الصناعات الغذائية في ظل المنافسة

المهندس باسل الكويفي

 

في البداية أتوجه بالشكر والامتنان إلى جمعية العلوم الاقتصادية والمركز الثقافي العربي اللذان أتاحا لي هذه الفرصة وكذلك إلى جميع السادة الحضور وأود أن أشير إلى أن هذه الآراء هي آراء شخصية وليست بالضرورة رأي غرفة تجارة ريف دمشق التي أتشرف بأنني من أعضاء مجلس الإدارة فيها0.

 تعد صناعة المواد الغذائية في سوريا من أقدم الصناعات التي عرفتها البشرية نظراً للحاجة الماسة للغذاء بالنسبة للكائنات البشرية وقد برزت صناعة المواد الغذائية وعرفت في سوريا كالمجففات النباتية الغذائية والزيوت والدقيق وملحقاته والحلويات التي لا تزال ذائعة الصيت حتى يومنا هذا حتى سميت في بعض البلدان بالحلويات الشامية  وبقيت صناعة  المواد الغذائية يدوية حتى النصف الثاني من القرن الحالي حيث دخلت الآلات الميكانيكية سوريا عبر شركات متعدد لصناعة الزيوت والكونسروة والحلويات والمطاحن ومعامل السكر……الخ في حلب ودمشق وأعقبتها عدة شركات في باقي المحافظات حيث تركزت هذه الصناعات وما زالت 0

في الستينات صدرت قرارات التأميم و تم تأميم المصانع و الشركات الكبيرة و بقيت الحرف الصغيرة بأيدي القطاع الخاص و بشكل يدوي او نصف آلي 0

وتم إحداث المؤسسة العامة للصناعات الغذائية والمؤسسة العامة للسكر والشركة العامة للمطاحن حيث أخذت على عاتقها الإدارة والإشراف على المصانع المؤممة وتطورها وتطوير الطاقات الإنتاجية 0

في هذه الظروف تطورت الطاقات الانتاجية لتلك المؤسسات بفعل الاستهلاك المتزايد والطلب من السوق المحلية بسب زيادة عدد السكان واتجاه معظم المواطنين إلى استهلاك مواد الصناعات الغذائية بدلاً من إنتاجها اليدوي في المنازل والبيوت نظرا  للتطور الاجتماعي  والمادي في المجتمع مما أدى إلى زيادة الطلب على منتجات مؤسسة الصناعات الغذائية بالإضافة لذلك فإن منع إستراد  المواد الغذائية إلا بشكل نادر عبر مخصصات غوتا المعارض في تلك الأوقات ادى الى دخول كميات كبيرة من الصناعات الغذائية عبر البلدان المجاورة بطريقة غير شرعية لتغطية الفرق بين

 

 

 

الطلب والوفر من تلك الصناعات بالإضافة إلى النوعيات المختلفة المطلوبة في السوق والتي لا تتوفر صناعات محلية منها .

بعد الحركة التصحيحية المجيدة تم التوجيه بمنح التراخيص لإقامة بعض الصناعات التي كانت محصورة بالقطاع العام ونظراً للظروف السائدة في ذلك الوقت مع الاتحاد السوفيتي  و التسديد بموجب اتفاقية المدفوعات فقد تم إنشاء وإقامة حرف ومصانع عديدة لتوفير المواد الغذائية وتصديرها إلى الاتحاد السوفيتي ولكن للأسف دون رقابة على النوعية والمواصفات مما أدى إلى تعثر تلك الحرف والصناعات حال توقف العمل باتفاقية المدفوعات

تلا ذلك صدور مرسوم قانون الاستثمار رقم |10| وتعديلاته مما أدى إلى قيام نشاط صناعي كبير نسبياً وخصوصاً في مجال الصناعات الغذائية التي تحولت إلى صناعات ذات جودة مميزة وقادرة على التنافس داخلياً وخارجياً بعد ان أضحى إنتاجاً ضخماً يغطي حاجة السوق المحلية في كثير من الصناعات الغذائية 0

وقد تنامى حجم التصدير للمواد والصناعات الغذائية حتى وصل عام 1999 الى 6427الف مليون ليرة سورية منها 5660الف مليون ليرة سورية للقطاع الخاص مقابل حجم استيراد 6830الف مليون ليرة سورية والطموح كبير بان يكون الفارق بين التصدير والاستيراد لصالح سوريا .

