تحديـث القطـاع المصرفي في سوريـة

الإستراتيجية والسياسة المصرفية

د. شفيق الأخرس(*)

 

ثمة إيضاحات تتقدم على الدخول في صلب الموضوع،  الذي نحن بصدد بحثه،  نذكر منها ما يلي:

1. من المعروف أن موضوع القطاع المصرفي يحتل منذ فترة غير قصيرة، حيزاً هاماً في الأبحاث والمناقشات حول تطوير الأقتصاد السوري، ونعتقد أن عدداً منها كان صائباً في تصويره للمشاكل القائمة، كذلك وفق بعض الباحثين بتقديم حلول جيدة للتصدي لهذه المشاكل، لذا نرى أن المزيد من التنظير حول هذا الموضوع معرض للتكرار، وربما للأجترار.

ولكي نتلافى ذلك، ولبلوغ درجة عالية من الإفادة هذا المساء من حوارنا، نعتقد أنه يجب الإنطلاق من أن تشريعات مصرفية قد أقرت مجدداً وأخرى في طريقها للإقرار، وبالتالي فإن الحاجة هي للتصدي للأمور العملية والتطبيقية التي يطرحها تنفيذ التشريعات الجديدة وفي مقدمتها دخول القطاع الخاص النشاط المصرفي إلى جانب القطاع العام.  ولهذا فلقد إتفق المتحدثون في هذه الأمسية، على الإنطلاق من التشريعات الجديدة والمساهمة في تقديم أجوبة على الأسئلة المطروحة مثل: أي طريق نسلك؟ وكيف نسير؟ وما هي خطواتنا لتأمين قطاع مصرفي يساعد البلاد على رفع تنميتها ورفع مستواها الكيفي إضافة للبعد الكمي؟  لذلك رأينا أن نختار المحاور الرئيسية التي تطرحها ممارسة العمل المصرفي في ظل التشريعات الجديدة، ومن ثم دراسة الخيارات المتاحة لتطبيقها ومناقشة الأفضل منه

2. ليس مبالغاً القول بأن الترخيص للقطاع الخاص وطنياً كان أو عربياً أو أجنبياً، بممارسة العمل المصرفي إلى جانب مصارف القطاع العام، التي تنفرد حالياُ بكامل النشاطات المصرفية، يعتبر أول خطوة في طريق تحديث القطاع المصرفي في سورية. ولكنه يثير في الوقت نفسه تحديات التعامل مع هذا التحديث بصورة تأخذ بالأعتبار تواجد المصارف العامة القائمة مع المصارف الخاصة التي ستنشأ، وما ينتج عنها من حاجة لتحقيق تجانس بين القطاعين العام والخاص.

وسيتميز هذا التواجد بصفتين: تتعلق الأولى بالقطاع العام الذي سينتقل من سيطرة كاملة حالياً على السوق المصرفية، إلى توزيع هذا السوق بينه وبين المصارف الجديدة، التي يتوقع إنشاؤها، وذلك في جو من المنافسة الإيجابية.

أما الصفة الثانية فتخص المصارف الخاصة التي ستكون متحررة من الماضي، لا بل الاستفادة من دروسه في تنظيم وإدارة العمل المصرفي الجديد، كذلك فإن المصارف الجديدة مهيأة للإفادة مباشرة من المتغيرات التي طرأت على تطور المصارف عربياً وعالمياً سواءً في نوعية نشاطاتها وعملياتها، أو بتأثير التقدم التقني الكبير الذي غير معالم تنظيمها، وطرق تنفيذ عملياتها.

هذا الإيضاح يفرض نفسه علينا منذ البداية، بحيث  نميز بين تحديث القطاع العام في ضوء دخول القطاع الخاص الميدان المصرفي، لتمكينه من التنافس مع المصارف الخاصة الجديدة، وذلك في ميادين عديدة كمصادر التمويل وفي مقدمتها الأموال الخاصة، وودائع الزبائن، وتأهيل الرأسمال البشري، وتحديث طرق العمل.. الخ..    وهذا ما سنبدأ به حديثنا، مع المرور على خطوطه الرئيسية فقط، لأن الزميلين المتحدثين سيتناولان بالتفصيل الأمور المطروحة في هذا المجال.

