديلات إضافية. ويعود سابــع القواعد الاحترازية الى ما يعرف بمراكز القطع (Foreign Exchange Exposure). وبينما تحددها السلطات النقدية الأميركية حسب كل حالة، ينصح صندوق النقد الدولي ولجنة بازل بتحديد حدود لمراكز القطع. فقد اعتمدت أوروبا نسباً تتراوح بين 10% و15% من الأموال الخاصة لمراكز القطع العملانية (Trading position) على ان لا يتخطى مجموعها في جانب الموجودات أو في جانب المطلوبات 40% من الأموال الخاصة. وأقــرّت بمبدأ مراكز القطع البنيوية (Structural position) لحماية الرساميل من تقلبات معدلات الصرف.

 4. تقنيات العمل و أنظمة الدفع : الحاجة ملحة إلى رؤية مصرفية موحدة و شبكة مصرفية موحدة .

لا ينفصل النقاش في هذا الموضوع بل ينخرط في سياق ما أشرنا إليه من التطورات القائمة في الأسواق المالية العالمية و التي تفرضها ظروف و شروط المنافسة على تقديم الخدمات المالية و التي لم تعد حكرا على المصارف . و يمكن للعملاء الحصول عليها من خارج فروع المصارف و من خارج أسواقهم المحلية . و قد أتاحت تكنولوجيا الاتصالات و المعلوماتية و الإنترنت الحصول عليها بكلفة منخفضة و بسرعة فائقة . علما أن كلفة بناء شبكات الاتصال و البث التي ستحتاجها المصارف و تحصينها بأنظمة الأمان الضرورية هي كلفة عالية . كما وأن كلفة تحديثها و صيانتها و إدارتها بدورها عالية . ويصعب بناؤها دون تعاون كامل الأسرة المصرفية في البلد المعني بما فيها المصرف المركزي كمقدم للخدمات . و يعتبر هذا التعاون قضية محورية لمستقبل التطور التقني لكامل الجهاز المصرفي و المالي . فأنظمة الدفع الحديثة قوامها الأساسي المصارف التجارية . فهي التي تجري التحويلات في الداخل و مع الخارج . و هي التي تصدر و تدير بطاقات الائتمان وهي التي تستثمر في شبكات الصراف الآلي

(ATM’s) . و هي التي تصدر الشيكات وتجري مقاصتها . وهي التي تجري لحساب القطاع العام مقبوضا ته و مدفوعا ته من ضرائب ورسوم و بدلات الخدمات العامة (كهرباء, تلفون , ورواتب و أجور ) و هي التي أخيرا تنظم تداول النقد (CASH ) الذي تصدره المصارف المركزية و مؤسسات النقد . فانطلاقا من هيمنة المصارف التجارية على أدوات و شبكات الدفع لا بد من نقاش هادئ و مسؤول يحدد بوضوح دور ووظيفة طرفي المعادلة في أنظمة الدفع عنينا بها المصارف المركزية و المصارف التجارية . و مساهمة في مثل هذا النقاش يهمنا التوقف عند المبادئ الثلاثة الأساسية التي لا بد و أن تحكم العلاقة فيما خص نظام المدفوعات بين  المصارف المركزية التجارية :

 

-    تشكل أولا أدوات الدفع و شبكاتها , استثمارا و إدارة و تشغيلا , جزءا هاما من النفقات العامة في المصارف التجارية . وهم السيطرة على كلفتها و تخفيضها هم أساسي لدى المصرفيين . وعليه لا بد و أن تظل ملكية الشبكات و الأجهزة و البرمجيات للمصارف . فالخيارات التقنية و ما يترتب عليها من أكلاف يجب أن تظل مسؤولية المصارف التجارية و ليس طبيعيا أو من مصلحة المصارف المركزية أن تتولى أعمالا تجارية (معالجة المستندات , بث معلومات , صيانة الأجهزة , …. ) و بالعكس الطبيعي و المطلوب أن تتدخل السلطات النقدية للتأكد من تطابق الخيارات المصرفية مع القواعد والمقاييس العالمية من جهة ومن كون الشبكات منفتحة على بعضها و مع الأنظمة العالمية من جهة ثانية و ذلك في مصلحة الدورة الاقتصادية و في مصلحة العملاء الاقتصاديين . فمسؤولية المصارف التجارية في الملكية و الإدارة . و مسؤولية المصارف المركزية في الضبط و الرقابة . فيتم التوفيق عندها من جهة بين مقتضيات أمان الأنظمة و حسن أدائها و التحكم بالمخاطر النظامية Systemic Risks  و هي غاية المصارف المركزية و من جهة ثانية مع مقتضيات الكلفة و نوعية الخدمات للزبائن و سرية المعلومات وهي هم المصارف التجارية 

