رابعاً- أهداف الإصلاح الاقتصادي ومنطلقاته:
- أهداف الإصلاح:
يجب أن يوضع الإصلاح الاقتصادي في مكانه الصحيح استناداً إلى التجارب التي مرت بها الدولة التي اعتمدت في السابق منهج الإصلاح الاقتصادي المعتمد على وصفة البنك والصندوق الدوليين.
وقد جاء وقت أصبح فيه الإصلاح وكأنه هدف بحد ذاته، واكتسب التثبيت الاقتصادي وتحرير التجارة والخصخصة والدعوة إلى تحجيم دور الدولة أولوية في برامج الإصلاح. لكن التجارب بينت خطأ هذا التوجه. وفي اعتقادي أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكون وسيلة لإدارة الطلب من جهة وتحفيز الإنتاج من جهة ثانية، ولكن يجب أن يكون كذلك مرتبطاً بخطة التنمية الاقتصادية طويلة الأجل وخطة التنمية الاجتماعية. فالتحرير الاقتصادي غير المرتبط بخطة لتوسيع قاعدة الإنتاج وزيادة الإنتاجية يشكل خطراً على الاقتصاد الوطني والإصلاح غير المرتبط ببرنامج لمعالجة الفقرة والبطالة بشكل مباشر يشكل خطراً على السلم الاجتماعي.
يقترح أن يضع برنامج للإصلاح لنفسه الأهداف التالية:
- إدارة الطلب الكلي وتحقيق التوازنات في الاقتصاد الكلي وأهمها احتواء التضخم.
- تعبئة كافة الطاقات المادية والبشرية في الوطن لخدمة عملية التنمية.
- زيادة الكفاءة في الأداء الاقتصادي وفي توزيع الموارد.
- خلق المناخ المحفز للاستثمار طويل الأجل وتوفير الفرص المتكافئة للجميع.
- رفع عائدية الاستثمار من خلال إزالة العقبات والجمودات في البيئة الإنتاجية، ومن خلال إقامة البيئة التنظيمية والتشريعية السليمة لعمل كل من القطاعين العام والخاص وزيادة قدرة كل منهما على التحرك السريع لمواجهة متطلبات السوق المتغيرة باستمرار.
- تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر (وليس المحفظي) مع توجيه هذا الاستثمار نحو أولويات التنمية المحلية من خلال الحوافز.
- منع الاحتكار وتعميق المنافسة في السوق.
- الحفاظ على شبابنا ومتعلمينا داخل الوطن من خلال توفير المناخ اللازم لهم للاستثمار والعلم والإبداع والابتكار والحفاظ على الكرامة.
- منطلقات الإصلاح
ينبغي أن يبدأ إعداد برنامج الإصلاح من المنطلقات التالية:
- البرنامج الزمني والشمولية
يتطلب برنامج الإصلاح برنامجاً زمنياً، ويتوجب أن يكون شاملاً عريض القاعدة وذلك بسبب ترابط إجراءات وخطوات الإصلاح نفسها وتأثيرها وتأثرها ببعضها البعض. فإصلاح القطاع المصرفي لا يكون مجدياً دون إصلاح القطاع العام، كما وإن إصلاح القطاع العام أو الإصلاح المالي لن يكون فعالاً دون إصلاح القطاع المصرفي. كذلك فإن خطوات تحرير التجارة دون خطوات متلازمة لتحفيز الإنتاج والإنتاجية تعرض السوق الداخلي لمزاحمة شديدة وتعرض الميزان التجاري لانكشاف خطر. كما وأن إعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية أو تعديل قانون الاستثمار دون إصلاح البيئة التشريعية والتنظيمية للعمل الإنتاجي يصبح من باب العبثية.
- تتابع الإصلاحات وتقرير السرعة في الإصلاح:
يشكل اختيار تتابع الإصلاحات أهمية كبرى في نجاح البرنامج، وتطرح هنا أسئلة مثل: هل نشجع القطاع الخاص أولاً أو نصلح القطاع العام؟ هل نصلح النظام المالي أولاً أو نصلح النظام المصرفي أو نصلح الاثنين معاً وبالترافق مع إصلاح القطاع العام. هل نحرر التجارة الخارجية قبل أو بعد إصلاح القطاعين العام والخاص؟ هل نحرر الأسعار فوراً أو نحررها تدريجياً وأية أسعار نحرر أولاً وأية أسعار نتركها لما بعد ومتى ندخل تشريعات منع الاحتكار وتعميق المنافسة ومتى نوحد أسعار القطع وغيرها من التساؤلات. ويقترح أن يسعى البرنامج لأن تترافق الإصلاحات المرة مع الإصلاحات المحفزة للإنتاج وذلك لتخفيف سلبيات الأولى.
أما بالنسبة للسرعة في الإصلاح، فلا شك أن الإصلاح المتدرج هو الأفضل، ولكن يبقى السؤال، أي تدرج وأي سرعة، وعلينا إيجاد التوازن السليم بحيث نصل إلى عملية إصلاحية ديناميكية نشطة وفعالة، ولكن نحافظ بنفس الوقت على الاستقرار الاجتماعي. ولا بأس أن يكون الإصلاح الاقتصادي تحت عنوان "الإصلاح المتدرج المكثف".
- القرار الاقتصادي المستقل:
يجب الإشارة إلى أن الإصلاح الاقتصادي لا يعني التنازل عن القرار الاقتصادي السوري المستقل بل يجب أن يكون من صنع سوري، وأن يكون دور مؤسسات التنمية الدولية والعربية فيه دور المقدم للدعم والتموين وليس إعداد البرنامج، فالإصلاح نريده لحاجة لنا، استجابة لمتطلبات تنميتنا، ولنصبح أقوياء في عصر العولمة، لا لتلبية رغبات ووجهات نظر خارجية.
- معوقات إعداد وتنفيذ برنامج الإصلاح والمقومات اللازمة لنجاحه:
سيتعرض برنامج الإصلاح لصعوبات في إعداده كما في تنفيذه لاعتبارات فكرية واعتبارات سياسية واعتبارات اجتماعية، وفوق ذلك وذاك سيعارضه المنتفعون من الأمر الواقع سواء كانوا في السلطة، أو في الخدمة المدنية أو في القطاع الخاص. لذلك يتطلب برنامج الإصلاح لنجاحه وحتى نضمن الوضوح فيه والتأييد السياسي والشعبي له:
- وضوح الخلفية الفكرية وراء برنامج الإصلاح.
- التأييد السياسي له على أعلى المستويات.
- مشاركة المجتمع المدني في إعداده بما فيه رجال الأعمال والمنظمات النقابية.
- توفر الفريق المتجانس في إعداده وتطبيقه.
- تعميق ثقافة نظام السوق والمعرفة بأدواته في النظام الإداري في الدولة.