ان دخول سوريا في اتفاقيات مع الدول العربية كاتفاق المنطقة  الحرة العربية الكبرى قد زاد المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية بحكم السماح بدخول منتجات الدول العربية التي تزيد فيها كلفة الإنتاج او القيمة المضافة عن40% الى السوق السورية .

كذلك فان الدخول في مفاوضات مع الشراكة الاوربية و منظمة الغات0 سيجعل المنافسة في الصناعات الغذائية أكبر وأشد حدة عند دخول  منتجات تلك الدول إلى سوريا .

إن الطريق الوحيد للوصول إلى الأسواق العالمية هو التكاتف سواء عن طريق  اندماج الشركات ذات التصنيف  الواحد أو التكتلات الكبيرة نسبياً فالكيانات الصغيرة لم يعد لها مكان في مضمار المنافسة الشرسة التي يشهدها العالم 0

 

 

إن نجاح وتطور الصناعات الغذائية يرتبط بنقطتين هما المستهلك والمساهم (المصنع ) ، بالنسبة للمستهلك يجب الاستمرار في تقديم منتجات مميزة تنتج وفقاً للمستويات العالمية وتلبية أذواق كافة الشرائح المستهلكة مع مراعاة أسلوب مميز للبيع والتسويق للمحافظة على التنافسية بين المنتجات المختلفة لصالح المستهلك ،أما ما يخص المساهم أو المصنع فإن الإدارة والتمويل والتوزيع

والتسويق وفتح الأسواق الخارجية وتطوير المنتجات وفق أفضل النوعيات والمواصفات القياسية هي الأساس في النجاح والتطور 0

 على الرغم مما ذكر سابقاً فإن الحاجة لمزيد من الاستثمارات في الصناعات الغذائية ضرورة ملحة ويتطلب تضافر الجهود بين المنتجين والدولة وبما يتلاءم مع الظروف العالمية والأسواق الداخلية والخارجية والدول المجاورة وتعديل القوانين والتشريعات لتتلاءم مع التطور الحاصل .

سنلقي الضوء فيما يلي على الايجابيات المتوفرة بالنسبة لمنتجي الصناعات ومشاكل المنتجين والخطوات الواجب اتباعها في ظل المنافسة :

أولاً-  الإيجابيات المتوفرة بالنسبة  لمنتجي الصناعات الغذائية في ظل المنافسة0

1-               توفر المواد الأولية : أن المنتجات الزراعية تعتبر هي الأساس في معظم الصناعات الغذائية وتعتبر سوريا من البلدان الغنية في انتاج هذه المواد الزراعية .

2-               توفر الخبرات المتوارثة لهذه الصناعات وعراقة تلك الصناعات .

3-      الاستثمار في هذه الصناعات يحقق القيمة المضافة التي تصل إلى عشرات الأضعاف     ونشير هنا الى ان عدد المشاريع المرخصة للقطاع الخاص عام 1999 في مجال الصناعة الغذائية ( عدا الحرف ) قد بلغ 127مشروعا من اصل 693 مشروعاً لمجمل الصناعات وبرأسمال قدره 1467الف مليون ليرة سورية وتشغيل ما يزيد عن 2943عامل .

4-               تشجيع الزراعة والانتاج الزراعي وشراء المحاصيل من المزارعين .

5-               توفر اليد العاملة والخبرات الفنية في هذه المجالات مع العلم أن أجور اليد العاملة أقل من مثيلاتها في البلدان الأخرى .

ويبلغ عدد العاملين في الصناعات الغذائية في القطاع العام فقط حوالي 23000عاملاً

 

 

 

حسب احصاء عام1999 وتعتبر في مركز الصدارة بالنسبة لعدد العاملين في القطاعات الصناعية الاخرى وذلك بكتلة رواتب واجور حوالي 2مليار ليرة سورية .

6-               موقع سوريا الجغرافي والقرب من أوربا و دول الخليج العربي والأسواق الأخرى  .

ثانياً- مشاكل منتجي الصناعات الغذائية في ظل المنافسة :

1-               الإعفاءات الجمركية بالتصدير:بالرغم من صدور عدة قرارات بأعفاء رسم الإنتاج الزراعي على كثير من المواد فإنه يتم استيفاء رسوم الإنتاج الزراعي على منتجات زراعية من قبل الجمارك . إن مثل هذه الرسوم تشكل عبأً إضافياً حيث أن الدول الأخرى مثل تركيا تقوم بتشجيع المصدرين للمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية وكل المنتجات المصدرة ذات المنشأ التركي بدفع معونات تصدير تتراوح بين5-10% من قيمة البضاعة المصدرة وحسب نوعية المادة المصدرة وهذا يشكل نسبة تنافسية كبيرة في الأسواق الخارجية .   وفي حال تصدير الصناعات الغذائية فانه يجب  إعطاء كامل قطع التصدير وعدم صرف 25% من عائدات التصدير مهما كانت تلك الصناعات .