أولاً: القطاع العام المصرفي

ثمة إيضاح لا بد من البدء به وهو أننا لا نشاطر الجدل حول موضوع المصارف العامة والمصارف الخاصة كبدائل، وإنما نعتقد أنها تكمل بعضها. كما أننا نعتقد أن هذا الموضوع لا يبحث على أسس أيديولوجية، وإنما على إعتبارات عملية تتصل بالواقع والحاجة.  ولعل أول ما  يطرح تواجد المصارف الحكومية مع مصارف خاصة، موضوع هيكلة القطاع المصرفي بمجمله. فبالنسبة للمصارف الحكومية هل تستمر في الهيكلية الحالية التي تشمل مصرفاً تجارياً ومعه مصارف متخصصة في الزراعة و الصناعة وفي القطاع العقاري والتسليف الشعبي، أم ثمة حاجة لإعادة النظر في هذه الهيكلية لتتناسب مع المتغيرات العديدة والعميقة التي إتّسم بها تطور القطاع المصرفي عالمياً.

فعلى سبيل المثال، زال التمييز الذي دام حقبة طويلة من الزمن بين المصارف العادية ومصارف الأستثمار " Investment Bank   " أو الأعمال " Merchant Bank  " ، وكذلك أسقطت الحواجز بين مصارف التسليف القصيرة الأجل والمتوسط والطويل الأجل، وبصورة عامة يمكن القول أن مصرف القرن الواحد والعشرين هو المصرف الجامع " Global Bank " أي الذي يجمع بين مختلف العمليات المصرفية والخدمات المالية والأستثمارية.   فهل يعاد تنظيم القطاع المصرفي وفق المتغيرات المذكورة، بحيث تدمج المصارف الحكومية المتخصصة قطاعياً في مصرف واحد.

لا أعتقد من الجدية البت بمثل هذا الموضوع الهام على عجالة، وإنما بعد أجراء دراسة شاملة يغنيها حوار يعبر عن آراء المدارس المختلفة في هذا المضمار، وقد يكون ذلك الموضوع جديراً بحد ذاته بندوة خاصة ليس فقط نظراً لأهميته، وإنما أيضاً بسبب دوره الرئيسي في رسم إستراتيجة الهيكلية المصرفية، ودقة خيارات الحلول المتاحة له.

كذلك يندرج في هيكلية المصارف موضوع البنية التحتية للقطاع المصرفي من حيث المرجعية، والتنظيم والرقابة وقواعد الملاءة والسيولة وسياسة التسليف، ورسم العلاقات بين المصارف والأجهزة الحكومية المختصة.

وكما  ذكرت سابقاً، فإن هذه الأمور يشملها الباحثان الزميلان في هذه الندوة، ولهذا ننتقل إلى الخيارات الإستراتيجية المتعلقة بالقطاع الخاص المصرفي المتوقع إحداثه.

ثانياً: الخيارات الأستراتيجية في القطاع المصرفي الخاص:

ذكرنا أن التشريعات الجديدة الخاصة بالقطاع المصرفي من شأنها أن تضع هذا القطاع في طريق التطور والتحديث وهي تكون بذلك الخطوة الأساسية في سلوك هذا الطريق، ويلي هذه الخطوة مباشرة خطوة إختيار سبل إنجاحها وخلق الأسباب المؤدية لهذا النجاح. وإذا كان من الصعب، في الوقت القصير المتاح لنا في هذه الأمسية، تناول جميع هذه الأسباب، فلا بد من استعراض أهمها ودراسة الخيارات المتاحة لمعالجة كل منها، مع إبداء الرأي بما تراه أنسب هذه الحلول بالنسبة لظروف وبيئة الأقتصاد السوري ، ولقد إخترنا من هذه الأمور ما يلي:

1.                      موضوع تعددية المصارف.

2.                      توزع التراخيص بين الرأسمال الوطني والعربي أو الأجنبي، أو مشاركة بين الوطني والعربي أو الوطني والدولي.

3.                      تنوع النشاطات وفق حاجات الأقتصاد الوطني.