خامساً- المعالم الرئيسية لبرنامج الإصلاح:
يقترح أن يتضمن برنامج الإصلاح شقين:
- شق يعنى بإدارة الطلب الكلي.
- وشق يعنى بزيادة العرض الكلي السلعي والخدمي.
ويتضمن الشق المتعلق بإدارة الطلب الكلي السياسات النقدية والمالية والسعرية بينما يتضمن الشق المتعلق بزيادة العرض الكلي إقامة البيئة التشريعية والتنظيمية اللازمة لتسهيل العملية الإنتاجية في القطاعين العام والخاص والعمل على إعادة هيكلة البنية الإنتاجية في القطاعين العام والخاص.
ولست هنا في مجال وضع برنامج الإصلاح ولكنني سأقدم بعض المقترحات بشأنه.
- في إدارة الطلب الكلي والسياسات المالية والنقدية:
يعتبر الانضباط المالي أساساً في عملية الإصلاح الاقتصادي وذلك لاحتواء التضخم وتمكين الحكومة من توفير التمويل للقيام بمهماتها الاجتماعية والاقتصادية. ولكن لا بد من وضع السياسة المالية في خدمة نمو الاقتصادي أو لا تستخدمها حسب متطلبات الحركة الاقتصادية ومعدلات التضخم. وفي السياسة المالية نقترح:
- القيام بمراجعة عميقة وشاملة للإنفاق الاستثماري والإداري في الموازنة العامة للدولة يتبعه القيام بترشيد لهذا الإنفاق، لإضافة إلى جهود التحصيل وإصلاح التشريع الضريبي.
- الحد من الإعفاءات الضريبية المطلقة، لا بل والعمل على ترشيقها وتخفيضها تدريجياً واستبدالها بحوافز ضريبية تشجع مباشرة على التأهيل المهني والتدريب وعلى خلق فرص العمل وتدعيم القدرات التكنولوجية المحلية بما فيها قيام الوحدات الإنتاجية بجهود البحث والتطوير.
- الخروج من مشكلة التشابكات المالية والمتزايدة بين مؤسسات وشركات الدولة.
- إدخال الشفافية للمالية العامة من خلال دمج الموازنات في موازنة واحدة وإظهار الدعم الاستهلاكي داخل الموازنة.
- وفي السياسة النقدية من الضروري تفعيل هذه السياسة، من خلال تحريك أسعار الفائدة للتأثير على كل من العرض والطلب، وإعادة هيكلة سلم الفوائد الدائنة والمدينة والتنسيق بينهما.
- في تحفيز العرض السلعي:
ومن ناحية العرض هناك جانب البيئة التشريعية والتنظيمية التي تنظم العمل الاقتصادي وهناك جانب إعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية والخدمية.
- البيئة التشريعية والتنظيمية:
يتطلب إقامة بيئة تشريعية وتنظيمية سليمة:
- إجراء معالجة شاملة للقوانين والتشريعات القائمة ومنها قانون التجارة، وقوانين كل من الاستثمار والضرائب والعمل والإيجار وقانون العلاقات الزراعية وتطوير أنظمة الإفلاس وحل المنازعات والتحكيم.
- إضافة تشريعات جديدة تمنع الاحتكار وتعزز المنافسة في السوق.
- تعزيز سلطة القانون.
- مراجعة أنظمة الاستيراد والتصدير وأساليب الحماية وهيكل الرسوم الجمركية.
- التسريع في سياسة الانتقال من المنع الكلي للاستيراد واستبداله بالحماية عن طريق الرسوم الجمركية.
- الإسراع لتوحيد أسعار القطع، بالتلازم مع ترشيد وتخفيض الرسوم الجمركية وإلغائها بالنسبة لمستلزمات الإنتاج. وأعتقد أن الحكومة السابقة سارت بخطوات كبيرة في الإعداد لهذه الخطوة الهامة.
- إعادة هيكلة البيئة الإنتاجية في القطاعين العام والخاص:
يجب أن يشمل تحفيز زيادة العرض السلعي القيام بإعادة هيكلة البنية المالية والإدارية والنقدية للمؤسسات الإنتاجية في القطاعين العام والخاص للارتقاء بقدراتها الإنتاجية ولإعدادهما للدخول إلى النظام الاقتصادي العالمي. كما يتضمن إقامة وتسهيل إقامة المؤسسات المساندة لعملها كالمؤسسات المصرفية المتطورة والمدن الصناعية المخدمة ومؤسسات الاستشارات المالية والفنية والنقدية.
ولا بد من الإشارة هنا بأن أياً من القطاعين العام أو الخاص غير قادر على دخول النظام الاقتصادي العالمي في الوقت الحاضر، فالقطاع العام ضعيف القدرة الإنتاجية والنقدية ومثقل الحركة، والقطاع الخاص لا زال قطاعاً عائلياً ضعيفاً، ومفتتاً، يعتمد التكنولوجيا القديمة والإدارة التقليدية، وذلك نتيجة السياسات التي اعتمدتها الدولة في السابق بغرض تحجيمه، والسياسات التي سمحت له طول البقاء ضمن الحماية الجمركية الدائمة، وأخيراً السياسات التي لم تعطه بعد الأمان الكافي بسبب ضبابية التوجيهات والبيئة التشريعية والتنظيمية المعيقة لعمله ولتعامله مع الدولة.
سادساً- إصلاح القطاع العام الاقتصادي:
تمت في السنوات الماضية محاولات متواضعة لإصلاح القطاع العام الاقتصادي كما ذكرنا أعلاه ، بداية من خلال القانون رقم /20/ لعام 1994، وبعد ذلك من خلال اعتماد "مبدأ الإدارة بالأهداف". وتشكل هذه المحاولات مساهمات بسيطة في حل مشكلة القطاع العام الاقتصادي التي ذكرناها في بداية المحاضرة، والتي تتشكل من حيث الجوهر في التالي:
- وجود أصول رأسمالية كبيرة تراكمت على مدى أربعة عقود، لكنها تعطي عوائد متواضعة أو سلبية وتحمل المالية العامة للدولة خسائر فادحة.
- خضوع القطاع العام لهرم بيروقراطي ثقيل.
- تعرض القطاع العام في السنوات الأخيرة لمنافسة شديدة من القطاع الخاص.
- احتواء القطاع العام لفائض عمالي كبير يحقق وظيفة اجتماعية لكنه يرفع من كلفته ويقلص من إنتاجيته.
وتبعاً لمشاكل القطاع العام المتراكمة والحادة وآثارها السلبية على الاقتصاد الوطني، فقد أصبح من الضروري القيام بدراسة متعمقة وموضوعية للقطاع العام الاقتصادي بهدف:
- إعادة هيكلة بنيته المالية والإدارية والتقنية.
- إيجاد آلية جديدة لعمله لإعطائه المزيد من الاستقلالية والمرونة في الحركة.
- رفع أجور عماله بحيث تتقارب أو تتساوى مع أجور القطاع الخاص.