 

-    إن تعاون المصارف التجارية في ملكية و إدارة أدوات و شبكات الدفق يجب ألا يعني قطعيا انتفاء المنافسة . فالتطبيقات المصرفية (Banking Application ) و نوعية الخدمات و تنوعها و وما إليها تظل موضع منافسة تجارية بين المصارف .

 

-     وفيما خص إدخال نظام مقاصة أو تسوية المبالغ الكبيرة و المعرف عالميا بنظام ال   RTGS و في سياق ما ذكرناه من المهم جدا أخذ خصوصية كل سوق عربي بالاعتبار عند تصميم هكذا نظام . مرة أخرى قد تتعارض مصلحة المصارف المركزية ألي إرساء نظام يتصف بأعلى درجة من الأمان . و قد يكون مفضلا السير بنظامين لمقاصة المبالغ الكبيرة (Large Value ) . يرتكز الأول على المقاصة المتعددة الأطراف Net Settlement . و يرتكز الثاني على المقاصة الإجمالية Gross Settlement . و تفضل المصارف التجارية طريقة ال: Netting  على طريقة ال: Gross  . و لا يمنع لتقوية جوانب الأمان من إرفاق نظام المقاصة الصافية (Net  System ) بآلية للضمانات بأدوات توظيف عالية السيولة و سهلة التسبيل  كأذونات الخزينة و ما أكثرها في أسواقنا العربية ! كما لا يمنع لتخفيض كلفة استنفار السيولة من إرفاق نظام المقاصة الإجمالية    ( Gross  System ) بآلية الانتظار Queuing Mechanism فنحترم بذلك مقتضيات الأمان وفق توصيات بنك التسويات الدولية و المعروفة بقواعد Lamfalussy  الست .

 

وهكذا إننا أمام ملف هام و شائك . و تقتضي المصلحة الوطنية بالتعاون المسؤول بين

 المصارف التجارية و المصارف المركزية .

 

رابعا    : توجهات اتفاقية " بازل " الجديدة للعام 2001 :

 

في 16 كانون الثاني المنصرم , أصدرت لجنة بازل للرقابة المصرفية العاملة في إطار بنك التسويات الدولية مسودة عملها الأخيرة المتعلقة بالملاءة المصرفية , و هي تقع في 541 صفحة معروضة للنقاش حتى شهر أيار القادم . و ستعطى المصارف في العالم بعد اعتمادها نهائيا في أواخر العام الجاري مهلة تطبيق 3 سنوات تنتهي عام 2004 . وتعني هذه الاتفاقية الجديدة كما اتفاقية بازل للملاءة للعام 1988 كل المؤسسات المصرفية العاملة في الإطار الدولي .

تقوم الاتفاقية الجديدة على ثلاث ركائز  (Pillars ) هي : المستلزمات الدنيا لرأس المال , نهج الرقابة الاحترازية و قواعد الإفصاح عن المعلومات .

 