4.                      إختيار شروط الترخيص، بالإضافة لما يتناوله القانون الخاص بإحداث المصارف الجديدة.

5.                      وضع رزنامة للتنفيذ.

6.                      سياسة التفرع المصرفي داخل المدينة الواحدة وبين المدن والمناطق.

وقبل المباشرة في دراسة الخيارات لكل منها، لا بد أن نحدد الأهداف الأساسية التي يجب على القطاع الخاص بلوغها لتحقيق ما يتوقع منه، ونوجز هذه الأهداف بثلاثة:

-              الأول هو المساهمة الفعالة في التنمية الأقتصادية والأجتماعية.

-              الثاني هو صيانة سلامة القطاع التي تمس سلامة الأقتصاد الوطني بكامله.

-      الثالث هو إدارة فاعلة وفقاً لرقي الأداء لتأمين حسن سير العمليات المصرفية بما يوفق حاجات زبائن، والتأهيل والتدريب الدائمين لرفع مستوى رأسماله البشري، ومواكبة مختلف المتغيرات في العامل المصرفي، وكذلك تطور التقنيات المصرفية. 

-      وأخيراً حسن توزيع النتائج بين مساهمين وعاملين، ليس فقط بما يساهم في تحقيق العدالة الأجتماعية في توزيع ثمار التنمية وإنما أيضاً لتحفيز رأسماله البشري الذي هو ضمانة نجاحه وتطوره.

لنستعرض إذن الخيارات المتاحة لمعالجة كل من المواضيع التي سبق تعدادها، بحيث يبلغ كل منها هذه الأهداف الثلاثة.

ثالثاً: التعددية المصرفية

ما هو عدد المصارف الخاصة التي يرخص لها العمل في ضوء التشريعات الجديدة؟ هل يجب تحديده أم ترك الأمر للأستنساب والتقدير؟  أو القول أن جميع من تتوفر به الشروط القانونية يمنح الترخيص بالعمل؟

من المعروف أن هناك مدرستان في هذا الميدان تختلفان بين تبني مبدأ التعددية طالما أن المصرف الطالب الترخيص تتوفر فيه الشروط، ويؤيدون هذا الطرح بأنه يؤمن المساواة أمام القانون، ويحقق المزاحمة لصالح المستهلك من حيث مستوى الخدمات وإنمائها، كما يحفز المصارف على التطور الدائم بمجابهة منافسيها.

أما الرأي الآخر فيدعو للحد من التعددية، وإلى تبني طريقة انتقائية في إختيار العدد المناسب، مؤيداً موقفه بأن التعددية تعرض البلد للفوضى ولتدني مستوى السلامة في المصارف، كما يسوق أصحاب هذا الخطاب المتغيرات في القطاع المصرفي في العالم التي تتضمن توجهاً صريحاً لإنشاء وحدات كبيرة، دلت عليها عمليات الدمج بين مصارف كان كل منها عملاقاً بمفرده قبل إندماجه في مصارف أخرى.  هذا بالنسبة للعالم الصناعي، وأما في البلدان النامية فلجأ عدد منها إلى سن قوانين للدمج المصرفي قسراً أو تحفيزاً لوضع حد للفوضى المصرفية التي عانتها، نذكر في منطقتنا لبنان، كمثل لهذه البلدان، حيث تناقص عدد المصارف من أكثر من مائه إلى نحو الستين حالياً. كذلك يمكن ذكر الإمارات المتحدة التي تعرضت لتعثر عدد من مصارفها، كان بين العوامل الحافزة لبنوك أخرى على الدمج التفاوضي أو عن طريق شراء بعضها البعض.

وفي رأينا أن الحل المناسب لبلدنا هو خيار التدرج، أي أنه لا يقفل الباب بعد ترخيص عدد من المصارف ، ولا يفتحه على مصراعيه، وإنما يسلك التدرج الزمني  بحيث يمنح عدد من الرخص خلال  الفترة الأولى، تضاف إليها رخص أخرى بعد سنتين مثلاً بحيث تكون قد برزت البوادر الأولى للتجربة، وهكذا …….

