تعقيب الأستاذ الدكتور أحمد عمر يوسف *
على محاضرة الأستاذ الدكتور عدنان مصطفى والتي عنوانها

"الطاقة في سوريا: تحديات وآمال:‎"

مما لاشك فيه، وبعد التمعن في ورقة الأستاذ الفاضل وهو من المختصين الذين ساهموا مساهمة فعالة في مسيرة القوة الطاقية عامة والنفطية بخاصة، والتي عالجت أمور: المصادر الهايدروكاربونية، مدعمة بالأشكال والأرقام والجداول لتدل على وفرة هذه المصادر وعلى أماكن توضعها مع بيان أنماط، مع بيان أنماط تطورها الاحتياطي منها في قطرنا الحبيب سوريا، إضافة إلى بيان أنماط نضوب بعض منها وعرج الأستاذ الفاضل على موضوع هام هو الحجر الزيتي (أو ما نطلق عليه عادة اسم حجر السجيل) وإمكانية استخراج الزيت منه. كما أوضح بأشكال معبرة عن بيان تطور استهلاك الوقود البترولي والغازي في توليد الطاقة الكهربائية في قطرنا. وبين أنماط استهلاك الطاقة الكهربائية وفق النشاطات الاقتصادية خلال النصف الثاني من عقد التسعينات ومس بيان الإمكانية الكهرونووية العربية المنظورة، مع كلف التوليد المختلفة مقارنة بالتوليد الكهرنووي والذي يبين بما لا يدع مجالاً للشك أنه أرخص توليد بعد التوليد الكهرومائي. وتطرق الأخ الأستاذ المحاضر إلى منظور ااطاقات البديلة والمتجددة سواء تلك العاملة على طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية لتسخين المياه وتوليد الطاقة الكهربائية من الخلايا الفوتوفولطية إلى الاستفادة من الروث لتوليد الكهرباء كما جار في بلغاريا والهند.كما تعرض لحال الطلب على الطاقة في سوريا، مبيناً بأشكال معبرة عن تبدل أنماط استهلاك الطاقة بدلالة تغاير الدخل الإجمالي العام (gdp) ، وخاصة ما جاء في الشكل16 والذي اقترح على سيادته إعطاءنا مزيداً من التوضيح لهذا الشكل المثير للاهتمام, وتعرض ببراعة إلى ظاهرة التحول الاجتماعي نحو الطاقة الكهربائية وأبان بأشكال توضيحية نمط نمو استهلاك الطاقة الكهربائية بين عامي 1990و2000. وقد خلص من كل ذلك إلى تقديم توصيات أربع تأتي أهمية هذه المحاضرة كونها ذات توجه استراتيجي وفق منحى اقتصادي، وهي معبرة عن اهتمام معظم شرائح مجتمعنا الريفي والحضري بأنشطتها المختلفة الزراعية, والعمالية, والصناعية والتجارية, وصولاً إلى العمل العلمي والتخطيط الأكاديمي في البحث والتطوير.

وأود هنا التعقيب على ما جاء في محاضرة الأستاذ الدكتور عدنان مصطفي، استناداً إلى ممارستي في مجال القطاع الطاقي الكهربائي في  ما بين منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات تقريباً، وذلك عندما شرفني الرفيق القائد حافظ الأسد بإسناده لي مهمة وزارة الكهرباء الناشئة وقتئذ ورعايته وتوجيهاته للنهوض بالتالي:

أولاً- في مجال التوليد الكهربائي: لاشك في أن الطاقة الكهرومانية أنظف وأرخص أنواع التوليد الكهربائي وأقلها حاجة للصيانة. ولا ريب أيضاً في أن سد الفرات قام بدور هام بتوفير الطاقة الكهربائية، إلى أن بدأت الحاجة للتوليد الحراري في محردة ومن ثم في بانياس ثم دعت الحاجة إلى توسيعهما حتى الضعف، واستغلال الغاز المرافق في التوليد الكهربائي عبر عنفات غازية باستطاعة 5*30 ميغاواط بدلاً من هدر هذا الغاز المرافق. وبنتيجة هذا الوضع الجديد تم استبدال الجهود على التوتر المنخفض في معظم المدن السورية، حيث كانت 110 فولط  وأصبحت 220 فولط.