1)  المستلزمات الدنيا لرأس المال (Minimum Capital Requirements ) : اعتمدت لجنة بازل في الاتفاقية الجديدة مقارنة مع اتفاقية الملاءة للعام 1988 و المعمول بها حتى الآن منهجية أكثر شمولا و توسعا في تحديد المخاطر الفعلية , و مقاربة أكثر مرونة في قياس المخاطر وصولا إلى تقرير حجم الأموال الخاصة . و إذ تبقي الاتفاقية الجديدة على ذات مفهوم الأموال الخاصة ( الأساسية و المساندة ) و على ذات معدل الملاءة ( 8%)  فقد عدلت جذريا نظام الأوزان (Weights) فلم تعد الأوزان تعطى حسب هوية المقترض ( الدولة Sovereign  , المؤسسات Corporate , المصارف الأخرى Banks ) بل باتت مرتبطة بدرجة التصنيف الممنوحة للديون من قبل مؤسسات التصنيف العالمية بما فيها وكالات تمويل الصادرات و حسب معايير محددة فصلتها لجنة بازل . و يترتب على هذا التعديل لنظام الأوزان أن قروض المؤسسات و المصارف الأخرى يمكن أن تحظى بتصنيف أفضل و تاليا بوزن مخاطر أفضل من تلك المعطاة للدولة . بكلام آخر , لم تعد مخاطر المؤسسات حكما تحت سقف المخاطر السيادية . و أدخلت الاتفاقية الجديدة جديدا كذلك في ناحيتين : أعطت من جهة أولى , حرية أكبر للمصارف في قياس مخاطرها ذاتيا بدل نظام المخاطر الوحيد المعمول به حاليا من قبل كل المصارف على طريقة ( one size fits all ) , و فرضت , من جهة ثانية , رسملة خاصة بمخاطر التشغيل ( Operational Risks  ) إضافة إلى الرسملة التي كانت مطلوبة لمخاطر الأقراص و لمخاطر السوق ( Market Risk ) .

 

آ – بالنسبة إلى قياس مخاطر الاقراض (Credit Risk ) و تاليا تحديد مستلزمات تغطيتها بالأموال الخاصة , تتيح الاتفاقية الجديدة للمصارف أن تختار بين مقاربتين : المقاربة المعيارية (Standardized Approach  ) حيث يتم الاعتماد على تصنيف المخاطر من قبل مؤسسات التصنيف و على نظام الأوزان كما أسلفنا أعلاه , و مقاربة التقويم الداخلي : 

( Internal Ratings – Based Approach IRB )أو الذاتي من قبل المصارف بصيغتيها "التأسيسية " ( Foundation IRB ) و المتطورة ( Advanced IRB ) . و يقدر المصرف في الأولى درجة ائتمان العميل و السلطة الرقابية أوزان المخاطر . و يعود في الثانية للمصرف وحده القرار وفق أنظمة قياس للمخاطر موافق عليها من قبل السلطة الرقابية . و الأرجح أن الخيار الأخير سيمنح للمصارف العالمية الكبرى ذات القدرات الذاتية الكبيرة و المشهودة . و تفتح الاتفاقية الجديدة فيما يخص مخاطر الاقراض الباب أمام أخذ تقنيات تخفيض المخاطر بالاعتبار بما فيها تقنيات الحماية Hedging  عن طريق المشتقات أو تقنيات تسنيد الموجودات

( Asset  Securitization  ) مع تمييز بين المنشئ و المستثمر و الوسيط .

 

ب – بالنسبة إلى مخاطر التشغيل ( Operational  Risk ) , اقترحت الاتفاقية في مرحلة أولى أن يخصص لها نسبة 20% من إجمالي الأموال الخاصة , و ذلك استنادا إلى ما توفر للجنة بازل حتى الآن من معطيات نتيجة المشاورات الموسعة التي أجرتها مع عدد كبير من المصارف في العالم . وضمنت اللجنة الاتفاقية ثلاث مقاربات يمكن للمصارف أن تلجأ إليها في مرحلة ثانية لتقدير مستلزمات الرسملة لتغطية هذا النوع من المخاطر . تتمثل المقاربة الأولى في اعتماد مؤشر أساسي ( Basic Indicator  ) كالناتج المصرفي الإجمالي للتعبير عن الاكلاف التشغيلية و تطبيق نسبة مخاطر ( Alpha Factor  ) عليه تحدده السلطة الرقابية . أما المقاربة الثانية الموصوفة بالمعيارية ( Standardized Approach  ) فيعتمد المصرف فيها مؤشرا مختلفا لكل نوع من أنواع نشاطه ( Private Banking , Corporate Finance , Etc. ... ) و يطبق عليه نسب مخاطر ( Beta Factor  ) تحددها أيضا السلطة الرقابية . أما المقاربة الثالثة فتقوم كما في مخاطر الاقراض على التقدير الذاتي للمخاطر التشغيلية من قبل إدارات المصارف , و ذلك استنادا إلى تجربتها و المعطيات التاريخية لديها . و تستخلص منها حسب كل نشاط من أنشطتها مؤشرا أساسيا و مدى توقع حدوث خسائر تشغيلية و حجم هذه الخسائر عند حدوثها . و يطبق على الحصيلة نسبة مخاطر ( Gamma  Factor  ) ضمن لائحة توصي بها لجنة بازل حسب نوع النشاط .

