![]() |
الإصلاح الإداري
في سورية
ـ لماذا
وكيف ـ
د. ديالا
الحج عارف*
قديماً تحدث
ابن خلدون في مقدمته الشهيرة. عن الجاه المقيد للمال. وكأنه يقرأ الواقع اليومي
المعاصر. إذ يرى أن المال تابع للجاه والسلطة وليس العكس. لأن صاحب الجاه (وفقاً
لابن خلدون) «مخدوم بالأعمال يُتقرَّب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه.
فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروري وكمالي».
وهكذا إلى
أن يصل لوصف الأحوال الكثيرة التي تختلط فيها «التجارة» «بالإمارة» إذ يكتسب البعض
من خلال المنصب والنفوذ الإداري في جهاز الدولة أوضاعاً تسمح لهم بالحصول على
المغانم المالية وتكوين الثروات السريعة وتكون عادة بمثابة «ريع المنصب» .
حسماً للجدل
والمجادلة بدأنا بهذه الفكرة لفيلسوف عالم، كي نتمكن من الاستطراد مدعمين بالحجة
والبرهان: بأن الفساد ليس ظاهرة خاصة، ولا كارثة محلية، أو عارضاً مرحلياً. فهو
قائم على مر التاريخ، وفي كافة المجتمعات شرقاً وغرباً. ولا يوجد على أرض الواقع
تلك «الدولة الفاضلة» التي تخلو
تماماً من الفساد والمفسِدِين. أو المفسَدِين.
وعلى الرغم
من ذلك فإنه بات في العقد الأخير من القرن موضع اهتمام أكبر، ومثار بحث وتمحيص
أكثر. ربما: لتغلغل قيمه وممارساته في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية والإدارية، ربما ولتغير سلوكياته وآلياته، ربما ولتضخم آثاره وشواهده.
حتى أصبح له شكل آخر يخرجه من دائرة علم الأخلاق لدائرة علم الاقتصاد (البحت) إلى
دائرة علم الاقتصاد السياسي.
والأمثلة
على ذلك قريبة وواضحة! إذا ما اعتمدنا تعريف البنك الدولي وصندوق النقد حيث
يعتبرانه (اغتصاب السلطة العامة من أجل مصلحة خاصة).
فيندرج بذلك
ضمنه: اتهام الرئيس جاك شيراك بخلق وظائف وهمية، وصرف مرتبات منتظمة لأعضاء حزب
التجمع الديغولي حين كان رئيساً للبلدية ـ ومحاولة توجيه الاتهام للرئيس كلينتون
باستغلال منصبه وسلطاته في إصدار قرار عفو لشخص يمسه ـ وحالة سوهارتو في إندونيسيا
ـ ونواز شريف ـ وقصة نواب القروض في مصر ـ ورئيس الوزراء السابق محمود الزعبي في
سورية.. وهكذا.
تأسيساً على
ما تقدم قد يمكننا القول بأن الفساد أصبح متاحاً بدرجة أكبر، ومستشرياً بشكل أوسع.
فالفساد لم يعد قضية موظف صغير ينحرف ويتحمل وحده آثار ما يجري. بل باتت له نتائج
تمس الاقتصاد الوطني في المجتمعات، وتنال من تطورها، ويعيق عملية التنمية فيها
بأبعادها المختلفة.
فما هو الحل
في حصار هذه الظاهرة، وتقليص تداعياتها السلبية على عملية التنمية ومسيرة التقدم.
هل يكون
الحل اقتصادياً كما تقول المنظمات الدولية أو بعضها؟ أم يكون سياسياً كما يلمحون
في بعض الأحيان؟ أم إدارياً واضعاً لقواعد وضوابط لازمة لممارسة الجهاز الإداري
لدوره في إدارة عملية التنمية، بدلاً من أن تكون مهمته الحقيقية حراسة أخطائه
وحراسة أمواله؟
وغني عن
القول أن هذه الظاهرة ـ العامة في انتشارها، والخاصة في درجاتها وتفاصيلها في كل
مجتمع أو دولة ـ تحتاج إلى تكامل وتوافق جهود إصلاحية متعددة في مختلف نواحي
الحياة الإجتماعية. يكون الاصلاح الإداري مدخلها الذي يهيء الجهاز الإداري في
الدولة لقيادة البرامج الاصلاحية والتنموية الأخرى.