ثانياً- كهربة الريف السوري: وبتوجيه مباشر من السيد الرئيس حافظ الأسد، وبمتابعة دائمة منه حفظه الله، باشرنا في مطلع عام 1977 بتنفيذ شعار "كهربة قرية كل يوم" وانتهينا عام 1983 بكهربة 1333 قرية في العام، أي ما يعادل 3.7 قرية في اليوم، وكان هذا العمل ومايزال أعلى معدل كهربة ريف في العالم وذلك بالمقارنة مع الهند ومصر. وقد أكدنا على هذه الحقيقة عبر مؤتمر الطاقة العربي الياباني الذي انعقد في طوكيو عام 1980.

والجدير بالذكر أن إنشاء محطات التوليد يسير بشكل متلازم مع إنشاء محطات التحويل و التوزيع على مختلف التوترات جنباً إلى جنب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهدف من كهربة الريف هو:

·        تثبيت الفلاح في القطر العربي السوري من خلال توفير طاقة نظيفة له سهلة المنال، لأغراض الري والإنارة والصناعات الخفيفة, وذلك للحد من هجرته إلى المدينة ومن تحويله من مواطن منتج إلى مواطن مستهلك حال انتقاله للمدينة.

·                     تخفيف العبء عن المدن، حيث أن لكل مدينة طاقتها المائية والاقتصادية والخدمية المحدودة.

·                     إيصال وسائل الإعلام لكل قرية وخيمة في البادية بحيث تصل توجيهات القيادة السياسية للدولة إلى كل فرد.

ولقد برزت الحاجة إلى التوليد في مطلع عام 1978 ، وقبل وضع محطة بانياس في الخدمة، مما اضطرنا إلى تحديد موقع محطة جديد في الجنوب في منطقة دمشق. ووقع الاختيار على منطقة شرقي دمشق وذلك بعد دراسات عدة احتمالات موقعية، حيث يكون الحمل الكهربائي أعظمياً. فكانت نتيجة الاختيار موقع وديان الربيع على بعد 50 كم شرقي دمشق آخذين بنظر الاعتبار أمر الحماية البيئية، علماً بأن غوطة دمشق قد بدأت في حينها بالانحسار. فمثل هذا الخيار كان رائداً في مراعاة وقف تلوث الغوطة عبر مراعاة امتداد الحزام الأخضر شرقاً. وتأكيد لهذا المنظور البيئي- الطاقي الوطني الرائد، جرى زرع 3ملايين شجرة في موقع محطة وديان الربيع خلال عام واحد. وتم اختيار نظام التبريد الطبيعي على الهواء بدلاً من التبريد القسري، مع مراعاة أن تكون المساحة كبيرة بحدود 5000 دونماً للمحافظة على المياه الجوفية لأغراض التبريد في المحطة. وقد راعينا أيضاً أن تكون التوسعات المستقبلية في أية محطة جديدة قادمة خاضعة للأسس التالية:

1-       دارة مجمعة (COMBINED CYCLE)  نظراً لارتفاع مردود مثل هذه المحطات إلى 51% بدلاً من 33%.

2-       التبريد على الهواء الطبيعي بأبراج عالية نظراً لندرة المياه في القطر.

3-                   تشجير كافة المنشآت الكهربائية.

4-       إجبار كل فلاح أن يزرع أمام منزله كحد أدنى شجرتين، إذا رغب بأن ينعم بالتيار الكهربائي.

5-                   إعطاء الزراعة والمزارعين أفضلية الحصول على التيار ثلاثي الطور وأن يكون خط التوتر المتوسط ولمسافة 1كم مجاناً.

وقد تم التصديق على ذلك من قبل أعلى سلطة سياسية في البلد.