 

2 ) منهاج الرقابة الاحترازية ( Supervisory Review Process  ) : ان وضع الاتفاقية الجديدة للملاءة المصرفية موضع التنفيذ يتطلب دورا متزايدا  للسلطات الرقابية الوطنية . ففي مقابل توسيع و تنويع  مناهج قياس المخاطر و تحديد مستلزمات الأموال الخاصة , و في مقابل المرونة الكبيرة المتروكة للتقدير الذاتي لإدارات المصارف يصبح ملحا تطوير مناهج الرقابة الاحترازية ووسائل عمل السلطات الرقابية و قدرات المراقبين . و هذا ما حدا بلجنة بازل إلى جعل الرقابة الاحترازية الركيزة الثانية ( Second Pillar  ) في البناء الجديد لكفاية رسا ميل المصارف . و قد تضمنت الاتفاقية الجديدة أربعة مبادئ تقوم عليها الرقابة الاحترازية . يتوجب على المصارف عملا بهذه المبادئ أن يكون لديها نظام لتقدير مستوى الرسملة المطلوبة مقارنة مستوى مخاطرها بالإضافة إلى استراتيجية واضحة لابقاء الرأسمال عند المستوى المتوجب إذا زادت المخاطر . و أن تتأكد السلطة الرقابية من توفر هذين النظام و الاستراتيجية , و أن تفرض دوما تكوين رأسمال أعلى من الحد الأدنى المتوجب نظرا لميل المصارف إلى التقليل دوما من حجم مخاطرها, و أن تبقى جاهزة للتدخل المبكر للحؤول دون أي تدن للرساميل . و بالمقابل , تفرض الاتفاقية على المراقبين أن يتمتعوا بالكفاية و الخبرة و أن يكون عملهم شفافا و أن يكونوا خاضعين بدورهم للمساءلة .

 

3 ) مستلزمات الإفصاح ( Disclosure  ) أو سلوكية السوق ( Market Discipline  ) :

جعلت لجنة بازل من مستلزمات الإفصاح الركيزة الثالثة ( Third Pillar ) التي يقوم عليها صرح الملاءة المصرفية . و شددت في توصياتها بشأنها على ضرورة إعلام المشاركين في السوق , ليس فقط بمدى ملاءمة الأموال الخاصة مع مخاطر المصرف بل و كذلك بالمناهج و الأنظمة المعتمدة لتقويم المخاطر و احتساب كفاية الرساميل . و أكثر من  ذلك , جعلت الاتفاقية الإفصاح و الشفافية شرطا للسماح للمصارف باللجوء إلى مناهج التقويم الداخلي أو الذاتي . و تطالب الاتفاقية بأن تكون للمصرف سياسة إفصاح واضحة و مقررة من قبل مجلس الإدارة , خاصة فيما يعود للمعلومات الأساسية ( Core Information  ) التي يؤدي عدم توفرها إلى تغيير قرار مستعمليها . و طبعا , تشدد لجنة بازل أخيرا على أن يكون الإفصاح مرتبطا بالقواعد المحاسبية الدولية , حيث تعاد حاليا دراسة و صياغة المعايير المحاسبية الدولية (IAS 30 ) .

          و هكذا , سيترتب على اتفاقية بازل الجديدة عند وضعها موضع التنفيذ انعكاسات هامة على إدارة المصارف و نظم عملها و ترسملها و أدائها . و لم تحدد لجنة بازل استنسابيا الفترة بل لعلمها بمدى الجهود و الإمكانات المطلوبة من المصارف و السلطات النقدية و الرقابية على حد سواء , تحقيقا للأهداف المتوخاة , و التي يمكن تلخيصها بضرورة وعي و قياس و مراقبة و معالجة أفضل للمخاطر المصرفية .