من الطبيعي أن خيار التدرج يثير سؤالاً شائكاً وهو: لمن الأسبقية؟  وكيف يوزع هذا التدرج زمنياً؟ والجواب على ذلك أنه يعتمد القاعدة الأنتقائية من حيث نوعية المساهمين وقدرتهم المالية وأداءهم المهني، وسمعتهم الأخلاقية، وماضي التجربة السابقة إذا كان الطالب مصرفاً أو مجموعة  مالية أو مجموعة من المساهمين.

وفي هذا المجال فإننا نعطي وزناً للمعايير المهنية والسلامة والملاءة، وفي مقدمتها المرجعية المسؤولة عن سلامة واستمرارية البنك، وهذه المرجعية يستنسب أن يكون مصرفاً له سجل جيد، أو مجموعة مساهمين مؤسسين يمثلون نسبة من رأس المال،يكونون متضامنين فيما بينهم لتحقيق نفس الهدف،وقد يكون مساهماً كبيراً يتحلى بملاءة وسمعة ممتازتين ولو أن الخيار الأخير ليس هو الأمثل.

وعلى سبيل الأيضاح نذكر بأن هذه القاعدة مأخوذ بها في عدد كبير من البلدان الصناعية والنامية وتسمى هذه المرجعية: " Reference Shareholder – Actionnaire de Reference  " ، بحيث يكون أمام السلطات المصرفية، وخاصة المولجة بالمراقبة، بالطلب إلى هذه المرجعية بتسديد أية خسارة تنقص من رأس المال المحدد، أو أن تقدم القروض المساندة، أو الضمانات اللازمة للحفاظ على سلامة المصرف وسيولته.

غني عن البيان أن المصارف تختلف عن المؤسسات والشركات في قطاعات أخرى لسبب بسيط هو أنها تعمل بمدخرات الناس، وهي عرضة للمخاطر أكثر من غيرها من المؤسسات، ولهذا فإننا نعتقد بأن السلامة هي القاعدة التي لا تقبل المساومة في قرار السلطة في منح الترخيص للطالب المناسب في تعامله مع الأمور التطبيقية للتشريع المصرفي الجديد.

كما نذكر أن الرقابة المصرفية المسبقة هي ضرورة تفرض نفسها، وأن مستوى أداءها يخفف كثيراُ من المحاذير ، ولكن التجربة بينت على مدى التاريخ، ولا تزال، بأن الرقابة مهما علت فاعليتها تبقى إحترازية، ولا بد من مرجعية تؤمن إعادة السلامة لمصرف عندما يتعرض لشرخ تكتشفه الرقابة، أو تتوقعه.

ولكن إذا اخترنا طريق التدرج في منح التراخيص المصرفية، فأي عدد يحظى بالفئة الأولى من التراخيص التي تصدرها السلطة في بداية التجربة؟ إنه ولا شك لسؤال مطروح ودقيق ولكن لا بد من التعامل معه، ونحن نرى أن العدد المذكور يكون بين حد أدنى لخمسة  تراخيص وحد أقصى بعشرة للفترة الأولى.

ويقودنا هذا الجواب إلى التساؤل كم منها وطني وكم منها عربي، وعما إذا كانت المصارف الدولية تدخل في عداد المصارف المرخصة في مرحلة البداية، وكيف يكون هذا التوزيع الجغرافي في بداية تطبيق التشريع الجديد. 

رابعاً: التوزيع بين المساهمة الوطنية والعربية والأجنبية 

إن الخيارات في هذا التوزيع عديدة، فقد تحصر التراخيص الأولى بالمساهمة السورية، وقد تكون سورية وعربية، وكذلك ثلاثية، سورية وعربية ودولية.

وبصرف النظر عن التوزيع بين الفئات المذكورة من المساهمين، فإننا نرى الشمولية منذ المرحلة  الأولى، للأسباب التالية:

1.    لقد برهنت تجارب عديدة حصرت العمل المصرفي بالرأسمال الوطني على محدودية هذا الخيار، فعدل الكثيرون عنها، ولعل أبرز مثال على ذلك هو المملكة العربية السعودية التي أعيد تنظيم معظم مصارفها على أساس مشاركة بين الرأسمال الوطني والعربي والدولي، مع منح الإدارة للمصرف الأجنبي الشريك خلال خمس سنوات، جددت خمس سنوات ثانية. كذلك فإن البلدان التي حولت مصارفها المؤممة إلى القطاع الخاص أخذت بتنويع المساهمة الوطنية والخارجية.