وقد تكون
هذه التوطئة بداية لبيان أهمية وضرورة الإصلاح الإداري في سورية كحامل للتنمية
الاقتصادية ومدخل للتنمية الاجتماعية. يضاف إليها موجبات جزئية متعددة تبرر تحوله
إلى مطلب أساسي واحتياج حقيقي يتحدد أهمها في:
آ ـ اتساع
دائرة الفساد الإداري، وتشابك حلقاته، وترابط آلياته. بدليل ما أوضحت عنه بعض
وقائع قضايا الفساد الإداري والمالي خلال السنوات الأخيرة في سورية. (حيث جاء في
تقرير قدمه رئيس «جهاز الرقابة المالية في سورية» أن رجال الرقابة في جهازه أخضعوا للرقابة والتحقيق نحو 2253
منشأة رئيسة في القطاعين الاقتصادي والإداري، 787 منشأة فرعية خلال عام 1998([1]).
وتكاد لا
تخلو صحيفة رسمية سورية خلال الآونة الأخيرة من تحقيق عن قضية فساد أو اختلاس جرت
في إحدى المؤسسات العامة الاقتصادية والإدارية، أو على الأقل الإشارة إلى محاولة
من هذا النوع يتم التعامل معها([2]).
مما يعمق
الشعور بأهمية الاصلاح الإداري لإزالة الأضرار والنقائص التي يعاني منها الجهاز
الحكومي. وضرورة إصلاح النظام الإداري بإعادة تشكيلة تطلعاً لأداء أفضل وفق سياسات
اقتصادية جديدة ومتجددة.
ب ـ تضخم
نفقات الدولة وزيادة دور وقوة الجهاز الحكومي في مقابل ضعف أو قصور الخدمات
والموارد التي يقدمها([3]).
الأمر الذي يؤيد الدعوة إلى الاصلاح الإداري كأداة للحد من النفقات أولاً، ولتحقيق
درجة من الكفاءة في أداء النظام الإداري ثانياً. ولتفعيل مواضع العدالة، والتكافؤ،
والمساواة، وعدم التمييز، وتغلب المصلحة العامة، وسيادة القانون. ثالثاً.
جـ ـ ثورة
الاتصال والمعلومات وما عكسته من إلغاء الحواجز والحدود على تباد المعارف واستفاء
المعلومات بشكل تزايدت معه الرغبة في التحديث من خلال استيراد التقنية وتوفيرها، واستقطاب
المستشارين الأجانب لإدخال النظم والأساليب العصرية في الإدارة والمعلوماتية.
د ـ مطالب
المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية التي تقدم القروض أو العون الفني. بالقيام
بإصلاحات إدارية جذرية لتحقيق قدرة النظام الإداري على استيعاب كيفية استثمار
المعونات والوفاء بالالتزامات المترتبة عليها. حسب ما يدعون.
لكل هذه
الموجبات المجتمعة، وإن تفاوتت درجة تأثيرها واختلف مقدار فاعليتها ـ هناك تفسير
كلي يحدد ظاهرة الحاجة المتصلة للاصلاح الإداري [بالاحساس «بالفجوة» بين درجة أداء
النظام الإداري الراهنة وبين ما ينبغي لها أن تكون وفق الطموحات والآمال في مختلف
جوانب التنمية].
وكي لا يبقى
الاصلاح الإداري في سورية مجرد كلمات دون تعريف إجرائي ينحصر بالضرورة في «الفهم..
والوصف.. والقرار» وكي لا نطبق
المثل الشائع «أسمع عجيجاً ولا أرى طحيناً»
فإن مبررات البدء بتأجيل استراتيجية مؤسسيه للاصلاح الإداري أصبحت ملحة
وماسة في الوقت الراهن.
ولكن كيف
يمكن تأسيس هذه الاستراتيجية وتنميتها؟ ما هو الاطار الفكري والعملي الذي ستعمد
عليه؟ وهل تستطيع في ضوء كل الأعراض والظواهر ومواطن الخلل والضعف في الأداء
الإداري من أن تخلص إلى منهجية متأصلة وعملية.