 

          خامسا : مكافحة تبييض الأموال : ضرورة الانخراط في الجهود الدولية :

 

1 ) حجم المشكلة عالميا : تؤكد الدراسات و الإحصاءات الجدية المتوفرة , بالرغم من التعقيدات المفهومية و العملية المحيطة بالموضوع , أن حجم الأموال المرتبطة بالجريمة المنظمة تتراوح بين 2% و 5 % من الناتج الاقتصادي العالمي ( صندوق النقد الدولي ) . فإذا كان الأخير بحدود 30 ألف مليار دولار عام 1998 فان الأموال التي يجري تبييضها سنويا تتراوح بين 600 و 1500 مليار دولار أمريكي . و لا يتأتى طابعها العالمي من حجمها الضخم فقط بل من مدى تغطيتها الجغرافية الواسعة لناحية منشأها و لناحية مراكز تبييضها و لناحية وجهة استثمارها النهائي . و يضيق هذا المقال بتفصيل التوزع الجغرافي لهذه الأموال . و تشير التقديرات إلى أن ثمانين بالمائة منها تنشأ في اقتصادات مجموعة الدول السبع ( G 7 ) مضافا إليها روسيا و الصين و رومانيا و إسبانيا و هونغ كونغ . و تستحوذ الولايات المتحدة لكونها الاقتصاد الأكبر حجما في العالم بالحصة الكبرى و التي تقدرها بعض النماذج ب: 46% . و يتم تبييض هذه الأموال الضخمة جزئيا في بلاد المنشأ المشار إليها بنسب متفاوتة و جزئيا عبر الجنات الضرائبية و مراكز الأوف شور كجزر كيمان , البهامس, برمودا , اللوكسمبورغ , ليشتشتاين , جيرسيه , غرنيزيه و موناكو و غيرها . و تتوجه الأموال التي يتم تبييضها بمعظمها ألي الاقتصادات المتطورة بشكل رئيسي . فليس خافيا أن هذه الأموال الضخمة تحتاج إلى فرص توظيف و استثمار مجدية . و تحتاج لتقنيات و أدوات مالية حديثة و متطورة . و تحتاج إلى أسواق مالية منظمة و كبيرة و تتسم بالعمق و السيولة . كما تحتاج إلى بنية وساطة مالية كفؤة و مؤهلة لإدارتها . و تفتقر بالتأكيد معظم بلدان دول العالم الثالث حتى الموصوف منها بالناشئة لمثل هذه البنى المؤسساتية و للأسواق ذات العمق الكافي . و ليس خافيا كذلك أن ما يسمى بالجنات الضرائبية و مراكز الأوف شور المالية تزدهر بشكل أساسي بفضل تعامل الاقتصادات الكبرى معها . كي لا نقول أنها تشكل قواعد خلفية ( أو أمامية ) لها.

و يسهل على الدول المعنية السيطرة على الأنشطة الغير الشرعية القائمة في هذه المراكز لو توفرت الإرادة السياسية أو لو انتفت حاجتها إليها . و لكن تكونت قناعة أكيدة بضرورة جعلها تلتزم بقواعد اللعبة مع تساؤل عن مبرر وجودها بعد أن توسع مفهوم الأموال "القذرة " أو غير المشروعة ليشمل ليس فقط مجال المخدرات و المؤثرات العقلية فحسب بل و كذلك التهرب و التسرب الضريبي ( Tax Evasion  ) . فكيف نوفق بين الجنات الضريبية و مكافحة التهرب الضريبي ؟؟ ! و ما دمنا في المجال المفهومي تجدر الأشرة إلى أن الأموال الناتجة أو المرتبطة بالفساد ( Corruption  ) هي الأخرى باتت مشمولة ضمن الأموال " القذرة " المطلوب مكافحة تبييضها . و غالبا ما تنتج عن سرقة المال العام أو عن الرشاوي " و العمولات " المدفوعة للحصول على صفقات و مشروعات عامة أو لاتمام مبيعات أسلحة و ما إليها من عمليات مع القطاعات العامة . و جرت الإشارة إلى أن الفساد يضعف فرص المنافسة المتكافئة خاصة بين الشركات العالمية علما أنها في معظم الحالات تمارسه للفوز بصفقات أو بمناقصات .

 

2 ) انتظام المجتمع الدولي انطلاقا من الطابع العالمي للجريمة المنظمة و من الطبيعة الديناميكية و المتحركة لمفهوم التبييض بدأت المواجهة تنتظم بدورها على نطاق عالمي لكي تتحلى بديناميكية أقوى . و تضطلع على هذا الصعيد المنظمات الإقليمية و الدولية بمسؤولية واضحة خاصة فيما يعود إلى بلورة مفاهيم و مناهج و قواعد و أطر العمل و ترجمتها إلى تشريعات و اتفاقات و آليات تنسيق و تبادل و تعاون .