ويتوجب أن تكون هذه الدراسة دراسة موضوعية تحدد الوضع الحقيقي والموضوعي للقطاع العام الاقتصادي وتقترح الحلول والخطط اللازمة لمعالجة مشاكله. ولكي تكون الدراسة مفيدة وموضوعية وبناءة، يجب أن تبدأ من السؤال الجوهري: لماذا نريد القطاع العام الاقتصادي، وما هو دوره في العملية الإنتاجية وأين حدود هذا الدور، وهل للقطاع العام وظيفة اقتصادية فقط أم وظيفة اجتماعية كذلك. وإذا كنا بحاجة إلى القطاع العام لإقامة التوازنات في الاقتصاد أو للقيام بوظيفة اجتماعية إضافة إلى وظيفته الاقتصادية، فأين مجالات هذا الدور وأين حدوده، وإذا كنا نريده كذلك لمواجهة الشركات العالمية العملاقة لمنع فرض سيطرتها على الدول، كما يقول البعض، فكيف يكون ذلك؟
وفي مضمار البحث عن الحلول أعلاه يجب أن نكون واقعيين وصريحين، وخاصة فيما يتعلق برفع الأجور وموضوع الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية، فقد نستطيع إعادة الهيكلة لمؤسسات القطاع العام وقد نستطيع وضع آلية جديدة لعمله، ولكن هل يمكن جعل القطاع العام ديناميكياً فاعلاً يستطيع الحفاظ على خبراته البشرية الحالية واستقدام خبرات جديدة ، دون أن يرفع مستوى أجوره لتتقارب أو لتتساوى مع أجور القطاع الخاص؟ وهل ممكن رفع الأجور إلى المستويات المطلوبة دون التخلي عن العمالة الفائضة فيه؟ هذه هي الحقيقة المرة التي إذا لم ندركها سنصل إلى طريق مسدود، إذ يعني التخلي عن العمالة الفائضة فصل الوظيفة الاجتماعية عن الوظيفة الاقتصادية للقطاع العام، ويصبح هذا قرار سياسي واجتماعي وليس فقط قرار اقتصادي. والخيار هنا واضح وصريح. إما قطاع عام اقتصادي بوظيفة اجتماعية توفر العمالة وسبل العيش للعديد من الفئات الاجتماعية، أو قطاع عام كفوء بوظيفة اقتصادية قادر على لعب دور قيادي فعال في العملية الإنتاجية، وقادر على المنافسة والتوسع وخلق فرص عمل للمجموعات الجديدة الوافدة إلى سوق العمل وقادر كذلك على اختراق الأسواق العالمية. وقد نجد الحل بالنهاية في إقامةنوعين من القطاع العام الاقتصادي يقوم كل منهما بوظيفة مختلفة، يخضع أحدهما لنفس البيئة التشريعية والتنظيمية التي يخضع لها القطاع الخاص، بينما يخضع الآخر للبيئة التشريعية القائمة لعمل القطاع العام في الوقت الحاضر مع بعض التطوير.
وإذا قررنا خيار القطاع العام الاقتصادي الديناميكي الفعال فلا بد من إعداد البرامج اللازمة لمساعدة العمالة الفائضة على التحول نحو مجالات إنتاجية أخرى. وبحيث يتضمن مثل هذا البرنامج، فيما يتضمن:
- برامج التأهيل والتدريب (لمساعدة العمالة الفائضة على الانتقال إلى وظائف أخرى).
- برامج التعويض المالي للفئات المتضررة.
- برامج لمنح معونات فنية ومالية للعمال الراغبين في دخول الأعمال الحرة بدلاً من التوظيف.
- الاستمرار بتقوية القطاع الخاص حتى يستطيع المساهمة في استيعاب العمالة الفائضة.
كذلك في مجال الحلول ينبغي النظر في:
- تعديل مقاييس النجاح في القطاع العام الاقتصادي بحيث يصبح الربح هو المعيار الرئيسي للنجاح وليس تحقيق الخطة الإنتاجية.
- دمج بعض الشركات ذات النشاط الواحد والتخلص من تلك المستعصية على الحل أو المنتجة لسلع استهلاكية بسيطة لا تستحق أن تبقى في القطاع العام.
- النظر في تجميع الشركات ضمن شركات قابضة على غرار التجربتين المصرية والجزائرية استعداداً لإعادة هيكلتها.
وأخيراً، أعتقد أنه من الحكمة بمكان، اتخاذ قرار ضمني بتجميد القطاع العام الاقتصادي ضمن حدوده الحالية إلى أن تتم الدراسة الموضوعية المقترحة أعلاه ووضع الخطة لإعادة هيكلته والخطة الأخرى للآلية الجديدة لعملها، حتى يصبح قطاعاً عاماً رائداً في العملية الإنتاجية. أما أن نضيف استثمارات جديدة لتعمل ضمن نفس آلية العمل الحالية التي أثبتت عدم فعاليتها لا بل مخاطرها، فهو يشكل في رأيي استمرار للهدر في المال العام وسيزيد من كلفة إصلاح القطاع العام الاقتصادي حين نبدأ بإصلاحه.
سابعاً- إصلاح القطاع الخاص:
لكي نجعل القطاع الخاص قطاعاً ديناميكياً أكثر إنتاجية وأكثر التزاماً بالتنمية وبالاستثمار طويل الأجل، وأقل اعتماداً على نشاط الوساطة والربح السريع، ينبغي العمل على أربعة أصعدة.
- منحه الأمان الحقيقي من خلال التأكيد على حق الملكية الفردية الخاصة قولاً وعملاً.
- إجراء التعديلات اللازمة في البيئة التشريعية والتنظيمية القائمة المتعلقة بالعمل التجاري والاستيراد والتصدير وقوانين وأنظمة القطع وكذلك التشريعات اللازمة لمنع الاحتكار ولتشجيع المنافسة في السوق.
- إقامة وإتاحة الفرصة له لإقامة المؤسسات المصرفية المتطورة والمدن الصناعية المخدمة وإقامة الخدمات الاستثمارية المالية والمحاسبية والتقنية اللازمة لعمله.
- توفير الفرص المتكافئة للجميع وبكامل الشفافية قولاً وعملاً.
- إقامة أو تشجيع إقامة صناديق استثمارية لمساعدته في عمليات إعادة الهيكلة ودخوله مجالات استثمارية جديدة متطورة.
وحين يوجد هذا الإطار وتوجد البيئة التشريعية والتنظيمية السليمة نستطيع أن نتوقع من القطاع الخاص أن يطور نفسه وأن يعيد هيكلة مؤسساته ويدرب موظفيه ويسدد ضرائبه ويبحث عن أسواق التصدير، ويستثمر في هذا الوطن بدلاً من أن يبحث عن الربح السريع.