في اعتقادنا
أن الدراسة العميقة والمتخصصة لمقومات واقعنا ومكونات مجتمعنا «قيم وعادات وتقاليد
وثقافة وسياسة واقتصاد» والتبصر
المتأني لتجارب الاصلاح الإداري المعاصرة يجعلنا نهتدي إلى مجموعة من المفاهيم
الفكرية والعملية التي تصلح لأن تحكم الاستراتيجية المطلوبة فتبنى وفق منظور
شمولي، متكامل، مرن، متجدد، وفعال. وهي:
1 ـ تبني
نهج فكري للاصلاح الإداري يقوم على التطوير من داخل المجتمع السوري، بالاعتماد على
تحفيز مقوماته الداخلية الايجابية في الاستفادة من كل ما أنتجته الحضارات المتقدمة
من علوم ومعارف «فينطلق بذلك من الواقع الراهن من أجل تغييره والوصول إلى واقع
أفضل بتحقيق ممكناته وفتح المجال لظهور ممكنات جديدة»([4])
ويكون الاصلاح الإداري مطالب بالتطوير والتقدم من خلال استبعاد النقل التلقائي
والعشوائي لصور من الثقافات الإدارية والتنظيمية والنظم والأساليب والأدوات التقنية
التي أثبت فاعليتها في مجتمعات أخرى. بل من خلال اتباع نموذج خاص ينبت من أحضان
الواقع ويتلاءم مع معطيات العصر. لعل النموذج الياباني نموذج مثالي على ذلك (شغلت
ولا تزال الثقافة الإدارية اليابانية الكثير من العلماء الممارسين في الإدارة.
وحرص العديد من الشركات الغربية على انتفاء آثارها والافادة من معطياتها).
2 ـ تجاوز
النظرة المغلقة للإصلاح الإداري كعملية فنية بحتة تقوم بتكوين الأطر وتحديث
الهياكل التنظيمية وتنمية النظم وتعديل الاجراءات إلى نظرة أكثر شمولاً، وأكثر
تكاملاً من خلال تأثيره ـ الاصلاح الإداري ـ وتأثيره بمقومات ومكونات البيئة
المجتمعة في سورية. وبالتالي فهو حصيلة التفاعل مع مجموعة القيم والأعراف والعادات
والتقاليد وأنماط التفكير السياسي والاقتصادي.. الخ. وهو المؤثر إيجاباً في تحفيز
سلوكية هذه المقومات والمكونات نحو الأفضل.
3 ـ التأكيد
على استمرارية جهود الاصلاح الإداري، ودوام الحاجة إليه كحالة فعالية دائمة لمختلف
المؤسسات في سورية. والتعامل كبرنامج عمل وخطة مستقبلية لعلاج مختلف الأمراض
والظواهر السلبية المتشكلة والتي يمكن أن تشكل مستقبلاً. فنتخطى بذلك تصوره كعملية
ظرفية وقتية طارئة تحدد وصفات علاجية كردود فعل على أعراضٍ حالية ربما تزول في
حينها لتعود إلى التشكل مرة أخرى مستقبلاً.
4 ـ تقديم
العناية بالعنصر البشري على باقي نواحي الاصلاح الإداري في سورية، باعتباره غاية
الاصلاح ووسيلته والبدء بالمسوح المتخصصة التي توفر الاحصاءات الدقيقة والبيانات
الواضحة عن الاحتياجات الحالية والمستقبلية في سوق العمل، وتحدد المتوفر منها
والذي يمكن توفيره بالتدريب والتعليم، وتبين مواقع الحاجة والمستويات التي
تتطلبها، وترشد لنوعية القيادات الإدارية المطلوبة، وكيفية اختيارها وتعيينها.
5 ـ تحقيق
التوازن في توفير المكونات الفنية للاصلاح الإداري في سورية. فلا تتم المغالاة في
إحداث وإصدار النظم واللوائح القانونية بما يحد من المرونة والمبادرة في الأداء.
ولا تغلب الفتنة بالتقنية في الوسائل الإدارية على جدواها الاقتصادية.
6 ـ دفع
وتفعيل جهود الاصلاح الإداري في القيادة السياسية في سورية. حرصاً على عدم تجميد
الاحساس بالحاجة للاصلاح الإداري عند حدود إجرائية شكلية من قبل الأطراف المتضررة
من تنفيذه. على اعتبار أنه قائم على التغيير الذي قد يضر بمصالح البعض ويجعلهم
يشكلون تحالفات ظاهرة ومخفية لمقاومته يأتي في أولويتها تعقيد عمليات صياغة استراتيجية
وتجزئة أهدافه ومكوناته. إلى أن تصل إلى عرقلة تنفيذه وتطبيقه. وعليه فإن تحويل
خطط الاصلاح الإداري إلى واقع ملموس يحتاج إلى تبني القيادة السياسية لها وإصدار
مجموعة من القرارات الرئيسية الإدراية بشأنها تدخل في نطاق السياسة العامة.