2-               الإعفاءات الجمركية بالاستيراد (دروباك ) إن كثير من المنشأت الصناعية تقوم باستيراد مواد أولية من الخارج وتقوم بتصنيع هذه المواد بالإضافة إلى مواد أولية محلية ثم تصدير المنتجات إلى الأسواق الخارجية , إن استيراد المواد الأولية يتم بدفع الرسوم الجمركية والضرائب المالية عن هذه الاستيرادات وفق ما هو معمول به حالياً .                      في الدول المجاورة ومعظم دول العالم يتم إعادة هذه الرسوم الجمركية فور تصدير البضاعة المنتجة وهذا يشكل نسبة تنافسية كبيرة في الأسواق الخارجية يتوجب دعم الصناعة الوطنية بها .                                                                             كذلك يتوجب دعماً للصناعات الوطنية إلغاء كافة الرسوم الجمركية على المواد الأولية للصناعات والمواد الوسيطة وإلغاء الضمان والضرائب غير المباشرة خاصة بعد أن تم إجراء اتفاقات تجارية مع دول مجاورة لبنان والسعودية والأردن حيث تستفيد المواد الأولية المستوردة لتلك الدول من الدعم الذي تتلقاه من دولها ومن إلغاء الرسوم الجمركية فيها حتى لا تصبح الأسواق السورية مغرقة بالسلع على حساب صناعتنا الوطنية وكي لا نخسر

 

 

أسواقنا التصديرية نتيجة منافسة تلك الدول لصناعتنا في أسواقنا الخارجية , خاصة و أن لتلك الصناعات دعماً في دولها لا تتمتع به صناعتنا .

3-               الجودة والمواصفات :                                                                  لازالت تعاني بعض المنتجات السورية من تدني جودتها نتيجة عدم اتباع أساليب حديثة لفحص البضاعة ومراقبتها وعدم وجود مراكز بحوث للاختبارات الصناعية وعدم الاستفادة من أصحاب الشهادات العلمية الفنية والتقيد بالمواصفات الدولية والدعوة للحصول على مؤهلات الجودة ومعايير الإيزو 9001/9000 ، والمطلوب من جهات الرقابة على المواصفات ممارسة دورها في السوق المحلية وعدم السماح بتصدير أي مادة الا بعد الحصول على مطابقتها للمواصفات والمعايير الدولية مما يحسن من سمعة منتجاتنا الوطنية ويزيد الطلب على البضائع السورية .

4-               الصعوبة في إجراءات التراخيص والحصول على الموافقات في كل ما يخص الصناعات الغذائية حيث ان صعوبة الإجراءات تساعد في انتشار الصناعات العشوائية والغير مرخصة والتي تكون غير مراقبة صحياً  .                                                       كذلك تعقيد إجراءات استيراد المواد الأولية , مثلاً إجازة الاستيراد بحاجة إلى سجل تجاري وسجل صناعي وتسجيل غرفة التجارة أو الصناعة ,وبراءة الذمة من المالية و مخصصات من الصناعة .                                                                               ان عمولات المؤسسات الوسيطة مثل ( مؤسسة غذائية ) لا لزوم لها وهذه العمولة بالنهاية تعود على كلف الإنتاج وعلى سعر المنتج بشكل نهائي .                              الرسم القنصلي والذي يشكل عبء إضافياً على قيمة المنتجات .

5-               المصارف والبنوك                                                                                            نحن بحاجة إلى مصارف فعالة تقوم بالدور المصرفي المطلوب ودعم الصناعة والتجارة وتقوم بإجراء التسهيلات اللازمة من أجل :

        ·          الصفقات التي تتطلب الضمان المصرفي .

        ·          قروض التمويل الأولي للتصدير وتمويل عمليات التصدير .

 

 

        ·          قروض تنتظر عائدات بيع المنتج قروض متوسطة  وطويلة الأجل .

        ·          قروض لتوسيع المنشآت الصناعية وتأسيس  المصانع وتطويرها .

        ·          الاعتمادات المستندية للمواد الأولية والآلات .