ولقد دعا تطور الاستهلاك إلى وضع تنبؤ للحمولة، أرسيت على أساسه خطة زمنية لإنشاء مخططات توليد وفق المخطط المرفق. كما تم التنبؤ بحاجة القطر لمحطة كهرونووية. وبناء على ذلك، فقد عقدنا في دمشق وعند منتصف عام 1981 المؤتمر العربي الأول بواسطة الطاقة النووية. حضر المؤتمر عدد لا يستهان به من المسؤولين العرب ومدراء البنوك العرب وعدد من علماء ومؤسسات الطاقة الكهرونووية العالمية (أوربية، يابانية، روسية وأمريكية). ولقد أبان هذا المؤتمر بما لا يدع مجالاً للشك عن أهمية توليد الكهرباء بالطاقة النووية، كطاقة تعتبر أرخص أنواع التوليد وأنظفها بعد الطاقة الكهرمائية. ولقد تم بالفعل تحديد موقع للمحطة السورية الكهرونووية قرب مسكنة على يسار نهر الفرات، وبالتعاون مع فرنسا وهي الدولة الرائدة في العالم في هذا المجال (كان توليد الطاقة الكهرونووية في فرنسا آنذاك يعادل 90% من توليد الطاقة الكهربائية الإجمالي ومن نوعpwr )، ولكن لسبب أو آخر جرى وأدى هذا التوجه ولم ير المشروع النور حتى الآن. ونأمل من القائمين على شؤون تطوير إمكانيات القطر الكهربائية العودة إلى هذا المشروع الهام, ذلك بعد أن عاد الانفتاح النووي للبروز من جديد من جهة وتهيأت الشبكة السورية لتحمل مثل هذه الحمولة من الطاقة المتوقع توليدها كهرونووياً (أي 600*4 ميغاواط أو 1200*2 ميغاواط).

أما في موضوع الحجر الزيتي، فلقد قمنا وقتئذ ومن خلال عمل لجنة إنجاز الاستشعار عن بعد، يأخذ عينات من حجر السجيل، من قرية بمحافظة درعا وأرسلناها إلى مدينة هانوفر الألمانية (مخابر قسم الجيولوجيا في ألمانيا)، فاتضح لنا نجاعة استخدام هذا الحجر اقتصادياً (هذا إذا كان سعر برميل النفط بحدود أربعين دولاراً أمريكياً). وكان أفضل من حجر السجيل المستخدم لتوليد الكهرباء في ليتوانيا. ومع ملاحظة أن استخدام هذا النوع من الوقود يحتاج لمعالجة الأرض بعد استخراج هذه الأحجار (LANDSCAPE TREATMENT) . ويجدر بنا التنويه هنا أن سورية من أوائل بلاد العالم في الإفادة من هذا الحجر الزيتي، فلقد بدأت باستغلاله لتسيير الخط الحديدي الحجازي. إذ قامت السلطات العثمانية عام 1904 وبمساعدة الألمان بتنظيم وتجهيز خمسة مقالع بغية تكسير الحجر الزيتي ثم شحنه وحرقه لتشغيل قطارات الخط الحديدي الحجازي بين دمشق والمدينة المنورة. ومازالت آثار هذه المنشآت قائمة في محافظة درعا ماثلة للعيان. وفي المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي، تقدمت بترجمة عربية لورقة فنية محررة أصلاً بالألمانية حول هذا الموضوع لسيادة الرفيق الأمين العام للحزب الرفيق المناضل حافظ الأسد، أطال الله عمره ورعاه، وبحضور الرفيق محمود الزعبي رئيس مجلس الشعب آنذاك.

وفي عام 1979 بادرنا بإنشاء محطة كهروفولطية تجريبية في المعهد الكهربائي المتوسط في عدرا- التابع لوزارة الكهرباء- مضاف إليها محطة توليد كهربائية تعمل بطاقة الرياح بأمل أن تحذو بقية القطاعات حذونا وتسهم في تكوين صناعة طاقية في إطار القطاع المشترك وندخل بذلك عصر نشر الطاقات المتجددة. وتجدر الإشارة إلى أنه بعد تركي للوزارة، قابلت الرفيق وزير الزراعة وأقنعته وقتئذ بأن يباشر استغلال الكتلة الحيوية (BIOMAS) في توليد الكهرباء، وبعدها باشرت وزارة الزراعة السورية بعض تجارب في هذا الشأن بدءاً من عام 1987 كما أذكر.