ثامناً- الإصلاح المصرفي:
أصبح من الواضح أن النظام المصرفي القائم في سورية يفتقد إلى القدرة على تعبئة المدخرات المحلية وتحويلها إلى استثمارات وطنية فاعلة، ويفتقد إلى القدرة على نقل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد العولمة، كما يفتقد إلى القدرة على الإسهام في عملية الإصلاح الاقتصادي، من خلال مساهمته في إعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية والخدمية في القطاعين العام والخاص، وتوفير التمويل اللازم والمشورة اللازمة لهما لدعم انطلاقتهما. لا بل أن القطاع المصرفي في وضعه الحالي يساهم في تكريس استمرارية المنشآت الخاسرة في القطاع العام التي يمنحها التسليف وهو يعرف سلفاً عدم قدرتها على التسديد.
ولا شك أن إصلاح النظام المصرفي ينبغي أن يكون عنصراً أساسياً في عملية التصحيح الاقتصادي، وقد كنت قد قدمت محاضرة في هذا الموضوع في ندوة الثلاثاء الاقتصادية في كانون الأول من عام 1994 وقدمت مداخلة مكتوية كذلك في الندوة السابقة في شهر آذار بتاريخ من عام 1999، ولن أكرر الآن ما قلته في السابق، ولكني أركز على مفهوم الإصلاح المصرفي في سورية كما أراه وعناصره الأساسية.
- منطلقات الإصلاح المصرفي:
يرتكز الإصلاح المصرفي المقترح على المنطلقات التالية.
- أن الإصلاح المصرفي يجب أن نبع من تصور واضح المعالم النظام الاقتصادي المستقبلي لسورية حتى يأتي الإصلاح لتلبية متطلبات هذا النظام. فالنظام المصرفي القائم جاء لخدمة نهج التخطيط المركزي، وعلينا الآن تحديد أي نموذج نريد من اقتصاد الدولة ونظام السوق حتى نطور نظامنا المصرفي ليلبي احتياجاته.
- ربط الإصلاح المصرفي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً، وخاصة بالنسبة لإصلاح القطاع العام والإصلاح المالي نظراً للترابط الوثيق بين هذه الإصلاحات الثلاثة.
- ربط الإصلاح المصرفي بإقامة البيئة التشريعية والتنظيمية اللازمة لعمل القطاع الخاص فحين تقوم البيئة التشريعية السليمة وتتميز القوانين بالعقلانية وتنتفي الاستثناءات وتسود الشفافية والمساواة في التطبيق يتوقف اكتناز الأموال في المنازل، وتتجه الأموال نحو المصارف لتصبح المصارف حلقة رئيسية فعالة في التنمية الاقتصادية.
- يجب أن يكون الإصلاح المصرفي شاملاً فلا يركز على إعادة هيكلة المؤسسات المصرفية فقط، بل يجب أن يشمل السياسة النقدية ومؤسساتها والرقابة على المصارف من قبل هذه المؤسسات وإصلاح وإعادة هيكلة المؤسسات المصرفية ذاتها.
- عناصر الإصلاح المصرفي:
تتشكل العناصر الرئيسية للإصلاح المصرفي في اعتقادي من :
- تقوية مؤسسة المصرف المركزي وإعادة إحياء مجلس النقد والتسليف بهيكلية جديدة.
- تفعيل السياسة النقدية واستخدام سعر الفائدة كواحد من أدوات هذه السياسة.
- إقامة نظام متطور للرقابة على نشاط المصارف يشمل الرقابة على إدارتها وأموالها ومحافظها الاستثمارية وسيولتها وملاءمتها (وهذا يتم الآن حسبما أدري بمساعدة أوربية). وقد أكدت الأزمة الآسيوية الأخيرة مدى أهمية الرقابة على المصارف لتفادي الأزمات.
- إلغاء مبدأ الحصر والتخصص المصرفي الإلزامي القائم حالياً على الأمر الإداري، والاستعاضة عنه بالتخصص المبني على الخبرة.
- إدخال عنصر المنافسة إلى العمل المصرفي والتأكيد على استقلالية المصارف في قرارات التسليف سواء في القطاع الخاص أو العام إلى القدرة على التسديد.
- إعادة هيكلة البنية المالية والإدارية للمصارف القائمة، وإقامة برامج تدريبية مكثفة للكوادر العاملة فيها.
- التوجه نحو إقامة صيغة للقطاع المشترك في العمل المصرفي، بمشاركة رؤوس أموال مصرفية عربية وأجنبية، تنقل إليها المصارف القائمة حالياً بعد إعادة هيكلتها ومعالجة مشكلة ديونها المتعثرة، كما يمكن من خلال هذه الصيغة السماح لإقامة مصارف جديدة مشتركة. وأعتقد بكامل القناعة بان مشاركة القطاع الخاص مع القطاع العام المصرفي، هو الحل الأمثل والأقصر والأكثر فاعلية لتطوير المؤسسات المصرفية القائمة، فهو ينقل التقنيات المصرفية الحديثة إلى هذه المصارف بشكل مباشر وعن طريق الممارسة. ولا أعتقد أنه يجب إقامة أية مؤسسات مصرفية جديدة قبل حسم موضوع إصلاح النظام المصرفي بالكامل.
- العمل على تطوير البنية المالية التحتية وتطوير أسواق المال، مع وضع قواعد للإفصاح المالي من قبل الشركات، وإقامة جهات رقابية كفوءة للإشراف على تطبيق هذه القواعد. ويجدر التأكيد هنا على أن تطوير أسواق رأس المال لا يعني بالضرورة الانفتاح على الأسواق المالية العالمية، لا بل من الضروري الحفاظ على "محلية" أسواق المال طويلة تجنبنا لتعرضنا التأثيرات مالية خارجية.
تاسعاً- الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
تجمل عملية الإصلاح الاقتصادي معها، كما دلت التجارب في دول أخرى، احتمال تزايد فروقات الدخول بين الطبقات في مراحلها الأولى: مزيد من الأغنياء ومزيد من الفقراء بسبب سياسات تحرير لأسعار وترشيد الدعم الاستهلاكي ووقف التوظيف الاجتماعي من قبل الدولة، ثم احتمال ظهور طبقات طفيلية تستفيد من الثغرات خلال مرحلة الانتقال إلى نظام السوق.
ومن جهة ثانية تزداد قناعة المفكرين بين الاقتصاديين في الغرب وقناعة المؤسسات المالية العالمية لتلتقي مع قناعة المفكرين وأصحاب القرار في الدول النامية من أن العولمة الاقتصادية ستساهم في زيادة الفقر وانتشار البطالة في الدول النامية وخاصة الدول ضعيفة الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.
إذا أضفنا إلى ذلك معدلات النمو السكاني في سورية والتركيبة السكانية السورية المتصفة بارتفاع نسبة الفتوة فيها، والتي تدفع بحوالي 200.000 شخص إلى السوق العمل في السنة كما ذكرنا سابقاً وأضفنا كذلك قرارات التخلص من العمالة الفائضة في القطاع العام كحاجة ملحة لا بديل عنها لزيادة الكفاءة، أدركنا حجم القضية الاجتماعية المقبلين عليها ونحن ندخل نظام السوق ونظام العولمة.