        ·          تعهدات التصدير وزيادة حجمها .

6-               النقل والشحن  : إن تكلفة الشحن الداخلي وكذلك الشحن الخارجي أعلى نسبياً من البلدان المجاورة يجب تشجيع النقل بالقطارات والوسائط الأخرى                               فمثلاً إن أجور النقل من تركيا إلى الخليج العربي لسيارات شاحنة او براد يعادل 60% من أجور النقل من سوريا إلى نفس البلدان ، يجب أن يتم عمل اتفاقيات بين وزارة النقل في سوريا  والبلدان الأخرى بخصوص دخول سيارات النقل السورية وتسهيل مرورها . كذلك فأن أجور شحن حاوية ( كونتير 20قدم ) من مرفأ سوري  إلى مرفأ مصري     يعادل ضعف أجور الشحن بالعكس وكل هذه الزيادة تشكل عبأ إضافيا على التكلفة مما يقلل من الشروط التنافسية .

7-               ضريبة الدخل والإعفاءات الضريبية .                                                                         إن عدم التكافؤ في التشريعات الضريبية بيننا وبين الدول المجاورة يشكل عبء كبيراً على الصناعة السورية في حين تكون الضريبة في البلدان المجاورة 10% تصل في بلدنا قرابة 60% ؟ إضافة إلى ضريبة الآلات والرواتب والأجور والتأمينات الاجتماعية والنظافة والمصاريف الأخرى إن معدل الضريبة المرتفع على القطاع الخاص له تأثيرات عكسية على تكلفة المنتج النهائي كما يجب إعفاء عائدات التصدير من الضرائب وزيادة عدد سنوات الإعفاء الضريبي للمستثمرين .

ثالثاً- الخطوات الواجب اتباعها للصناعات الغذائية في ظل المنافسة :

1-      دراسة الأسواق : باتباع أساليب تسويق حديثة ومجدية لدراسة تسويق حقيقية يتم من خلالها تحليل السوق المتوجه إليه المنتجات وتحليل حاجته إلى السلعة والقدرة الشرائية وطرق المنافسة وطرح خطط تسويق وترويج ملائمة لذلك .

 

 

 

2-               دعم الصادرات :

·      يجب دعم وتشجيع الصادرات الغذائية .

·       توجيه الاستثمارات نحو الصناعة التصديرية مما يحقق نموا سريعا .

·      إلغاء كافة المعوقات أمام التصدير .

·      إعفاء الصادرات من الضرائب المختلفة .

·      اعفاء الصادرات من جميع الرسوم الجمركية في حال وجودها .

3-      اقامة المعارض الخارجية والداخلية من اجل اظهار وعرض البضائع والتعريف عن المنتجات السورية من خلال البعثات الدبلوماسية والممثلين التجاريين للسفارات السورية بالخارج.

4-                إقامة مركز لتنشيط الصادرات السورية .

كل ما ذكر من خطوات بالتأكيد مترافقة مع ما تنتهجه الدولة مؤخرا من عمليات إصلاح في المجالات التالية :

1-               إنشاء المصارف الخاصة ودعم وتنشيط دور المصارف العامة .

2-                تفعيل دور المصرف المركزي بتوجيه الاقتصاد .

3-               تخفيض نسبة الشرائح الضريبية على الأرباح الحقيقية ودراسة ضرائب الدخل بما يتوافق مع

        الواقع .

4-               إحداث المحاكم التجارية المستقلة التي تحل النـزاعات التجارية .

5-               تبسيط إجراءات التصدير وتشكيل لجان بمشاركة أصحاب الفعاليات لتذليل العقبات الإجرائية وضغط النفقات دعماً للتصدير .

6-               الدخول في مفاوضات مع الشراكة الأوربية ومنظمة الغات بما يتناسب مع طبيعة اقتصادنا في سوريا .

7-               حل مشكلة النقل بالسيارات الشاحنة إلى خارج سوريا عبر اتفاقات  التير و كذلك اتفاقات النقل البحري 0

 

والخلاصة إنه في ظل المنافسة فإن الصناعات الغذائية يجب أن تتوافق مع التطور العالمي ورغبة المستهلك وفق المعايير والمواصفات القياسية العالمية مع إزالة العقبات التي أشرنا
إليها وإنه يجب الإفادة من الظروف الإيجابية في سوريا في ظل قيادة السيد الرئيس المفدى بشار الأسد حفظه الله .

 

المهندس باسل الكويفي