تعقيب الأستاذ جلال مراد

على محاضرة السيد الدكتور نبيل مرزوق

والتي عنوانها «تحديات التنمية البشرية في سورية»

 

أيها السيدات والسادة

أشكر جمعية العلوم الاقتصادية على اتاحتها الفرصة لي كي أتكلم من هذا المنبر الكريم، وأوجه تقديري إلى الأخ الدكتور نبيل مرزوق على محاضرته القيمة حول تحديات التنمية البشرية في سورية، وإنني أتفق معه في بعض الجوانب، واختلف معه في جوانب أخرى، وهذا ما سنراه من خلال العرض التالي:

برز الاهتمام بالتنمية البشرية كرد فعل على انصباب معظم جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان العالم على الجانب الاقتصادي، وعدم اعطاء الجانب الاجتماعي منها نفس المستوى من الأهمية. وتعزز هذا الاهتمام أكثر مع بروز ظاهرة العولمة التي باتت تشكل تحدياً كبيراً للنمو الاقتصادي والاجتماعي في العالم، وتؤثر بشكل أو بآخر على حياة غالبية الناس. ومع مرور الزمن، تبين أن التقدم البشري لا يحصل تلقائياً بواسطة النمو الاقتصادي، وبالتالي، بدأت تبرز أهمية وضرورة التحول في الفكر التنموي من التنمية الاقتصادية التي تركز على زيادة الدخل القومي والدخل الفردي والادخار والاستثمار، إلى التنمية البشرية التي تركز على تنمية البشر، انطلاقاً من أن النمو الاقتصادي هو وسيلة لتحسين وتوسيع خيارات الناس للوصول إلى حياة أفضل، وذلك بتكوين قدراتهم وتنميتها، ومن ثم تحسين مستوى انتفاعهم من قدراتهم سواء في العمل أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والسياسية، أو قضاء أوقات الفراغ.

وفي سورية، تشكل التنمية البشرية ـ منذ السبعينات ـ جوهر ومركز نمط الفكر والتخطيط الانمائي، حيث انطلقت استراتيجية التنمية في سورية من النهوض بالتنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية بآن واحد، وتحقيق التوازن بينهما، باعتماد أسلوب التنمية المتوازنة التي تضبط العلاقة بين هدف تحقيق التوازن الداخلي والخارجي للتنمية من جهة وهدف تحقيق التوازن بين الناس من جهة أخرى. ولاشك أن الانجازات الكبيرة التي تحققت في مجال التنمية البشرية في سورية، تعتبر قاعدة أساسية للانطلاق نحو مزيد من التقدم المستدام في حياة البشر في بداية القرن الحادي والعشرين، وذلك بابتكار أساليب وأدوات جديدة وفعالة تتناسب مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستجدة.

إن الخطوة الأولى في فهم واقع التنمية البشرية وتحديد أهدافها وأولوياتها ورسم سياساتها تتمثل في تحديد المتغيرات الرئيسية التي تعبر عن هذه التنمية، ومن ثم اختيار مقياس أو دليل يجمع هذه المتغيرات، فيبين المستوى الذي تم بلوغه في تحقيق التنمية البشرية، ويمكِّن من المقارنة فيما بين المناطق ضمن البلد الواحد وكذلك فيما بين المجموعات ضمن البلد الواحد أيضاً، يتم اختيارها وفق معايير معينة كالمقارنة بين الريف والحضر، أو بين الأغنياء والفقراء، أو بين الذكور والإناث، كما يمكن من المقارنة بين الدول.

إن دليل التنمية البشرية يركز على ثلاثة عناصر أساسية هي:

أ ـ طول العمر، مقيساً بمتوسط العمر المتوقع عند الولادة (ويعبر عن المستوى الصحي).

ب ـ التحصيل التعليمي، مقيساً بـ:

ـ معدل معرفة القراءة والكتابة للكبار (وأعطي له وزن ترجيحي مقداره الثلثين).

ـ ونسبة القيد الإجمالي في التعليم العالي ودون العالي معاً (وأعطى له وزن ترجيحي مقداره الثلث).

جـ ـ الدخل أو مستوى المعيشة اللائق، مقيساً بنصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي مقوماً بالدولار حسب تعادل القوة الشرائية للدولار، وذلك نظراً لأن استخدام عملة واحدة لايعكس القدرة الشرائية الحقيقية في داخل كل اقتصاد قومي بسبب التباين في أسعار الصرف وبسبب عدم سيادة سعر عالمي لكل سلعة أو عنصر انتاجي في كل بلاد العالم.

وتتحدد قيمة كل عنصر من العناصر الثلاثة بنسبة الفرق بين القيمة الفعلية للعنصر وقيمته الدنيا مقسوماً على الفرق بين القيمة القصوى والقيمة الدنيا لكل عنصر. ويحتسب دليل التنمية البشرية بصفته وسطاً حسابياً لكل من دليل العمر المتوقع عند الولادة، ودليل التحصيل التعليمي، ودليل نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي حسب تعادل القوة الشرائية للدولار.