2.    إن التنوع حافر كبير لجذب الأستثمارات العربية والخارجية، لإنها تطمئن المؤسسات التي يشارك مساهمون من بلدهم في رأسمال المصارف المحلية.

3.    ومن المعروف أن سورية تحتاج إلى خبرة مصرفية متطورة ، كما تحتاج إلى الكثير من الوقت لبنائها، ولا بد بالإضافة لإتخاذ جميع التدابير الفعالة للإفادة من الخبرة الوطنية المتوفرة، وبناء خبرات وطنية جديدة، فإن عنصر الوقت والسرعة يتطلبان الإفادة من الخبرة الخارجية لإنجاح التجربة الجديدة.

4.    إن شمولية الحل وتنوع المساهمة لا يحول أمام إعطاء مكانة خاصة بالنسبة للرأسمال الوطني،  بصورة تتلاءم مع الحاجة إلى تحفيز المساهمة العربية والأجنبية، وقد تكون نسبة الثلث مناسبة كإختيار مرحلي.

5.    إن هذا الخيار يتيح للمصارف العربية والأجنبية فتح فروع لها عوضاً عن إنشاء شركات مصرفية جديدة، وذلك لإن الفروع لا تحتاج إلى مساهمة وطنية في رأس المال.

نكتفي بهذا العدد من الأسباب المبررة لخيار تنوع مصادر رأس المال والمساهمة، وننتقل إلى حيث إنتهينا وهو التفرع المصرفي .

خامساً: التفرع المصرفي

إن إنشاء فروع للمصارف المرخصة سواء كان داخل المدينة الواحدة أو في المناطق، يجب أن يشجعا سوية لتحقيق توزيع جغرافي ملائم، خاصة بالنسبة للمصارف التي تنشأ على شكل شركة سورية،  هذا مع العلم أن تفرع مصارف عربية في المدن الرئيسية قد يكون حافزاً إضافياً لهذه المصارف لدخول السوق السورية.

وطبيعي أن يطرح موضوع التفرع نفس مشاكل التعددية المصرفية، أي أن لا يكون الترخيص بفروع على حساب سلامة القطاع وحسن سيره، ويقع على عاتق السلطات المصرفية تنظيم التفرع المصرفي وتحفيزه بشكل يوفق بين مصلحة المصرف المتفرع والحاجة الجغرافية لتفرعه ضمن حدود السلامة والملاءة.

ولا نعتقد أننا في حيز يتيح التوسع في هذا الموضوع الذي له قواعد وضوابط قياسية سيكون من اختصاص السلطات المصرفية دراستها وتحديدها.


سادساً: تنوع النشاطات والعمليات

عندما نتحدث عن تنوع النشاطات والعمليات للمصارف الجديدة، نخرج من ميدان التنظيم ووضع السلطة المختصة الضوابط والقواعد للعمل المصرفي، وندخل ميدان التحفيز،لأن إختيار النشاطات والعمليات هو من حق المصرف طالما أن هذا الأختيار يراعي القانون والأنظمة.

وبما أن حاجات الأقتصاد الوطني متنوعة ومتفرعة، فلا بد من إستعمال الحوافز التي تشجع المصارف الخاصة على ولوجها. وهذه الحوافز عديدة ومتنوعة وهي من النوع الذي "يفصل" حسب الحاجة ولا ينتمي لقاعدة الشيء" الجاهز " .

ومن أهم النشاطات التي تخطر على البال هي تلك التي تخرج عن عمليات التسليف القصير الأجل المألوفة في المصارف، كما أنها تخرج عن عمليات وخدمات يتوقع أن تنشط المصارف الجديدة في ممارستها، مثل التسليف لوفاء حاجات استهلاكية كالسكن، والتجهيز المنزلي، والتقسيط الأستهلاكي الخ…… وفي مقدمة هذه النشاطات الإضافية الواجب توفرها هما التسليف المتوسط والطويل الأجل، وكذلك التمويل الرأسمالي.