السيد الرئيس، أيها السيدات والسادة، من كل ما تقدم، أتمنى أن أضيف لتوصيات الأخ الأستاذ الدكتور عدنان مصطفى التوصيات التالية:

·        أن تشكل على مستوى القطر العربي السوري هيئة طاقية استشارية تضم اختصاصات متعددة (أي MULTIDISCIPLINARY CONSULTING BODY)  غايتها إبداء المشورة الطاقية الوطنية وعقد الندوات والمؤتمرات العلمية لإثارة الوعي الجماهيري وتنويره بمختلف توجهات وحقائق الصناعات الطاقية كما تكرمت اليوم جمعية العلوم الاقتصادية العتيدة بعقد مثل هذه الجلسة الطيبة اليوم والمساعدة في رسم خطط الطاقة بنوعيها النفطي والكهربائي وبما يحافظ على البيئة من تلوث الماء والهواء والتربة في كل منشأة طاقية، وأن يستفاد من المخلفات الطاقية (RESIDUALS) ما أمكن، وبما يتناسب ومتطلبات مجتمعنا وشعبنا المعطاء، وأن تتمتع هذه الهيئة بمرونة المنظمات غير الحكومية(NON-GOVERNMENTAL ngo-ORGANIZATIONS) كي يرتفع مستوى أدائها إلى المستوى اللائق الذي يحوز رضا قائد الوطن ولخدمة هذا الوطن الغالي بإذن الله. وأ، تشارك فيها الجامعات أو النقابات المهنية والروابط والجمعيات العلمية والتنموية.

·         أن يهتم المسؤولون عن صناعات الطاقة بأنواعها على نحو جدي بأوضاع العاملين كافة (مهندسين إداريين وعمال) المادية والعلمية ورفع المستوى العلمي والتقني. إذ هم جميعاً جزء هام جداً في العملية الاقتصادية لصناعات الطاقة.

·         محو أمية العاملين في قطاع الطاقة الوطني بكافة أنواعه دون هوادة خلال مدد محددة.

·        التركيز على استخدام التقنيات الحديثة وخاصة المعلوماتية وأقسامها والاهتمام بالحد من الهدر بكافة أشكاله، وإجراء تطوير سريع لأداء مراكز التنسيق والتحكم (SCADA)، ورفع مستوى معاهد التدريب التخصصية وتوزعها المناسب في كافة المحافظات.

·        وانطلاقاً من الفكر الاستراتيجي الشامل للرفيق المناضل حافظ الأسد، الخاص بفتح أفق العمل في البحث والتطوير بدءاً من الجامعات وانتهاءً بصناعات الطاقة كما جاء في بحث الأستاذ الدكتور عدنان مصطفى، نؤكد على أن لا تعطل القوانين و المراسيم القائمة أصلاً على هذا الفكر وذلك بقرارات تصدر من سلطات أدنى. وإذا اقتضى الأمر، عندها تقترح قوانين جديدة بديلة تدفع بتطبيق هذا الفكر قدماً للأمام.

أحيي السيد الأستاذ الدكتور عدنان مصطفى على محاضرته الواقعية الخبيرة القيمة وآمل أن تأتي كلها لدى المسؤولين وعلى مختلف المستويات والله من وراء القصد والسلام.

أ.د.م. أحمد عمر يوسف

وزير الكهرباء الأسبق (سورية)

الثلاثاء 8/2/2000



[1] أ.د. أحمد عمر يوسف: أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة دمشق، المدير الأسبق لمركز التعريب (أليسكو) بدمشق، ووزير الكهرباء الأسبق (سورية).