7 ـ الحصول
على تأييد جماهيري وشعبي من خلال الواقعية في إعلان النتائج المتوقعة من الخطة،
وعدم المبالغة في استخدام وسائل وأدوات التغيير دفعة واحدة، كي يكتسب الاصلاح
الإداري مصداقيته في التوجه إلى الأعمال لا الأشخاص، وإلى أساليب الإدارة لا إلى
ممارسيها.
8 ـ جدولة
خطة الاصلاح زمنياً، ونشر هذه الجدولة لبيان المراحل والخطوات التي نفذت وتنفذ، كي
لا يكون هناك مبرراً لفقد الثقة في جدية وموضوعية خطة الاصلاح الإداري. واعتبارها
صورة شكلية ودعائية لامتصاص ردة فعل معينة.
9 ـ عدم
الاكتفاء في بناء وتصميم خطة الاصلاح الإداري في سورية على المستشارين والممارسين
الفنيين للإدارة. بل حشد كل الكفاءات الممكنة بمختلف روافدها لتقديم أفكارها
والمشاركة عبر اقتراحاتها في شمول وتكامل عملية الاصلاح الإداري لكل أجزاء العمل
في إدارة التنمية. على أساس أن الاصلاح الإداري في معناه الشامل والمتأمل لا ينكفئ
على العملية الإدارية الفنية البحتة بل يمتد تأثيره الايجابي في كل مكونات ومقومات
البيئة.
10 ـ حشد
الجهود والامكانيات لدى الرأي العام للالتفاف حول عملية الاصلاح الإداري في سورية
من خلال التعمق في دراسة الحاجات والمتطلبات ومحاولة التوفيق بينها وبين المصالح
العامة. والبدء بمحاولات لاصلاح نظام الرواتب والأجور الذي يعتبر حالياً من أوليات
وسائل التحفيز لزيادة الإنتاجية ـ تحقيق الرضا من العمل ـ الانتماء للجماعة ـ
الولاء للمنظمة. والخروج من حلقة أيهما أولاً: الاصلاح الإداري لزيادة الإنتاجية
التي يتبعها زيادة الرواتب والأجور؟ أم زيادة الرواتب والأجور أولاً لتكون محفزاً
لزيادة الانتاجية؟. والتمييز بين الزيادة النسبية في الرواتب والأجور وإصلاح نظام
الرواتب والأجور.
وقد لا يكون
ما أوردناه هو كل المطلوب، إلا أنه على الأقل الحد الأدنى المطلوب للوصول بالإدارة
إلى مرحلة تتمكن فيها من ممارسة وظائفها الإدارية في التخطيط والتنظيم والتوجيه
والرقابة بالشكل المتعارف عليه علمياً، ومن تطبيق نشاطاتها الفنية في الإنتاج
والتمويل والتسويق والأفراد بما يحقق الاستخدام الجيد للموارد المتاحة والامكانيات
المتوفرة. فالاصلاح الإداري المنشود هو الذي يقدم أوراق اعتماده بالأعمال لا
بالأقوال ورفع الشعارات وترديد الهتافات. هو الذي يتمكن من النهوض بالإدارة لتصبح
قادرة على الوفاء بالالتزامات الجمة المترتبة عليها في تحقيق الأهداف العامة.
وأخيراً فإن
ما عرضناه لا يمثل إلا إسهاماً متواضعاً في إطار الجهود المضنية المبذولة من قبل
مؤسسات ومنظمات وأفراد نشاركها حب الوطن والحرص عليه.
د. ديالا الحج عارف
([1])
د. محمد عبد الفضل ـ «الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر» مجلة الكتب وجهات نظر ـ
العدد 15/ابريل 2000 ص 14.
([2])
ما نشرته الصحف حول تحقيقات الإختلاس في الشركة العامة للمحروقات (سادكوب) ما
نشرته الصحف حول محاكمة رئيس الوزراء السابق بتهمة الفساد ووزير النقل ونائب رئيس
مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية وغيره من التحقيقات اليومية.