وباستعراض الانجازات السورية في مجال التنمية البشرية خلال الفترة (1970 ـ 1998) نجد مايلي:

1 ـ ارتفع العمر المتوقع عند الولادة من 59 سنة في عام 1970 إلى 69 سنة في عام 1998 نتيجة ارتفاع المستوى الصحي للسكان، وهذا يعني أن جهداً كبيراً قد بذل في مجال الرعاية الصحية حيث ارتفعت نسبة الانفاق الحكومي على الصحة إلى إجمالي الانفاق العام من 0.4% عام 1980 إلى 3.23% عام 1998 (بينما ورد في بحث الزميل الدكتور مرزوق ص 11 أن هذه النسبة بلغت 1.02% في نفس العام وهي أدنى من الاحصاءات السورية، ومصدر بيانات الزميل هو تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة). كما انخفض معدل وفيات الرضع (لكل 100 ألف مولود حي) من 132 عام 1970 إلى 28 عام 1998. وانخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة (لكل ألف طفل) من 164 عام 1970 إلى 32 عام 1998، كما انخفض معدل وفيات الأمهات (لكل 100 ألف ولادة حية) من 485 عام 1970 إلى 92 عام 1998. وبالنتيجة، ارتفع دليل العمر المتوقع عند الولادة من 0.670 عام 1970 إلى 0.733 عام 1998.

2 ـ ارتفعت نسبة معرفة القراءة والكتابة بين البالغين من 46.4% عام 1970 إلى 85.8% عام 1998، وارتفعت نسبة القيد الاجمالية في كافة مراحل التعليم من 49.5% عام 1970 إلى 59.3% عام 1998. ونتيجة لذلك ارتفع دليل التحصيل التعليمي من 0.699 عام 1990 إلى 0.771 عام 1998. وقد ارتفعت نسبة الانفاق على التعليم إلى إجمالي الانفاق العام من 12.7% عام 1981 إلى 13.2% عام 1998 (بينما ورد في بحث الزميل ص 11 ان هذه النسبة بلغت 4.2% عام 1996، وهي نسبة متدنية جداً وغير صحيحة بالمقارنة مع الاحصاءات السورية، علماً بأن مصدر بيانات الزميل هو تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية لعام 1999).

3 ـ ارتفع دليل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي باسعار 1995 الثابتة من 0.706 عام 1990 إلى 0.920 عام 1997، وقد بلغ معدل النمو السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأسعار 1995 الثابتة 2.3% خلال الفترة (1970 ـ 1998).

إن قياس التنمية البشرية هو تقويم للنتائج والانجازات المتحققة في عملية التنمية البشرية، وذلك من اجل مساعدة صانعي القرار في إدارة عملية التنمية ورسم السياسات ومتابعة تنفيذها واتخاذ ما يلزم من قرارات لتطوير المسار أو تدعيم اتجاهه في ضوء المستجدات. ومن هنا تأتي خطورة استخدام دليل التنمية البشرية، فأي خطأ في احتسابه يمكن أن يضلل صانع القرار، خاصة إذا كان الخطأ كبيراً، وإذا كان الخطأ قادماً من بيانات محتسبة خارج سورية، والخطورة تصبح أكبر إذا كنا نعتبر هذه البيانات المستوردة مسلَّمات وصحيحة.

ومن هنا اختلف مع زميلي الباحث، في النظرة إلى ترتيب سورية في مجال التنمية البشرية الوارد في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة لعام 1999، إذ يذكر الباحث في الصفحتين 7 و 8 «ان الموقع الذي تحتله سورية في مجال التنمية البشرية موقع متدنٍ نسبياً بالمقارنة مع الدول الأخرى في العالم، وكان ترتيب سورية قد تراجع من 92 في تقرير عام 1996 إلى 111 في تقرير عام 1999، أي أن مستوى دليل سورية قد تخلف إلى الوراء بفارق 19 دولة تقدمت على سورية خلال ثلاثة أعوام، كما تراجعت قيمة دليل التنمية البشرية فيها من 0.691 عام 1990 إلى 0.663 عام  1999». ويصل الزميل الباحث إلى القول: «أن سورية لم تبذل الجهود الكافية خلال العقد المنصرم، بل تراجعت هذه الجهود نظراً لتراجع قيمة دليلها للتنمية البشرية».