فبالنسبة للتسليف المتوسط والطويل الأجل، لا بد من تحفيز المصارف الخاصة على ممارسة هذا العمل إلى جانب المصارف الحكومية الموجودة، ليس فقط لإن الحاجة إلى مثل هذا النوع من التسليف هي شديدة، وإنما لإنها العامل المساند للتمويل الرأسمالي، حيث يلاحظ  قصور في الأموال الخاصة أمام مجابهة حاجات تمويل المشاريع الجديدة أو توسيع القائمة وهذه ظاهرة بارزة في الأقتصاد السوري، خاصة في الحالات التي يقدم صاحب المشروع رأسمالاً من أمواله الخاصة ولكن يكون مقداره غير كاف، الأمر الذي يفترض وجود مصادر التمويل المصرفي المساند للتمويل الرأسمالي.

ومن المعروف أن المصدر الطبيعي لهذا التمويل هو الإدخار، ولهذا لا يتوقع من المصارف الجديدة أن تستعمل ودائعها لهذه الغاية وفي رأينا أنه من المناسب مساندة القطاع المصرفي بإحداث مؤسسات مالية متخصصة في تعبئة أو تنظيم التمويل الرأسمالي، خاصة وأن التشريع الخاص بإنشاء سوق للأوراق المالية قد تمت المصادقة عليه، ويتوقع وضعه موضع التطبيق في أقصر وقت ممكن ليواكب المسيرة المصرفية التي تعتمد على الودائع، فتكون مؤسسات التمويل الرأسمالي جسراً بين الأدخار والأستثمار مكملاً للجسر المصرفي بين الودائع والتسليف.

وهذا يقودنا إلى الأنتقال إلى المؤسسات المساندة للمصارف.

سابعاً: المؤسسات المساندة

تعلمنا على مقاعد الجامعة أن وفرة المال تحقق التنمية الأقتصادية وأن ندرته تشكل العائق الأساسي أمام بلوغها، ولكن التجربة تؤكد أن هذه العلاقة في الحالتين ليست قدرية. فإلى جانب وفرة المال لا بد من مبادرات متنوعة يجب أن ترافقه لتحقيق التنمية. وكذلك فإن ندرة المال ليست العقبة الوحيدة، كما أنه يمكن التغلب عليها إذا تضافرت شروط أخرى لذلك.

هذه الحقيقة هي التي تدعونا إلى التركيز على مفهوم البنية المالية التحتية المساندة للقطاع المصرفي، وهي مثلثة الأضلاع: المؤسسات، المنتوجات والسوق المالية التي يجري تداولها فيه. ونظراً لضيق الوقت، فإننا سنقتصر في حديثنا على المؤسسات بسبب تكاملها مع القنوات المصرفية، ويمكن تصنيفها في ثلاثة فئات: المؤسسات المنتجة للأستثمارات، والوسيطة، والمساندة.

نعني بالمؤسسات المنتجة للأستثمارات تلك التي ترفد السوق المالية بأدوات ومنتوجات للأستثمار مثلاً على شكل أوراق مالية (أسهم وأسناد وما يماثلها).

ولقد شهد معظم البلدان العربية تأسيس مثل هذه الشركات وقد زاد عددها في السنوات الأخيرة، وهي لا شك ساهمت وتساهم في أستثمارات تقوم بمبادراتها جهات أخرى عامة أو خاصة، وبعضها يقوم بنفسه على مبادرة إنشاء شركات جديدة، ولكن لا يزال طرحها في الأسواق المالية العربية محدوداً، وبالتالي فإنها تحد من دور هذه الأسواق في توسيع قاعدة المساهمة، وتنشيط عمليات التداول فيها.  لهذا نعتقد أنه ينقصنا ما نسميه المؤسسات التي تقوم بدور صاحب المشروع " Entrepreneur  " الذي يروج له لدى الجمهور المدخر، ويساهم بهذا في تطوير السوق المالية بزيادة عدد الشركات المدرجة، وتوسيع قاعدة التعامل بها. وتدل تجارب عدد من البلدان العربية، بما فيها سورية، على تعطش المدخرين لفرص الأستثمار التي تتيح لهم المساهمة بالمشاريع الجديدة، شريطة تأمين سلامة وسيولة الأسهم التي يكتتبون بها، وبالتالي فإن الأرضيـة خصبـة لمؤسســات ترويـج الأســـتثمار   " Investment Promoters  " في جميع مراحله منذ التعرف على فرصته حتى إدراج أسهم الأستثمار الجديد في السوق المالية. ويمكن بالتحديد تعريف هذا الدور بما يلي:

 

1.         أخذ المبادرة بالتعرف على فرص محددة للأستثمار، وذلك عن طريق القيام بدراسات قطاعية متخصصة وتفصيلية، بحيث تنتهي إلى التعرف على مشروع محدد.

2.         مسؤولية دراسة المشروع من جميع جوانبه، سواء عن طريق أجهزتها أو بالتعاون مع الأجهزة المتخصصة حسب المشروع.

3.         تنظيم التمويل وتعبئة الأموال اللازمة لإخراج المشروع إلى حيز الوجود، بما في ذلك رأس المال، والتمويل التكميلي، على أن يطرح على الأقل جزء من الأسهم للجمهور، عن طريق السوق المالية.

4.         المساهمة، ولو بقسط من رأس المال، كرعبون مصداقية للمؤسسة المروجة، وكذلك للمشروع. ويتطلب ذلك بصورة طبيعة أن يكون رأسمالها ذا حجم معين للقيام بهذا الدور، قبل أن تعود وتسيل مساهمتها عندما يكون المشروع قد أخذ منحاه الطبيعي.

5.         تأمين حد أدنى من السيولة للأسهم المصّدرة سواء عن طريق الأتفاق مع أحد صانعي السوق، أو مباشرة أو بكلاهما. ونعتقد أن موضوع السيولة هو أحد أهم العقبات أمام كثير من الأسواق المالية العربية، بسبب أثرها في إحجام أو تردد المدخر الصغير والمتوسط عن توظيف مدخراته من خلال قناة السوق.

أما ما يسمى بالمؤسسات الوسيطة، فيدخل في هذه الفئة عدد متنوع يختلف حسب تشريع كل من البلدان. وثمة مدرستان: الأولى تفسح المجال أما أنواع الوساطة، بدون تمييز والثانية تفصل بين فئات من هذه الأنواع. وعلى رغم حركة التحرر التي تشهدها الأسواق المالية الدولية، فإن هذا التميز لا يزال قائماً.

وأخيراً، تشمل المؤسسات المساندة نوعين: أولهما ما يعرف بهيآت التنظيم والرقابة للأسواق، والتقاص والمدفوعات وغيرها على إختلاف أنواعها  حسب التشريع المعمول به في كل بلد. أما النوع الثاني، فهو مساند لمؤسسات السوق نفسها، مثل المكاتب القانونية التي تعنى بإنشاء وإعداد الوثائق الخاصة بعمليات السوق مثل إصدارات الأوراق المالية، ثم تأتي هيئات التدقيق ومفوضي الرقابة، وأخيراً تكملها مؤسسات تقدير الملاءة وتصنيفها للبلدان والشركات، ودور التحليل المالي.. 

وغني عن البيان أن هذه المؤسسات تؤمن الشفافية والدقة في الإفصاح المالية بغية حماية المدخرين وتشجيعهم على إستثمار مدخراتهم عن طريق السوق المالية.

وجل ما نبغي إليه من هذا السرد هو التأكيد على تكامل السوقين المصرفية والمالية.

 

ثامناً: التوقعات وآفاق المستقبل

ما هي التوقعات التي تنطوى عليها آفاق المستقبل في القطاع المصرفي السوري؟ تقدرون ولا شك أن الجواب على هذا السؤال قد يكون من اختصاص الفلكيين وفيه من المجازفة ما يعرض إلى السير في طريق مجهول. ومع ذلك، سأقبل المجازفة بإعطائكم توقعاتي الشخصية والتي أوجزها كما يلي:

1.         أتوقع أن يكون منحى الأقبال على طلب الترخيص بإنشاء مصارف شديداً، وذلك ليس فقط لأن هذه نتيجة طبيعة للحرمان الطويل، فإنه يفتح الشهية، وثانياً لإن المنشأة المصرفية تملك جاذبية خاصة بها، كالغانية التي تغري بشكلها أكبر من حقيقة شخصيتها، لأن واقع العمل المصرفي يتميز بصعوبته ومحاذيره وخطورته، خاصة في عالم العمالقة الذين يتزايد عددهم كل يوم، وينتشرون في قطاع الأرض سيراً مع العولمة التي يعيشها عصرنا.