          و تعمل حاليا الدول الأكثر اهتماما بملف تبييض الأموال في عدة اتجاهات . يأتي في مقدمها استكمال وضع التشريعات الوطنية و تنسيق الإجراءات القانونية و الإدارية بين الدول . فليس جائزا على سبيل المثال أن يحتاج انتقال قاضي التحقيق من بلد أوروبي إلى آخر مجاور له إلى إجراءات إدارية معقدة تستغرقة أشهرا . بينما تنتقل الأموال الجاري تبييضها بكبسة زر ( بالمعنى المجازي و الحقيقي للكلمة ) من حسابات إلى أخرى و من مؤسسات إلى  أخرى و من أسواق مالية إلى أخرى مستفيدة من تحرير الأسواق و من تقنيات البث و الاتصال . أما المحور الثاني الهام الذي تعمل عليه المنظمات المعنية بمكافحة الجرائم الاقتصادية و المالية و منها مجموعة العمل المالي ( FATA ) Financial Action Tax Force  التابعة ل: OECD فهو محور التصريح و المعلومات . و يجري تركيز كبير على أهمية تطوير قواعد و بنوك المعلومات و جعلها تتصل بعضها ببعض فتتفاعل عملية معالجتها و تحليلها و الإفادة منها . أما المحور الثالث فيتناول أهمية التعاون الجدي و الفعال بين الأجهزة و الإدارات المعنية بمكافحة التبييض .فليس كافيا تنسيق التشريعات و تبسيط الإجراءات و ربط شبكات المعلومات. المهم تقوية التعاون بين القيمين على تنفيذ التشريعات و بين من يتولى إدارة شبكات المعلومات و المكافحة على افتراض أنها غير مخترقة و نزيهة و تتمتع بالخبرة و الكفاءة المهنية . فالتعاون أسلوب و ثقافة يتغذيان بالمصداقية و الثقة . و قد يكون هذا البعد محددا لنجاح مجمل الجهود الدولية في مجال مكافحة الجريمة المنظمة . أما المحور الرابع فيتركز على المصارف و المؤسسات المالية نظرا لموقعها المحوري من مجمل العملية . و تتكثف حاليا جهود صندوق النقد الدولي ( مجموعة الثلاثين ) و بنك التسويات الدولي ( مجموعة العشرة G 10  ) و تصب كلها فيما يخص تبييض الأموال على أنظمة التصريح الدوري و المنظم و على الرقابة الذاتية و على رقابة السلطات النقدية . استنادا إلى المبادئ الأساسية للرقابة المصرفية التي وضعت عام 1996 .

 

3 ) معايير التعاون الدولي : تبقى الGAFI أو ال FATF  أي مجموعة العمل الدولي الهيئة العالمية الأهم المعنية بمكافحة تبييض الأموال و هي " مجموعة العمل المالي الدولي "  ال"GAFI"  أو ال"FATF  " و التابعة لمنظمة التعاون و التنمية الاقتصادية  OCDE . و هي التي تصدر سنويا تصنيفا تحدد فيه الدول المتعاونة و الدول غير المتعاونة " Non – Cooperative Countries  " على ضوء أربع مجموعات من المعايير وهي تحديدا :

 

آ – الثغرات في التشريعات المالية : و تشمل هذه المجموعة خمس نقاط , يتعلق أولها بنظم و أجهزة الرقابة على المؤسسات المالية . و يتعلق ثانيها بتقييم مالكي هذه المؤسسات ومديريها عند منح رخصة التأسيس . و يتعلق ثالثها بإجراءات التعرف و التحقق من هوية زبائن هذه المؤسسات . و يتناول رابعها الطابع المتشدد للسرية المصرفية المعمول بها . أما خامسها فيتعلق بوجود ( أو عدم وجود ) نظام فعال للتصريح عن العمليات المالية المشبوهة .