أقول هذا لأؤكد على حجم القضية الاجتماعية المتصفة بزيادة احتمالات البطالة والفقر التي تهددنا، حتى نعد لها البرنامج الخاص لمعالجتها بالشكل المباشر (لا بشكل غير مباشر فقط وكنتيجة لعملية النمو). وعلينا إعداد برنامج متكامل لمعالجة قضايا الاجتماعية بالتلازم مع برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وفي مضمار الإعداد لبرنامج التنمية الاجتماعية نقترح:
- التأكيد على التعليم ونوعيته وتجاوبه مع متطلبات السوق كأداة من أدوات معالجة القضية الاجتماعية ومكافحة البطالة والفقر مثلما هو أداة من أدوات زيادة الإنتاجية في الاقتصاد وتعزيز القدرة التنافسية.
- اختبار القطاعات الاقتصادية التي توفر الفرص الكبيرة للعمالة.
- زيادة الفرص المتاحة لعمل المؤسسات الصغيرة.
- إقامة برامج شبكات الحماية الاجتماعية بمختلف أنواعها بما فيها التدريب والتأهيل وتلك التي تقدم القروض والمساعدة الفنية لإقامة المشروعات الصغيرة.
- توسيع وتحسين الخدمات الصحية خاصة للشرائح السكانية الفقيرة.
عاشراً- الإصلاح الاقتصادي وإصلاح التعليم
يجب اعتبار إصلاح التعليم جزءاً لا يتجزأ من الإصلاح الاقتصادي سواء فيما يتعلق بالتعليم الأساسي (الابتدائي والثانوي) أو التعليم العالي. وقد أثبتت تجربة النمور الآسيوية الارتباط المباشر بين رفع سورية التعليم وزيادة الإنتاجية في الاقتصاد. يجب أن يعتبر التعليم مفتاحاً لـ:
- تكوين الشخصية القومية والحفاظ على الهوية في مواجهة العولمة الثقافية وفي مواجهة التحدي الصهيوني في المنطقة بعد السلام.
- لزيادة الإنتاجية في الاقتصاد من خلال خلق الفرد القادر على التحليل والتفكير والإبداع.
- للتعامل مع الثورة التقنية والمعلوماتية.
- لتلبية احتياجات سوق العمل.
- لتوزيع الدخل ومكافحة الفقر، (فالتعليم يخلق فرصاً الارتقاء المعرفي وبالتالي زيادة الدخل).
ومن جهة أخرى ينبغي تكثيف نشاط كل من التدريب المهني والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، ويجب أن يكون البحث العلمي محدد الأهداف والاستراتيجية، وقابلاً للتحول التجاري إلى سلع وخدمات، فالبحث العلمي لا ينبع من فراغ، بل ينبع من الطلب عليه في السوق من قبل الصناعي والمهندس والمزارع والمقاول والطبيب وغيرهم. وإذا لم يوجد قطاع إنتاجي ديناميكي معرض للمنافسة، ويحتاج للتطوير التكنولوجي ليبقى، فسيبقى البحث العلمي مجرد عملية مخبرية قيمتها في خصائصها البحثية وليس في أهميتها الاقتصادية.
حادي عشر- الإصلاح ومكافحة الفساد
يزداد الاقتناع بأنه لا يمكن أن يتم الإصلاح الاقتصادي بنجاح ما لم يتم لجم الفساد والعمل على تكافؤ الفرص وتوفير الشفافية، وبدون ذلك:
- سيتم هدر المال العام الذي يحتاجه المجتمع لكل من عملية التنمية وعملية التصحيح وتخفيف أعبائها على الفقراء.
- ستتخذ قرارات اقتصادية تخدم أصحاب النفوذ ولا تخدم المصلحة الوطنية العامة.
- سيظهر الإثراء غير المشروع وتزداد الفروقات بين الطبقات.
- ستخرج الأموال المحصلة نتيجة الفساد إلى خارج البلاد.
لذلك يجب أن يضع الإصلاح الاقتصادي القضاء على الفساد بمختلف أشكاله وعلى كافة المستويات هدفاً من أهدافه. ولعل من أصعب تحديات الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى نظام السوق كما أثبتت التجارب هو منع أصحاب النفوذ وأصحاب المال من الاستفادة من الثغرات أثناء عملية التحرر الاقتصادي، ولنا في التجربة الروسية والتجربة الإندونيسية دروساً.
ومن الإجراءات التي تساعد على كبح الفساد:
- توفر الإرادة السياسية العليا لكبحه.
- توضح النهج الفكري في الاقتصاد.
- وضع البيئة التشريعية والتنظيمية السليمة.
- تفعيل مؤسسات المجتمع المدني.
ثاني عشر- الإصلاح الاقتصادي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني:
لا بد وأن تتضمن التنمية بمضمونها بمفهومها الشامل الجديد تفعيل مؤسسات المجتمع المدني بكافة شرائحه لتعمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة وبحيث تشارك هذه المؤسسات أولاً في صنع القرار وفي اقتراح الخطط وثانياً في المتابعة والمحاسبة والمساءلة. ومثلما لم يعد ممكناً للدولة أن تقوم بالعملية الاقتصادية وحدها دون مشاركة القطاع الخاص لم يعد ممكناً للدولة والقطاع الخاص وحدهما القيام بعملية التنمية ومواجهة المنافسة العالمية دون مشاركة المجتمع المدني بكافة شرائحه وفئاته وكل حسب اختصاصه.
ولا شك أن فقدان التوازن بين دور الدولة ودور المجتمع المدني في العقود السابقة، لصالح دور الدولة، حرم عملية التنمية من مشاركة قدرات بشرية قيمة، وحرم عملية التنمية ذاتها من المحاسبة الموضوعية لها. لا بل نستطيع القول أن تهميش دور المجتمع المدني خلق نوعاً من إتكالية المواطن على الدولة، إتكالية في التفكير كما في العطاء، وأضعف شعوره بالمواطنة. وكانت نتيجة هذا إما القوقعة أو الهجرة. وكم هي من مفارقة أن نرى العقول ورؤوس الموال تغادر دنيا العرب وبينما نرى إسرائيل تستقبل العقول والخبرات ورؤوس الأموال من الشرق ومن الغرب.
إننا اليوم أكثر ما نكون حاجة إلى إحياء مؤسسات المجتمع المدني وإعادة التوازن بين دورها ودور الدولة في إطار شراكة بينهما، شراكة حقيقية في سبيل المصلحة الوطنية الكبرى، فلا الدور الوصائي للدولة ولا دور المواجهة من قبل المجتمع المدني كما نحتاج لتربية مدنية جديدة ركز على الحقوق والواجبات وعلى المساواة فيها وعلى سلطة القانون، وبحيث يصبح كل مواطن خفير وليست الدولة وحدها هي الخفير.