2.         أتوقع أيضا تنوع مصادر طلبات الترخيص فهي ستكون أولاً سورية ولبنانية ثم عربية وبدرجة أقل أجنبية، وأغلب الظن أن تأخذ المصارف الأجنبية بإختيار التفرع عوضاً عن إنشاء شركة سورية.

3.                      وخيار التفرع هذا سيكون كذلك الصفة الغالبة للمصارف اللبنانية وللمصارف العربية .

4.         أما المصارف التي ستنشأ على شكل شركات سورية، فأغلب الظن أنها ستمر بتواجد أكثر من مصدر للمساهمة برأس المال، وأعتقد أن هذا سيكون الخيار المفضل للمستثمرين السوريين في القطاع المصرفي مع عدم إستبعاد إنفراد بعض المستثمرين السوريين بمصارف وطنية محضة، وهذا الخيار مرغوب به، ويكمل المصارف المشتركة السورية العربية والأجنبية.   وفي العودة إلى حديثنا عن تبني التدرج في منح التراخيص في بداية التجربة، فإننا نوصي بأن تكون المجموعات الوطنية في مقدمة التراخيص التي ستمنح في مرحلة الأنطلاق،  أو على الأقل بأكثرية من المساهمين المواطنين.

5.         نتوقع كذلك أن معظم طلبات الترخيص، ستتبنى شكل المصرف التجاري للتسليف القصير الأجل، وبالتالي سيبقى القطاع المصرفي محروماً من التسليف الطويل الأجل وكذلك من التمويل الرأسمالي، وقد يعوض هذا النقص إحداث مؤسسات مالية تختص في التمويل الرأسمالي، وكذلك التمويل المساند ذات الآجال المتوسطة والطويلة خاصة مع إنشاء سوق مالية تكون الشريان الموازي للقناة المصرفية  في جهاز التمويل اللازم لبلوغ الأهداف الأقتصادية والأجتماعية المتوقعة من الخطوة الجديدة.

6.         وأخيراً يتوقع أن يكون التهافت على طلبات الترخيص لمجرد أخذ مكانة في القطاع الجديد، وسيكون لذلك محاذير سيئة ولهذا أوصي بأن تضع السلطات المختصة مدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة ، أو ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، لممارسة الترخيص الممنوح، وبالتالي إعتباره لاغياً عندما تنتهي المدة، ولا نعني من ذلك جعل التمديد مستحيلاً وإنما نريده أن يكون استنسابياً يمنح في ضوء تقدم العمل في ممارسة الترخيص ودراسة جدية للأسباب التي أدت إلى التأخير.

هذه خواطر سريعة ضمن ما تتيحه طبيعة هذه الندوة والوقت المخصص، وهي ليست فقط سريعة وإنما كان بودنا أن تشمل مواضيع أخرى لا تقل أهمية عما ذكرناه مثل العلاقة بين القطاع المصرفي والسلطات المرجعية  لهذا القطاع، ومنها أيضاً السياسة المصرفية سواء بالنسبة لمصادر التمويل وخاصة الودائع، أو من جانب الأستعمالات وكذلك سياسة التسليف، ثم علاقة الأخيرة بالسياسة النقدية والمالية والعلاقات بين القطاع المصرفي الوطني والمصارف العربية والمراكز المالية الدولية ، وقد تكون جميع هذه الأمور موضوع ندوات أخرى.

أشكر لكم حسن أستماعكم وصبركم، كما أكرر تثميني لجمعية العلوم الأقتصادية السورية ولرئيس مجلس إدارتها على الدور الفاعل الذي تلعبه ندوة الثلاثاء، متمنياً للجميع أمسية طيبة.



(*)  رئيس المؤسسة المالية العربية ش.م.ل.