 

ب – العقبات المتمثلة في التشريعات الأخرى ( أي غير المالية ) . و تكمن هذه العقبات من جهة أولى في عدم ملاءمة قانون التجارة ( Droit Commercial  ) لمكافحة التبييض خاصة فيما يعود لسهولة تأسيس الشركات و إنشاء الشخصيات المعنوية دون أية رقابة أو ضوابط . كما تكمن من جهة ثانية في عدم كفاية التحقق من هوية المساهمين و الجهاز الإداري لناحية مصادر أموالهم و نزاهتهم .

 

ج – العقبات التي تحول دون التعاون مع المجتمع الدولي و ذلك على مستويين :

المستوى الإداري ( Niveau Administratif  ) حيث يفترض وجود آليات وأقنية واضحة و منتظمة لتبادل المعلومات بدقة و بسرعة مع الدول , على أن يتم التبادل مع الدول المتعاونة و التي تلتزم من جهتها الحفاظ على سرية هذه المعلومات . و على المستوى القضائي

( Niveau Judiciaire ) حيث تركز المعايير الدولية على ضرورة التجاوب ضمن مهلة زمنية معقولة مع الطلبات الواردة أصولا من الأجهزة القضائية في الدول الأخرى للتحقيق أو الاطلاع على المعلومات و / أو الملفات التي هي بحوزة الأجهزة القضائية الوطنية . و مطلوب من الأخيرة تعاون صادق دون ذرائع حتى تلك العائدة لمسائل ضرائبية . كما يفترض إنشاء جرم التبييض في القانون الجزائي كمدخل لهذا التعاون .

 

د – عدم ملاءمة الموارد المخصصة للوقاية من التبييض و الكشف عنه و معاقبته . و المقصود بذلك توفير الدولة و القطاع الخاص على خد سواء الإمكانات البشرية و المالية و التقنية التي تحتاجها أجهزة مكافحة التبييض . و يتم التشديد في هذا الإطار على كفاءة و نزاهة المسؤولين في الدولة كما في القطاع الخاص عن مكافحة الفساد . فالفاسدون لا يطلب إليهم مكافحة الفساد . كما تشدد معايير منظمة ال OCED التي نحن بصددها على الأهمية القصوى لإنشاء جهاز معلوماتي مالي مركزي يجمع كل المعلومات عن العمليات المالية المشبوهة و يحللها و ينشرها باتجاه السلطات المحلية  و / أو الدولية المعنية .

 

ه – مكافحة تبييض الأموال ضرورة الانخراط في الجهود الدولية و من المهم أن تعطي السلطات النقدية و المصرفية في سوريا منذ الآن  مسألة مكافحة تبييض الأموال كل الأهمية المطلوبة و أن تضمنها مشاريع القوانين قيد التداول حاليا .

 

 

الخاتمـــــــة

 

على ضوء ما تقدم التحديث التقني والإداري والرقابي وفي نوعية الخدمات وكلفتها للعملاء كلها هامة ومتطلبة في الوقت والإمكانات. ولما كانت عملية التحديث تتطلع فيما تتطلع إليه إلى انفتاح واندماج القطاع المصرفي السوري على الأسواق العالمية يبدو لنا طبيعياً جعل قواعد العمل ونظمه ومعاييره تندرج في سياق ما هو قائم أو مطروح عالمياً. ففي ذلك وفر في الوقت وفي المال وفي الجهد. كما يبدو لنا مفيداً الإفساح مع الوقت في المجال لدخول السوق الوطنية أمام المؤسسات المصرفية والمالية العربية والعالمية ذات الخبرة المشهودة والسمعة الجيدة ووسيعة الانتشار عالمياً وإقليمياً، فتزيد من المنافسة الصحية في السوق وتعطي للسوق بعداً إقليمياً ودولياً يساعد في حفز المدخرات الخارجية الوطنية والأجنبية.

 

معايير احترازية أساسية

 

معايير المحاسبة

مراكز القطع الأجنبي

معدلات السيولة

الإقراض للجهات المقرّبة

الإقراض لمستفيد واحد

المعدل الأدنـى لكفاية الرأسمال

الحدّ الأدنـى لرأسمال المصارف الجديدة

النموذج

منذ 1997 تماشياً مع IAS 32 وIAS 39.

-يجب ألاّ يتجاوز مركز القطع العملانـي الصافي مقابل العملة اللبنانية 1% من الرأسمال الأساسي، على ألاّ يتعدّى مركز القطع الإجمالي لديها في الوقت نفسه 40% من مجموع الأموال الخاصة الأساسية الصافية.