ويجب التأكد هنا وبكامل القناعة والإخلاص أن برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما برنامج التنمية الشاملة يحتاج لمشاركة المجتمع المدني في الإعداد والتنفيذ، حتى يتم قبوله وأن برنامج الإصلاح الاقتصادي يحتاج متى يبدأ تنفيذه إلى مجتمع مدني فاعل ليراقب ويحاسب ويشير إلى الخطأ وإلى الفساد فوراً في حال حدوثه، لا أن يغطى الخطأ والفساد أو يعالج خلف الأسوار وضمن اللجان، حتى يستطيع برنامج الإصلاح تجاوز عثراته المحتملة والتي لا بد منها بالسرعة القصوى.
ثالث عشر- في تنفيذ برنامج الإصلاح
يتأثر برنامج الإصلاح وبشكل كبير بكل من الجهاز الإداري للدولة وأسلوب اتخاذ القرار، وهناك حاجة للإصلاح في كل منهما.
- الإصلاح في الجهاز الإداري للدولة:
يحتاج الإصلاح الاقتصادي لإدارة مدنية كفوءة تصنع برنامج الإصلاح وتقوم بتنفيذه، وللأسف فإن جهاز الخدمة المدنية الحكومية في وضعها الحالي ليس على مستوى القيام بهاتين المهمتين بشكل كفوء للأسباب التالية:
- تدني الكفاءات فيها وتداخل السياسة مع الإدارة.
- فقدان الحافز على العمل بسبب تدني الأجور.
- المركزية الشديدة وتضخم الكوادر البشرية وتحكم البيروقراطية المفرطة في الأداء.
- ضعف المعرفة بأدوات نظام السوق وثقافته.
ويتطلب إصلاح الإدارة المدنية الحكومية التالي:
- فصل السياسة و"التنظيم" عن الخدمة المدنية. فالخدمة المدنية عمل تقني بحث وحين تتدخل السياسة في الإدارة تفسد الإدارة.
- إعطاء المجال للمؤسسات التنفيذية القائمة للقيام بالدور المرسوم لها حسب قانون إنشائها، والتأكيد على ضرورة ممارسة كافة الجهات والإدارات في مختلف درجات التسلسل الهرمي صلاحياتها ومسؤولياتها بالكامل ومحاسبتها على هذا الأساس.
- رفع الأجور في جهاز الخدمة المدنية. ولا شك أن هناك حاجة لرفع الأجور وبمعدلات عالي حتى تستطيع الإدارة الحكومية، توفير العيش الكريم لموظفي الدولة ورفع مستوى أدائهم وحتى تستطيع جذب الخبرات العالية للإدارة. لكن هذا الإجراء لا يمكن تطبيقه ما لم يترافق مع التخلص من العمالة الفائضة تماماً مثل مشكلة العالة الفائضة في القطاع العام الاقتصادي ويصبح القرار هنا قرار سياسي واجتماعي بقدر ما هو قرار اقتصادي.
- العمل على تدفق المعلومات بين دوائر الدولة.
- التقليل قدر الإمكان من الازدواجية في العمل عن طريق دمج الوزارات والمؤسسات والهيئات التي تقام بعمل مشابه.
- القيام بدراسة اختصاصية للجهاز الإداري في الدولة بهدف:
- تحديد الفائض الوظيفي وأماكن تواجده.
- تحديد مهمات الوظائف ومسؤولياتها في مختلف دوائر الدولة وتحديد المؤهلات لكل وظيفة.
- دراسة آلية العمليات الإدارية المختلفة في الدولة لتخفيف الروتين والاستفادة بصورة أفضل من وقت العمل بتحويل الوقت غير المنتج إلى وقت منتج.
- وضع معايير أداء موضوعية في الترفيع والمكافآت وإدخال نظام للزيادات والمكافآن يكون مرتبطاً بكمية الجهد الذي يبذله الموظف ونشاطه في العمل ومبادرته المفيدة إلى جانب نظام الترفيع حسب الأقدمية.
- موقع القرار الاقتصادي:
إن البطء في اتخاذ القرار الاقتصادي أو غياب هذا القرار في الوقت المناسب يشكل مشكلة رئيسية في سورية، وسيشكل استمرار هذا النمط في تنفيذ برنامج الإصلاح مشكلة كبيرة. ويبدو أن سبب بطء أو غياب القرار الاقتصادي في سورية يعود أولاً إلى المركزية الشديدة المتمثلة في المجالس العليا وفي اللجان المتعددة التي تسلب الوزرة المختصة صلاحياتها ويعود ثانياً إلى تشابك المسؤوليات في اتخاذ القرار الاقتصادي، والنابع من وجود قناتين على الأقل في صنع القرار الاقتصادي، قناة الدولة وقناة التنظيم.
وفي اعتقادنا أن نظام السوق والمنافسة والانفتاح على التجارة الدولية والاستثمار الخارجي يتطلب المرونة والسرعة في الحركة ويتطلب بالتالي تغيراً جذرياً في أسلوب الإدارة الاقتصادية واتخاذ القرار، أسلوباً لا يتحمل المركزية الشديدة حيث يصبح البطء في اتخاذ القرار كلفة يتحمل نتائجها المنتج المحلي مقابل منافسيه الخارجيين.
ويتطلب التغيير اتخاذ قرارين جريئين يشكلان تحولاً جذرياً في أسلوب الإدارة الاقتصادية:
-أولهما: إقامة علاقة جديدة يبن الدولة المؤسسات والتنظيمية تحدد الأخيرة بموجبها كل من الثوابت النظرية واستراتيجية التنمية والتوجهات العريضة المرغوبة للاقتصاد الوطني، ويترك للحكومة اتخاذ القرارات الاقتصادية اليومية ضمن هذا الإطار، ثم تحاسب على أدائها في مؤتمر مصغر كل سنتين. والجدير بالذكر أن الصين قامت بإجراء كهذا في عام 1987 بعد أن تم اتخاذ إقرار التوجهات الاقتصادية الجديدة من قبل الحزب الحاكم وترك للدولة حرية العمل ضمن هذه التوجهات.
- ثانيهما: حل كافة المجالس الوزارية العليا فيما عدا المجلس الأعلى للتخطيط وتحمل كل وزير مسؤولية اختصاص وزارته بالكامل، متيحين للجهات العليا الفرصة لتتفرغ للسياسات الكبرى. كما يتطلب الأمر من كل وزير تحميل مديرياته المختلفة مسؤولياتها بالكامل في الوزارة نفسها، حتى يتسنى للوزير المختص إعداد السياسات والاستراتيجيات العليا بدلاً من الغرق في المعاملات الروتينية اليومية.