أي أن الباحث استنتج تراجع جهود التنمية نتيجة تراجع قيمة دليل سورية للتنمية البشرية، وبالتالي تراجع ترتيبها بين الدول، علماً بأن هذا التراجع كان نتيجة خلل حسابي وقع في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية لعام 1999، إذ استخدم قيمة منخفضة جداً لمكافئ تعادل القوة الشرائية عن عام 1997 والبالغ 2.52، بينما استخدم قيمة عالية لهذا المكافئ في السنوات السابقة وهي 4.8 عن عام 1995 و 5.07 عن عام 1994 و 4.47 عن عام 1991 و 4.66 عن عام 1990. وإذا قارنا مكافئ تعادل القوة الشرائية عن عام 1997 البالغ 2.52 مع مكافئ عام 1995 البالغ 4.8 لوجدنا الفرق شاسعاً بينهما، إذ لا تفصل بين الرقمين سوى سنتين، علماً بأن القوة الشرائية للَّيرة السورية في عام 1997 كانت مساوية تقريباً لقوتها الشرائية في عام 1995. ومن هنا نستنتج أن التراجع في ترتيب سورية من 81 إلى 111 بين عامي 1995 و 1997 هو تراجع وهمي وليس حقيقياً نتيجة خلل في احتساب الدليل. وهذا ينسف كل الاستنتاجات الواردة في بحث الزميل والتي تشير إلى عدم بذل سورية الجهود الكافية خلال العقد المنصرم من أجل التنمية البشرية.

إن هذه الاستنتاجات تتناقض بشكل كبير مع ما ورد في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية الصادر عام 1994 والذي صنف سورية من بين أعلى عشر دول نامية من حيث الاداء في مجال التنمية البشرية.

أيها السيدات والسادة:

فيما يخص استراتيجية التشغيل ودورها في تحقيق التنمية البشرية، يمكن القول ان خلق فرص عمل جديدة في الاقتصاد الوطني يعتبر أحد التحديات الرئيسية التي تواجه دور النمو الاقتصادي في تحقيق التنمية البشرية، إذ أن الغاية النهائية من النمو الاقتصادي ليست فقط انتاج قيمة مضافة، بل أيضاً تمكين الناس وتوسيع خياراتهم في الحياة من خلال استراتيجية التشغيل، وهذا لا يمكن أن يتحقق ما لم تتوفر أربعة شروط لكل فرصة عمل معروضة في سوق العمل وهي: أن تتصف هذه الفرصة بالديمومة، وأن تكون مصدراً للدخل الفردي، وأن يكون هذا الدخل حقيقياً بحيث يضمن العيش الكريم والاستقرار المادي والمعنوي للعامل، وتحسين شروط المعيشة مع تحسين نوعية ومردود العمل، وذلك بعزل تأثيرات السياسات التضخمية على القيمة الحقيقية للأجور، إذ أن هذه السياسات تقلص ـ إلى حد كبير ـ القيمة الحقيقية للأجور والدخول دون المساس بها قانونياً، لذا لابد من اعتماد سياسة أجور مرنة تتناسب مع تغيرات السوق والأسعار وتكاليف المعيشة اللائقة.

إن التوازن في النمو الاقتصادي بين القطاعات الاقتصادية شرط أساسي لتحقيق التنمية البشرية المستدامة وعدالة توزيع الدخول بين الناس وتوسيع خياراتهم في الحياة. ولاشك أن السعي لزيادة انتاجية العمل على مستوى الاقتصاد الوطني والمستوى القطاعي يشكل المعيار الاساسي لقياس النمو الاقتصادي. ولقد نمت انتاجية العمل في القطاعات الاقتصادية خلال الفترة (1970 ـ 1994) بمعدلات معتدلة وخاصة في قطاعي الزراعة والصناعة حيث بلغت 3.2% و 1.9% على التوالي، في حين بلغ معدل نمو الانتاجية الاجمالية على مستوى الاقتصاد الوطني 1.5%. وإذا قارنا الانتاجية القطاعية مع وسطي الانتاجية الاجمالية للاقتصاد الوطني نحصل على التفاوتات في انتاجية القطاعات الاقتصادية، حيث يتبين ان القطاعات التي كانت انتاجيتها أقل من وسطي الانتاجية الاجمالية للقطر في عام 1970 هي قطاعات الزراعة والصناعة والبناء والتشييد والخدمات، أما في عام 1981 فقد ارتفعت انتاجية القطاع الزراعي عن هذا الوسطي الاجمالي بسبب ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية وازدياد الدخول في الريف، وبقيت انتاجية قطاعات الصناعة والبناء والتشييد والخدمات أقل من وسطي الانتاجية الإجمالية. وفي عام 1994 ارتفعت انتاجية القطاع الزراعي عن الوسطي وبقيت انتاجية تلك القطاعات أدنى من الوسطي.

لا شك أن انخفاض انتاجية العمل القطاعية يؤدي إلى انخفاض الدخل الفردي لفئات واسعة من الناس الذين يعملون في الصناعة والبناء والتشييد والخدمات العامة، كما أن التفاوت بين انتاجية القطاعات الاقتصادية يؤدي إلى الخلل في توزيع الدخل القومي. وبالتالي، فان معالجة هذا الخلل كامن في معالجة التفاوتات في الانتاجية القطاعية.

محمد جلال مراد