-مراكز بنيوية بنسبة 60% مفروضة لحماية الرأسمال المحرّر بالليرة اللبنانية.

-يُطلب إلى المصارف أن تبقي على نسبة 30%  من البنود التالية المكوّنات  بالعملات الأجنبية: التوظيفات بين المصارف، الودائع، سندات الدين ، شهادات الإيداع وأشكال أخرى من أدوات الدين أموالاً صافية جاهزة بـهذه العملات.

-للحسابات بالليرة اللبنانية، الاحتياطي الإلزامي هو 13%.

لا يجوز أن يتعدّى نسبة 25% من الأموال الخاصة.

1-أيهما أقلّ:

    ·    20% من الأموال الخاصة أو

    ·    10% من الأموال الخاصة زائد 1% من ودائع الزبائن.

2-يجب ألاّ يتعدّى مجموع الإقراض 8 مرات الأموال الخاصة.

ما لا يقلّ عن نسبة 10% من الأموال الخاصة إلى الموجودات المثقّلة بأوزان مخاطرها وتحسينها إلى 12% كما في 31/12/2001

10 مليارات ليرة لبنانية (أو ما يوازي 6.63 ملايين دولار أميركي).

لبنان

 

ضرورة تحديد حدّ أقصى على أساس كلّي أو نسبي

الاسترشاد بالمعايير الاحترازية وتطبيق النسب المتعارف عليها.

 

تُمنح الجهات المقرّبة ما بين 15% و25% إفرادياً من  الرأسمال على ألاّ تتعدّى قيمتها مجتمعة نسبة  100%.

25% من مجموع الرأسمال تمنح لمقترض واحد أو مجموعة من المقرّبين.

8% حدّ أدنـى، على أن تزاد تباعاً في المجموعات ذات المخاطر العالية.

1 مليون دولار أميركي.

قسم الشؤون النقدية لدى صندوق النقد الدولي

 

الاسترشاد بالمعايير الاحترازية وتطبيق النسب المتعارف عليها بحيث تدرس كل حالة على حدة.

 

الاسترشاد بالمعايير الاحترازية وتطبيق النسب المتعارف عليها بحيث تدرس كل حالة على حدة.

 

تمنح كل جهة مقرّبة 15% كنسبة قصوى من الرأسمال على ألاّ يتعدّى مجموع التسليفات للجهات المقرّبة مجتمعة 100% من الرأسمال.

حدّده البنك الفدرالي على أساس 15% من مجموع الرأسمال؛ أما التشريعات المحلية داخل الولاية فتسمح بنسبة تتراوح بين 10% و25%.

كما أقرتـه لجنة  بازل حسب تثقيل الموجودات بأوزان المخاطر المناسبة، أو اعتماد نسبة 4% في حال تنسيب  الرأسمال إلى الموجودات دون تثقيل.

2 مليون دولار أميركي

الولايات المتحدة

 

حسب المعايير الخاصة لكلّ بلد؛ عادة 10% إلى 15% للعملات منفردة و20% إلى 40% للمجموع.

تغطية مخاطر مقابل الرأسمال مطلوبة

حسب المعايير الخاصة لكلّ بلد

أقلّ من 20% للمؤسسات المقرّبة

حدّ أقصى 25% من مجموع الرأسمال لمقترض واحد، و8 مرات الرأسمال لمجموع المقترضين الكبار على أساس مجمّع.

نسبة إلزامية لا تقلّ عن 8% من مجموع الرأسمال إلى الموجودات المثقّلة بأوزان مخاطرها.

5 ملايين أورو (EURO)

(6 ملايين دولار أميركي)

الاتحاد الأوروبـي

 

عدم إلزامية تغطية للمخاطر على الرأسمال إنما المطلوب تحديد سقوف لمراكز القطع.

الاسترشاد بمعايير قياس وإدارة مخاطر السيولة.

عدم وجود قواعد إلزامية إنما اعتماد الحذر.

لا يتعدّى 25% من مجموع الرأسمال.

نسبة لا تقلّ عن 8% من مجموع الرأسمال إلى الموجودات المثقّلة بأوزان المخاطر.

غير محدّد

لجنة بازل

 

 

الثلاثاء في 27 آذار 2001