رابع عشر- تجارب مختلفة في الإصلاح الاقتصادي
ليس هناك وصفة واحدة للإصلاح الاقتصادي تنفع الجميع لوجود اختلافات كبيرة بين موارد البلدان ومستويات تطورها وثقافاتها وعلاقاتها الخارجية، ولكن يجب علينا الاستفادة من تجارب الآخرين، وسنستعرض أدناه تجارب الإصلاح فيما يسمى بالنمور الآسيوية وفي الصين وروسية وسنستعرض ونقيم كذلك ما يسمى بوصفة البنك والصندوق الدوليين.
- تجربة النمور الآسيوية:
تعتبر تجربة الدول الآسيوية نموذجاً من نظام السوق المعدل، المبني على شراكة القطاع الخاص والتدخل الحكومي. وقد بنيت هذه التجربة على أساس الاعتماد الكبير على نظام السوق والتدرج في تخفيض الحماية الجمركية ودعم التصدير والاستثمار الكبير في التعليم الأساسي كما في رفع القدرات التكنولوجية المحلية. وقد استفادت هذه التجربة في نجاحها من احتواء التضخم (في البداية)، وحفاظها على إطار اقتصادي كلي سليم، كما استفادت من وجود اليابان إلى جوارها لتستفيد من تقنياته واستثماراته.
لكن هذه التجربة قصرت في تأخرها بوضع تشريعات لمنع الاحتكار وتعميق المنافسة، وعدم إعطاءها الاهتمام الكافي بالنواحي الاجتماعية وبمكافحة الفساد. كذلك فقد ارتكبت هذه التجربة خطأ كبيراً في أوائل التسعينيات بتحريرها القيود على تدفق رأس المال الخاص المحفظي (وليس المباشر)، مما أدى إلى أزمة مالية محلية أولاً ثم عالمية، كلفت هذه البلدان انخفاضاً في النمو وبطالة وفقر. لكن هذه البلدان بدأت تستعيد عافيتها لتعود الآن مستفيدة من تجربة الأزمة، ومن القصورات الأخرى، معتمدة على القاعدة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية العريضة التي بنتها خلال العقود الثلاثة الماضية.
- التجربة الروسية
اعتمدت التجربة السوفيتية/ الروسية أسلوب الصدمة (مثلما اعتمدته دول أوربة الشرقية والوسطى)، وتعتبر التجربة الروسية أسوء تجربة للتحرر الاقتصادي في العالم، لأنها هدفت بدعمٍ من الولايات المتحدة إلى هدم الدعائم الاقتصادية والسياسية للنظام الاشتراكي القديم وبسرعة كبيرة، قبل أن تضع تصوراً للنظام الجديد وتضع أسساً وتشريعات له فأسرعت في تحرير الأسعار بالكامل وبالخصخصة قبل أن تضع تشريعات لتنظيم عمل القطاع الخاص ونظام السوق. لذلك كانت الفوضى وظهور المافيات ونهب القطاع العام. وقد قامت هذه التجربة بتحرير الأسعار منذ البداية، والإسراع في الخصخصة بدون دراسة ودراية.
- التجربة الصينية
تتصف التجربة الصينية بالتحرر الاقتصادي المتدرج الهادف، الذي لم يخل بالتركيبة السياسية القائمة، علماً بأن التجربة الصينية أجرت بعض التعديل في علاقة الدولة بالحزب، باتجاه منح الدولة المزيد من الحرية في القرار الاقتصادي اليومي.
ويعود نجاح التجربة الصينية:
أولاً: لوجود برنامج مسبق للإصلاح والتزام واضح به.
ثانياً: لأنها اختارت أسلوبها الخاص المتدرج في تحرير التجارة وبدأت بأنظمة تعميق المنافسة الداخلية وتأنت في الخصخصة.
ثالثاً: لاستفادتها من مواردها الهائلة المتنوعة ومن السوق الكبير ومن أموال وخبرات واستثمارات رجال أعمال صينيين المتواجدين في كافة أنحاء العالم.
رابعاً: رخص اليد العاملة الصينية التي أتاحت الفرصة للتصدير خاصة إلى الأسواق الأمريكية الكبيرة.
- وصفة البنك والصندوق الدوليين
تضمنت وصفة البنك والصندوق الدوليين بشكل عام الإجراءات التالية:
- اعتماد سياسة انكماشية لإعادة التوازن الاقتصادي، قوامها الإصلاح الضريبي وترشيد الإنفاق العام بما فيه إلغاء الدعم الاستهلاكي.
- التقليل من "التشوهات السعرية والهيكلية" في الاقتصاد والناتجة عن التسعير الإداري والقيود الكمية.
- إزالة القيود وإفساح المجال ما أمكن لقوى السوق وقانون العرض والطلب ولدور القطاع الخاص في شتى المجالات الإنتاجية والخدمية والتجارية.
- تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي والبيع المباشر لمؤسسات القطاع العام.
- تشجيع الاستثمار الأجنبي.
وقد نجحت برامج التثبيت الاقتصادي والتعديل الهيكلي في بعض البلدان النامية وفشلت في البلدان الأخرى، ولعل الدروس التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذه التجربة هي التالية:
- اتباعها برنامج التصحيح وكأنه غاية وليس وسيلة.
- اعتمادها التقشف الشديد على حساب النمو والعدالة الاجتماعية.
- أخطأت في حدة وكبر الجرعة في الكثير من الأحيان دون اعتبار تبعاتها السياسية والاجتماعية.
- عدم إعطائها البعد الاجتماعي حقه من الاهتمام.
- الدعوة إلى تراجع دور الدولة في الاقتصاد واعتبار الخصخصة كأولوية في برنامج الإصلاح.
- عدم إصرارها بالقدر الكافي على بناء المؤسسات والقوانين والتشريعات اللازمة لعمل نظام السوق قبل الخصخصة، وأهمها إقامة تشريعات تمنع الاحتكار وتعزز المنافسة في السوق.
- عدم إصرارها بشكل كافي على أنظمة الرقابة المصرفية.
- عدم إعطائها موضوع مكافحة الفساد الاهتمام الكافي.
وباختصار فقد تعلمنا من وصفة البنك والصندوق الدوليين أن سياسات احتواء التضخم المالي وفتح الأسواق للمنافسة الخارجية، قد تصلح لتحسين التوازن في الاقتصاد ولكنها ليست كافية لتحقيق النمو والاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد استفدنا من تجارب وصفة البنك والصندوق ومن التجارب الأخرى في الإصلاح التي أشرنا غليها أعلاه في الاقتراحات التي قدمناها لإصلاحنا الاقتصادي في هذه الورقة.
خامس عشر- الإصلاح الاقتصادي والتكتل الاقتصادي العربي
إن الإصلاح الاقتصادي يتوجب أن يترافق مع خطة التنمية كما أسلفنا ولكنه يجب أن يترافق كذلك مع خطوات التكتل الاقتصادي العربي المبني إلى تعزيز التجارة والاستثمار. ويوفر هذا الاندماج أفضل الفرص لسورية للدخول في النظام الاقتصادي العالمي من دون تبعية. ويوفر كذلك المدخل لإقامة نظام عربي جديد، ومشروع مشروع نهضوي عربي، يساعدنا على مواجهة تحديات العولمة وتحديات المنطقة بعد التسوية. وفي اعتقادي أن الاندماج الاقتصادي العربي هو الأمل الوحيد الباقي في الوقت الحاضر لإعادة إحياء النظام العربي.
ومن حيث الواقع فإن الاندماج الاقتصادي العربي لا يتحقق من خلال الحكومات فقط، فالحكومات تضع الإطار وتؤسس الأرضية اللازمة، ويبقى تحقيق الاندماج الاقتصادي الفعلي على عاتق القطاع الخاص الذي يقيم العلاقات التجارية والاستثمارية بين الأطراف العربية المختلفة. ولا أغالي إذا قلت أن المستثمرين ورجال الأعمال العرب وليس المفكرين والمسؤولين العرب اليوم هم الذين سيحملون مسؤولية إحياء النظام العربي وذلك من خلال الاقتصاد.
سادس عشر- الإصلاح الاقتصادي والسلام
ستشهد المنطقة بعد عقد اتفاق التسوية صراعاً عنيفاً على النفوذ في المنطقة بين سورية وإسرائيل وقيام تحالفات ومنافسات سياسية واقتصادية واستراتيجية، وإذا لم تسرع سورية في إصلاحها الاقتصادي المترافق مع جهود التنمية المشار إليها أعلاه وإذا لم تتسارع خطوات التكتل الاقتصادي العربي، سيتيح العرب الفرصة لإسرائيل لفرض هيمنتها على المنطقة. فبدون الإصلاح الاقتصادي وبدون التكتل الاقتصادي العربي، ستذهب معظم الاستثمارات الخارجية القادمة إلى المنطقة 0استثمارات التكنولوجيا والمعلوماتية واستثمارات السياحة والصناعة) غليها، وهي الدولة المنفتحة أصلاً على الاقتصاد العالمي والمتقدمة على العرب جميعاً صناعياً وعلمياً وتكنولوجياً.
سابع عشر- الإصلاح الاقتصادي والعولمة ونظام السوق
لا شك أن الإصلاح الاقتصادي زيادة الاعتماد على نظام السوق في توزيع الموارد وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد والتحرير المتدرج للتجارة وفتح الباب للاستثمارات الخارجية ودخولنا في الوقت المناسب منظمة التجارة العالمية، سيتضمن بعض التنازل، ولكنه لا يعني التخلي عن السياسات الاقتصادية الوطنية ولا يعني إدارة الاقتصاد الوطني للصندوق والبنك الدوليين، ولا يعني ربط الاقتصاد السوري بالرأسمالية العالمية، كما يحلو للبعض أن يقول. لكن هذا الانفتاح إذا أقيم بالتدرج المكثف المدروس وتلازمت معه تعميق جهود التنمية في الارتقاء التكنولوجي والمعلوماتي، سيخفف من المعاناة التي لا بد وستصيب اقتصادياتنا بداية، وستساعدنا هذه الجهود على الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه الاندماجات. وإذا أردنا الحفاظ على هدف الاعتماد على الذات فالأجدى السعي لتحقق تجاوباً مع متطلبات العصر عن طريق:
- تنمية القدرات المحلية البشرية والتكنولوجية.
- توسيع القاعدة الإنتاجية الصناعية والزراعية.
- وتوسيع مصادر القطع الأجنبي من خلال التصدير (حتى نخفف من الاعتماد على المساعدات الخارجية وأموال النفط غير الدائمة).
ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن تؤخذ العولمة ومخاطرها وتهديداتها كذريعة لعدم الشروع بالانفتاح المطلوب. بل يجب التحصن لمواجهتها بالنهج الذي أشرنا إليه، كما لا يجوز أن تؤخذ الأزمات التي حصلت في روسية وإندونيسية وغيرها كذريعة للتباطؤ في الإصلاح، بل يجب الاستفادة من هذه التجارب لتحاشي مساوئها، كما لا يجب أن يمنعنا عداؤنا التقليدي للغرب الرأسمالي من انفتاحنا الاقتصادي على العالم. وكذلك لا يجب التذرع "بالخصوصية السورية" لعدم التغيير فالتجربة السورية في التنمية لا تختلف من حيث الجوهر عن التجربة المثرية أو الجزائرية أو العراقية والتونسية. وبالمحصلة علينا الانفتاح الاقتصادي المدروس المرتبط بخطة التنمية الشاملة بالأهداف التي افترضناها حتى نستطيع دعم قدراتنا التنافسية في زمن العولمة.
خاتمة:
إن التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تواجهها سورية في الوقت الحاضر كبيرة ومعقدة وقد تراكمت هذه التحديات لأننا تباطأنا في عملية الإصلاح الاقتصادي تحت أعذار مختلفة، وعلينا أن نشحذ الهمم لمواجهة هذه التحديات. وإن نهج الإصلاح الاقتصادي المتكامل المترافق مع التنمية الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية، لم يعد ترفاً نأخذه أو نرفضه أو نؤجله، بل أصبح اعتماده ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل، فهو الحل الذي سيساعدنا على تجاوز عقبات التنمية المحلية وتسريع وتيرتها وهو الذي سيساعدنا على الاندماج في التكتل الاقتصادي العربي ومن خلاله دخول النظام الاقتصادي العالمي. وقد علمنا الكثير من تجارب الإصلاح في الدول الأخرى واستفدنا في هذه الورقة من هذه التجارب في رسمنا معالم الإصلاح المطلوب لتلبية احتياجاتنا.
كذلك فإن الإصلاح المترافق مع التنمية الشاملة ومع التكتل الاقتصادي العربي سيدعم دور سورية الإقليمي وسيساعدنا على تعزيز الأمن القومي العربي في معركة الصراع على النفوذ في المنطقة بعد السلام.
أخيراً، بقد حاولنا في هذه الورقة تقديم نهجاً للإصلاح الاقتصادي المترافق مع التنمية الشاملة، ومعلمنا للتنمية العادلة التي يشترك بثمراتها القطاع الأوسع من الشعب، وأسلوباً للتنمية الديمقراطية التي يساهم الموطنون بإرادتهم في خياراتها ويشاركون في تنفيذها. ونأمل أن نكون قد أصبنا. ولنا كل الثقة في قيادتنا السياسية الحكيمة وكذلك كل الثقة في مجتمعنا المدني المعطاء، آملين أن نتعاون القيادة والحكومة والمجتمع المدني في تخطي الأزمات والوصول إلى الأهداف التنموية والقومية العليا. نحن نريد ان ندخل التاريخ مع الذين قرأوا التاريخ جيداً واستطاعوا التكيف بدلاً من الذين لفضوا التكيف فتهمشوا.
د. نبيل سكر